النص المفهرس

صفحات 41-60

الأمر ، وكان محباً لله ولرسوله؛ أحبهم قطعاً، فيكون حبه لهم علامة
الإيمان الذي فى قلبه ، ومن أبغضهم لم يكن فى قلبه الإيمان الذي أوجبه
الله عليه .
وكذلك من لم يكن فى قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي
حرمه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان ؛ لم يكن فى قلبه الإيمان
الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً؛ لم يكن معه
إيمان أصلاً، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب
لنفسه ؛ لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان، فحيث نفى الله الإيمان عن
شخص؛ فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان ، ويكون من المعرضين
للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((من غشنا فليس منا ، ومن حمل علينا
السلاح فليس منا)) كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله
عليه ، أو فعل ما حرمه الله ورسوله ؛ فيكون قد ترك من الإيمان المفروض
عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله ، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد ،
السالمين من الوعيد .
وكذلك قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ
مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَادُعُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُم ◌ََّهُمْ إِذَا
فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنِ يَكُن ◌َّهُ الْحَقُّ يَأْتُواْإِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُّ أَمِ أَرْتَابُوْ
أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولَةٌ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ)
٤١

( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق فى كلام الله ورسوله ؛ فإنه يتناول فعل
الواجبات ، وترك المحرمات ، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان ؛ فلابد أن
يكون قد ترك واجباً أو فعل محرماً ، فلا يدخل فى الاسم الذي يستحق أهله
الوعد دون الوعيد ؛ بل يكون من أهل الوعيد .
وكذلك قوله تعالى: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَّ أُوْلَتِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ).
قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصى بعضها كفر، وبعضها ليس
بكفر فرق بينها فججعلها ثلاثة أنواع : نوع منها كفر ، ونوع منها فسوق وليس
بكفر ، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرهها كلها إلى
المؤمنين . ولما كانت الطاعات كلها داخلة فى الإيمان ، وليس فيها شيء خارج
عنه لم يفرق بينها فيقول : حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات ؛ بل
أجمل ذلك فقال: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ ). فدخل فى ذلك جميع الطاعات؛ لأنه
قد حبب إلى المؤمنين الصلاة والزكاة ، وسائر الطاعات حب تدين ، لأن الله
أخبر: أنه حبب ذلك إليهم، وزينه فى قلوبهم، لقوله: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ )
ويكرهون جميع المعاصي: الكفر منها والفسوق ، وسائر المعاصي كراهة تدين
لأن الله أخبر: أنه كره ذلك إليهم. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
٤٢

(( من سرته حسنته، وساءته سيئه ؛ فهو مؤمن)) لأن الله حبب إلى المؤمنين
الحسنات وكره إليهم السيئات .
((قلت)): وتكريهه جميع المعاصي إليهم ، يستلزم حب جميع الطاعات؛
لأن ترك الطاعات معصية ، ولأنه لا يترك المعاصى كلها إن لم يتلبس بضدها ،
فيكون محباً لضدها وهو الطاعة ؛ إذ القلب لا بد له من إرادة ، فإذا كان يكره
الشر كله؛ فلابد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيراً ، وبالنية السيئة
يكون شراً . ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه
وسلم فى الحديث الصحيح (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن،
وأصدق الأسماء: حارث وهمام وأقبحها: حرب ومرة)).
وقوله أصدق الأسماء: حارث وهمام ؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث
الكاسب العامل . والهام الكثير الهم - وهو مبدأ الإرادة - وهو حيوان،
وكل حيوان حساس متحرك بالارادة، فإذا فعل شيئاً من المباحات ؛ فلابد له من غاية
ينتهي إليها قصده. وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره. فإن
كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي
يعبده لا يعبد شيئاً سواه ، وهو أحب إليه من كل ما سواه ؛ فإن إرادته تنتهي
إلى إرادته وجه الله، فيئاب على مباحاته التى يقصد الاستعانة بها على الطاعة ، كما
فى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نفقة الرجل على أهله
يحتسبها صدقة)). وفي ((الصحيحين)) عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص لما
٤٣

