النص المفهرس

صفحات 581-600

الإطلاق ، فلا يكون اليد الحقيقية، وقوله ((فمن صافه وقبله فكأنما صافح
الله وقبل يمينه)) صريح فى أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا لله ولا مقبلا ليمينه؛
لأن المشبه ليس هو المشبه به، وقد أتى بقوله: ((فكأنما) وهي صريحة فى التشبيه؛
وإذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين لا أنه نفس اليمين كان من
اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين.
فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كري الشكل ، سواء كان هو الفلك
التاسع أو غير الفلك التاسع ، قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات ، وهو
العالي عليها من جميع الجوانب، وأنه لا يجوز أن يكون شىء مما فى السماء
والأرض فوقه، وأن القاصد إلى ما فوق العرش - بهذا التقدير - إنما يقصد
إلى العلو ، لا يجوز فى الفطرة ولا فى الشرعة - مع تمام قصده - أن يقصد
جهة أخرى من جهاته الست ؛ بل هو أيضاً يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه،
كما ضربه النبى صلى الله عليه وسلم مثلا من المثل بالقمر - ولله المثل الأعلى -
وبين أن مثل هذا إذا جاز فى القمر - وهو آية من آيات الله تعالى - فالخالق
أعلى وأعظم .
وأما إذا قدر أن العرش ليس كرى الشكل ، بل هو فوق العالم من الجهة
التى هي وجه الأرض ، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض
الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكرى، أو غير ذلك من المقادير التى
يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه وليس كرى الشكل ، فعلى كل تقدير لا تتوجه
إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات.
٥٨١

فقد ظهر أنه - على كل تقدير - لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى
العلو ، مع كونه على عرشه مباينا لخلقه، وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات-
كما يحيط بها إذا كانت فى قبضته - أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها
ويحيط بها، فهو على التقديرين يكون فوقها مبايناً لها ؛ فقد تبين أنه على هذا
التقدير فى الخالق، وعلى هذا التقدير فى العرش، لا يلزم شيء من المحذور
والتناقض ، وهذا يزيل كل شبهة ، وإنما تنشأ الشبهة فى اعتقادين فاسدين .
( أحدهما ) أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله فوقه وجب أن يكون الله
كريا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كرى - كالفلك
التاسع - من جميع الجهات، وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال، فإن الله
مع كونه فوق العرش ، ومع القول بأن العرش كرى - سواء كان هو التاسع
أو غيره - لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك فى أشكالها؛ كما لا يجوز أن
يظن أنه مشابه لها فى أقدارها ، ولا فى صفاتها - سبحانه وتعالى عما يقول
الظالمون علواً كبيراً - بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات
عنده بمنزلة داخل الفلك فى الفلك. وإنها عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو
ذلك فى يد أحدنا . فإذا كانت الخمصة أو الفلفلة. بل الدرهم والدينار. أو الكرة
التى يلعب بها الصبيان ونحو ذلك، في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل
يتصور عاقل إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به أن يكون الإنسان
كالفلك؟ والله - ولله المثل الأعلى - أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه
٥٨٢

الذين ( مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ
مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وكذلك «اعتقادم الثاني)): وهو أن ما كان فلكا فإنه يصح التوجه إليه من
الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل ، الذين يعلمون الهيئة ؛ وأهل العقل الذين
يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الإمكان .
فقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ فى العقل والشرع ، وأنه لا يجوز
أن تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو ، لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير
يفرض من التقديرات ، سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره ؛ سواء
كان محيطاً بالفلك كرى الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريا، سواء كان
الخالق - سبحانه - محيطاً بالمخلوقات كما يحيط بها فى قبضته أو كان فوقها من
جهة العلو منا، التى تلى رؤوسنا، دون الجهة الأخرى .
فعلى أي تقدير فرض كان كل من مقدمتى السؤال باطلة ، وكان الله تعالى
إذا دعوناه إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره ، كما فطرنا على ذلك.
وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله أعلم.
٥٨٣

