النص المفهرس
صفحات 141-160
و((الكرامية)) توافق المرجئة والجهمية فى أن إيمان الناس كلهم سواء ولا يستثنون فى الإيمان ؛ بل يقولون : هو مؤمن حقاً لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقاً فهو مخلد فى النار عندج؛ فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطناً وظاهراً ، ومن حكى عنهم أنهم يقولون : المنافق يدخل الجنة ، فقد كذب عليهم، بل يقولون : المنافق مؤمن لأن الإيمان هو القول الظاهر ، كما يسميه غيرهم مسلماً إذ الإسلام : هو الاستسلام الظاهر ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه متعددة شرعاً ولغة وعقلاً . وإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع المسلمين، قيل : وقول جهم فى الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله ، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان. وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة ، والحجج من جنسها على فساد قول الجهمية أكثر ، مثل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ اَلْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ) . قالوا : فقد نفى الله الإيمان عن المنافقين . فنقول : هذا حق ، فإن المنافق ليس بمؤمن ، وقدضل من سماه مؤمناً. وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول ويعاديه، كاليهود وغيرهم، سمام الله كفاراً لم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا فى شىء من أحكام الإيمان. بخلاف المنافق فإنه يدخل فى أحكام الإيمان الظاهرة فى الدنيا؛ بل قد نفى الله الإِيمان عمن قال بلسانه وقلبه إذا لم يعمل، كما قال تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَبُ ءَامَنَّا ١٤١ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ) إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ لَمْ يُرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَرِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اَلَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّلِقُونَ) فنفى الإيمان عمن سوى هؤلاء. وقال تعالى: (وَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَاثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أَوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ). و(التولي)) هو التولي عن الطاعة كما قال تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْيُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْيُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًّا ) حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَاتَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّ بَكُمْ عَذَابَأَلِيمًا ). وقال تعالى: ) وقد قال تعالى: (لَا يَصْلَنْهَإلَّا فَلَ صَدَّقَ وَ صَلَى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَى ) اُلْأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) وكذلك قال موسى وهارون: (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَقَولََّ ). فعلم أن ((التولي)) ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر. وضد التصديق التكذيب ، وضد الطاعة التولي ، فلهذا قال: ( فَلاَ وقد قال تعالى: ( وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ صَدَّقَ وَلَصَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّيَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَا أُوْلَكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول. وقال تعالى: ( إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِذَا كَانُواْمَعَهُ, عَلَى أَمْرِ جَامِعٍ لَّمْ يَذْ هَبُوْحَتَّى يَسْتَعَذِنُوهُ) وقال: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) . ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق. وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة، ١٤٢ فهذا لم يسم قط مؤمناً؛ وعند الجهمية إذا كان العالم فى قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل؟ ولا يتصور عندم أن ينتفي عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه . ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء فى الإيمان، ويقولون: (الإيمان في الشرع)) هو مايوافى به العبدربه، وإن كان في اللغة أعم من ذلك، فجعلوا فى «مسألة الاستثناء)) مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه فى الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا فى الأعمال. ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا يحصى كثرة ، بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا ؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس فى الشرع ما يدل على هذا، وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف ، لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استئنوا فى الإيمان من السلف كان هذا مأخذم؛ لأن هؤلاء وأمثالهمهلم يكونوا خبيرين بكلام السلف، بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهمية ونحوم من أهل البدع، فيبقى الظاهر قول السلف، والباطن قول الجهمية الذين هم أفسد الناس مقالة فى الإيمان. وسنذكر - إن شاء الله - أقوال السلف فى ((الاستثناء فى الإيمان)) ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فسادقول جهم فى الإيمان ، خالفه كثير منهم، فمنهم من اتبع السلف. قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهر ستاني في ((شرح الإرشاد)) لأبي المعالي، بعد أن ذكر قول أصحابه قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات ، ١٤٣ فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضاً ونفلاً، والانتهاء عما نهى عنه تحريماً وأدباً. قال : وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي أصحابنا؛ وأبو العباس القلانسي . وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبدالله بن مجاهد قال : وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة. ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين. وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان . وعمل بالأركان. ومنهم من يقول بقول المرجئة : إنه التصديق بالقلب واللسان . ومنهم من قال: إذا ترك التصديق باللسان عناداً كان كافراً بالشرع ، وإن كان فى قلبه التصديق والعلم . وكذلك قال أبو إسحاق الإسفرائيني . قال الأنصاري : رأيت في تصانيفه أن المؤمن إنما يكون مؤمناً حقاً إذا حقق إيمانه بالأعمال الصالحة، كما أن العالم إنما يكون عالماً حقاً إذا عمل بماعلم، واستشهد بقول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنًا ) إلى قوله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) وقال أيضاً أبو إسحاق: حقيقة الإيمان في اللغة : التصديق ، ولا يتحقق ذلك إلا بالمعرفة والانتمار ، وتقوم الإشارة والانقياد مقام العبارة . وقال أيضاً أبو إسحاق في كتاب ((الأسماء والصفات)): اتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان فى الشريعة أوصاف كثيرة ، وعقائد مختلفة، وإن ١٤٤ اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه ، واختلفوا فى إضافة مالا يدخل فى جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول ، وترك إيذائه ، وترك تعظيم الأصنام ، فهذا من التروك ، ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه، وقالوا : إن جميعه يضاف إلى التصديق شرعاً، وقال آخرون : إنه من الكبائر ، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان . قلت : وهذان القولان ليسا قول جهم ؛ لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئاً واحداً، وقال: إن الشرع تصرف فيه ، وهذا يهدم أصلهم؛ ولهذا كان حذاق هؤلاء، كبهم، والصالحي. وأبي الحسن والقاضي أبي بكر ، على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه . قال أبو المعالي: (باب فى ذكر الأسماء والأحكام) : اعلم أن غرضنا فى هذا الباب يستدعى تقديم ذكر حقيقة الإيمان . قال : وهذا مما تباينت فيه مذاهب الإسلاميين، ثم ذكر قول الخوارج، والمعتزلة، والكرامية، ثم قال: وأما مذاهب أصحابنا، فصار أهل التحقيق من أصحاب الحديث والنظار منهم إلى أن الإيمان هو التصديق ، وبه قال شيخنا أبو الحسن رحمة الله عليه، واختلف رأيه فى معنى التصديق ؛ وقال مرة : المعرفة بوجوده وقدمه وإلهيته. وقال مرة : التصديق : قول فى النفس ، غير أنه يتضمن المعرفة ، ولا يصح أن يوجددونها، وهذا مقتضاه ؛ فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر ١٤٥ فالتصديق إذاً قول فى النفس يعبر عنه باللسان ، فتوصف العبادة بأنها تصديق، لأنها عبارة عن التصديق: وقال بعض أصحابنا: التصديق لا يتحقق إلا بالقول والمعرفة جميعاً ، فإذا اجتمعا كانا تصديقاً واحداً . ومنهم من اكتفى بترك العناد ؛ فلم يجعل الإقرار أحد ركنى الإيمان، فيقول : الإيمان هو التصديق بالقلب ، وأوجب ترك العناد بالشرع ، وعلى هذا الأصل يجوز أن يعرف الكافر الله، وإنما يكفر بالعناد لا لأنه ترك ما هو الأمم فى الإيمان . وعلى هذا الأصل يقال : إن اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم كفروا عناداً وبغياً وحسداً . قال وعلى قول شيخنا أبي الحسن : كل من حكمنا بكفره فنقول: إنه لا يعرف الله أصلاً ولا عرف رسوله ولادينه . قال أبو القاسم الأنصاري تلميذه: كأن المعنى: لا حكم لإيمانه ولا لمعرفته شرعاً . قلت : وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصاري هذا، ولكن على قولهم: المعاند كافر شرعاً ، فيجعل الكفر تارة بانتفاء الإيمان الذي في القلب وتارة بالعناد، ويجعل هذا كافراً فى الشرع ، وإن كان معه حقيقة الإيمان الذي هو التصديق، ويلزمه أن يكون كافراً في الشرع، مع أن معه الإيمان الذي هو مثل إيمان الأنبياء والملائكة . والحذاق فى هذا المذهب ؛ كأبى الحسن والقاضي ومن قبلهم من أتباع جهم ، عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل ١٤٦ فقالوا : لا يكون أحد كافراً إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره ؛ فإنه ليس فى قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا: هذا