النص المفهرس
صفحات 101-120
قيد ، فليس فى الكلام الذي يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد، سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية ، ولهذا كان لفظ ((الكلام)) و((الكلمة)) فى لغة العرب، بل وفى لغة غيرهم، لا تستعمل إلا فى المقيد. وهو الجملة التامة اسمية كانت أو فعلية أو ندائية ، إن قيل إنها قسم ثالث . فأما مجرد الاسم أو الفعل أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فهذا لا يسمى فى كلام العرب قط كلمة، وإنما تسمية هذا كلمة ، اصطلاح نحوي كما سموا بعض الألفاظ فعلاً، وقسموه إلى فعل ماض ومضارع وأمر، والعرب لم تسم قط اللفظ فعلاً؛ بل النحاة اصطلحوا على هذا ، فسموا اللفظ باسم مدلوله، فاللفظ الدال على حدوث فعل في زمن ماض سموه فعلاً ماضياً، وكذلك سائرها . وكذلك حيث وجد فى الكتاب والسنة ، بل وفى كلام العرب نظمه ونثره لفظ كلمة ؛ فإنما يراد به المفيدالتى تسميها النحاة جملة تامة ، كقوله تعالى: ( وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْاتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّالَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلِّ وَلَا لَ بَابِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلََّكَذِبًا). وقوله تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا). وقوله تعالى: (تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآم بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). وقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِ عَقِبِهِ). وقوله: ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْأَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق كمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل )) ١٠١ وقوله ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)). وقوله. ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت ، يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة)). وقوله: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كماته)). وإذا كان كل اسم أو فعل أو حرف يوجد في الكلام، فإنه مقيد لا مطلق، لم يجز أن يقال للفظ الحقيقة ما دل مع الإطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه . فإن قيل: أريد بعض القرائن دون بعض، قيل له : اذكر الفصل بين القرينة التى يكون معها حقيقة، والقرينة التى يكون معها مجاز ولن تجد إلى ذلك سبيلاً تقدر به على تقسيم صحيح معقول . ومما يدل على ذلك أن الناس اختلفوا فى ((العام)) إذا خص هل يكون استعماله فيما بقى حقيقة أو مجازاً؟ وكذلك لفظ ((الأمر)) إذا أريد به الندب ، هل يكون حقيقة أو مجازاً ؟ وفى ذلك قولان لأكثر الطوائف : لأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعي قولان ، ولأصحاب مالك قولان. ومن الناس من ظن أن هذا الخلاف يطرد في التخصيص المتصل ، كالصفة ١٠٢ والشرط والغاية والبدل، وجعل يحكي فى ذلك أقوال من يفصل كما يوجد في كلام طائفة من المصنفين في أصول الفقه ، وهذا مما لم يعرف أن أحداً قاله فجعل اللفظ العام المقيد فى الصفات والغايات والشروط مجازاً بل لما أطلق بعض المصنفين أن اللفظ العام إذا خص يصير مجازاً ؛ ظن هذا الناقل أنه عنى التخصيص المتصل وأولئك لم يكن فى اصطلاحهم عام مخصوص إلا إذا خص يمنفصل . وأما المتصل ؛ فلا يسمون اللفظ عاماً مخصوصاً ألبتة فإنه لم يدل إلا متصلاً والاتصال منعه العموم، وهذا اصطلاح كثير من الأصوليين وهو الصواب. لايقال لما قيد بالشرط والصفة ونحوهما : أنه داخل فيما خص من العموم ، ولا فى العام المخصوص ؛ لكن يقيد فيقال : تخصيص متصل ، وهذا المقيد لا يدخل فى التخصيص المطلق. وبالجملة فيقال: إذا كان هذا مجازاً؛ فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به وبظرف الزمان والمكان مجازاً : وكذلك بالحال ، وكذلك كل ما قيد بقيد، فيلزم أن يكون الكلام كله مجازاً ، فأين الحقيقة؟ فإن قيل : يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة، فما كان مع القرينة المتصلة فهو حقيقة ، وما كان مع المنفصلة كان مجازاً ؛ قيل : تعنى بالمتصل ما كان فى اللفظ، أو ما كان موجوداً حين الخطاب ؟ فإن عنيت الأول ؛ لزم أن يكون ما علم من حال المتكلم أو المستمع أولاً قرينة منفصلة. فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه، كما يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند المسلمين رسول الله أو قال الصديق، وهو عندهم أبو بكر، وإذا قال الرجل لصاحبه: اذهب إلى ١٠٣ الأمير أو القاضي أو الوالي يريد ما يعرفانه [فإنه (١) يكون مجازاً. وكذلك الضمير يعود إلى معلوم غير مذ كور. كقوله: ( إِنَّا أَنزَلْنَهُ)، وقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالِحِجَابِ ) وأمثال ذلك، أن يكون هذا مجازاً؛ وهذا لا يقوله أحد. و ((أيضاً)) فإذا قال الشجاع : هذا الأسد فعل اليوم كذا ، ولبليد: هذا الحمار قال اليوم كذا ، أو لعالم أو جواد : هذا البحر جرى منه اليوم كذا ؛ أن يكون حقيقة ، لأن قوله هذا قرينة لفظية ، فلا يبقى قط مجازاً . وإن قال: المتصل أعم من ذلك، وهو ما كان موجوداً حين الخطاب. قيل له : فهذا أشد عليك من الأول ؛ فإن كل متكلم بالمجاز لا بد أن يقترن به حال الخطاب ما يبين مراده، وإلا لم يجز التكلم به . فإن قيل : أنا أُجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة. قيل : أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى وهو لا يريد ذلك المعنى إلا إذا بين ، وإنما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه ، كالمجملات. ثم نقول : إذا جوزت تأخير البيان ، فالبيان قد يحصل بجملة تامة ، وبأفعال من الرسول وبغير ذلك. ولا يكون البيان المتأخر إلا مستقلاً بنفسه، لا يكون مما يجب اقترانه بغيره. فإن جعلت هذا مجازاً؛ لزم أن يكون ما يحتاج فى العمل إلى بيان مجازاً، كقوله: (خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِمِهَا ) . ثم يقال: هب أن هذا جائز عقلاً، لكن ليس واقعاً فى الشريعة أصلاً، وجميع ما يذكر من ذلك باطل ، كما قد بسط فى موضعه فإن الذين قالوا : (١) أضيفت الفاء حسب مفهوم السياق . ١٠٤ الظاهر الذي لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه ، احتجوا بقوله : ( إِنَّالَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تَذْ بَحُو أَبَقَرَةً ) . وادعوا أنها كانت معينة ، وأخر بيان التعيين. وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أنهم أُمروا ببقرة مطلقة فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها ، أجزا عنهم ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم . والآية نكرة فى سياق الإثبات ، فهي مطلقة . والقرآن يدل سياقه على أن الله ذمهم على السؤال بما هي ، ولو كان المأمور به معيناً ، لما كانوا ملومين . ثم إن مثل هذا لم يقع قط فى أمر الله ورسوله أن يأمر عباده بشيء معين، ويبهمه عليهم مرة بعد مرة، ولا يذكره بصفات تختص به ابتداء . واحتجوا بأن اللّه أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج، وأن هذه الألفاظ لها معان فى اللغة بخلاف الشرع ؛ وهذا غلط ، فإن الله إنما أمرهم بالصلاة بعد أن عرفوا المأمور به، وكذلك الصيام، وكذلك الحج، ولم يؤخر الله قط بيان شىء من هذه المأمورات، ولبسط هذه المسألة موضع آخر . وأما قول من يقول: إن الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق ؛ فمن أفسد الأقوال ، فإنه يقال : إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيداً ؛ فإنه يسبق إلى الذهن فى كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع . وأما إذا أطلق ؛ فهو لا يستعمل فى الكلام مطلقاً قط ، فلم يبق له حال إطلاق محض حتى يقال : إن الذهن يسبق إليه أم لا . و ((أيضاً)) فأي ذهن؟! فإن العربى الذي يفهم كلام العرب؛ يسبق إلى ١٠٥ ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطي الذي صار يستعمل الألفاظ فى غير معانيها ، ومن هنا غلط كثير من الناس ؛ فإنهم قد تعودوا ما اعتادوه، إما من خطاب عامتهم ، وإما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ فى معنى ، فإذا سمعوه فى القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل فى ذلك المعنى ، فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية ، وعادتهم الحادثة . وهذا مما دخل به الغلط على طوائف ، بل الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذى نزل فى القرآن والسنة ، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ ؛ فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله. لا بما حدث بعد ذلك. وأيضاً ، فقد بينا فى غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئاً من القرآن والحديث إلا بين معناه للمخاطبين، ولم يحوجهم إلى شيء آخر ، كما قد بسطنا القول فيه فى غير هذا الموضع . فقد تبين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود؛ لا يوجد إلامقدراً فى الأذهان ، لاموجوداً فى الكلام المستعمل . كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من جميع القيود لا يوجد إلا مقدراً فى الذهن، لا يوجد فى الخارج شىء موجود خارج عن كل قيد . ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق ، وأن التصور هو تصور المعنى الساذج الخالي عن كل قيد لا يوجد . وكذلك ما يدعونه من البسائط التى تتركب منها الأنواع ، وأنها أمور مطلقة عن كل قيد ، لا توجد . وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتي ؛ لا يوجد . ١٠٦ فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغي معرفتها لمن ينظر فى هذه العلوم. فإنه بسبب ظن وجودها ضل طوائف فى العقليات والسمعيات، بل إذا قال العلماء : مطلق ومقيد ، إنما يعنون به مطلقاً عن ذلك القيد ، ومقيد بذلك القيد . كما يقولون : الرقبة مطلقة فى آبة كفارة اليمين ومقيدة فى اية القتل. أي مطلقة عن قيد الإيمان ، وإلا فقد قيل: (فَتَحْرِيرُرَقَبَةٍ ) . فقيدت بأنها رقبة واحدة، وأنها موجودة ، وأنها تقبل التحرير. والذين يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة ، ولا وجود ولا عدم ، ولا غير ذلك؛ بل هو الحقيقة من حيث هي هي، كما يذكره الرازي تلقياً له عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة. وقد بسطنا الكلام فى هذا الإطلاق والتقيد، والكليات والجزئيات فى مواضع غير هذا ، وبينا من غلط هؤلاء فى ذلك ما ليس هذا موضعه . وإنما المقصود هنا ((الإطلاق اللفظي)) وهو أن يتكلم باللفظ مطلقاً عن كل قيد، وهذا لا وجود له ، وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض ، فتكون تلك قيود ممتنعة الإطلاق. فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق معقول يمكن به التمييز بين نوعين ؛ فعلم أن هذا التقسيم باطل وحينئذ فكل لفظ موجود فى كتاب الله ورسوله فإنه مقيد بما يبين معناه ، فليس فى شيء من ذلك مجاز ، بل كله حقيقة . ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن فى القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد ١٠٧ لهم؛ رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه . فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ). قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان ؛ فاستعمالها فى ميل الجدار مجاز . فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل فى الميل الذي يكون معه شعوروهو ميل الحي، وفى الميل الذي لاشعور فيه، وهو ميل الجماد ، وهو من مشهور اللغة؛ يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث ، وهذا الزرع يريد أن يسقى؛ وهذا الثمر يريد أن يقطف ، وهذا الثوب يريد أن يغسل ، وأمثال ذلك. واللفظ إذا استعمل فى معنيين فصاعداً ؛ فإما أن يجعل حقيقة فى أحدهما مجازاً فى الآخر ، أو حقيقة فيما يختص به كل منهما ، فيكون مشتركا اشترا كا لفظياً ، أو حقيقة فى القدر المشترك بينهما . وهي الأسماء المتواطئة. وهي الأسماء العامة كلها . وعلى الأول يلزم المجاز. وعلى الثانى يلزم الاشتراك؛ وكلاهما خلاف الأصل ، فوجب أن يجعل من المتواطئة. وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها وإلا فلو قال قائل : هو في ميل الجماد حقيقة، وفي ميل الحيوان مجاز ؛ لم يكن بين الدعويين فرق إلا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان ؛ لكن يستعمل مقيداً بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان ، وهنا استعمل مقيداً بما يبين أنه أريد به ميل الجماد. والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة آخر كلي عام لا يوجد كلياً عاماً إلا في الذهن ، وهو مورد التقسيم بين الأنواع ، لكن ذلك المعنى العام ١٠٨ الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه؛ لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج ، وإلى ما يوجد فى القلوب فى العادة . وما لا يكون فى الخارج إلا مضافاً إلى غيره؛ لا يوجد في الذهن مجرداً، بخلاف لفظ الإنسان والفرس ، فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف ، تعودت الأذهان تصور مسمى الإنسان، ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام ؛ فإن هذا لا يوجد له فى اللغة لفظ مطلق يدل عليه ، بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيداً بالمريد ولا لفظ العلم إلا مقيداً بالعالم، ولا لفظ القدرة إلا مقيداً بالقادر . بل وهكذا سائر الأعراض لما لم توجد إلا في محالها مقيدة بها ، لم يكن لها فى اللغة لفظ إلا كذلك. فلا يوجد فى اللغة لفظ السواد والبياض ، والطول والقصر إلا مقيداً بالأسود والأبيض والطويل والقصير ونحو ذلك ، لا مجرداً عن كل قيد ؛ وإنما يوجد مجرداً في كلام المصنفين فى اللغة ؛ لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك، ومنه قوله تعالى: (فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) . فإن من الناس من يقول : الذوق حقيقة فى الذوق بالفم ، واللباس بما يلبس على البدن ، وإنما استغير هذا وهذا وليس كذلك ؛ بل قال الخليل : الذوق فى لغة العرب هو وجود طعم الشىء، والاستعمال يدل على ذلك. قال تعالى: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ). وقال: ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ). وقال: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَفْرِهَا). وقال: ( فَذُوقُواْ ١٠٩ اُلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) - ( فَذُوقُواْعَذَابِ وَنُذُرٍ) - (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْنَ إِلََّ الْمَوْتَةَ اُلْأُولَى) - (لََّذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّ حِيمًا وَغَسَاقًا). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً)). وفى بعض الأدعية: ((أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك)) . فلفظ (( الذوق)) يستعمل فى كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته ، فدعوى المدعي اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم تحكم منه، لكن ذاك مقيد فيقال: ذقت الطعام وذقت هذا الشراب ؛ فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم وإذا كان الذوق مستعملاً فيما يحسه الإنسان بباطنه، أو بظاهره؛ حتى الماء الحميم يقال : ذاقه فالشراب إذا كان بارداً أوحاراً يقال : ذقت حره وبرده. وأما لفظ ((اللباس)): فهو مستعمل فى كل ما يغشى الإنسان ويلتبس به ، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا الَّلَ لِبَاسًا). وقال: (وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). وقال: (هُنَّلِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) . ومنه يقال: لبس الحق بالباطل إذا خلطه به حتى غشيه فلم يتميز. فالجوع الذي يشمل ألمه جميع الجائع: نفسه وبدنه، وكذلك الخوف الذي يلبس البدن . فلو قيل : فأذاقها الله الجوع والخوف ؛ لم يدل ذلك على أنه شامل لجميع أجزاء الجائح ، بخلاف ما إذا قيل: لباس الجوع والخوف . ولو قال فألبسهم لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم إلا بالعقل من حيث إنه يعرف أن الجائع الخائف بألم. بخلاف لفظ ذوق الجوع والخوف؛ فإن هذا اللفظ يدل على الإحساس بالمؤلم، وإذا أضيف إلى الملف : دل ١١٠ على الإحساس به، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً)). فإن قيل : فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق ؟ قيل : لأن الذوق يدل على جنس الإحساس ويقال : ذاق الطعام لمن وجد طعمه وإن لم يأكله . وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق ؛ بل استعمل لفظ الذوق فى ؛ أي لايحصل النفي كما قال عن أهل النار: (لَّايَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ) لهم من ذلك ولا ذوق . وقال عن أهل الجنة: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ إِلَّا الْمَوْتَةَ اُلْأُولَى ). وكذلك ما ادعوا أنه مجاز فى القرآن كلفظ ((المكر)) و((الاستهزاء)) و ((السخرية)) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له ، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجنى عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ). فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: ( لَ نَقْصُصْ رُءُ يَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ واْلَكَ كَيْدًا ). وقال تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُ ونَكَيْدًا * وَأَكِيدُكَيْدًا). وقال تعالى: (وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَأَنْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ). وقال تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُ سَخِرَاللَّهُ مِنْهُمْ). ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا الاسم، كما ١١١ روي عن ابن عباس ؛ أنه يفتح لهم باب من الجنة وم فى النار فيسرعون إليه فيغلق ، ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق ، فيضحك منهم المؤمنون . قال تعالى: (قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ نُوِبَ اُلْكُفَارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) . وعن الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة ؛ خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة من القدر ، فيمشون فيخسف بهم. وعن مقاتل : إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، فيبقون فى الظلمة فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً . وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم. وقيل : إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم فى الدنيا خلاف ما أبطن فى الآخرة . وقيل هو مجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه ؛ وهذا كله حق وهو استهزاء بهم حقيقة . ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز فى القرآن : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ). قالوا المراد به أهلها ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فقيل لهم : لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب، وأمثال هذه الأمور التى فيها الحال والمحال كلاهما داخل فى الاسم. ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان ، وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر، وهو المحل . وجرى النهر ، وهو الماء ووضعت الميزاب، وهو المحل ، وجرى الميزاب، وهو الماء ، وكذلك القرية قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً). وقوله: ( وَكَمَمِّن ١١٢ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَدُهُمْ إِذْ جَآءَ هُم بَأَسُنَآ إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّاكُنَّا ظَلِمِينَ). وقال فى آية أخرى: (أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِأَسُنَا بَتَّاوَهُمْ نَآئِمُونَ) . فجعل القرى م السكان. وقال: (وَكَتِنِ مِن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُفُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِى أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَاَ نَاصِرَلَهُمْ ) . وم السكان . وكذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا). وقال تعالى: ( أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) . فهذا المكان لا السكان ، لكن لابد أن يلحظ أنه كان مسكوناً؛ فلا يسمى قرية إلا إذا كان قد عمر للسكنى، مأخوذ من القرى وهو الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء فى الحوض إذا جمعته فيه . ونظير ذلك لفظ ((الإنسان)) يتناول الجسد والروح، ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما؛ فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت، وإذا خربت كان عذاباً لأهلها ؛ فما يصيب أحدهما من الشر، ينال الآخر ؛ كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما. فقوله: ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ). مثل قوله ( قَرْيَةً كَانَتْءَامِنَةً مُطْمَيِنَّةً). فاللفظ هنا يراد به السكان من غير إضمار ولا حذف، فهذا بتقدير أن يكون فى اللغة مجاز ، فلا مجاز فى القرآن. بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف. والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظياً ؛ بل يقال : نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ، ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق تبين أنها فروق باطلة، وكلما ذكر بعضهم فرقاً أبطله الثاني، كما يدعى المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات ١١٣ تنقسم اللازمة لها إلى داخل فى ما هيتها الثابتة فى الخارج، وإلى خارج عنها لازم للماهية ، ولازم خارج للوجود. وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له، بل ما يجعلونه داخلاً يمكن جعله خارجا، وبالعكس کما قد بسط فى موضعه . وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز ؛ قد تبين بطلانه ، وأنه ليس فى الألفاظ الدالة ما يدل مجرداً عن جميع القرائن، ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن. وأشهر أمثلة المجاز لفظ ((الأسد)) و ((الحمار)) و((البحر)) ونحو ذلك مما يقولون: إنه استغير الشجاع والبليد والجواد. وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية، كما تستعمل الحقيقة، كقول أبي بكر الصديق عن أبى قتادة لما طلب غيره سلب القتيل: لاها الله إذاً يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقوله : يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ؛ وصف له بالقوة للجهاد فى سبيله، وقد عينه تعييناً أزال اللبس . وكذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن خالداً سيف من سيوف الله سله الله على المشركين)) وأمثال ذلك. وإن قال القائل : القرائن اللفظية موضوعة ، ودلالتها على المعنى حقيقة، لكن