النص المفهرس

صفحات 1-20

جَهْنَ فَتَاوى
(
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعوَتَرَتِبُ
عَبَدِ الرَّحَمِن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم (رَحَمَهُ الَه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه))
المجلّ السّابع
طُبعَ بِأمْر
خَادِمِ الْجَهَيْنِ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهْدِرْ عَبْدِ العزيز السُعُود
أجْزَل اللّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
◌ُجَمِع ◌ْلَلِ فَهْدِ لُطبَاعَةِ المُصَحِفِ الشَّرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَةُ الُّنُؤُوْنِ الإسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِةِ وَاللَّعْوَة وَالإِرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٧١٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة)
٣-٢٧ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٧)
1 - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٣-٢٧ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٧ )

كتاب
الأهميَّان

بِسْمِالَِّلَِّالرَّحَّةِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
قال شيخ الإسلام :
أحمد بن تيمية قدس الله روحه
حِلّهِ الرَّحِيمِ
بِسـ
٠
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، ونشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه
وعلى آله وسلم تسليماً .
اعلم أن ((الإيمان والإسلام)» يجتمع فيهما الدين كله وقد كثر كلام
الناس فى ((حقيقة الإيمان والإسلام))، ونزاعهم، واضطرابهم ؛ وقد صنفت
فى ذلك مجلدات ، والنزاع فى ذلك من حين خرجت الخوارج بين
عامة الطوائف .
٥

ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ، مع ما يستفاد
من كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله ، فإن هذا
هو المقصود. فلا ند کر اختلاف الناس ابتداء ؛ بل نذ کر من ذلك - فى ضمن
بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله - ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله
وإلى الرسول خير وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة فى الدنيا والآخرة .
فنقول : قد فرق النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل عليه
السلام، بين مسمى ((الإسلام)) ومسمى ((الإيمان)) ومسمي ((الإحسان)).
فقال: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم
الصلاة، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)).
وقال: ((الإيمان: أن تؤمن بالله ، وملائكته، وكتبه ، ورسله ، واليوم
الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره)).
و ((الفرق)» مذ كور فى حديث عمر الذي انفرد به مسلم، وفى حديث
أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه : أن جبرائيل جاءه
فى صورة إنسان أعرابي فسأله. وفى حديث عمر : أنه جاءه فى صورة أعرابي.
وكذلك فسر («الإسلام)» فى حديث ابن عمر المشهور، قال: ((بني الإسلام
على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)).
وحديث جبرائيل يبين أن ((الإسلام المبني على خمس)) هو الإسلام نفسه
٦

ليس المبنى غير المبنى عليه ؛ بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات:
أعلاها ((الإحسان)) وأوسطها ((الإيمان)) ويليه ((الإسلام))، فكل محسن
مؤمن، وكل مؤمن مسلم ، وليس كل مؤمن محسناً ، ولا كل مسلم مؤمناً، كما
سيأتي بيانه - إن شاء الله - فى سائر الأحاديث ، كالحديث الذي رواه حماد
ابن زيد، عن أيوب عن أبى قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال له: ((أسلم تسلم. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك
له، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك . قال: فأى الإسلام أفضل ؟ قال:
الإيمان . قال: وما الإيمان؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته، وکتبه ورسله ،
وبالبعث بعد الموت. قال: فأي الإيمان أفضل ؟ قال: الهجرة. قال: وما
الهجرة؟ قال : أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال : الجهاد .
قال : وما الجهاد ؟ قال : أن تجاهد ، أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم .
ولا تغلل، ولا تجبن)). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عملان ها
أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما ــ قالها ثلاثا ــ حجة مبرورة، أو عمرة))
رواه أحمد ، ومحمد بن نصر المروزي.
ولهذا يذكر هذه ((المراتب الأربعة)) فيقول: المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر
السيئات ، والمجاهد من جاهد نفسه لله)). وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه
وسلم من حديث عبد الله بن عمرو ، وفضالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد ، وهو
في ((السنن)) وبعضه فى ((الصحيحين)).
٧

وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ». ومعلوم أن من كان
مأموناً على الدماء والأموال ؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده ، ولو لا
سلامتهم منه لما اتتمنوه . وكذلك فى حديث عبيد بن عمير ، عن عمرو
ابن عبسة .
وفى حديث عبد الله بن عبيد بن عمير أيضاً ، عن أبيه عن جده ، أنه قيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما الإسلام؟ قال: إطعام الطعام، وطيب
الكلام . قيل : فما الإيمان ؟ قال : السماحة والصبر . قيل : فمن أفضل
المسلمين إسلاماً؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . قيل: فمن أفضل
المؤمنين إيماناً ؟ قال : أحسنهم خلقاً . قيل فما أفضل الهجرة ؟ قال : من محجر
ما حرم الله عليه . قال : أي الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت . قال : أي
الصدقة أفضل ؟ قال: جهد مقل. قال : أي الجهاد أفضل ؟ قال : أن تجاهد
بمالك ونفسك ؛ فيعقر جوادك ، ويراق دمك . قال أي الساعات أفضل ؟ قال :
جوف الليل الغابر)).
ومعلوم أن هذا كله مراتب بعضها فوق بعض ؛ وإلا فالمهاجر لابد أن
يكون مؤمناً، وكذلك المجاهد، ولهذا قال: ((الإيمان: السماحة والصبر)).
وقال فى الإسلام: ((إطعام الطعام، وطيب الكلام)). والأول مستلزم للثانى؛
فإن من كان خلقه السماحة ، فعل هذا بخلاف الأول ؛ فإن الإنسان قد يفعل
ذلك تخلقاً، ولا يكون فى خلقه سماحة وصبر. وكذلك قال: ((أفضل المسلمين
٨

من سلم المسلمون من لسانه ويده)). وقال: ((أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم
خلقاً)). ومعلوم أن هذا يتضمن الأول ؛ فمن كان حسن الخلق فعل ذلك.
قيل للحسن البصري : ما حسن الخلق ؟ قال: بذل الندى ، وكف الأذى
وطلاقة الوجه . فكف الأذى جزء من حسن الخلق.
وستأتى الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان
كقوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق)). وقوله لوفد عبد القيس: ((آمركم بالله وحده،
أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)).
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب؛
لما قد أخبر فى غير موضع أنه لا بدمن إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان
القلب هو الإيمان، وفى ((المسند)) عن أنس، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((الإسلام علانية، والإيمان فى القلب)). وقال صلى الله عليه وسلم:
((إن فى الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد
لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب)). فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً،
بخلاف العكس .
وقال سفيان بن عيينة : كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض
بهؤلاء الكلمات : من أصلح سريرته؛ أصلح الله علانيته. ومن أصلح ما بينه
٩

وبين الله ؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس . ومن عمل لآخرته ؛ كفاه الله أمر
دنياه. رواه ابن أبى الدنيا فى ((كتاب الإخلاص)).
فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان ؛ صلح الجسد بالإسلام، وهو من الايمان؛
يدل على ذلك أنه قال فى حديث جبرائيل: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)).
فجعل (الدين)) هو الإسلام، والإيمان، والإحسان. فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة.
لكن هو درجات ثلاث: ((مسلم)) ثم ((مؤمن)) ثم («محسن» كما قال تعالى: (ثُمَ أَوْرَثْنَا
اَلْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف
الظالم لنفسه. وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب ؛ لكن لم يقم بما
يجب عليه من الإيمان الباطن ؛ فإنه معرض للوعيد، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وأما ((الإحسان)) فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من
الإيمان . ((والإيمان)) أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام.
فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام ، والمحسنون أخص
من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين؛ وهذاكما يقال: فى ((الرسالة،
والنبوة)) فالنبوة داخلة فى الرسالة ، والرسالة أعم من جهة نفسها ، وأخص من
جهة أهلها ؛ فكل رسول نبى ، وليس كل نى رسولا؛ فالأنبياء أعم ، والنبوة
نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة ؛ فإنها
لا تتناول الرسالة .
١٠

