النص المفهرس

صفحات 561-580

وفى لفظ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول:
((بأخذ الجبار سمواته وأرضه. وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا
الرحمن؛ أنا الملك؛ أنا القدوس؛ أنا السلام؛ أنا المؤمن؛ أنا المهيمن ؛ أنا العزيز؛
أنا الجبار ؛ أنا المتكبر ؛ أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئاً : أنا الذي أعدتها.
أين المتكبرون؟ أين الجبارون:(١)) وفى لفظ «أين الجبارون أين المتكبرون
ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يمينه وعلى شماله، حتى نظرت إلى المنبر
يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إنى لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله
عليه وسلم)»
والحديث مروي فى الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضاء
وفى بعض ألفاظه قال: قرأ على المنبر: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ) الآية.
قال: ((مطوية فى كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة)) وفى لفظ: ((يأخذ الجبار
سموانه وأرضه بيده فيجعلها فى كفه، ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان
بالكرة . أنا الله الواحد !».
وقال ابن عباس: يقبض الله عليهما فما ترى طرفاهما بيده)) وفى لفظ عنه:
«ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن، وما بينهن فى يد الرحمن
إلا كفر دلة فى يد أحدكم)) وهذه الآثار معروفة فى كتب الحديث.
وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم
(١) نسخة أين الملوك؛ أين الجبابرة.
٥٦١

رجل من اليهود فقال: يا محمد! إن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على
إصبح، والجبال على إصبع ؛ والماء والثرى على إصبح، وسائر الخلق على إصبح؛
فيهزهن. فيقول : أنا الملك! أنا الملك ! قال : فضحك النبى صلى الله عليه وسلم
حتى بدت نواجذُه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ ) الآية)).
ففي هذه الآية والأحاديث الصحيحة - المفسرة لها المستفيضة التى اتفق
أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول - ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما
بالنسبة إلى عظمة الله تعالى أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء
الصغير فى يد أحدنا ، حتى يدحوها كما ندحى الكرة.
قال عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون الإمام نظير مالك -
فى كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خالفها ومن أول كلامه قال - فأما
الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفا فقد استهوته الشياطين
في الأرض حيران ، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من
نفسه، بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا ؛ فعمى عن البين
بالخفي، جحد ما سمى الرب من نفسه ، بصمت الرب عما لم يسم منها ، فلم يزل
ملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يُؤْمَِذٍ نَاضِرَةُ * إِلَّهَا
، فقال : لا يراه أحد يوم القيامة ؛ فجحد - والله - أفضل
نَاظِرٌ )
كرامة الله التى أكرم بها أولياءه يوم القيامة ؛ من النظر إلى وجهه ونظرته
٥٦٢

إِيامِ (فِ مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِكِ مُقْنَدِرٍ ) وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر
إليه ينظرون .
إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛
لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين،
وكان له جاحداً . وقال المسلمون : يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها
سحاب؟)) قالوا: لا. قال : ((فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه
سحاب؟)) قالوا: لا. قال: ((فإنكم ترون ربكم كذلك)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تمتلىء النار حتى يضع الجيار
فيها قدمه فتقول قط ، قط ، وينزوى بعضها إلى بعض )). وقال لثابت بن قيس :
((قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة))، وقال - فيما بلغنا عنه - إن الله
يضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم)). وقال له رجل من العرب إن
ربنا ليضحك؟، قال: ((نعم)) قال لن نعدم من رب يضحك خيرا. في أشباه
لهذا مما لم نحصه .
وقال تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (وَأَصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)
وقال: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ)، وقال: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ)
وقال: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَالْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتُ بِيَمِينِهِ،
سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
٥٦٣

فو الله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه،وما تحيط به قبضته إلا صغر
نظيرها منهم عندم إن ذلك الذي ألقي فى روعهم؛ وخلق على معرفته قلوبهم فما
وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم تتكلف منه على
ما سواه، لا هذا ، ولا هذا ، لا يجحد ما وصف ، ولا نتكلف معرفة مالم
يصف انتهى .
وإذا كان كذلك فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة، وهذا قبضه لها ورميه
بها، وإنما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا .
ثم الذى فى القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر،كما
يفعل ذلك فى يوم القيامة ، وإن شاء لم يفعل ذلك ، فهو قادر على أن يقبضها
ويدحوها كالكرة، وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى ، وإن شاء لم يفعل ذلك
وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها .
ومن المعلوم أن الواحد منا - ولله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة ،
إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته ، فهو فى
الحالتين مباين لها، وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات- كإحاطة الكرة
بما فيها - أو قيل إنه فوقها وليس محيطاً بها ؛ كوجه الأرض الذى نحن عليه
بالنسبة إلى جوفها ، وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها ، أو غير ذلك.
فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات، والخالق سبحانه وتعالى
فوقه، والعبد فی توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت ، وتمام هذا ببيان :
٥٦٤

المقام الثالث
وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يكون العرش كرويا كالأفلاك ويكون محيطا بها،
وإما أن يكون فوقها وليس هو كرويا؛ فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم
هذا أن الأفلاك مستديرة كروية الشكل ، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط ، وهي
المحدب ، وأن الجهة السفلى هو المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان العلو
والسفل فقط .
وأما الجهات الست فهي للحيوان، فإن له ست جوانب يؤم جهة فتكون
أمامه، ويخلف أخرى فتكون خلفه، وجهة تحاذي يمينه، وجهة حاذي شماله،
وجهة تحاذي رأسه؛ وجهة تحاذى رجليه، وليس لهذه الجهات الست في نفسها
صفة لازمة ؛ بل هي بحسب النسبة والإضافة، فيكون يمين هذا ما يكون شمال
هذا ، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون
تحت هذا.
لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير ، فالمحيط هو العلو والمركز هو
السفل، مع أن وجه الأرض التى وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي
عليه الناس والبهائم، والشجر والنبات، والجيال والأنهار الجارية .
فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها، وليس هناك شيء من
الآدميين وما يتبعهم ، ولو قدر أن هناك أحداً لكان على ظهر الأرض ولم يكن
٥٦٥

من فى هذه الجهة محت من فى هذه الجهة ، ولا من فى هذه تحت من فىهذه،
كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب
الشمالى بحت الجنوبي ولا بالعكس .
وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس
عن خط الاستواء فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا كان ارتفاع
القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي يسمى عرض البلد ، فكما أن جوانب
الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته؛
فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال إنه تحت
أولئك ، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان ، وهو يحت إضافي ؛ كما لو كانت نملة
تمشى تحت سقف فالسقف فوقها ، وإن كانت رجلاها نحاذيه .
وكذلك من علق منكوساً فإنه تحت السماء، وإن كانت رجلاه تلي
السماء، وكذلك يتوم الإنسان إذا كان فى أحد جانبي الأرض أو الفلك
أن الجانب الآخر تحته ، وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ، ممن يقول إن
الأفلاك مستديرة .
واستدارة الأفلاك - كما أنه قول أهل الهيئة والحساب - فهو الذي عليه
علماء المسلمين ، كما ذكره أبو الحسن بن المنادى ، وأبو محمد بن حزم ،
وأبو الفرج بن الجوزي وغيرم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين، وقد قال
٥٦٦

تعالى: ( وَهُوَالَّذِى خَلَقَ الَيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمْرَ كُلُّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ
قال ابن عباس : فلكة مثل فلكة المغزل .
و ((الفلك في اللغة)) هو المستدير. ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا
استدار، وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالي على
المركز من كل جانب ، ومن توم أن من يكون في الفلك من ناحية يكون نحته من
فى الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر فهو متوهم عندهم .
وإذا كان الأمر كذلك فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان
هو أعلاها، وسقفها - وهو فوقها - مطلقاً، فلا يتوجه إليه، وإلى ما فوقه
الإنسان إلا من العلو ، لا من جهاته الباقية أصلا .
ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة
العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء ، فكيف بالتوجه إلى العرش، أو إلى ما فوقه
وغاية ما يقدر أن يكون كروي الشكل !! والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة
تليق بجلاله ؛ فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من المخمصة فى
بد أحدنا .
وأما قول القائل: إذا كان كروياً والله من ورائه محيط به بائن عنه ، فما
فائدة : أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته؟ فيقصد العلو دون التحت ،
فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط
٥٦٧