عرض بمكة وعاده - ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها
درجة ورفعة ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)). وقال معاذ بن جبل لأبى
موسى: ((إنى أحتسب نومتى كما أحتسب قومتى)). وفي الأثر : نوم
العالم تسبيح .
وإن كان أصل مقصوده عبادة غير الله؛ لم تكن الطيبات مباحة له ، فإن
الله أباحها للمؤمنين من عباده؛ بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل
الشهوات ، يحاسبون يوم القيامة على النعم التى تتعموا بها فلم يذكروه ولم يعبدوه
بها ، ويقال لهم: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّكُمْ فِىِ حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ
وقال تعالى :
اُلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيِ اَلْحِ وَبَِكُمْنَفْسُقُونَ ) .
( ثُمَّلَتُسْتَلُنَّيَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).
أي عن شكره، والكافر لم يشكر
على النعيم الذي أنعم الله عليه به فيعاقبه، على ذلك؛ والله إنما أباحها للمؤمنين،
وأمرجم معها بالشكر، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ
مَارَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْلِلَّهِ ) .
وفى ((صحيح مسلم)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى
عن العبديا كل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها )). وفي
((سنن ابن ماجه)) وغيره: ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)).
وكذلك قال للرسل: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا)
وقال تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُم ◌َهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )
٤٤

وقال الخليل : ( وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِ )
قال الله تعالى: (وَمَنَكَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة ، والله إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم
ما حرمه الله من الصيدوهو محرم ، والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات
ويشكروه.
ولهذا ميز سبحانه وتعالى بين خطاب الناس مطلقاً ، وخطاب المؤمنين
فقال: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا وَلَا تَقَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ *
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأْ أَوَّلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًاوَلَا يَهْتَدُونَ ). فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما فى الأرض
بشرطين: أن يكون طيباً، وأن يكون حلالاً. ثم قال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ).
فأذن للمؤمنين فى الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل، وأخبر أنه لم
يحرم عليهم إلا ما ذكره؛ فما سواه لم يكن محرماً على المؤمنين ، ومع هذا فلم
يكن أحله بخطابه ؛ بل كان عفواً ، كما في الحديث عن سلمان موقوفاً ومرفوعاً :
((الحلال ما أحله الله فى كتابه، والحرام ما حرمه الله فى كتابه، وما سكت عنه
فهو مما عفى عنه)).
٤٥

وفى حديث أبي ثعلبة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إن الله فرض فرائض
فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم حرمات فلا تنتهكوهاوسكت
عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) .
وكذلك قوله تعالى: (قُل لَّا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمِ يَطْعَمُهُ وَإِلَّ
أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ). نفى التحريم عن غير المذكور ، فيكون الباقى مسكوناً عن
تحرمه عفواً، والتحليل إنما يكون بخطاب؛ ولهذا قال فى سورة المائدة التى
أنزلت بعد هذا: (يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيْبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ
مُكِلِّينَ ). إلى قوله: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَنَّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُـ
وَطَعَامُّكُمْ حِلَّهُمْ ). ففي ذلك اليوم أحل لهم الطيبات، وقبل هذا لم يكن محرماً
عليهم إلا ما استثناه .
وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب
من الطير ، ولم يكن هذا نسخاً للكتاب؛ لأن الكتاب لم يحل ذلك، ولكن
سكت عن تحريمه، فكان تحريمه ابتداء شرع، ولهذا قال النبى صلى الله عليه
وسلم في الحديث المروي من طرق من حديث أبى رافع ، وأبى ثعلبة ، وأبي
هريرة، وغيرم: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري
مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن؛ فما وجدنا
فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإنى أونيت
الكتاب ومثله معه)). وفي لفظ: ((ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر. ألا وإني
٤٦

حرمت كل ذي ناب من السباع)). فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة
غير الكتاب. وأن الله حرم عليه فى هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك
نسخاً للكتاب ؛ فإن الكتاب لم يحل هذه قط. إنما أحل الطيبات، وهذه
ليست من الطيبات، وقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَاكُمْ).
فلم تدخل هذه الآية فى العموم؛ لكنه لم يكن حرمها؛ فكانت معفواً عن
تحريمها؛ لا مأذونا فى أكلها .
وأما (الكفار)) فلم يأذن الله لهم فى أكل شيء ، ولا أحل لهم شيئاً،
ولاعفا لهم عن شيء يأكلونه؛ بل قال: (يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِقَا فِى الْأَرْضِ حَلًا
طَيِّبًا). فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا ؛ وهو المأذون فيه من
جهة الله ورسوله، والله لم يأذن فى الأكل إلا للمؤمن به ؛ فلم يأذن لهم فى أكل
شيء إلا إذا آمنوا. ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعياً؛ لأن الملك
الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم والشارع
لم يبح لهم تصرفاً في الأموال، إلا بشرط الإيمان؛ فكانت أموالهم على الإباحة.
فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهراً يستحلونه فى دينهم، وأخذوها منهم ؛ صارهؤلاء
فيها كما كان أولئك.
والمسلمون إذا استولوا عليها. فغنموها، ملكوها شرعاً ، لأن الله أباح
لهم الغنائم، ولم يبحها لغيرهم . ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم
من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم ، ويجوز أن يشتري من بعضهم ما
٤٧