مكارة وسفسطة . وقد احتجوا على قولهم بقوله تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اُلْآَخِرِ بُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى قوله: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوهِمُ اُلْإِيمَنَ ) الآية . قالوا: ومفهوم هذا، أن من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب فى قلوبهم الإيمان . قالوا : فإن قيل معناه لا يؤمنون إيماناً مجزئاً معتداً به . أو يكون المعنى : لا يؤدون حقوق الإيمان ، ولا يعملون بمقتضاه . قلنا : هذا علم لا يخصص الإ بدليل . فيقال لهم : هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين الله ورسوله، وفيها أن من لا يواد المحادين لله ورسوله فإن الله كتب فى قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهذا يدل على مذهب السلف أنه لا بد فى الإيمان من محبة القلب لله ولرسوله ، ومن بغض من يحاد الله ورسوله، ثم لم تدل الآية على أن العلم الذي فى قلوبهم بأن محمداً رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء، والإيمان الذي كتب فى القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق ، بل هو تصديق القلب وعمل القلب، ولهذا قال: (وَأَيَّدَهُم بِرُوجِمِنَةٌ وَيُدْرِلُهُوْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا ١٤٧ اَلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاْرَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَمِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فقد وعدم بالجنة وقد اتفق الجميع على أن الوعد بالجنة لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور ؛ فعلم أن هؤلاء الذين كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدم بروح منه ، قد أدوا الواجبات التى بها يستحقون ما وعد الله به الأبرار المتقين ، ودل هذا على أن الفساق لم يدخلوا فى هذا الوعد ، ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار ، ومعلوم أن خلقاً كثيراً من الناس يعرف من نفسه أن التصديق فى قلبه لم يكذب الرسول ، وهو مع هذا يواد بعض الكفار ؛ فالسلف يقولون : ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب ، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب - الذي هو حب الله ورسوله وخشية اللّه، ونحو ذلك - لا يستلزم ألا يكون فى القلب من التصديق شيء ، وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس فى قلبه شيء من التصديق أصلاً، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء . وكذلك حكى ابن فورك عن أبي الحسن الأشعري قال : الإيمان هو اعتقاد صدق الخبر فيما يخبر به اعتقاداً هو علم ، ومنه اعتقاد ليس بعلى؛ والإيمان بالله - وهو اعتقاد صدقه - إنما يصح إذا كان عالماً بصدقه فى أخباره ، وإنما يكون كذلك إذا كان عالماً بأنه يتكلم والعلم بأنه متكلم بعد العلم بأنه حي؛ والعلم بأنه حي بعد العلم بأنه فاعل، والعلم بأنه فاعل بعد العلم بالفعل ، وهو كون العالم فعلاً له، وقال : وكذلك يتضمن العلم بكونه قادراً وله قدرة وعالماً وله ١٤٨ علم ، ومريداً وله إرادة ، وسائر ما لا يصح العلم بالله إلا بعد العلم به من شرائط الإيمان . قلت : هذا مما اختلف فيه قول الأشعري وهو أن الجهل ببعض الصفات ، هل يكون جهلاً بالموصوف، أم لا؟ على قولين ، والصحيح الذي عليه الجمهور وهو آخر قوليه ، أنه لا يستلزم الجهل بالموصوف . وجعل إثبات الصفات من الإيمان ، مما خالف فيه الأشعري جهماً فإن جهماً غال فى نفى الصفات ، بل وفى نفي الأسماء . قال أبو الحسن: ثم السمع ورد بضم شرائط أخر إليه، وهو أن لا يقترن به ما يدل على كفر من يأتيه فعلاً وتركا ، وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود للصم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك من قتل نبياً أو استخف به، دل على كفره، وكذلك لو ترك تعظيم المصحف أو الكعبة دل على كفره. قال: وأحد ما استدللنا به على كفره ما منع الشرع، أن يقرن بالإيمان أو أوجب ضمه إلى الإيمان لو وجد دلنا ذلك على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه ، وكذلك كل ما كفر به المخالف من طريق التأويل فإنما كفر ناه به لدلالته على فقدماهو إيمان من قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه. فيقال: لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه ، لكن دعواكم أن الإيمان هو التصديق ، وأن تجرد عن جميع أعمال القلب ، غلط ولهذا قالوا : أعمال التصديق والمعرفة من قلبه، ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره؛ والشريعة لا تحكم بكفر المؤمن المصدق ؛ ولهذا نقول: إن كفر إبليس ١٤٩ لعنه الله كان أشد من كفر كل كافر، وأنه لم يعرف الله بصفاته قطعاً، ولا آمن به إيماناً حقيقياً باطناً وإن وجد منه القول والعبادة ، وكذلك اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به فى حال حكمنا لهم بالكفر. قال الله تعالى: (وَلَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ) وقوله: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية جعل الله