النص المفهرس
صفحات 521-540
((بالحوادث)) المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل، ونحو ذلك- مما يريده الناس بلفظ الحوادث - بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ، فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء ، ولا إتيان ولا مجىء، ولا تكليم ، ولا مناداة ، ولا مناجاة ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه . و ((ابن كلاب)» خالفهم فى قولهم : لا تقوم به الأعراض . وقال: تقوم به الصفات؛ ولكن لا تسمى أعراضاً ، ووافقهم على ما أرادوه بقولهم : لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. فصار من حين فرق هذا التفريق المنتسبون إلى السنة والجماعة - القائلون بأن القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى فى الآخرة، وأن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه - على ((قولين)) ذكرها الحارث المحاسبى وغيره. («طائفة)) وافقت ابن كلاب كالقلانسي، والأشعري وأبى الحسن بن مهدي الطبري ، ومن اتبعهم ؛ فإنه وافق هؤلاء كثير من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم: من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم. وكان ((الحارث المحاسبى)» يوافقه ثم قيل: إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل امر بهجر الحارث المحاسبى وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك ، كما أمر السرى السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث، فذكروا أن الحارث - رحمه الله - تاب من ذلك، وكان له من العلم والفضل ٥٢١ والزهد، والكلام فى الحقائق ما هو مشهور، وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): أنه كان يقول : إن الله يتكلم بصوت، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب . قال أبو بكر الكلاباذي : وقالت طائفة من الصوفية : كلام الله حرف وصوت وأنه لا يعرف كلام إلا كذلك، مع إقرارهم أنه صفة لله فى ذاته ، وأنه غير مخلوق، قال: وهذا قول الحارث المحاسبى ومن المتأخرين ابن سالم . وبقى هذا الأصل يدور بين الناس حتى وقع بين ((أبي بكر بن خزيمة)) الملقب بإمام الأئمة، وبعض أصحابه بسبب ذلك ؛ فإنه بلغه أنهم وافقوا«ابن كلاب)) فنهام وعابهم، وطعن على ((مذهب ابن كلاب)) بما كان مشهورا عند أئمة الحديث والسنة . ومن ذلك الزمان تنازع المنتسبون إلى السنة: من أن اللّه يتكلم بصوت ؛ أو لا يتكلم بصوت؟ فإن أتباع ابن كلاب نفوا ذلك؛ قالوا: لأن المتكلم بصوت يستلزم قيام فعل بالمتكلم متعلق بإرادته ؛ والله - عندهم - لا يجوز أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته : لا فعل ولاغير فعل ، فقالوا : إن الله لا يتكلم بصوت ؛ وإنما كلامه معنى واحد هو الأمر والنهي، والخبر . إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً . فقال جمهور العقلاء من أهل السنة وغير أهل السنة ((هذا القول)) معلوم ٥٢٢ الفساد بضرورة العقل ؛ كما هو مخالف للكتاب والسنة ؛ فإنا نعلم أن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن بل معانيها ليست هي معانى القرآن، ونعلم أن القرآن إذا ترجم بالعبرية لم يصر هو التوراة المنزلة على موسى ؛ ونعلم أن معنى آية الدين ليس هو معنى آية الكرسي، ولا معنى (نَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ) هو معنى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). قالوا: ومن جعل الأمر والنهي صفات للكلام؛ لا أنواع له ، فقوله معلوم الفساد بالضرورة ؛ وهذا من جنس قول القائلين بوحدة الوجود ؛ فإن من جعل ((الوجود واحداً بالعين)) وهو الواجب ، والممكن: كان كلامه معلوم الفساد بالضرورة؛ كمن جعل معانى الكلام معنى واحداً : هي الأمر، والنهي والخبر؛ لكن ((الكلام)) ينقسم إلى الإنشاء والخبر، و((الإنشاء)) ينقسم إلى طلب الفعل، وطلب الترك، و((الخبر)) ينقسم إلى خبر عن النفي، وخبر عن الإثبات، كما أن ((الموجود)) ينقسم إلى واجب وممكن، و ((الممكن)) ينقسم إلى حي قائم بنفسه وقائم بغيره، و ((القائم بغيره)) ينقسم إلى ما تشترط له الحياة وما لا تشترط له الحياة، فلفظ ((الواحد)» ينقسم إلى واحد بالنوع ! وواحد بالعين . فقول القائل ((الكلام معنى واحد)) كقوله الوجود واحد ، فإن أراد به أنه نوع واحد؛ أو جنس واحد؛ أو صف واحد؛ ونحو ذلك، لم يكن ذلك مثل أن يريد أنه عين واحدة ، وذات واحدة ، وشخص واحد ؛ فإن هذا مكابرة ٥٢٣ للحس، والعقل والشرع. وأما ((الأول)) فمراده أن بين ذلك قدراً مشتركا ؛ كما أن ((الموجودات)) تشترك فى مسمى الوجود، و «أنواع الكلام » تشترك فى مسمى الكلام ، وقد بسط هذا كله فى غير هذا الموضع . ثم إن ((طائفة أخرى)) لما عرفت فساد قول ابن كلاب فى مسألة الكلام ووافقته على أصله في أن الله لايقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، وكان من قولها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يكن عندها إلا قديم لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته ، أو مخلوق منفصل عنه ، لزمها أن تقول : إن الله يتكلم بصوت أو أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته ، وأنه لم يزل ولا يزال متصفاً بتلك الأصوات القديمة الأزلية اللازمة لذاته. وهذا القول يذكر عن ((أبي الحسن ابن سالم)» شيخ أبي طالب المكي - إن صح عنه -، لكنه قول كثير من أصحاب ابن سالم، ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرم. وقالت ((الكرامية))، وطائفة كثيرة : من المرجئة والشيعة وغيرهم: إن اللّه يتكلم بأصوات تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته ؛ لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن ؛ وأن الله فى الأزل لم يكن متكلما إلا بمعنى القدرة على الكلام ، وأنه يصير موصوفاً بما يحدث بقدرته وبمشيئته بعد أن لم يكن كذلك؛ وهؤلاء رأوا أنهم يوافقون الجماعة في أن الله أفعالاً تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، ويقوم به غير ذلك من ((الإرادات)) و «الكلام)» الذي يتعلق بمشيئته وقدرته . ٥٢٤ لكن قالوا : لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث ؛ فإن ما تعاقبت عليه الحوادث فهو محدث ، ووافقوا المعتزلة فى الاستدلال بذلك على حدوث العالم . فكما أن ابن كلاب فرق بين الأعراض والحوادث : فرق هؤلاء فى الحوادث بين يجددها ، وبين لزومها ، فقالوا بنفي لزومها له دون نفي حدوثها ، كما قالوا فى المخلوقات المنفصلة: إنها تحدث بعد أن لم تكن بمشيئته وقدرته. والفلاسفة الدهرية يطالبون هؤلاء كلهم بسبب حدوث الحوادث بعد أن لم تكن، وإن ذلك يستلزم الترجيح بلا مرجح، والحوادث بلا سبب حادث، قالوا: وهو ممتنع فى صريح العقل، وهذا أعظم شبهم فى ((قدم العالم)) وهي ( المعضلة الزباء ، والداهية الدهيا ) وقد ضاق هؤلاء عن جوابهم ، حتى خرجوا إلى الالتزام، وقد بسطنا الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع . وبينا ((الأجوبة القاطعة)) عن كلام الفلاسفة على طريقة السلف والأمة ، وأنه من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه أن يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها ، ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح . وبينا أيضاً كيف تجيبهم ((كل طائفة من طوائف أهل القبلة)) لأنهم أقرب إلى الحق من الفلاسفة فيمكنهم أن يجييوم بالإلزام جوابا لا محيص للفلاسفة عنه ويمكنهم أن يقولوا للفلاسفة : قولكم أظهر فساداً فى الشرع والعقل من قول كل طائفة من طوائف المسلمين ، فتقول لهم كل طائفة من طوائف المسلمين : ٥٢٥ إذا لم يمكنا أن نجيبكم بجواب قاطع يحل شبهتكم غير الجواب الإلزامي إلا بموافقتكم فيما يخالف الشرع والعقل ، أو موافقة إخواننا المسلمين فيما لا يخالف الشرع - ويمكن أيضاً أن لا يخالف العقل - كان هذا؛ أولى فإن الفلاسفة طمعت فى طوائف أهل القبلة بما ابتدعه كل فريق فأخذت بدعة أصحابها واحتجت بها عليهم، فأمكن صاحب ذلك القول المبتدع أن يقول: رجوعى عن هذا القول المبتدع مع موافقتى لما دل عليه الكتاب والسنة ، وأقوال سلف الأمة : أحب إلي من أن أوافق الفلاسفة على قول أعلم أنه كفر فى الشرع ، مع أن العقل أيضاً يبين فساده. ((وأما السلف والأئمة)) فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بقول