سئل رحمه الله :
هل العرش والكرسي موجودان ، أم مجاز ؟ وهل مذهب أهل السنة
على أن الله تعالى كلم موسى شفاهاً منه إليه بلا واسطة؟ وهل الذي رآه موسى
كان نوراً أم ناراً؟.
فأجاب - رضى الله عنه - الحمد لله. بل ((العرش)) موجود بالكتاب
والسنة، وإجماع سلف الأمة وأمتها، وكذلك ((الكرسي)) ثابت بالكتاب
والسنة، وإجماع جمهور السلف.
وقد نقل عن بعضهم: أن ((كرسيه)) علمه. وهو قول ضعيف ؛ فإن علم
الله وسع كل شيء، كما قال: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةٌ وَعِلْمًا ).
والله يعلم نفسه ويعلم ما كان وما لم يكن ، فلو قيل وسع علمه السموات
والأرض لم يكن هذا المعنى مناسباً؛ لا سيما وقد قال تعالى: ( وَلَا يَتُودُهُ.
حِفْظُهُمَا ) أي لايثقله ولا يكرثه، وهذا يناسب القدرة لاالعلم، والآثار المأثورة
تقتضي ذلك؛ لكن الآيات والأحاديث في ((العرش)) أكثر من ذلك؛
صريحة متواترة .
٥٨٤

وقد قال بعضهم: إن ((الكرسي)) هو العرش ؛ لكن الأكثرون على
أنهما شيئان .
وأما موسى فإن الله كلمه بلا واسطة باتفاق المسلمين؛ أهل السنة وأهل
البدعة ، لم يقل أحد من المسلمين أن موسى كان بينه وبين الله واسطة فى التكليم
لا أهل السنة، ولا الجهمية، ولا من المعتزلة، ولا الكلابية، ولا غيرهم. ولكن
بينهم نزاع فى غير هذا .
والذي رآه موسى كان ناراً بنص القرآن، وهو أيضاً «نور» كما فى الحديث
و((النار)) هي نور والله أعلم.
٥٨٥

سئل :-
عن رجلين تنازعا فى ((كيفية السماء والأرض )) هل هما (جسمان کریان))؟
فقال أحدهما كريان ؛ وأنكر الآخر هذه المقالة ، وقال: ليس لها أصل وردها،
فما الصواب ؟
فأجاب : السموات مستديرة عند علماء المسلمين ، وقد حكى إجماع
المسلمين على ذلك غير واحد من العلماء أئمة الإسلام: مثل أبي الحسين أحمد
ابن جعفر بن المنادي ،أحد الأعيان الكبار، من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام
أحمد، وله نحو أربعمائة مصنف .
وحكى الإجماع على ذلك الإمام أبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي
وروى العلماء ذلك بالأسانيد المعروفة عن الصحابة والتابعين، وذكروا ذلك
من كتاب الله وسنة رسوله، وبسطوا القول فى ذلك بالدلائل السمعية .
وإن كان قد أقيم على ذلك أيضاً دلائل حسابية.
ولا أعلم فى علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك ؛ إلا فرقة يسيرة من
أهل الجدل لما ناظروا المنجمين، فأفسدوا عليهم فاسد مذهبهم فى الأحوال
٥٨٦