هذه الأمور شرطاً فى ثبوت حكم الإيمان، فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتداً به دونها . فيقال: إن قلتم: إنه ضم إلى معرفة القلب شروطاً فى ثبوت الحكم أو الاسم لم يكن هذا قول جهم ؛ بل يكون هذا قول من جعل الإيمان - كالصلاة، والحج - هو وإن كان فى اللغة بمعنى القصد والدعاء ، لكن الشارع ضم إليه أموراً إما في الحكم وإما فى الحكم والاسم؛ وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب ؛ بل لابد من تلك الشرائط ، وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمناً إلا بدليل يدل على ذلك ، لا بمجرد قوله : ان معه تصديق القلب ، ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب يقول : كل كافر فى النار ليس معهم من التصديق باللّه شيء، لا مع إبليس ولا مع غيره. وقد قال الله تعالى: (وَإِذْيَتَحَلُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَؤُّأ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُ وَاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًّا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْإِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) وقال تعالى: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّى إِذَاجَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا أَلَمْ ١٥٠ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ ) . فقد اعترفوا بأن الرسل أتهم وتلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا ؛ فقد عرفوا الله ورسوله واليوم الآخر وم فى الآخرة كفار . وقال تعالى: ( كُلَّمَا أُلِّقِىَ فِيهَا فَوْبٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْيَأْتِكُمْنَذِيرٌ * قَالُوْبَى قَدْجَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ ) فقد كذبوا بوجوده وكذبوا بتنزيله. وأما في الآخرة فعرفوا الجميع. وقال تعالى: (وَلَوْتَرَّإِذْوُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ قَالُواْبَى وَرَيْنً قَالَ فَذُوقُوا ◌ْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) ( وقال تعالى: ( وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَاكُنْتَ مِنْهُ تَعِيدُ إلى قوله: (لَّقَدْ كُنْتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ ◌َ فَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ) إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار فى الآخرة يعرفون ربهم فإن كان مجرد المعرفة إيماناً كانوا مؤمنين فى الآخرة . فإن قالوا: الإيمان فى الآخرة لا ينفع ، وإنما الثواب على الإيمان فى الدنيا . قيل : هذا صحيح ، لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم؛ فهذه الحقيقة لا يختلف، فإن لم يكن العمل من الإيمان، فالعارف فى الآخرة لم يفته شيء من الإيمان ، لكن أكثر ما يدعونه أنه حين مات لم يكن فى قلبه من التصديق بالرب شيء، ونصوص القرآن فى غير موضع تدل على أن الكفار كانوا فى الدنيامصدقين بالرب ، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان فى باطنه مصدقاً . قال تعالى: (وَحَحَدُواْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا ) وكما قال موسى لفرعون: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ١٥١ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاء ◌ِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَآَِّرَ ) ومع هذا لم يكن مؤمناً ؛ بل قال موسى: ( رَبََّا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْ مِنُواْ حَتَّى يَرَوْأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ): قال اللّه: (قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا): ولما قال فرعون: (ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْإِسْرَّهِيلَ). قال الله: (ءَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) . فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم فى الباطن كما قال: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، وكما قال عن إبليس: (فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا ◌ِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، لم يصفه بعدم العلم ، وقد أخبر الله عن الكفار فى غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع فى مثل قوله: ( وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) . ثم يقال لهم : إذا قلتم هو التصديق بالقلب، أو باللسان ، أو بهما ؛ فهل هو التصديق المجمل ؟ أو لا بد فيه من التفصيل ؟ فلو صدق أن محمداً رسول الله ولم يعرف صفات الحق، هل يكون مؤمناً أم لا؟ فإن جعلوه مؤمناً. قيل : فإذا بلغه ذلك فكذب به، لم يكن مؤمناً باتفاق المسلمين، فصار بعض الإيمان أكمل من بعض ؛ وإن قالوا : لا يكون مؤمناً، لزمهم ألا يكون أحد مؤمناً حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به الرسول ؛ ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندم الإيمان لا يتفاضل إلا بالدوام فقط . قال أبو المعالي : فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه كإيمان النبى صلى الله عليه وسلم. ١٥٢ قلنا : الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب، والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى وهو متوال للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات ، فينبت للنى صلى الله عليه وسلم أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها ، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل ؛ قال : ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان وأريد به ذلك كان مستقيماً . قلت : فهذا هو الذي يفضل به النبى غيره فى الإيمان عندهم ، ومعلوم أن هذا فى غاية الفساد من وجوه كثيرة ، كماقد بسط فى مواضع أخرى . ١٥٣ فصل قال الذين نصروا مذهب جهم فى الإيمان من المتأخرين - كالقاضي أبى بكر وهذا لفظه ـ فإن قال قائل: وما الإسلام عندكم؟ قيل له: ((الإسلام)): الانقياد والاستسلام ؛ فكل طاعة انقاد العبد بها لربه واستسلم فيها لأمره فهي إسلام، والإيمان: خصلة من خصال الإسلام ؛ وكل إيمان إسلام ، وليس كل إسلام إيماناً، فإن قال: فلم قلتم: إن معنى الإسلام ما وصفتم؟ قيل : لأجل قوله تعالى: ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَ قُل لَمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا ) فنفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام ، وإنما أراد بما أثبته الانقياد والاستسلام ، ومنه: (ألقوا إليكم السلم) وكل من استسلم لشيء فقد أسلم ، وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك فى المستسلم لله ولنبيه . ((قلت )» : وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض، فإنهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام ، فالطاعات كلها إسلام وليس فيها إيمان إلا التصديق، والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن الإسلام فهم يقولون: الإيمان هو تصديق القلب واللسان وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان ، ولا الصلاة، ولا الزكاة، ولا غيرهن من الإيمان، وقد ١٥٤ تقدم ما بينه الله ورسوله ، من أن الإسلام داخل فى الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يكون مسلماً . كما أن الإيمان داخل فى الإحسان، فلا يكون محسناً حتى يكون مؤمناً . وأما التناقض، فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام، كان من أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام، لا بالإسلام الواجب جميعه . فلا يكون مسلماً حتى يأتي بالإسلام كله، كما لا يكون عندم مؤمناً، حتى يأتي بالإيمان كله، وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عندم لا يكون مؤمناً ، ولا فيه شيء من الإيمان ، فكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام ، وقد قالوا. كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيماناً ، وهذا إن أرادوا به أن كل إيمان هو الإسلام الذي أمر الله به، ناقض قولهم : إن الإيمان خصلة من خصاله ، فجعلوا الإيمان بعضه ولم يجعلوه إياه ، وإن قالوا: كل إيمان فهو إسلام، أى هو طاعة لله، وهو جزء من الإسلام الواجب ، وهذا مرادم. قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعدداً بتعدد الطاعات ، وتكون الشهادتان وحدهما إسلاما ، والصلاة وحدها إسلاما، والزكاة إسلاماً، بل كل درهم تعطيه للفقير إسلاماً ، وكل سجدة إسلاماً ، وكل يوم تصومه إسلاماً ، وكل تسبيحة تسبحها فى الصلاة أو غيرها إسلاماً . ثم المسلم إن كان لا يكون مسلماً إلا بفعل كل ما سميتموه إسلاماً، لزم أن يكون الفساق ليسوا مسلمين مع كونهم مؤمنين، فجعلتم المؤمنين الكاملي ١٥٥ الإيمان عندكم ليسوا مسلمين وهذا شر من قول الكرامية ، ويلزم أن الفساق من أهل القبلة ليسوا مسلمين ؛ وهذا شر من قول الخوارج والمعتزلة وغيرهم، بل وأن يكون من ترك التطوعات ليس مسلماً ، إذكانت التطوعات طاعة الله، إن جعلتم كل طاعة فرضاً أو نفلاً إسلاماً . ثم هذا خلاف ما احتججتم به من قوله للأعراب: (لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا). فأتبت لهم الإسلام دون الإيمان، وأيضاً فإخراجكم الفساق من اسم الإسلام إن أخرجتموم، أعظم شناعة من إخراجهم من اسم الإيمان، فوقعتم فى أعظم ما عبتموه على المعتزلة، فإن الكتاب والسنة ينفيان عنهم اسم الإيمان، أعظم مما ينفيان اسم الإسلام، واسم الإيمان فى الكتاب والسنة أعظم. وإن قلتم: بل كل من فعل طاعة سمي مسلماً ، لزم أن يكون من فعل طاعة من الطاعات ولم يتكلم بالشهادتين مسلماً، ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن يكون مسلماً عندكم، لأن الإيمان عندكم إسلام، فمن أتى به فقد أتى بالإسلام، فيكون مسلماً عندكم من تكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال. واحتجاجكم بقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ) قلتم : نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام. فيقال : هذه الآية حجة عليكم لأنه لما أثبت لهم الإسلام مع انتفاء الإيمان، دل ذلك على أن الإيمان ليس بجزء من الإسلام، إذ لو كان بعضه لما كانوا مسلمين إن لم يأتوا به ، وإن قلتم : أردنا بقولنا: أثبت لهم الإسلام أى إسلاماً ما ، فإن كل طاعة من الإسلام ١٥٦ إسلام عندنا ، لزمكم ما تقدم ، من أن يكون صوم يوم إسلاماً ، وصدقة درم إسلاماً ، وأمثال ذلك. وهم يقولون: كل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمناً، قالوا: هذا من حيث الإطلاق، وإلا فالتفصيل ما ذكرناه من أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام والدين، وليس هو جميع الإسلام والدين، فإن الإسلام هو الاستسلام لله بفعل كل طاعة وقعت موافقة للأمر . والإيمان أعظم خصلة من خصال الإسلام . واسم الإسلام شامل لكل طاعة انقاد بها العبد لله، من إيمان ، وتصديق ، وفرض سواه ، ونفل ، غير أنه لا يصلح التقرب بفعل ما عدا الإيمان من الطاعات دون تقديم فعل الإيمان . قالوا : والدين مأخوذ من التدين ؛ وهو قريب من الإسلام فى المعنى. فيقال لهم : إذا كان هذا قولكم: فقولكم: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً يناقض هذا ؛ فإن المسلم هو المطيع لله ، ولا تصح الطاعة من أحد إلا مع الإيمان، فيمتنع أن يكون أحد فعل شيئاً من الإسلام إلا وهو مؤمن، ولو كان ذلك أدنى الطاعات ، فيجب أن يكون كل مسلم مؤمناً، سواء أريد بالإسلام فعل جميع الطاعات ، أو فعل واحدة منها ، وذلك لا يصح كله إلا مع الإيمان ، وحينئذ فالآية حجة عليكم لا لكم. ثم قولكم : كل مؤمن مسلم ، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط ، فيلزم أن يكون الرجل مسلماً ولو لم يتكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء ١٥٧ من الأعمال المأمور بها وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، بل عامة اليهود والنصارى يعلمون أن الرجل لا يكون مسلماً حتى يأتي بالشهادتين أو ما يقوم مقامهما، وقولكم: كل مؤمن مسلم ، لا يريدون أنه أتى بالشهادتين ولا بشىء من المباني الخمس ، بل أتى بما هو طاعة وتلك طاعة باطنة ، وليس هذا هو المسلم المعروف في الكتاب والسنة، ولا عند الأئمة الأولين والآخرين ، ثم استدللتم بالآية، والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين ، سواء كانوا صادقين أو كاذبين ، فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان، فيظن من لا يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة من أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام ؛ فإن قول المعتزلة فى الإيمان والإسلام أقرب من قول الجهمية بكثير ، ولكن قولهم فى تخليد أهل القبلة أبعد عن قول السلف من قول الجهمية . فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم فى ((مسألة الإيمان)) يظهرون قول السلف فى هذا وفى الاستثناء ، وفى انتفاء الإيمان الذي فى القلب حيث نفاه القرآن ونحو ذلك. وذلك كله موافق للسلف فى مجرد اللفظ ، وإلا فقولهم فى غاية المباينة لقول السلف ؛ ليس فى الأقوال أبعدعن السلف منه . وقول المعتزلة والخوارج والكرامية فى اسم الايمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول ١٥٨ الجهمية ؛ لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة ، وهذا أبعد عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب فى الاسم وأبعد فى الحكم؛ والجهمية وإن كانوا فى قولهم : بأن الفساق لا يخلدون أقرب فى الحكم إلى السلف ، فقولهم فى مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة ، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم. ١٥٩ فصل ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُ واْسُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بَحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) فنفى الإيمان عن غير هؤلاء ، فمن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين ، وسجود الصلوات الخمس فرض باتفاق المسلمين ، وأما سجود التلاوة ففيه نزاع؛ وقد يحتج بهذه الآية من يوجبه، لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة، فهذه الآية مثل قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ). وقوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) وقوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ, عَلَى أَمْرٍ جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواحَتَّى ) ومن ذلك قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَّبَّنَ يَسْتَذِنُوهُ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ * لَا يَسْتَخْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ أُلْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُ واْبِأَ مْوَ لِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَئِذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْفَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) . وهذه الآية مثل قوله: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ يُوَآذُّونَ مَنْ حَاذَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقوله: (وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ١٦٠