والنبى صلى الله عليه وسلم فسر ((الإسلام والإيمان)) بما أجاب به؛ كما يجاب
عن المحدود بالحد ، إذا قيل ما كذا ؟ قيل : كذا ، وكذا . كما فى الحديث
الصحيح، لما قيل: ما الغيبة؟ قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)). وفى الحديث
الآخر: (( الكبر بطر الحق وغمط الناس)). وبطر الحق: جحده ودفعه. وغمط
الناس : احتقارم وازدراؤم .
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - سبب تنوع أجوبته، وأنها
كلها حق.
ولكن (المقصود) أن قوله: ((بی الإسلام على خمس»؛ كقوله: «الإسلام
هو الخمس)) كما ذكر في حديث جبرائيل ؛ فإن الأمر مركب من أجزاء، تكون
الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها ؛ فالإسلام مبنى على هذه
الأركان - وسنبين إن شاء الله - اختصاص هذه الخمس بكونهاهي الإسلام،
وعليها بنى الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات ؟
وقد فسر «الإيمان» فى حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا،
لكنه لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه فقال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده،
هل تدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم
رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، أو خمساً من المغنم)).
وقد روى فى بعض طرقه: ((الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله)).
١١

لكن الأول أشهر. وفى رواية أبى سعيد: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع:
اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)). وقد فسر فى حديث شعب الإيمان -
الإيمان بهذا وبغيره، فقال: ((الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة،
أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة
من الإيمان)).
وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال: ((الحياء شعبة من الإيمان)) من
حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين. وقال أيضاً: ((لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)). وقال: لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). وقال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن،
والله لا يؤمن. قيل: من يارسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)).
وقال: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وقال: ((ما بعث الله من نى إلا كان فى أمته
قوم يهتدون بهديه، ويستنون بسنته. ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون
مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ؛ ثمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن
جاهده بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك
من الإيمان حبة خردل)) وهذا من إفراد مسلم.
وكذلك في إفراد مسلم قوله: ((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى
تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟:
١٢

أفشوا السلام بينكم)) وقال فى الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة ، ورواه
البخاري من حديث ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى
حين يزنى وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق
السارق حين يسرق وهو مؤمن. ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم
وهو مؤمن )).
فيقال ((اسم الإيمان)) تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام ولا
باسم العمل الصالح ولا غيرهما، وتارة يذكر مقروناً؛ إما بالإسلام كقوله فى
حديث جبرائيل: ((ما الإسلام وما الإيمان))؟ وكقوله تعالى: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ). وقوله عز وجل: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَ
قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا). وقوله تعالى: (فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
* فَاوَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ).
وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح ؛ وذلك فى مواضع من القرآن ،
كقوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ). وإما مقروناً بالذين أوتوا
العلم، كقوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَلْإِيَنَ) وقوله: (يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ ). وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل
فيهم الذين أوتوا العلم ؛ فإنهم خيارهم، قال تعالى: (وَالزَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
ءَمَنَّا بِهِ، كُلُّمِّنْ عِندِ رَبِنَا). وقال: (لََّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ).
١٣

ويذكر أيضاً لفظ المؤمنين مقروناً بالذين هادوا والنصارى والصابئين ،
ثم يقول: (مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) فالمؤمنون فى ابتداء الخطاب غير الثلاثة،
والإيمان الآخر عمهم ؛ كما عمهم فى قوله : (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُالْبَرِيَّةِ ). وسنبسط هذا إن شاء الله تعالى.
(فالمقصود هنا ) العموم والخصوص بالنسبة إلى ما فى الباطن والظاهر من
الإيمان. وأما العموم بالنسبة إلى الملل؛ فتلك ((مسألة أخرى)). فلما ذكر
الإيمان مع الإسلام؛ جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة : الشهادتان، والصلاة
والزكاة ، والصيام ، والحج . وجعل الإيمان ما فى القلب من الإيمان بالله،
وملائكته، وكتبه، ورسله ، واليوم الآخر . وهكذا فى الحديث الذي رواه
أحمد، عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام علانية، والإيمان
فى القلب )».
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً ؛ دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كقوله
فى حديث الشعب: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). وكذلك سائر الأحاديث التى يجعل فيها
أعمال البر من الإيمان .
ثم إن نفي ((الإيمان)) عند عدمها؛ دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل
إيمان صاحبها - ولم ينف إيمانه - دل على أنها مستحبة ؛ فإن الله أورسوله
١٤

لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر الله به، ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته
كقوله: (( لا صلاة إلا بأم القرآن)). وقوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا
دين لمن لا عهد له )) ونحو ذلك.
فأما إذا كان الفعل مستحباً فى ((العبادة)) لم ينفها لانتفاء المستحب ، فإن
هذا لو جاز ؛ لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة
والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه ، وليس أحد يفعل أفعال البر
مثل ما فعلها النبى صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر . فلو كان من
لم يأت بكالها المستحب يجوز نفيها عنه ؛ لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من
الأولين والآخرين ، وهذا لا يقوله عاقل .
فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي ((الكمال الواجب))
الذى يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة؛ فقد صدق. وإن أراد أنه نفي ((الكمال
المستحب)) فهذا لم يقع قط فى كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع ، فإن من
فعل الواجب كما وجب عليه ، ولم ينتقص من واجبه شيئاً؛ لم يجز أن يقال:
ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً . فإذا قال للأعرابى المسىء فى صلاته: ((ارجع فصل
فإنك لم تصل)). وقال لمن صلى خلف الصف - وقد أمره بالإعادة: ((لا صلاة
لفذ خلف الصف)) كان لترك واجب. وكذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُوْبِلَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّلَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
هُمُ الضَدِقُونَ ) يبين أن الجهاد واجب وترك الارتياب واجب.
١٥

والجهاد - وإن كان فرضاً على الكفاية - جميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء
فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه ، والعزم على فعله إذا تعين؛ ولهذا قال النبى صلى
الله عليه وسلم: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو ؛ مات على شعبة نفاق))
رواه مسلم. فأخبر أنه من لم يهم به؛ كان على شعبة نفاق .
((وأيضاً)) فالجهاد جنس تحته أنواع متعددة، ولا بد أن يجب على المؤمن
نوع من أنواعه . وكذلك قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُّهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ
هذا كله
الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ).
واجب؛ فإن التوكل على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله
واجب ، وحب الله ورسوله واجب . وقد أمر الله بالتوكل فى غير آية أعظم مما
أمر بالوضوء والغسل من الجنابة ونهى عن التوكل على غير الله ، قال تعالى:
(فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). وقال تعالى: (اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ). وقال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا
الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ، وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ). وقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى
يَقَوْمِإِنَ كُمْ ءَمَثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ نَوَكُوا إِنَ كُمْ مُسْلِمِينَ ) .
وأما قوله: ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيمَنًا ). فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان
الثابتة فيه ، بحيث إذا كان الإنسان مؤمناً ؛ لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له
١٦

وإذا لم يوجد ؛ دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب ، وهذا كقوله
تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَلَوْ
كَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْأَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ
آلْإِيمَانَ وَأَنَّدَهُمْ بِرُوجِمِنْهُ). فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله
فإن نفس الإيمان بنافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر ، فإذا وجد الإيمان
انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله ، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه ؛
كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.
ومثله قوله تعالى فى الآية الأخرى: (تَرَى كَثِيرًامِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَبِْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ *
وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًامِنْهُمْ
فَسِقُونَ). فذكر ((جملة شرطية)) تقتضى أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط
بحرف ((لو)) التى تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: (وَلَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ
بِلَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَاتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ). فدل على أن الإيمان المذكور
ينفي اتخاذم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذم أولياء فى القلب. ودل
ذلك على أن من اتخذج أولياء ؛ ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبى،
وما أنزل إليه .
ومثله قوله تعالى: (لَانَتَّخِذُواْأَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَنْ يَتَوَلَُّم
فإنه أخبر فى تلك الآيات أن متوليهم لايكون
مِنْكُمْ فَإِنَّهُمِنْهُمْ ) .
١٧