سباه من غيره ؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات . ولهذا سمى الله ما عاد
من أموالهم إلى المسلمين ((فيئاً))؛ لأن الله أفاءه إلى مستحقه، أي: رده إلى
المؤمنين به الذين يعبدونه ، ويستعينون برزقه على عبادته ؛ فإنه إنما خلق الخلق
ليعبدوه، وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته. ولفظ ((الفيء)) قد
يتناول (الغنيمة)) كقول النبي صلى الله عليه وسلم فى غنائم حنين: ((ليس لى مما
أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)). لكنه لما قال تعالى: (وَمَاً
أَقَاءَاللَّهُ عَلَى رَسُولِهِمِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ ) : صار لفظ
((الفيء)) إذا أطلق فى عرف الفقهاء؛ فهو ما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف
خيل ولا ركاب ، والإيجاف نوع من التحريك.
وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصداً للعدول عن الحرام إلى الحلال
لحاجته إليه ؛ فإنه يثاب على ذلك كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وفي بضع
أحدكم صدقة. قالوا يارسول الله يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال:
أرأيتم لو وضعها فى الحرام كان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان
له أجر)). وهذا كقوله فى حديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤنى معصيته)) رواه أحمد ، وابن
خزيمة فی ( صحیحه )» وغيرها.
فأخبر أن الله يحب إتيان رخصه، كما يكره فعل معصيته. وبعض الفقهاء
يرويه: ((كما يجب أن تؤتي عزائه)). وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن
الرخص إنما أباحها الله لحاجة العباد إليها ، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛
٤٨

فهو يحب الأخذ بها، لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله ؛ كما قال فى
حديث: ((القصر صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)). ولأنه بها
تتم عبادته وطاعته . وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل ، بل يفعله عبثاً؛
فهذا عليه لا له، كما فى الحديث: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمراً بمعروف،
أو نهياً عن منكر أو ذكراً لله)).
وفى ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). فأمر المؤمن بأحد أمرين: إما
قول الخير أو الصمات . ولهذا كان قول الخير خيراً من السكوت عنه،
والسكوت عن الشر خيراً من قوله، ولهذا قال الله تعالى: (مَايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ ).
وقد اختلف ((أهل التفسير)) هل يكتب جميع أقواله ؟ فقال مجاهدوغيره:
يكتبان كل شيء حتى أنينه فى مرضه . وقال عكرمة لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه
أو يؤزر. والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع؛ فإنه قال: (مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ )
نكرة فى الشرط مؤكدة بحرف ((من))؛ فهذا يعم كل قوله. وأيضاً فكونه يؤجر
على قول معين أو يؤزر؛ يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه؛
فلابد فى إثبات معرفة الكاتب به إلى نقل. وأيضاً فهو مأمور ، إما بقول
الخير ، وإما بالصمات. فإذا عدل عما أمر به من الصمات إلى فضول القول الذي
ليس بخير ؛ كان هذا عليه ، فإنه يكون مكروهاً، والمكروه ينقصه ؛ ولهذا قال
٤٩

النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)). فإذا خاض
فيما لا يعنيه ؛ نقص من حسن إسلامه فكان هذا عليه . إذ ليس من شرط
ما هو عليه، أن يكونه مستحقاً لعذاب جهنم وغضب الله ، بل نقص قدره
ودرجته عليه .
ولهذا قال تعالى: (لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ). فما يعمل أحد
إلا عليه أوله ، فإن كان مما أمر به، كان له. وإلا كان عليه ولو أنه ينقص قدره.
والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط؛ لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون
أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به؛ فإذا عملوا به دخل فى الأمر والنهي.
فإذا كان الله قدكره إلى المؤمنين جميع المعاصي وهو قد حبب إليهم الإيمان
الذي يقتضي جميع الطاعات ، إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس؛ فإن المرجئة
لا تنازع فى أن الإيمان الذي فى القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضى ذلك،
والطاعة من تمراته ونتائجه ، لكنها تنازع، هل يستلزم الطاعة؟ فإنه وإن كان
يدعو إلى الطاعة ؛ فله معارض من النفس والشيطان، فإذا كان قدكره إلى
إلى المؤمنين المعارض ، كان المقتضي للطاعة سالماً عن هذا المعارض .
وأيضاً فإذا كرهوا جميع السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات، والمباحات
لم تبح إلا لأهل الإيمان الذين يستعينون بها على الطاعات، وإلا فالله لم يبح
قط لأحد شيئاً أن يستعين به على كفر، ولا فسوق ، ولا عصيان؛ ولهذا
لعن النبي صلى الله عليه وسلم عاصر الخمر ومعتصرها، كما لعن شاربها، والعاصر
٥٠

يعصر عنباً يصير عصيراً يمكن أن ينتفع به فى المباح ، لكن لما علم أن قصد
العاصر أن يجعلها خمراً ؛ لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله ، بل
لعنه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، لأن الله لم يبيح إعانة العاصي على معصيته،
ولا أباح له ما يستعين به في المعصية ، فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا
بها على الطاعات. فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا الحسنات؛ ولهذا
كان من ترك المعاصى كلها ، فلا بد أن يشتغل بطاعة الله . وفى الحديث الصحيح:
((كل الناس يغدو فبائح نفسه، فمعتقها أو موبقها)). فالمؤمن لا بد أن يحب
الحسنات، ولا بد أن يبغض السيئات ولا بد أن يسره فعل الحسنة ويسوءه
فعل السيئة، ومتى قدر أن فى بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان ،
والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها، أو يأتي بحسنات تمحوها،
أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه ولكن لا بد أن يكون كارها لها؛ فإن الله أخبر أنه
حبب إلى المؤمنين الإيمان ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فمن لم
يكره الثلاثة لم يكن منهم. ولكن ((محمد بن نصر)) يقول: الفاسق يكرهها تديناً .
فيقال: إن أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها ، وهو يحب دينه، وهذه من
جملته؛ فهو يكرهها . وإن كان يحب دينه مجملاً، وليس فى قلبه كراهة لها ؛
كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك، كما فى الحديث الصحيح: ((من رأى منكم
منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
أضعف الإيمان)).
٥١

وفى الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضاً ـ ((صحيح مسلم)) - ((فمن
جاهدم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدم بقلبه
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل ».
فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله؛ لم يكن فيه من الإيمان،
الذي يستحق به الثواب. وقوله: ((من الإيمان)) أي: من هذا الإيمان، وهو
الإيمان المطلق. أى: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة
خردل . والمعنى : هذا آخر حدود الإيمان ، ما بقى بعد هذا من الإيمان شيء ؛
ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء ؛ بل لفظ الحديث
إنما يدل على المعنى الأول.
٥٢

فصل
ومن هذا الباب لفظ ((الكفر)) و ((النفاق)) فالكفر إذا ذكر مفرداً
فى وعيد الآخرة ، دخل فيه المنافقون، كقوله: (وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ
عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِنَ). وقوله: (وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِوَمَلَمِكَتِهِ،
وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا). وقوله: (لَا يَصْلَئِهَا
(كُلَّمَا أُلْفِى فِيهَ فَوْجٌ سَأَلَمْ
إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) وقوله :
خَرََّنُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْنَذِيرٌ * قَالُواْبَلَى قَدْ جَاءَ نَانَذِيرٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَانَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِى
وقوله : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَمَ زُمَرًّا حَتَّى إِذَا
ضَلَلٍ كبيرٍ )
جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ
رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى
اُلْكَفِرِينَ * قِيلَ أَدْخُلُواْأَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِِّّينَ).
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ آَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّاجَآءَهُوَ أَلَيْسَ فِى
وقوله :
جَهَنََّ مَثْوَّى لِلْكَافِرِينَ ). وقوله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا *
قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ
رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِأَشَدُّ وَبْقَ ) وقوله: (إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ
٥٣

وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ ◌ُلْبَرِيَّةِ ). وأمثال هذه النصوص
كثير فى القرآن .
فهذه كلها يدخل فيها ((المنافقون)) الذين م فى الباطن كفار ليس معهم
من الإيمان شيء، كما يدخل فيها ((الكفار)) المظهرون للكفر؛ بل المنافقون
فى الدرك الأسفل من النار ، كما أخبر الله بذلك فى كتابه.
ثم قد يقرن ((الكفر بالنفاق)) فى مواضع ؛ ففي أول البقرة ذكر أربع
آيات فى صفة المؤمنين ، وآيتين فى صفة الكافرين ، وبضع عشرة آية فى صفة
المنافقين، فقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا )
وقال: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن نُّورِكُمْقِيلَ أَرْ جِعُواْ
وَرَ كُمْفَالْتَمِسُوْنُورًا ) إلى قوله: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ
النَّارِ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَبِتْسَ الْمَصِيرُ ). وقال: ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ
وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمَّ). فى سورتين ، وقال: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ نَافَقُوْيَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ ) . الآية.
وكذلك لفظ ((المشركين)» قد يقرن بأهل الكتاب فقط ، وقد يقرن
بالملل الخمس؛ كما فى قوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَى
وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْم الْقِيَّمَةِ إِنَّاللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ
شَهِيدٌ ).
و (الأول) كقوله : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَّكِينَ
٥٤

خَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيِنَةُ). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ
فِي نَارِجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ). وقوله تعالى: (وَقُل لِلَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ، أَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدٍ أَهْتَدَ وَأْوَ إِنْ تَوَلَوْ فَإِنَّمَا
عَلَيَّكَ الْبَلَغُ). وليس أحد بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا من
الذين أوتوا الكتاب أو الأميين، وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب
فهم من الأميين ؛ كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان
وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم فهؤلاء كلهم أميون ، والرسول مبعوث
إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب .
وقوله: ( وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ ) - وهو إنما يخاطب الموجودين
فى زمانه بعد النسخ والتبديل - يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى ،
فهو من الذين أوتوا الكتاب، لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به
قبل النسخ والتبديل ، ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرم ؛ فإن أولادهم إذا
كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب، فكذلك غيرم إذا كانوا كلهم
كفاراً، وقد جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله: ( وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ )
وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته ؛ لا من مات ؛ فدل ذلك على أن
قوله: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ) يتناول هؤلاء كلهم ، كما هو مذهب
الجمهور من السلف والخلف ، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وهو المنصوص
عن أحمد فى عامة أجوبته ، لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب ، وآخر
الروايتين عنه : أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم ؛ كما هو قول جمهور الصحابة .
٥٥

وقوله فى (( الرواية الأخرى)) : لا تباح ؛ متابعة لعلى بن أبى طالب رضي
اللّه عنه، لم يكن لأجل النسب؛ بل لكونهم لم يدخلوا فى دين أهل الكتاب
إلا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه، ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك
لأجل النسب ، كما نقل عن عطاء ، وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب
أحمد، وفرعوا على ذلك فروعا، كمن كان أحد أبويه كتابياً والآخر ليس بكتابى
ونحو ذلك، حتى لا يوجد فى طائفة من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول؛ وهو
خطأ على مذهبه، مخالف لنصوصه، لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذا ألبتة
كما قد بسط فى موضعه .
ولفظ ((المشركين)) يذكر مفرداً فى مثل قوله: (وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ
حَتَّى يُؤْمِنَ ) وهل يتناول أهل الكتاب ؟ فيه ((قولان)) مشهوران للسلف
والخلف . والذين قالوا: بأنها تعم؛ منهم من قال: هي محكمة، كابن عمر والجمهور
الذين يبيحون نكاح الكتابيات؛ كما ذكره الله فى آية المائدة، وهي متأخرة
عن هذه. ومنهم من يقول: نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات. ومنهم من
يقول : بل هو مخصوص لم يرد باللفظ العام ، وقد أنزل الله تعالى بعد صلح
الحديبية قوله: (وَلَ تُمْسِكُواْبِعِصَمِ الْكَوَافِ ). وهذا قد يقال: إنما نهى عن
التمسك بالعصمة من كان متزوجاً كافرة، ولم يكونوا حينئذ متزوجين إلا بمشركة
وثنية ؛ فلم يدخل في ذلك الكتابيات .
٥٦