بالداعي ، ومع هذا نجد في قلوبنا قصداً يطلب العلو ، لا يلتفت يمنة ولا بسرة،
فأخبرونا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا ، وقد فطرنا عليها .
فيقال له : هذا السؤال إنما ورد لتوم المتوم أن نصف الفلك يكون تحت
الأرض، وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم ، وهذا غلط عظيم؛
فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة ، فكان يلزم
أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقاً وهذا قلب للحقائق ؛ إذ الفلك هو فوق
الأرض مطلقاً .
و ((أهل الهيئة)) يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقى
في الخرق شيء ثقيل - كالحجر ونحوه - لكان ينتهي إلى المركز، حتى لو ألقى
من تلك الناحية حجر آخر لا لتقيا جميعاً فى المركز ، ولو قدر أن إنسانين التقيا
فى المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه ؛ بل كلاهما
فوق المركز، وكلاهما تحت الفلك ؛ كالمشرق والمغرب ، فإنه لو قدر أن رجلاً
بالمشرق فى السماء أو الأرض ، ورجلاً بالمغرب في السماء أو الأرض: لم يكن
أحدهما تحت الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما
يلي السماء أو مما يلي الأرض، وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه
إلا من الجهة العليا ؛ لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين:
(أحدهما) أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات ؛فلو قدر
رجل أو ملك يصعد إلى السماء، أو إلى ما فوق: كان صعوده مما يلى رأسه
٥٦٨

أقرب إذا أمكنه ذلك ، ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم، يصعد من
تلك الناحية ، ولا أنه يذهب يميناً أو شمالا، أو أماما أو خلفاً، إلى حيث أمكن
من الأرض ثم يصعد ، لأنه أي مكان ذهب إليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه،
وكان الفلك فوقه ، فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلا وتعباً من غير فائدة.
ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر فإنه لا يخاطبه إلا من
الجهة العليا ، مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب ؛ فتنحرف عن سمت
الرأس، فكيف بمن هو فوق كل شىء دائماً لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى؟.
وكما أن الحركة كحركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق - وهو الخط
المستقيم - فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط
المستقيم القريب ، إلى طريق منحرف طويل. والله تعالى فطر عباده على الصحة
والاستقامة إلا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن فطرته التى فطر عليها .
( الوجه الثاني ) : أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهى قصده إلى المركز
وإن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره؛ من غير قصد العلو، كان منتهى
قصده أجزاء الهواء ، فلابد له من قصد العلو ضرورة ، سواء قصد مع ذلك هذه
الجهات أولم يقصدها.
ولو فرض أنه قال : أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو:
كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان، ثم
أذهب إلى مكة ؛ بل بمنزلة من يقول أصعد إلى الأفلاك ، فأنزل فى الأرض،
٥٦٩

ثم أصعد إلى الفلك من الناحية الأخرى ؛ فهذا وإن كان ممكناً فى المقدور
لكنه مستحيل من جهة امتناع إرادة القاصد له ؛ وهو مخالف للفطرة ، فإن
القاصد يطلب مقصوده بأقرب طريق ، لا سيما إذا كان مقصوده معبوده الذي
يعبده ويتوكل عليه ، وإذا توجه إليه على غير الصراط المستقيم كان سيره
منكوساً معكوساً .
و ((أيضاً)): فإن هذا يجمع فى سيره وقصده بين النفي والإثبات بين أن
يتقرب إلى المقصود ويتباعد عنه ؛ ويريده وينفر عنه ، فإنه إذا توجه إليه من
الوجه الذي هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى كان جامعاً بين
قصدين متناقضين ؛ فلا يكون قصده له تاماً ؛ إذ القصد التام ينفى نقيضه وضده.
وهذا معلوم بالفطرة .
فإن الشخص إذا كان يحب النبى صلى الله عليه وسلم محبة تامة ويقصده
أو يحب غيره ممن يحب - سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة - متى كانت
المحبة تامة ، وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل إليه ؛ بخلاف ما إذا
كانت المحبة مترددة: مثل أن يحب ما تكره محبته فى الدين ، فتبقى شهوته تدعوه
إلى قصده ، وعقله ينهاه عن ذلك ؛ فتراه يقصده من طريق بعيد، كما تقول العامة:
رجل إلى قدام ، ورجل إلى خلف .
وكذلك إذا كان فى دينه نقص ، وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد.
أو غير ذلك من القصودات التى تحب في الدين وتكرهها النفس ؛ فإنه يبقى
قاصداً لذلك من طريق بعيد متباطئاً في السير ، وهذا كله معلوم بالفطرة.
٥٧٠

وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه ؛ بل يريد خطاب المقصود
ودعاءه ونحو ذلك، فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها ، وينال به
مقصوده إذا كان القصد تاما .
ولو كان رجل فى مكان عال ، وآخر يناديه ؛ لتوجه إليه وناداه، ولو حط
رأسه فى بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنا؛ لكن ليس فى الفطرة
أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة؛ ولا يفعل نحو
ذلك إلا عند ضعف القصد ونحوه.
و((حديث الإدلاء)) الذي روى من حديث أبى هريرة وأبى ذر رضى الله
عنهما قد رواه الترمذي وغيره، من حديث الحسن البصري عن أبى هريرة
وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبى هريرة ، ولكن يقويه حديث أبي ذر
المرفوع ؛ فإن كان ثابتاً فمعناه موافق لهذا؛ فإن قوله: (لو أدلى أحدكم بحبل لهبط
على الله)) إنما هو تقدير مفروض؛ أى لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن
أن يدلي أحد على الله شيئاً ؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شىء إلى جهة الأرض
وقف فى المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى، لكن بتقدير فرض الإدلاء يكون
ما ذكر من الجزاء.
فهكذا ما ذكره السائل : إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة ، كان
هو سبحانه يسمع كلامه ، وكان متوجهاً إليه بقلبه، لكن هذا مما تمنح منه الفطرة؛
لأن قصد الشىء القصد التام ينافى قصد ضده ؛ فكما أن الجهة العليا بالذات تنافى
٥٧١

الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافى قصده من أسفل ، وكما أن ما
يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية - لأنها عالية - فترد
الهابط بعلوها ، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل ، فلا
يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه، يدافع به ما فى قوته من الهبوط ، فكذلك ما
يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها - وهو المركز - لا يصعد من هناك إلى ذلك
الوجه إلا برافع يرفعه، يدافع به ما فى قوته من الهبوط إلى المرکز ، فإن قدر
أن الدافع أقوى كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله ،
وإنما يسمي هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين أن ما يحاذي أرجلهم يكون
هابطا، ويسمى هبوطا مع تسمية إهباطه إدلاء وهو إنما يكون إدلاء حقيقياً
إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مداً للحبل، والدلو ، لا إدلاء له ، لكن
الجزاء والشرط مقدران لا محققان .
فإنه قال: لو أدلى لهبط ؛ أى لو فرض أن هناك إدلاء لفرض أن هناك
هبوطا، وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض،وهذا
التقدير منتف ؛ ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب، وهذا المفروض
ممتنع فى حقنا لا نقدر عليه ، فلا يتصور أن يدلي ولا يتصور أن يهبط على الله
شيء ، لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل ، ولكن لا يكون فى حقه
إدلاء ، فلا يكون فى حقه هبوطا عليه .
كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب ، أو من مشرق الشمس إلى مغربها،
٥٧٢

وقدرنا أن الحبل مر فى وسط الأرض ، فإن الله قادر على ذلك كله ، ولا فرق
بالنسبة إليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب المين منا إلى جانب اليسار،
أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا ، أو من جهة رؤوسنا إلى جهة أرجلنا إذا مر
الحبل بالأرض، فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر،
مع خرق المركز ، وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض فالحبل الذي قدر
أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه إدلاء
ولا هبوطا.
وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق
لنا ، وما ندليه من ناحية رءوسنا إلى ناحية أرجلنا تتخيل أنه هابط ، فإذا قدر أن
أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هناك ، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا،
والمقصود به بيان إحاطة الخالق سبحانه وتعالى، كما بين أنه يقبض السموات
ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات .
ولهذا قرأ فى تمام هذا الحديث (هُوَ الْأَوَّلُ وَاْآَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ ).
وهذا كله على تقدير صحته ، فإن الترمذي لما رواه قال:
وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله، وبعض الحلولية والاتحادية
يظن أن فى هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل ؛ وهو أنه حال بذاته فى كل
مكان ، وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك.
والتحقيق : أن الحديث لا يدل على شىء من ذلك إن كان ثابتاً . فإن قوله:
٥٧٣