والتأثير ، خلطوا الكلام معهم بالمناظرة فى الحساب ، وقالوا على سبيل التجويز
يجوز أن تكون مربعة أو مسدسة أو غير ذلك؛ ولم ينفوا أن تكون مستديرة
لكن جوزوا ضد ذلك. وماعلمت من قال إنها غير مستديرة - وجزم بذلك-
إلا من لا يؤبه له من الجهال .
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَهُوَالَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ
كُلُّ فِ فَكٍ يَسْبَحُونَ ) ، وقال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَوَلَ الَِّلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ).
قال ابن عباس وغيره من السلف : في فلكة مثل فلكة المغزل . وهذا
صريح بالاستدارة والدوران، وأصل ذلك: أن ((الفلك في اللغة)) هو الشيء
المستدير ، يقال تفلك ثدى الجارية إذا استدار ، ويقال لفلكة المغزل المستديرة
فلكة ؛ لاستدارتها.
فقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن ((الفلك)) هو المستدير، والمعرفة
لمعانى كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق
بهم من السلف، ومن اللغة: التى نزل القرآن بها، وهي لغة العرب.
وقال تعالى: ( يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَتْلِ ) قالوا:
و((التكوير)) التدوير، يقال: كورت العمامة، وكورتها: إذا دورتها ، ويقال:
للمستدير كارة، وأصله ((كورة)) تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا .
٥٨٧

ويقال أيضاً: ((كرة)) وأصله كورة ، وإنما حذفت عين الكلمة كما قيل فى
ثبة وقلة .
والليل والنهار . وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة ؛ فإن الزمان مقدار
الحركة؛ والحركة قائمة بالجسم المتحرك ، فإذا كان الزمان التابع للحركة التابعة
للجسم موصوفا بالاستدارة كان الجسم أولى بالاستدارة.
وقال تعالى: ( مَّاتَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَُوتٍ ) وليس فى السماء إلا
أجسام ما هو متشابه - فأما التثليث ، والتربيع، والتخميس ، والتسديس،
وغير ذلك : ففيها تفاوت واختلاف ، بالزوايا والأضلاع - لا خلاف فيه، ولا
تفاوت ؛ إذ الاستدارة التى هي الجوانب.
وفى الحديث المشهور فى سنن أبي داود وغيره ، عن جبير بن مطعم ، أن
أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! جهدت الأنفس،
وهلك المال؛ وجاع العيال ، فاستسق لنا ؛ فإنا نستشفع بالله عليك ، ونستشفع
بك على الله : فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك فى وجوه
أصحابه، وقال: ((ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله
أعظم من ذلك، إن عرشه على سماواته هكذا)) وقال بيده مثل القبة (( وأنه يئط
به أطيط الرحل الجديد براكبه)).
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العرش على السماوات مثل القبة، وهذا
إشارة إلى العلو والإدارة .
٥٨٨

وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سألتم الله الجنة
فاسألوه ((الفردوس)) فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن))
والأوسط لا يكون أوسط إلا فى المستدير، وقد قال إياس بن معاوية السماء على
الأرض مثل القبة ، والآثار فى ذلك لا تحتملها الفتوى ؛ وإنما كتبت هذا
على عجل .
والحس مع العقل يدل على ذلك، فإنه مع تأمل دوران الكواكب القريبة
من القطب فى مدار ضيق حول القطب الشمالي ، ثم دوران الكواكب
المتوسطة فى السماء فى مدار واسع ، وكيف يكون فى أول الليل ، وفى آخره؟
يعلم ذلك .
وكذلك من رأى حال الشمس وقت طلوعها ، واستوائها وغروبها،
فى الأوقات الثلاثة على بعد واحد وشكل واحد ، ممن يكون على ظهر الأرض
على أنها تجري فى فلك مستدير ، وأنه لو كان مربعاً لكانت وقت الاستواء
أقرب إلى من نحاذيه منها وقت الطلوع والغروب، ودلائل هذا متعددة.
وأما من ادعى ما يخالف الكتاب والسنة فهو مبطل فى ذلك ، وإن زعم
أن معه دليلاً حسابياً؛ وهذا كثير فيمن ينظر فى ((الفلك وأحواله)) كدعوى
جماعة من الجهال أنَّه يغلب وقت طلوع الهلال لمعرفة وقت ظهوره ،
بعد استسراره بمعرفة بعده عن الشمس ، بعد مفارقتها وقت الغروب،
وضبطهم ((قوس الرؤية)) وهو الخط المعروض مستديرا - قطعة من دائرة -
٥٨٩