القرائن الحالية مجاز ؛ قيل : اللفظ لا يستعمل قط إلا مقيداً بقيود لفظية موضوعة ؛ والحال حال المتكلم والمستمع ، لابد من اعتباره فى جميع الكلام ١١٤ فإنه إذا عرف المتكلم ، فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف ، لأنه بذلك يعرف عادته فى خطابه، واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التى بها يتكلم وهي عادته وعرفه التى يعتادها فى خطابه، ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية ، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى؛ فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ، ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها : عرف عادته في خطابه ، وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره. ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث ، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ؛ ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التى يخاطب بها عباده ، وهي العادة المعروفة من كلامه، ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره ، وكانت النظائر كثيرة ؛ عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة ، لا يختص بها هو - صلى الله عليه وسلم - بل هي لغة قومه ، ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده فى الخطاب لم تكن معروفة فى خطابه وخطاب أصحابه. كما يفعله كثير من الناس ، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك فى زمانه. ولهذا كان استعمال القياس فى اللغة ، وإن جاز فى الاستعمال فإنه لا يجوز فى الاستدلال ، فإنه قد يجوز للإنسان أن يستعمل هو اللفظ فى نظير المعنى الذي استعملوه فيه مع بيان ذلك على ما فيه من النزاع ؛ لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف استعمالها فى معان فيحملها على غير تلك المعانى ، ويقول: إنهم أرادوا تلك بالقياس على تلك ؛ بل هذا تبديل وتحريف ١١٥ فإذا قال: ((الجار أحق بسقبه)) فالجار هو الجار ليس هو الشريك؛ فإن هذا لا يعرف فى لغتهم؛ لكن ليس فى اللفظ ما يقتضي أنه يستحق الشفعة؛ لكن يدل على أن البيع له أولى . وأما ((الخمر)) فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة أنها كانت اسماً لكل مسكر، لم يسم النبيذ خمراً بالقياس. وكذلك ((النباش)) كانوا يسمونه سارقا، كما قالت عائشة: سارق موتانا كسارق أحيانا. واللائط عندم كان أغلظ من الزانى بالمرأة . ولابد فى تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ ، وكيف يفهم كلامه ، فمعرفة العربية التى خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني ؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب ؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك، ويجعلون هذه الدلالة حقيقة، وهذه مجازاً، كما أخطأ المرجئة فى اسم ((الإيمان» جعلوا لفظ ((الإيمان)) حقيقة فى مجرد التصديق، وتناوله للأعمال مجازاً. فيقال: إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجة إلى هذا، وإن صح، فهذا لا ينفعكم . بل هو عليكم لا لكم ؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق فى الكتاب والسنة، دخلت فيه الأعمال، وإنما يدعى خروجها منه ١١٦ عند التقييد؛ وهذا يدل على أن الحقيقة قوله. ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)). وأما حديث جبريل ، فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام. فهو كذلك. وهذا هو المعنى الذي أراد النبى صلى الله عليه وسلم قطعاً. كما أنه لما ذكر الإحسان أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام؛ لم يرد أن الإحسان مجرد عن إيمان وإسلام . ولو قدر أنه أريد بلفظ ((الإيمان)) مجرد التصديق؛ فلم يقع ذلك إلا مع قرينة، فيلزم أن يكون مجازاً ، وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث، بخلاف كون لفظ ((الإيمان)) فى اللغة مرادفاً للتصديق، ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله؛ بل أراد به ما كان يريده أهل اللغة بلا "تخصيص ولا تقييد؛ فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما، فلا يعارض اليقين، كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين ، وأنها من أفسد الكلام . و((أيضاً)) فليس لفظ الإيمان فى دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج: فى دلالته على الصلاة الشرعية، والصيام الشرعي؛ والحج الشرعي ؛ سواء قيل: إن الشارع نقله؛ أو أراد الحكم دون الاسم؛ أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف؛ أو خاطب بالاسم مقيداً