(( لو أدلى بحبل لهبط )) يدل على أنه ليس فى المدلي ولا فى الحبل، ولا فى الدلو
ولا فى غير ذلك، وأنها تقتضى أنه من تلك الناحية؛ وكذلك تأويله بالعلم تأويل
ظاهر الفساد ، من جنس تأويلات الجهمية ؛ بل بتقدير ثبوته يكون دالا
على الإحاطة .
والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب
والسنة، وليس فى إثباتها فى الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع؛ لكن لا تتكلم
إلا بما نعلم ومالا نعلمه أمسكنا عنه، وما كان مقدمة دليله مشكوكا فيها عند بعض
الناس كان حقه أن يشك فيه ، حتى يتبين له الحق ، وإلا فليسكت عما لم يعلم.
وإذا تبين هذا فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا
فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير ، لكن قصدنا له بالقصد الى تلك
الجهة ممتنع فى حقنا ؛ لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود
بحسب الإمكان .
ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع - لما تكلمنا على تنازع الناس فى النية
المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا - أن ((الإرادة الجازمة))
توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد ، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن
إرادته جازمة؛ بل يكون هما، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه ، فإن
ترکها لله کتبت له حسنة .
ولهذا وقع الفرق بين م يوسف عليه السلام وم امرأة العزيز، كما قال
٥٧٤

الإمام أحمد الهم همان : هم خطرات. وهم إصرار. فيوسف عليه السلام ثم هما
تركه لله فأثيب عليه . وتلك همت م إصرار ففعلت ما قدرت عليه من محصيل
مرادها ، وإن لم يحصل لها المطلوب.
والذين قالوا يعاقب بالإرادة احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى
المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)) قالوا يارسول الله ! هذا القاتل
فما بال المقتول؟ قال: ((إنه أراد قتل صاحبه)) وفى رواية ((إنه كان حريصاً على
قتل صاحبه)). فهذا أراد إرادة جازمة، وفعل ما يقدر عليه ؛ وإن لم يدرك
مطلوبه، فهو بمنزلة امرأة العزيز ؛ فمتى كان القصد جازماً لزم أن يفعل القاصد
ما يقدر عليه من حصول المقصود، فإذا كان قادراً على حصول مقصوده بطريق
مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس من بعيد .
فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم، ودعائهم لله تعالى، وتمام قصده
له أن لا يتوجهوا إليه إلا توجهاً مستقيماً ؛ فيتوجهوا إلى العلو ؛ دون سائر
الجهات؛ لأنه الصراط المستقيم، القريب ؛ وما سواه فيه من البعد والانحراف
والطول ما فيه. فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد، والسائل المضطر
يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى ، كما
يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه ؛ فهذا هذا والله أعلم.
وأما من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة
وتقريرها ؛ لا بتبديل الفطرة وتغييرها ، قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث
٥٧٥

المتفق عليه: (( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه
كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)).
وقال الله تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّها
لَنَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) فجاءت
الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة بخلاف ما عليه أهل الضلال من
المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم ؛ فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعاً
وخالفوا العقل والنقل ، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع .
وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه؛
ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا؛ ولكن عن يساره أو تحت قدمه» وفي
رواية ((أنه أذن أن يبصق فی ثوبه)).
وفى حديث أبى رزين المشهور ، الذي رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم:
((لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه فقال له
أبو رزين: كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: «سأنبئك
بمثل ذلك في آلاء الله ! هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخلياً به،
فالله أكبر )).
ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه - إذا قدر أن يخاطبه -
٥٧٦

لا یتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مستقبل له بوجهه مع کونه فوقه،
ومن الممتنع فى الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له ، وإن كان ذلك
ممكناً، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته؛ كما يفعل من ليس
مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب، فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره ؛ ليسمع
هو الخطاب؛ فأما مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه ؛ فكذلك العبد إذا قام
إلى الصلاة ، فإنه يستقبل ربه وهو فوقه ، فيدعوه من تلقائه لا من يمينه
ولا من شماله ، ويدعوه من العلو لا من السفل ، كما إذا قدر أنه
يخاطب القمر .
وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: ((لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في
الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم)). واتفق العلماء على أن رفع المصلى بصره إلى
السماء منهي عنه. وروي أحمد عن محمد بن سيرين (( أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يرفع بصره فى الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى (قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ) )) فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده ؛ فهذا
مما جاءت به الشريعة تكميلاً للفطرة؛ لأن الداعى السائل الذي يؤمر بالخشوع
- وهو الذل والسكوت - لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله
بل يناسب حاله الإطراق ، وغض بصره أمامه .
وليس نهي المصلى من رفع بصره فى الصلاة رداً على ((أهل الإثبات)) الذين
يقولون : إنه على العرش، كما يظنه بعض جهال الجهمية فإن الجهمية عندم لا فرق
٥٧٧