وقت الاستهلال ؛ فإن هذه دعوى باطلة اتفق علماء الشريعة الأعلام على مخريم
العمل بذلك فى الهلال .
واتفق أهل الحساب العقلاء على أن معرفة ظهور الهلال لا يضبط بالحساب
ضبطاً تاماً قط ؛ ولذلك لم يتكلم فيه حذاق الحساب؛ بل أنكروه؛ وإنما تكلم
فيه قوم من متأخريهم تقريباً ، وذلك ضلال عن دين الله وتغيير له. شبيه بضلال
اليهود والنصارى عما أمروابه من الهلال ، إلى غاية الشمس ، وقت اجتماع
القرصين، الذي هو الاستسرار ؛ وليس بالشهور الهلالية ، ونحو ذلك.
و ( النسيء ) الذي كان فى العرب: الذي هو زيادة فى الكفر - الذي
يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً - ما ذكر ذلك علماء
الحديث والسير، والتفسير وغيرهم.
وقد ثبت فى الصحيحين عن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إنا أمة أمية، لا نكتب ولا تحسب، صوموالرؤيته وأفطروا لرؤيته)).
فمن أخذ علم الهلال الذي جعله الله مواقيت للناس ، والحج بالكتاب
والحساب فهو فاسد العقل والدين .
والحسّاب إذا صح حسابه أكثر ما يمكنه ضبط المسافة التى بين الشمس
والقمر ، وقت الغروب مثلاً، وهو الذي يسمى بعد القمر عن الشمس ، لكن
كونه يرى لا محالة، أو لا يرى بحال لا يعلم بذلك.
٥٩٠

فإن ((الرؤية)) تختلف بعلو الأرض وانخفاضها وصفاء الجو وكدره ،
وكذلك البصر وحدته ، ودوام التحديق وقصره ، وتصويب التحديق وخطأ. ،
وكثرة المتراتين وقلتهم، وغلظ الهلال ، وقد لا يرى وقت الغروب. ثم بعد
ذلك يزداد بعده عن الشمس ، فيزداد نورا ، ويخلص من الشعاع المانع من
رؤيته؛ فیری حينئذ .
وكذلك لم يتفقوا على قوس واحد لرؤيته، بل اضطربوا فيه كثيراً، ولا
أصل له ، وإنما مرجعه إلى العادة، وليس لها ضابط حسابي.
فمنهم من ينقصه عن عشر درجات .
ومنهم: من يزيد. وفى الزيادة والنقص أقوال متقابلة ، من جنس أقوال
من رام ضبط عدد التواتر الموجب، الحصول العلم بالمخبر ، وليس له ضابط عددي
إذ للعلم أسباب وراء العدد، كماللرؤية.
وهذا كله إذا فسر الهلال بما طلع فى السماء ، وجعل وقت الغيم المطبق
شكا، أما إذا فسر الهلال بما استهله الناس وأدركوه، وظهر لهم وأظهروا
الصوت به : اندفع هذا بكل تقدير .
والخلاف فى ذلك مشهور بين العلماء ، فى مذهب الإمام أحمد وغيره،
والثاني قول الشافعي وغيره. والله أعلم.
٥٩١

وسئل شيخ الإسلام
رحمه الله تعالى
عن خلق السموات والأرض، وتركيب التيرين والكواكب، هل هي
مثبتة فى الأفلاك والأفلاك تتحرك بها ؟ أم هي تتحرك والفلك ثابت ؟ أم كلاهما
متحرك؟ وهل الأفلاك هي السموات ، أم غيرها ؟ وهل تختص النجوم بالسماء
الدنيا؟ وهل إذا كان الشمس والقمر فى بعض السموات يضيء نورها جميع
السموات ؟ وهل ينتقلان من سماء إلى سماء ؟ وهل الأرضون سبع أو بينهن
خلق أو بعضهن فوق بعض ؟ وهل أطراف السموات على جبل أم الأرض فى
السماء كالبيضة فى قشرها ، والبحر تحت ذلك والريح تحته ؟ وهل فوق السموات
بحر تحت العرش.
فأجاب: الحمد لله. هذه المسائل يحتاج إلى بسط كثير لا يحتمله هذه الورقة
والسائل عن هذه المسائل يحتاج إلى معرفة علوم متعددة، ليجاب بالأجوبة الشافية،
فان فيها نزاعا وكلاماً طويلاً، لكن تذكر له بحسب الحال.
أما قوله : الأفلاك هل هي السموات أو غيرها؟ ففي ذلك قولان معروفان
للناس، لكن الذين قالوا إن هذا هو هذا احتجوا بقوله تعالى:(أَرْتَرَوْاْ كَيْفَ
٥٩٢

خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ اُلْقَمَرَفِنَّنُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ) قالوا:
فأخبر الله أن القمر فى السموات.
وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلّ فِىِ فَلَكٍ
وقد قال تعالى: (
يَسْبَحُونَ ) وقال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ
النَّارِ وَكُلّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ).
فأخبر فى الآيتين أن القمر فى الفلك ؛ كما أخبر أنه فى السموات ، ولأن
الله أخبر أنا نرى السموات بقوله: ( الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّاتَرَى فِى خَلْقٍ
الرَّحْمَنِ مِن تَفَوَّتِ فَارْجِعُ الْبَصَرَهَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ * ثُمََّتَجِعِ الْصَرَّكَرَنِ يَنَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ
خَاسِتًا وَهُوَ حَسِيرٌ ).
وقال: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُ وَأْإِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَالَهَا مِن فُرُوجٍ )
وأمثال ذلك من النصوص الدالة على أن السماء مشاهدة ؛ والمشاهد هو الفلك؛
فدل على أن أحدهما هو الآخر .
وأما قوله: هل الشمس والقمر تحركان بدون الفلك أم حركتهما بحركة
الفلك ففيه نزاع أيضاً ؛ لكن جمهور الناس على أن حركتهما بحركة الفلك .
وأما قوله تعالى: (كُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ) فلا يمنع أن يكون ما ذكره من
أنهم يسبحون تابعاً لحركة الفلك، كما فى الليل والنهار ، فإن تعاقب الليل والنهار،
تابع لحركة غيرهما، وقوله. ( كُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يتناول الليل والنهار
والشمس والقمر، كما بين ذلك فى سورة الأنبياء .
٥٩٣

وكذلك فى سورة يس: (وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنَّهُ النَّهَارَ فَإِذَاهُم ◌ُظْلِمُونَ
وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ
حَتَّى عَادَ كَأَلْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ
وَكُلُّ فِىِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
فتناول قوله (كُلَّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) ما تقدم: الليل والنهار، والشمس كما
ذكر فى سورة الأنبياء، وإذا كان أخبر عن الليل والنهار بما أخبر به من أنهما
يسبحان ، وذلك تابع لحركة غيرهما مثل ذلك ما أخبر به من أن الشمس والقمر
يسبحان تبعاً للفلك، وعلى ذلك أداة ليس هذا موضع بسطها .
وأما النجوم فإن الله أخبر أنها زينة للسماء الدنيا، كما قال تعالى: (إِنَازَيِّنَا
) وقال: (وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَابِمَصَِيحَ) : فقال
السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِيِنَةِ الْكَوَاكِبِ
بعض من قال إن الأفلاك غير السموات ، وإن المراد بالسماء الدنيا هنا الفلك
الثامن، الذي يذكر أهل الهيئة أن الكواكب الثابتة فيه ، وادعوا ان تلك
هي السموات العلى ، وأن الأفلاك هي السموات الدنيا ، ولكن هذا قول مبني
على أصل ضعيف . وأيضاً فإن الذي نشهده هو الكواكب.
وقال تعالى: ﴿فَلَ أُقِيمُ بِالْخُنَِّ * الْجَوَارِ الْكُنَسِ ) والختوس الاختفاء،
وذلك قبل ظهورها من المشرق . والكنوس رجوعها من جهة المغرب، فما
خذس قبل ظهورها كنس بعد مغيبها ، جوار حال ظهورها ، يجري من
المشرق إلى المغرب .
٥٩٤

