النص المفهرس
صفحات 21-40
وإذا لم يشق فهو مرحوم، وهؤلاء م أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوباً عليهم. وأهل الهدى ليسوا ضالين فتبين أن أهل رهبة الله يكونون متقين لله ، مستحقين لجنته بلا عذاب. وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب. ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَُّواْ) والمعنى أنه لا يخشاه إلا عالم ؛ فقد أخبر الله أن كل من خشى الله فهو عالم، كما قال فى الآية الأخرى : (أَمَنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) . والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً ؛ كما أن الرجاء يستلزم الخوف ، ولولا ذلك لكان أمناً ؛ فأهل الخوف لله والرجاء له م أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال: ((العلماء ثلاثة)): فعالمبالله ليس علماً بأمر الله، وعالم بأحر الله ليس عالماً بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله. فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذى يعلم أمره ونهيه، وفي ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده)). وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون فى الكتاب والسنة ، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: ٢١ (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْرَبُهُمْلَتُمْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ هِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ). وقوله: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ) . فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب ؛ ولهذا يقال للفاجر : لا يخاف الله. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) . قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوالي : كل من عصى الله فهو جاهل ، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ، وكذلك قال سائر المفسرين . قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته . وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدى وغيرم : إنما سموا جهالاً لمعاصيهم ، لا أنهم غير مميزين. وقال الزجاج : ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء ؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً؛ وإنما يحتمل أمرين. (أحدهما ) : أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه . والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل؛ فسمواجهالاً الإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة. فقد جعل الزجاج ((الجهل)) إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة ؛ وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط فى الكلام مع الجهمية . والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم ٢٢ مطيع لله؛ وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله، إذلو تم خوفه من الله لم يعص. ومنه قول ابن مسعود، رضي الله عنه: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً . وذلك لأن تصور الخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا؛ دل على أنه لم يتصوره لصوراً تاماً ؛ ولكن قد يتصور الخبر عنه ، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه . وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوباً له ولا مكروهاً ؛ فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلباً. وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه ؛ لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به ؛ فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب. وفى الكلام المعروف عن الحسن البصرى ، ويروى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((العلم علمان)) فعلم فى القلب، وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع ؛ وعلم اللسان حجة الله على عباده)). وقد أخرجا فى ((الصحيحين)) عن أبي موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة ، طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها . ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها)). وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه ، وقد يصدق أنه ٢٣ كلام الله وأن الرسول حق ، ولا يكون مؤمناً. كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وليسوا مؤمنين ، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما . لكن من كان كذلك ؛ لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة ، فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة ؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه : إنه جاهل كما تقدم . وكذلك لفظ ((العقل)) ــ وإن كان هو فى الأصل: مصدر عقل يعقل عقلاً، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم - فلا بد أن يعتبر مع ذلك أنه على يعمل بموجبه، فلا يسمى ((عاقلاً)) إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه ؛ ولهذا قال أصحاب النار: (لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكُنَافِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ). وقال عن المنافقين: ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ). ومن فعل ما يعلم أنه يضره ؛ فمثل هذا ماله عقل. فكما أن الخوف من الله يستلزم العام به؛ فالعلم به يستلزم خشيته ، وخشيته تستلزم طاعته. فالخائف من الله ممثل لأوامره مجتنب لنواهيه ، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولاً . ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكُرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَنَجَنَبُهَ اُلْأَشْقَى اُلَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ) . فأخبر أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته ، قال الله تعالى: (هُوَالَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقَاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن ولهذا قالوا فى قوله يُنِيبُ ). وقال: ( تَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) . ٢٤ (سَيَذَّكَُّ مَن يَخْشَى): سيتعظ بالقرآن من يخشى الله. وفى قوله (وَمَايَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ): إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة . وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره؛ فإن تذكر محبوباً طلبه، وإن تذكر مرهوباً هرب منه. ومنه قوله تعالى: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْلَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) . وقال سبحانه: ( إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ). فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ( سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَّهُمْ أَمْلَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) . فأثبت لهم الإنذار من وجه ، ونفاه عنهم من وجه : فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف . فالإنذار مثل التعليم والتخويف ، ثمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه، وآخر يقول : علمته فلم يتعلم . وكذلك من خوفته تخاف فهذا هو الذي تم تخويفه. وأما من خوف فما خاف ؛ فلم يتم تخويفه. وكذلك من هديته فاهتدى : تم هداه، ومنه قوله تعالى: (هُدَى لِلْنَّفِينَ). ومن هديته فلم يهند - كما قال: (وَأَمَّا ثَمُورُ - فلم يتم هداه ، كما تقول: قطعته فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْ اَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) فانقطع وقطعته فما انقطع . فالمؤثر التام يستلزم أثره ؛ فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاماً، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً ثم ، وإلا لم يتم . والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه ؛ ولهذا يسمى هذا العلم : الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها ، وأما مع فسادها فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة، والفساد ٢٥ يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعاً، كالممرور الذى يجد العسل حراً؛ فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التى مازجته وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى: (وَمَايُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَالَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ) . وقال تعالى: ( فَلَمَّازَاغُوْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ). وقال: (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلِّفُ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ). وقال فى الآية الأخرى: ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلَفْ بَل ◌َّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ). و((الغلف)): جمع أغلف وهو ذو الغلاف الذي فى غلاف مثل الأقلف ، كأنهم جعلوا المانع خلقة ، أى خلقت القلوب وعليها أغطية، فقال الله تعالى: ( بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) وطبع الله عليها بكفرهم (فَلاَيُؤْمِنُونَ إِلَّاقَلِيلًا ). وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوْ لِلَّذِينَ أُوتُواْلِعِلْوَ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا أُوْلَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَنَّعُواْأَهْوَاءَ هُمْ) . وكذلك قالوا: ( يَشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ) قال: (وَلَوْ عَلِمَ اُللَّهُ فِيِهِمْ خَ لَّأَسْمَعَهُمْ ) أى لأفهمهم ما سمعوه. ثم قال: ولو أفهمهم مع هذه الحال التى هم عليها، ( لَتَوَلَّاوَّهُمْ مُعْرِضُونَ) فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا ، فنفى عنهم صحة القوة العلمية ، وصحة القوة العملية ، وقال : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْإِلَّ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ). ٢٦ وقال: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًامِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّلَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَاذَانٌ لَّايَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ) . وقال : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَتْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ وَنِدَاءَ صُ بُكْمُ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) وقال عن المنافقين: (صُمُ بَكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) . ومن الناس من يقول: لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق ؛ جعلوا صماً بكما عمياً، أولما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصم العمى البكم، وليس كذلك؛ بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت ، كما قال الله تعالى: ((والقلب )) هو (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ ◌َلَّتِى فِ الصُّدُورِ ) الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم ، والمعنى : لا يفقهه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهاً تاماً، فإن الفقه التام يستلزم تأثيره فى القلب محبة المحبوب، وبغض المكروه؛ فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلاً فجاز نفيه، لأن ما لم يتم ينفى، كقوله للذي أساء فى صلاته: ((صل فإنك لم تصل)). فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب . وقد جمع الله بين وصفهم بوجل القلب إذا ذكر ، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته. قال الضحاك : زادتهم يقيناً. وقال الربيع بن أنس : خشية. وعن ابن عباس تصديقاً. وهكذا قد ذكر اللّه هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى: (أَلَم ٢٧ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ). و ((الخشوع)) يتضمن معنيين: (أحدهما): التواضع والذل. (والثاني): السكون والطمأنينة ، وذلك مستلزم