لا مطلقاً . فإن قيل : الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت ، بخلاف الإيمان، ١١٧ فإنه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب ؛ قيل : إن أريد بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها ؛ فكذلك الإيمان الواجب إذا ترك منه شيئاً لم تبرأ الذمة منه كله. وإن أريد به وجوب الإعادة فهذا ليس على الإطلاق. فإن فى الحج واجبات إذا تركها لم يعد ، بل تجبر بدم، وكذلك فى الصلاة عند أكثر العلماء إذا تركها سهواً أو مطلقاً وجبت الإعادة، فإنما يجب إذا أمكنت الإعادة ، وإلا فما تعذرت إعادته يبقى مطالباً به كالجمعة ونحوها . وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله ، فليس كذلك، بل قد بین النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث المسيء فى صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل، ولا يكون بمنزلة من لم يصل . وفى عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من النوافل ؛ فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتدله بما فعل منها ؛ فكذلك الإيمان إذا ترك منه شيئاً كان عليه فعله ؛ إن كان محرماً تاب منه، وإن كان واجباً فعله ؛ فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه ، وأثيب على مافعله كسائر العبادات، وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من الإيمان . وقد عدلت ((المرجئة)) فى هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، واعتمدوا على رأيهم ، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة ، وهذه طريقة أهل البدع ؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس . ١١٨ ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة؛ ولهذا تجدم لا يعتمدون على أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلايعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث؛ وآثار السلف وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم ، وهذه طريقة الملاحدة أيضاً ؛ إنما يأخذون ما فى كتب الفلسفة ، وكتب الأدب واللغة ، وأما كتب القرآن والحديث والآثار؛ فلا يلتفتون إليها. هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذهي عندم لا تفيد العلم ، وأولئك بتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره فى إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع . وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل . والقاضى أبو بكر الباقلاني نصر قول جهم فى ((مسألة الإيمان)) متابعة لأبي الحسن الأشعري ، وكذلك أكثر أصحابه . فأما أبو العباس القلانسي، وأبو علي الثقفي، وأبو عبد الله ان مجاهد - شيخ القاضى أبي بكر وصاحب أبي الحسن - فإنهم نصروا مذهب السلف. وابن كلاب - نفسه ــ والحسين بن الفضل البجلى ونحوهما كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعاً موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كماد بن أبي سليمان ، ومن اتبعه مثل أبى حنيفة وغيره . ١١٩ فصل وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم فى ((الإيمان)) مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثنى فى الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله ؛ لأنه نصر مذهب أهل السنة فى أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون فى النار، وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك . وهو دائماً ينصر - فى المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم - قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيراً بمآخذهم ، فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم ؛ فيقع فى ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء ، كما فعل فى مسألة الإيمان، ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء ؛ ولهذا خالفه كثير من أصحابه فى الاستثناء كما سنذكر مأخذه في ذلك، واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم فى ذلك . ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ، ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة فى هذا الباب ؛ فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة ؛ وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة ، بل قدكفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم فى الإيمان الذي نصره أبو الحسن . وهو عندم شر من قول المرجئة؛ ولهذا صار من يعظم الشافعي من الزيدية والمعتزلة ونحوهم ، يطعن فى كثير ممن ينتسب إليه ١٢٠