بين العرش وقعر البحر ، فالجميع سواء، ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى
جهة ويؤمر برده إلى أخرى ، لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء .
و ((أيضاً)) فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملاً لجميع
أحوال العبد، وقد قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَآءِ ) فليس
العبد ينهى عن رفع بصره مطلقاً، وإنما نهى فى الوقت الذي يؤمر فيه
بالخشوع ؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع ، كما قال تعالى: (خُشَّعًا
)، وقال تعالى: (وَتَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
أَبْصَرُ هُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ
خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ).
و ((أيضاً)): فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس فى السماء إله
لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات ، ولو كان مقصوده
أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله فى السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو
لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الأحكام. فكيف وليس فى كتاب الله، ولا سنة
رسوله، ولافى قول سلف الأمة حرف واحديذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش
أو أنه ليس فوق السماء، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا محايث له ولامباين
له، أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات ؟! بل جميع
ما يقوله الجهمية من النفي - ويزعمون أنه الحق - ليس معهم به حرف من
كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل الكتاب
والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة بما يدل على نقيض قولهم ، وهم يقولون:
٥٧٨

إن ظاهر ذلك كفر ؛ فنؤول ، أو نفوض ؛ فعلى قولهم ليس في الكتاب
والسنة وأقوال السلف والأئمة فى هذا الباب إلا ما ظاهره الكفر ، وليس فيها
من الإيمان فى هذا الباب شيء ، والسلب الذي يزعمون أنه الحق - الذي
يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين اعتقاده عنده - لم ينطق به رسول ،
ولاني، ولا أحد من ورثة الأنبياء والمرسلين : والذي نطقت به الأنبياء
وورثتهم ليس عنده هو الحق، بل هو مخالف للحق فى الظاهر : بل وحذاقهم
يعلمون أنه مخالف للحق فى الظاهر والباطن .
لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس إلا
بخلاف الحق الباطن ؛ فلبسوا وكذبوا المصلحة العامة . فيقال لهم: فهلا نطقوا
بالباطن لخواصهم الأذكياء الفضلاء إن كان ما يزعمونه حقاً ؟.
وقد على أن خواص الرسل ثم على الاثبات أيضاً ، وأنه لم ينطق بالنفي أحد
منهم إلا أن يكذب على أحدث؛ كما يقال عن عمر: إن النبى صلى الله عليه وسلم
وأبا بكر كانا يتحدثان وكنت كالز نجي بينهما . وهذا مختلق باتفاق أهل العلم ،
وكذلك ما نقل عن علي وأهل بيته : أن عندم علماً باطناً يخالف الظاهر الذي
عند جمهور الأمة . وقد ثبت فى الصحاح وغيرها عن علي رضي الله عنه أنه لم
يكن عندهم من النبى صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس ، ولا كتاب
مكتوب إلا ما كان فى الصحيفة، وفيها «الديات، وفكاك الأسير ، وأن
لا يقتل مسلم بكافر)).
٥٧٩

ثم إنه من المعلوم أن من جعله الله هاديا مبلغاً بلسان عربي مبين إذا كان
لا يتكلم قط إلا بما يخالف الحق الباطن الحقيقي، فهو إلى الضلال والتدليس
أقرب منه إلى الهدى والبيان . وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا .
والمقصود أن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب وغيره كله
حق بصدق بعضه بعضاً ، وهو موافق لفطرة الخلائق ، وما جعل فيهم من
العقول الصريحة ، والقصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح ، ولا القصد
الصحيح ، ولا الفطرة المستقيمة ، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وإنما يظن تعارضها من صدق بباطل ، من النقول . أو فهم منه مالم يدل
عليه : أو اعتقد شيئا ظنه من العقليات وهو من الجهليات. أو من الكشوفات وهو
من الكسوفات - إن كان ذلك معارضا لمنقول صحيح - وإلا عارض بالعقل
الصريح ، أو الكشف الصحيح: ما يظنه منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم،
ويكون كذبا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على شىء، ولا يكون دالا عليه، كما
ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم: ((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض، فمن
صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه))؛ حيث ظنوا أن هذاوأمثاله يحتاج
إلى التأويل ، وهذا غلط منهم - لوكان هذا اللفظ ثابتاً عن النبي صلى الله عليه
وسلم - فإن هذا اللفظ صريح فى أن الحجر ليس هو من صفات الله، إذ قال:
((هو يمين الله في الأرض)) فتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على
٥٨٠