والشمس والقمر فى الفلك، كما أخبر الله تعالى ، لا تنتقل من سماء
إلى سماء.
وليست السموات متصلة بالأرض ، لا على جبل قاف ولا غيره ؛ بل
الأفلاك مستديرة، كما أخبر الله ورسوله، وكما ذكر ذلك علماء المسلمين وغيرهم.
فذكر أبو الحسين بن المنادي وأبو محمد بن حزم ، وأبو الفرج بن الجوزي
وغيرهم إجماع المسلمين على أن الأفلاك مستديرة . وقال ابن عباس فى قوله:
(كُلِّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) قال : فى فلكة مثل فلكة المغزل . والفلك فى لغة
العرب الشيء المستدير ، يقال : تفلك ثدي الجارية إذا استدار.
وقد خلق الله سبع أرضين ، بعضهن فوق بعض، كما ثبت فى الصحاح
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من ظلم شبراً من الأرض طوقه من
سبع أرضين يوم القيامة )) وقد ذكر أبو بكر الأنباري الإجماع على ذلك وأراد
به إجماع أهل الحديث والسنة .
وتحت العرش بحر، كما جاء فى الأحاديث ، وكما ذكر فى تفسير القرآن ،
وكما أخبر الله أنه خلق السموات والأرض فى ستة ايام، وكان عرشه على الماء .
والعرش فوق جميع المخلوقات، وهو سقف جنة عدن التى هي أعلى الجنة،
كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سألتم الله الجنة
فاسألوه الفردوس؛ فانه أعلى الجنة، وسقفه عرش الرحمن)).
٥٩٥

والأرض يحيط الماء بأكثرها ، والهواء يحيط بالماء والأرض ، والله
تعالى بسط الأرض للأنام، وأرساها بالجبال ؛ لئلا تميد، كما ترسى السفينة
بالأجسام الثقيلة إذا كثرت أمواج البحر وإلا مادت، والله تعالى (يُمْسِكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاً وَلَيِنِ زَالَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) .
والمخلوقات العلوية والسفلية يمسكها الله بقدرته سبحانه، وما جعل فيها
من الطبائع والقوى فهو كائن بقدرته ومشيئته سبحانه .
٥٩٦

وسئلرحمه الله :-
هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله. ((الليل والنهار)» الذى هو حاصل بالشمس هو تبع
السموات والأرض ؛ لم يخلق هذا الليل وهذا النهار قبل هذه السموات
والأرض؛ بل خلق هذا الليل ، وهذا النهار تبعاً لهذه السموات والأرض ؛ فإن
الله إذا أطلع الشمس حصل النهار ، وإذا غابت حصل الليل ؛ فالنهار بظهورها
والليل بغروبها، فكيف يكون هذا الليل وهذا النهار قبل الشمس والشمس
[والقمر] مخلوقان مع السموات والأرض.
وقد قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّكُلُ فِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ ) وقال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَوَلَا الَّيْلُ سَابِقُ
النَّارِ وَكُلَ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
) قال ابن عباس وغيره من السلف فى فلكة
مثل فلكة المغزل .
فقد أخبر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر: فى الفلك، و «الفلك))
هو السموات عند أكثر العلماء؛ بدليل أن الله ذكر في هاتين الآيتين أن
الشمس والقمر فى الفلك، وقال فى موضع آخر: ( أَلَتَرَوْاْكَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ
٥٩٧