مؤمناً . وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم ؛ فالقرآن بصدق بعضه بعضاً . قال الله
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًامُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
تعالی :
يَخْشَوْنَ رَبَهُمْ ) الآية. وكذلك قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ, عَلَى أَمْرِ جَامِع لَّمْ يَذْهَبُواْحَتَّى يَسْتَذِئُوهُ ) : دليل على أن الذهاب
المذكور بدون استئذانه لا يجوز وأنه يجب ألا يذهب حتى يستأذن، فمن
ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان ؛ فلهذا نفى
عنه الإيمان، فإن حرف ((إنما) تدل على إثبات المذكور ونفي غيره.
ومن الأصوليين من يقول: إن ((إن)) للإثبات و((ما)) للنفي، فإذا جمع
بينهما دلت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربية ، ومن يتكلم
فى ذلك بعلم، فإن ((ما)) هذه هي الكافة التى تدخل على إن وأخواتها فتكفها
عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الإسمية ، فلما كفت بطل عملها
واختصاصها ، فصار يليها الجمل الفعلية والاسمية ؛ فتغير معناها وعملها جميعاً
بانضمام ((ما)) إليها وكذلك كأنما وغيرها .
وكذلك قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَادُهُوْاْ إِلَى الَّهِوَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمََّهُمْإِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم
مُعْرِضُونَ * وَإِنِ يَكُنْ نَهُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذِْنِينَ * أَفِ قُلُوبِهِم مَرَضُّ أَمِ آَرْتَابُوْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ
يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ بَلْ أُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْإِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُبَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
١٨

فإن قيل : إذا كان المؤمن حقاً هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات ؛ فقد
قال: ( أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) ولم يذكر إلا خمسة أشياء. وكذلك قال
فى الآية الأخرى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَدِقُونَ). وكذلك قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَغْذِ نُونَكَ أُوْلَكَِّكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).
قيل عن هذا جوابان :
(أحدهما): أن يكون ما ذكر مستلزماً لما ترك؛ فإنه ذكر وجل قلوبهم
إذا ذكر الله . وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه ، وإقام الصلاة
على الوجه المأمور به باطناً وظاهراً، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع؛ فكان
هذا مستلزما للباقى؛ فإن وجل القلب عند ذكر الله يقتضى خشيته والخوف
منه. وقد فسروا (وجلت ) بفرقت . وفى قراءة ابن مسعود: (إذا ذكر الله
فرقت قلوبهم). وهذا صحيح؛ فإن ((الوجل فى اللغة)) هو الخوف ، يقال:
حمرة الخجل وصفرة الوجل. ومنه قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ
قالت عائشة: ((يارسول الله! هو الرجل يزني
أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ )
ويسرق ويخاف أن يعاقب ؟ قال : لا ياابنة الصديق! هو الرجل يصلى ويصوم
ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه)).
وقال السدى فى قوله تعالى: ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) : هو
١٩

الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فينزع عنه. وهذا كقوله تعالى: (وَأَمَّامَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَى * فَإِنَّالْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى) وقوله: (وَلِمَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ). قال مجاهد وغيره من المفسرين: هو الرجل يهم
بالمعصية ، فيذكر مقامه بين يدي الله ؛ فيتركها خوفاً من الله.
وإذا كان (( وجل القلب من ذكره » یتضمن خشيته ومخافته ؛فذلك بدعو
صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور . قال سهل بن عبد الله : ليس بين العبد
وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار،
وأصل كل خير فى الدنيا والآخرة الخوف من الله . ويدل على ذلك قوله
تعالى: ( وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُمُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَاَلْأَ لْوَاحِّ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ
فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون الله.
هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ ) .
قال مجاهد وإبراهيم : هو الرجل يريد أن يذنب الذنب فيذكر مقام
الله فيدع الذنب. رواه ابن أبى الدنيا، عن ابن الجعد ، عن شعبة، عن
منصور، عنهما، فى قوله تعالى: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ ). وهؤلاء هم
أهل الفلاح المذكورون فى قوله تعالى: (أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَتِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وهم (المؤمنون)) وثم ((المتقون)) المذكورون فى قوله تعالى:
(الَّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ) كما قال فى آية البر: (أُوْلَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ) . وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما فى قوله تعالى:
وإذا لم يضل فهو متبع مهتد ،
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) ..
٢٠