فصل
وكذلك لفظ ((الصالح)) و((الشهيد)) و((الصديق)): يذكر مفرداً؛
فيتناول النبيين ، قال تعالى فى حق الخليل: (وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ.
فِ اْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . وقال: (وَءَاتَيْتَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَوْلَمِنَ
الصَّلِحِينَ). وقال الخليل: (رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى ◌ِالصَّلِحِينَ). وقال يوسف:
(تَوَقَِّى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ). وقال سليمان: (وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ
الصَّلِينَ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح المتفق على صحته
لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان
فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ((إن الله هو السلام، فإذا قعد
أحدكم فى الصلاة ؛ فليقل : التحيات لله، والصلوات ، والطيبات ، السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها
أصابت كل عبد صالح لله فى السماء والأرض)) .. الحديث.
وقد يذكر ((الصالح مع غيره )) كقوله تعالى: (فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَاللّهُ
عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَاُلُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ ). قال الزجاج وغيره :
الصالح: القائم بحقوق اللّه وحقوق عباده. ولفظ ((الصالح)) خلاف الفاسد؛
٥٧

فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره ، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت
سريرته وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضي ربه ؛ وهذا يتناول النبيين ومن
دونهم. ولفظ ((الصديق)) قد جعل هنا معطوفاً على النبيين؛ وقد وصف به
النبيين، فى مثل قوله: (وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِيقَاتَّيًّا) -
( وَأَذَّكُرُ فِي الْكِتَبِ إِدْرِيِسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًانِيًّا).
وكذلك ((الشهيد)) قد جعل هنا قرين الصديق والصالح ، وقد قال:
( وَجِأَىَّ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ يَنْنَهُم بِالْحَقِّ ). ولما قيدت الشهادة على الناس
وصفت به الأمة كلها فى قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ). فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على
الناس، كالشهادة المذكورة فى قوله: (لَوْلَاجَآءُ وعَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ). وقوله
(وَأُسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ). وليست هذه الشهادة المطلقة فى الآيتين
بل ذلك كقوله: ( وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ ).
٥٨

فصل
وكذلك لفظ ((المعصية)) و((الفسوق)) و ((الكفر)): فإذا أطلقت المعصية
الله ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق، كقوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ
لَّهُنَارَجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا). وقال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُ واْرِعَايَتِ
رَبِهِمْ وَعَصَوْرُسُلَهُ وَتَّبَعُواْأَمْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيٍ ) . فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم
عصوا هوداً معصية تكذيب لجنس الرسل ، فكانت المعصية لجنس الرسل
كمعصية من قال: (فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَمَانَزَّلَ الَهُ مِن شَىْءٍ ). ومعصية من كذب
وتولى، قال تعالى: (لَيَصْلَنَهَ إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوََّ ) أي كذب
بالخبر وتولى عن طاعة الأمر ، وإنما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا
ويطيعوم فيما أمروا. وكذلك قال فى فرعون: (فَكَذَّبَ وَعَصَى ). وقال
عن جنس الكافر: ( فَلَ صَدَقَ وَ صَلَى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ). فالتكذيب للخبر ،
والتولي عن الأمر . وإنما الايمان تصديق الرسل فيما أخبروا ، وطاعتهم
فيما أمروا، ومنه قوله: ( كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ).
ولفظ ((التولي)) بمعنى التولي عن الطاعة مذ كور فى مواضع من القرآن،
٥٩

كقوله: ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْيُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْيُؤْتِكُمُ اللَّهُ
أَجْرَاحَسَنًا وَإِن تَتَوَّلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّ بَكُمْ عَذَابَ أَلِيمًا )
وذمه فى غير موضع من القرآن من تولى ؛ دليل على وجوب طاعة الله ورسوله
وأن الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة ، وذم المتولي عن الطاعة ؛ كما علق الذم
بمطلق المعصية في مثل قوله: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ). وقد قيل: إن
(التأبيد)) لم يذكر فى القرآن إلا فى وعيد الكفار؛ ولهذا قال: (وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ هُ جَهَنَّمُ خَلِدًافِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ,
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ).
وقال فيمن يجور فى المواريث: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ). فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده ، فلم
بذكرها مطلقة؛ وقال: (وَعَصَىَّءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى). فهي معصية خاصة؛ وقال تعالى:
(حَتََّ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ)
فأخبر عن معصية واقعة معينة ، وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث
أمرم بلزوم ثغرم ، وإن رأوا المسلمين قد انتصروا، فعصى من عصى منهم
هذا الأمر ، وجعل أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين ، وأقبل من أقبل
منهم على المغانم. وكذلك قوله: (وَكَرَّ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ) :
جعل ذلك ثلاث مراتب . وقد قال: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ). فقيد المعصية
ولهذا فسرت بالنياحة قاله ابن عباس :
وروى ذلك مرفوعا. وكذلك قال زيد بن أسلم لا يدعن ويلاً ولا يخدشن
٦٠