وَجَعَلَ اُلْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ) فأخبر أنه
سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا *
جعل الشمس والقمر في السموات .
وقال تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّوِّ
ثُمَّالَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ ) بين أنه خلق السموات والأرض،
وأنه خلق الظلمات والنور ؛ لأن الجعل هو التصير . يقال: جعل كذا إذا صيره
فذكر أنه خلق السموات والأرض ، وأنه جعل الظلمات والنور، لأن
الظلمات والنور مجعولة من الشمس والقمر : المخلوقة فى السموات ؛ وليس
الظلمات والنور والليل والنهار جسما قائما بنفسه، ولكنه صفة وعرض قائم
بغيره. ((فالنور)) هو شعاع الشمس وضوؤها الذى ينشره الله فى الهواء،
وعلى الأرض .
وأما (( الظلمة في الليل)) فقد قيل: هي كذلك، وقيل هي أمر وجودي ،
فهذا الليل وهذا النهار اللذان يختلفان علينا، اللذان يولج اللّه أحدهما فى الآخر،
فيونج الليل فى النهار، ويولج النهار فى الليل، ويخلف أحدهما الآخر ، يتعاقبان
كما قال تعالى: ( إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ
لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ) وقال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَن تُدُرِكَ الْقَمَرَوَلَا الَّيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ ). بين سبحانه أنه جعل لكل شيء قدراً واحداً لا يتعداه.
فالشمس لا ينبغى لها أن تدرك القمر وتلحقه، بل لها مجرى قدره الله لها،
وللقمر مجرى قدره الله له، كما قال تعالى: (وَءَايَةٌ لَّهُمُ اَلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ
٥٩٨

فَإِذَاهُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَاَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِالْعَلِيمِ
وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَحَتَّى عَادَ كَلْعُرُونِ الْقَدِيرِ ) ثم قال: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) أى لايفوته ويتقدم أمامه حتى يكون بينهما برزخ؛
بل هو متصل به ، لا هذا ينفصل عن هذا، ولا هذا ينفصل عن هذا، (كُلَّ فِى
فَكٍ يَسْبَحُونَ ).
فالمقصود: أن هذا الليل وهذا النهار جعلها الله تبعا لهذه السموات
والأرض؛ ولكن كان - قبل أن يخلق الله هذه السموات وهذه الأرض، وهذا
النهار: كان - العرش على الماء، كما قال تعالى: (وَهُوَالَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ).
وخلق الله من بخار ذلك الماء هذه السموات ، وهو الدخان المذكور في
قوله تعالى: (ثُمَاُسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْنِيَاطَوْعًا أَوْكَرْهَاقَالَتَآ أَنَيْنَا
طَآئِعِينَ * فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ ).
وذلك لما كان الماء غامراً لتربة الأرض ، وكانت الريح تهب على ذلك الماء ؛
خلق الله هذه السموات والأرض فى ستة أيام ، ثم استوى على العرش . فتلك
الأيام التى خلق الله تعالى فيها هذه .
٥٩٩

وسئل رضي الله عنه
عن ((اختلاف الليل والنهار)) وأن الظهر يكون فى دمشق ، ويكون الليل
قد دخل فى بلد آخر ؛ فهل قائل هذا قوله صحيح أم لا ؟
فأجاب رحمه الله :-
الحمد لله رب العالمين . طلوع الشمس وزوالها وغروبها يكون بالمشرق
قبل أن يكون بالمغرب ، فتطلع الشمس وتزول وتغرب على أرض الهند ؛
والصين، والخط قبل أن يكون بأرض المغرب ، ويكون ذلك بأرض العراق
قبل أن يكون بأرض الشام؛ ويكون بأرض الشام قبل أن يكون بمصر ، وكل
أهل بلد لهم حكم طلوعهم وزوالهم وغروبهم.
فإذا طلع الفجر ببلد دخل وقت الفجر ووجبت الصلاة والصوم عندهم،
وإن لم يكن عند آخرين ؛ لكن يتفاوت ذلك تفاوتاً يسيراً بين البلاد المتقاربة؛
وأما من كان فى أقصى المشرق وأقصى المغرب فيتفاوت بينهما تفاوتاً كثيراً .
نحو نصف يوم كامل .
والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمروالليل والنهار كل ذلك يسبح
٦٠٠