للين القلب المنافى للقسوة ؛ فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضاً، ولهذا كان الخشوع فى الصلاة يتضمن هذا، وهذا: التواضع، والسكون . وعن ابن عباس فى قوله: ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ). قال: مخبتون أذلاء. وعن الحسن وقتادة : خائفون. وعن مقاتل: متواضعون . وعن علي: الخشوع فى القلب ، وأن تلين للمرء المسلم كنفك ، ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً : وقال مجاهد : غض البصر وخفض الجناح ، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره ، أو أن يحدث نفسه بشىء من أمر الدنيا . وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود ؛ ولكنه السكون وحب حسن الهيئة فى الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه: (قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِمْ خَشِعُونَ ) الآية . فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون ، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض . وعن عطاء : هو أن لا تعبث بشيء من جسدك وأنت فى الصلاة، وأبصر النى صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته فى الصلاة فقال: ((لو خشع ٢٨ قلب هذا لخشعت جوارحه)). ولفظ ((الخشوع)) - إن شاء الله يبسط - في موضع آخر . و ((خشوع الجسد)) تبع لخشوع القلب ، إذا لم يكن الرجل مرائياً يظهر ما ليس فى قلبه كما روى: ((تعوذوا بالله من خشوع النفاق)) وهو أن يرى الجسد خاشعاً والقلب خالياً لاهياً. فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: (أَلَمْ بَأَنِ فدعاهم إلى خشوع لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) القلب لذكره وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ، وهؤلاءهم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً . وكذلك قال في الآية الأخرى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَقْشَعِزُمِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَكِنُ جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِاللَّهِ ) . والذين يخشون ربهم، هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم. فإن قيل : خشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب. قيل: نعم لكن الناس فيه على قسمين: ((مقتصد)) ((وسابق)» فالسابقون يختصون بالمستحبات والمقتصدون الأبرار: هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء ؛ فهو ظالم لنفسه . وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمح)). ٢٩ وقد ذم الله ((قسوة القلوب)) المنافية للخشوع فى غير موضع، فقال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةٍ أَوْأَشَدُّ فَسْوَةً ) . قال الزجاج: قست فى اللغة: غلظت ويبست وعسيت . فقسوة القلب، ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. والقاسي والعاسى : الشديد الصلابة . وقال ابن قتيبة : قست وعست وعتت . أى يبست . وقوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة ، فإنه ينبغى أن يكون قوياً من غير عنف، وليناً من غير ضعف. وفى الأثر: «القلوب آنية الله فى أرضه، فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها)). وهذا كاليد فإنها قوية لينة ، بخلاف ما يقسو من العقب فإنه يابس لا لين فيه ، وإن كان فيه قوة. وهو سبحانه ذكر وجل القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علماً وعملاً. ثم لا بد من التوكل على الله فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما بقدر عليه ، وأصل ذلك (الصلاة)) و ((الزكاة)). فمن قام بهذه الخمس كما أمر، لزم أن يأتي بسائر الواجبات . بل ((الصلاة نفسها)) إذا فعلها كما أمر، فهى تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ كما روي عن ابن مسعود، وابن عباس: ((إن في الصلاة منتهى ومزدجراً عن معاصى الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً)). وقوله: « لم يزدد إلا بعداً))، إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله. أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل، وهذا ٣٠ كما فى ((الصحيح)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان ، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا)). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ اَلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا قَلِيلًا). وفى السنن عن عمار، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، حتى قال: إلا عشرها)) وعن ابن عباس قال: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتى من التطوعات بما يجبر نقص فرضه. ومعلوم أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن ، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التى أمره بها؛ فإنه يأتي بالواجبات؛ ولا يأتي كبيرة. ومن أتى الكبائر - مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر؛ وغير ذلك - فلا بد أن يذهب ما فى قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور؛ وإن بقى أصل التصديق فى قلبه. وهذا من ((الإيمان)) الذى ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزنى الزانی حین یزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)). فإن ((المتقين)) كما وصفهم الله بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَاهُم مُّبْصِرُونَ ) فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان ٣١ تذكروا ، فيبصرون. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله ؛ فيكظم الغيظ . وقال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب ، فيذكر الله ، فيدعه . والشهوة والغضب مبدأ السيئات ، فإذا أبصر رجع ثم قال : (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّلَا يُقْصِرُونَ ). أي : وإخوان الشياطين تمدم الشياطين في الغي ، ثم لا يقصرون . قال ابن عباس: لا الإنس نقصر عن السيئات . ولا الشياطين يمسك عنهم. فإذا لم يبصر بقي قلبه فى غي والشيطان يمده فى غيه. وإن كان التصديق فى قلبه لم يكذب. فذلك النور والإبصار . وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه . وهذا: كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئاً ، وإن لم يكن أعمى ؛ فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق. وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. وهکذا جاء فی الآثار : قال أحمد بن حنبل فی کتاب ( الإيمان ) : حدثنا يحي، عن أشعث، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزع منه الإيمان ؛ فإن تاب أعيد إليه )). وقال: حدثنا يحيى، عن عوف قال: قال الحسن: ((يجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان)). وقال أحمد: حدثنا معاوية عن أبى إسحاق ، عن الأوزاعي، قال : وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث - ((لا یزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن )» فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمناً فما هو؟ قال: فأنكر ذلك. وكره مسألتى عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان عن إبراهيم بن ٣٢ مهاجر ، عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه. وقال أبو داود السجستاني: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي أنه أخبره عن أبي هريرة أنه كان يقول: ((إنما الإيمان كثوب أحدكم يلبسه مرة ويقلعه أخرى)) وكذلك رواه بإسناده عن عمر، وروي عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وفى حديث عن أبى هريرة مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم: (( إذا زنى الزانى خرج منه الإيمان فكان كالظلمة ، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان)). وهذا ( إن شاء الله) يبسط فى موضع آخر. ٣٣ فصل وقد جاءت أحاديث تنازع الناس فى صحتها، مثل قوله: ((لا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) فأما الأول: فهو كقوله: (( لا صلاة إلا بطهور)) وهذا متفق عليه بين المسلمين ؛ فإن الطهور واجب فى الصلاة، فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها، وأما ذكر اسم الله تعالى على الوضوء ؛ ففي وجوبه نزاع معروف ، وأكثر العلماء لا يوجبونه ، وهو مذهب مالك ، وأبي حنيفة، والشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي وأبو محمد وغيرهما. والثاني : يجب وهو قول طائفة من أهل العلم، وهو الرواية الأخرى عن أحمد ، اختارها أبو بكر عبد العزيز ، والقاضي أبو يعلى وأصحابه. وكذلك قوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)) رواه الدار قطنى ، فمن الناس من يضعفه مرفوعاً ويقول : هو من كلام علي رضي الله عنه، ومنهم من يثبته كعبد الحق. وكذلك قوله: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)» قد رواه أهل السنن ، وقيل: إن رفعه لم يصح، وإنما يصح موقوفا على ابن عمر أو حفصة، فليس لأحد أن يثبت لفظاً عن الرسول مع أنه أريد به نفي الكمال المستحب ٣٤ فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعاً على وجوب هذه الأمور ؛ فإن لم تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة ، وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله ؛ وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليس قول الله ورسوله تابعاً لأقوالهم. فإذا كان فى وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد فى معنى ؛ لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم، وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعاً كمن يظن أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعاً؛ وليس الأمر كذلك؛ بل للعلماء قولان معروفان فى إجزاء هذه الصلاة ، وفى مذهب أحمد فيها قولان ؛ فطائفة من قدماء أصحابه - حكاه عنهم القاضى أبو يعلى فى شرح المذهب ، ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره - يقولون: من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة ، فإن أمكنه أن يؤديها فى جماعة بعد ذلك فعليه ذلك، وإلا باء بإنمه كما يبوء تارك الجمعة بإمه، والتوبة معروضة. وهذا قول غير واحد من أهل العلم، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا . وقد احتجوا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((من سمع النداء ٣٥ ثم لم يجب من غير عذر ؛ فلا صلاة له)) وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه فى المعذور الذي تباح له الصلاة وحده، كما ثبت عنه أنه قال: ((صلاة الرجل قاعداً على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد)) والمراد به المعذور ، كما فى الحديث أنه خرج وقد أصابهم وعك وم يصلون قعوداً ، فقال ذلك. ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعاً من غير عذر، ولا يعرف أن أحداً من السلف فعل ذلك ، وجوازه وجه فى مذهب الشافعي ، وأحمد ، ولا يعرف لصاحبه سلف صدق، مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى ؛ فلو كان يجوز لكل مسلم أن يصلي التطوع على جنبه، وهو صحيح لا مرض به، كما يجوز أن يصلى التطوع قاعداً وعلى الراحلة ؛ لكان هذا مما قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، وكان الصحابة تعلم ذلك ثم مع قوة الداعي إلى الخير لا بد أن يفعل ذلك بعضهم ، فلما لم يفعله أحد منهم ، دل على أنه لم يكن مشروعاً عندهم، وهذا مبسوط فى موضعه. والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله ؛ بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده ، لاعلى ما يحتمله ذلك اللفظ فى كلام كل أحد ، فإن كثيراً من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله؛ يسلك مسلك من يجعل ((التأويل)) كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ ، وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ ؛ بل جميع ما قاله الله ورسوله ٣٦ يجب الإيمان به ، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ، وليس الاعتناء بمراده فى أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس ، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول ؛ فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه ؛ وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما. وأما من يجعلهما بمعنى واحد ، كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين ؛ فالتأويل عنده هو التفسير. وأما ((التأويل)» فى كلام الله ورسوله؛ فله معنى ثالث غير معناه فى اصطلاح المفسرين ، وغير معناه فى اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين؛ كما بسط فى موضعه . والمقصودهنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان، والإسلام والدين ، والصلاة والصيام ، والطهارة والحج وغير ذلك؛ فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ نَسْلِيمًا ) فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس ؛ فمن تركها كان من أهل الوعيد ، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به، وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها ؛ فهو معرض للوعيد. ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب ((تحكيم الرسول)) فى كل ما شجر بين ٣٧ الناس فى أمر دينهم ودنياهم فى أصول دينهم وفروعه ، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألّ يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم ويسلموا تسليماً. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ واْ أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلأَ بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ (إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) وقد أنزل الله الكتاب صُدُودًا ) . وقوله : والحكمة وهي السنة ، قال تعالى: ( وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ اُلْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ). وقال تعالى: ( وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَكَ عَظِيمًا). والدعاء إلى ما أنزل يستلزم الدعاء إلى الرسول ، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله ، وهذا مثل طاعة الله والرسول؛ فإنهما متلازمان ، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ، ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول . وكذلك قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ فإنهما متلازمان ؛ فكل من شاق الرسول من غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ). بعد ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين ، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى . فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ ؛ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ . وهذه ((الآية)) تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم ٣٨ مستلزمة لمخالفة الرسول ، وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول؛ فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين ؛ فإنها مما بين الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البين. وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به، فهنا قد لا يقطع أيضاً بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر ؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ . والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر . و ((الإجماع)) هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة؟. فإن من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا، ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا. والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ، ويعلم يقيناً أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلاً ؛ فهذا يجب القطع بأنه حق ؛ وهذا لا بد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى ؛ كما قد بسط هذا فى موضع آخر . ومن جهة أنه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة ؛ دل على أن كل صفة من تلك الصفات متى ظهرت وجب اتباعها، وهذا مثل (الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) الذي أمرنا الله بسؤال هدايته ؛ فإنه قد وصف بأنه الإسلام ،ووصف بأنه اتباع القرآن ، ووصف بأنه طاعة الله ورسوله، ووصف بأنه طريق العبودية؛ ومعلوم أن كل اسم من هذه الأسماء يجب اتباع مسماه، ومسماها كلها واحد وإن تنوعت صفاته ؛ فأى صفة ظهرت وجب اتباع مدلولها ، فإنه مدلول الأخرى . وكذلك أسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، هي مثل أسماء دينه. ٣٩ وكذلك قوله تعالى. (وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ) قيل : حبل الله هو دين الإسلام، وقيل: القرآن ، وقيل: عهده، وقيل : طاعته وأمره، وقيل جماعة المسلمين ؛ وكل هذا حق . وكذلك إذا قلنا: الكتاب، والسنة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما فى الكتاب فالرسول ( موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة ، فليس فى المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتباعه فيه ، والمؤمنون مجمعون على ذلك. وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون ، فإنه لا يكون إلا حقاً موافقا لما فى الكتاب والسنة؛ لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول # وأما الرسول ◌َانه فينزل عليه وحي القرآن، ووحي آخر هو الحكمة، كماقال صلى الله عليه وسلم ((ألا إنبي أوتيت الكتاب ومثله معه)) . وقال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن . فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسراً في القرآن ؛ بخلاف ما يقوله أهل الإجماع ؛ فإنه لا بد أن يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الرسول # هو الواسطة بينهم وبين الله فى أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه؛ والمقصود ذكر الإيمان. ومن هذا الباب قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)). وقوله: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)). فإن من على ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول ٤٠