من قال: إن القرآن مخلوق ، ولا بقول من قال: إنه معنى واحد قائم بالذات هو الأمر ، والنهى والخبر ؛ وهو مدلول التوراة ، والإنجيل، والقرآن ، وغير ذلك من العبارات. ولا بقول من قال: إنه أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته. ولا بقول من قال : إن الله كان لا يتكلم حتى أحدث لنفسه كلاماً صار به متكلماً . وأما القول : بأن أصوات العباد بالقرآن أو ألفاظهم قديمة أزلية : فهذا أيضاً من ((البدع المحدثة)) التى هي أظهر فساداً من غيرها، والسلف والأئمة من أبعد الناس عن هذا القول . والعقل الصريح يعلم أن من جعل أصوات العباد قديمة أزلية كان قوله معلوم الفساد بالضرورة . ٥٢٦ ولكن أصل هذا تنازعهم فى ((مسألة اللفظ))، والمنصوص عن الإمام أحمد ونحوه من العلماء أن من قال : إن اللفظ بالقرآن والتلاوة مخلوقة فهو جهمى ، ومن قال: إنه غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأن ((اللفظ والتلاوة)» يراد به الملفوظ المتلو . وذلك هو كلام الله ، فمن جعل كلام الله الذى أنزله على نبيه مخلوقا فهو جهمى. ويراد بذلك ((المصدر وصفات العباد)) فمن جعل ((أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة)) فهو مبتدع ضال. وهكذا ذكره الأشعرى في كتاب ((المقالات)) عن أهل السنة والحديث قال : ويقولون : إن القرآن كلام غير مخلوق ، والكلام فى الوقف، واللفظ بدعة . من قال: باللفظ ، أو الوقف : فهو مبتدع. وعندم لا يقال : اللفظ بالقرآن مخلوق ، ولا يقال : غير مخلوق. وليس فى الآثمة والسلف من قال : إن الله لا يتكلم بصوت، بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة : أن الله يتكلم بصوت ، وجاء ذلك فى آثار مشهورة عن السلف والأئمة ، وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التى فيها ذكر تكلم الله بالصوت ، ولا ينكرها منهم أحد، حتى قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت ، فقال : يابنى هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التعطيل. ثم ذكر بعض الآثار المروية فى ذلك . وكلام ((البخاري)) فى ((كتاب خلق الأفعال)) صريح فى أن الله يتكلم بصوت، وفرق بين صوت الله وأصوات العباد ، وذكر في ذلك عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ترجم فى كتاب الصحيح (باب في قوله تعالى: ٥٢٧ ( خَّ إِذَافُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْقَالُواْمَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقِّ وَهُوَالْعَلِى الْكَبِيرُ) وذكر ما دل على أن الله يتكلم بصوت وهو القدر. وكما أنه المعروف عند ((أهل السنة والحديث)) فهو قول جماهير فرق الأمة؛ فإن جماهير ((الطوائف)) يقولون : إن الله يتكلم بصوت مع نزاعهم فى أن كلامه هل هو مخلوق، أو قائم بنفسه ؟ قديم أو حادث ؟ أو ما زال يتكلم إذا شاء؟ فإن هذا قول المعتزلة، والكرامية ، والشيعة وأكثر المرجئة، والسالمية ، وغير هؤلاء: من الحنفية والمالكية، والشافعية والحنبلية، والصوفية . وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم بصوت إلا ابن كلاب ومن اتبعه كما أنه ليس فى طوائف المسلمين من قال: إن الكلام معني واحد قائم بالمتكلم إلا هو ومن اتبعه، وليس فى طوائف المسلمين من قال: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة أزلية ، ولا إنه يسمع من العباد صوتا قديما، ولا إن ((القرآن)) نسمعه نحن من الله، إلا طائفة قليلة من المنتسبين إلى أهل الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وليس فى المسلمين من يقول : إن الحرف الذي هو مداد المصاحف قديم أزلي؛ فإثبات ((الحرف والصوت)) بمعنى أن المداد وأصوات العباد قديمة بدعة باطلة لم يذهب إليه أحد من الأمة، وإنكار تكلم الله بالصوت، وجعل كلامه معنى واحداً قائماً بالنفس بدعة باطلة لم يذهب إليها أحد من السلف والأئمة . والذي اتفق عليه ((السلف والأئمة)) أن القرآن كلام اللهمنزل،غير مخلوق، ٥٢٨ منه بدأ، وإليه يعود، وإنما قال السلف: ((منه بدأ)) لأن الجهمية - من المعتزلة وغيرهم - كانوا يقولون: إنه خلق الكلام فى المحل ، فقال السلف: منه بدأ . أى: هو المتكلم به فمنه بدأ؛ لا من بعض المخلوقات ، كما قال تعالى: (تَنزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِالْحَكِيمِ )، وقال تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِى )، وقال تعالى: ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ هُوَ الْحَقَّ)، وقال تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّيِّكَ بِالْقِّ)، ومعنى قولهم: ((إليه يعود)) أنه يرفع من الصدور والمصاحف ، فلا يبقى فى الصدور منه آية ولا منه حرف كما جاء فى عدة آثار . ٥٢٩ مل إذا تبين هذا . فقول القائل : لا يثبت الله صفة بحديث واحد عنه أجوبة. (أحدها) : أن يقال: لا يجوز النفى إلا بدليل، كمالا يجوز الإثبات الإبدليل. فإذا كان هذا القائل ممن لا يتكلم فى هذا الباب إلا بأدلة شرعية ، ويرد الأقوال المبتدعة . قيل له : قول القائل: إن الله لا يتكلم بصوت ونحو ذلك، كلام لم يقله أحد من سلف الأمة وأمتها ، وليس فيه حديث لا صحيح ولا ضعيف ، وأما الإثبات ففيه عدة أحاديث فى الصحاح والسنن والمساند، وآثار كثيرة عن السلف والأئمة، فأي القولين حينئذ هو الذي جاءت به السنة ؟ قول المثبت ، أو النافى؟. وإن كان ممن يتكلم بالأدلة العقلية فى هذا الباب تكلم معه فى ذلك، وبين له أنها تدل على الإثبات لا على النفى، وأن قول النفاة معلوم الفساد بدلائل العقل كما اتفق على ذلك جمهور العقلاء. الوجه الثانى أن يقال: ((هذه الصفة)) دل عليها القرآن ؛ فإن الله أخبر بمناداته لعباده فى غير آيَة، كقوله تعالى: ( وَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُّورِاَلْأَثْمَنِ )، وقوله: (وَيَوْمَ ٥٣٠ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) وقوله: ( وَنَادَتِهُمَارَبُهُمَآ أَلَمْـ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ )، و(النداء)) فى لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازاً، وإذا كان النداء نوعا من الصوت فالدال على النوع دال على الجنس بالضرورة ؛ كما لو دل دليل على أن هنا إنسانا فإنه يعلم أن هنا حيوانا . وهذا كما أنه إذا أخبر أن له علما وقدرة دل على أن له صفة؛ لأن العلم والقدرة نوع من الصفات ، وإذا كان لفظ القرآن لم يذكر فيه أن العلم صفة ولا القدرة صفة. وكذلك إذا أخبر في القرآن أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت دل على أنه فاعل ، فإن هذه أنواع تحت جنس الفعل، وإن كان ثبوت هذه الصفة بما قد دل عليه القرآن - فى غير موضع - كان ما جاء من الأحاديث موافقًلدلالة القرآن، ولم تكن هذه الصفة ثابتة بمجرد هذا الخبر. الوجه الثالث أن ما أخبر الله به في كتابه من تكليم موسى وسمع موسى لكلام الله يدل على أنه كلمه بصوت ؛ فإنه لا يسمع إلا الصوت ؛ وذلك أن الله قال فى كتابه عن موسى : (فَأُسْتَمِعْ لِمَايُوحَى) ، وقال فى كتابه: (إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَى نُوُجِ وَالتَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْ حَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ ٥٣١ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا). ففرق بين إيحائه إلى سائر النبيين وبين تكليمه لموسى ؛ كما فرق أيضا بين )، النوعين فى قوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُإِلَّا وَحيًا أَوْمِن وَرَآمٍحِجَابٍ ففرق بين الإيحاء والتكليم من وراء حجاب ؛ فلو كان تكليمه لموسى إلهاما ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتا لم يكن فرق بين الإيحاء إلى غيره والتكليم له ، فلما فرق القرآن بين هذا وهذا، وعلى بإجماع الأمة ما استفاضت به السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم من تخصيص موسى بتكليم الله إياه ، دل ذلك على أن الذي حصل له ليس من جنس الإلهامات وما يدرك بالقلوب ، إنما هو كلام مسموع بالآذان ، ولا يسمع بها إلا ما هو صوت . الوجه الرابع أن مفسري القرآن، وأهل السنن والآثار ، وأتباعهم من السلف: كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت، كما في الآثار المعروفة عنهم فى الكتب المأثورة عن السلف، مثل ماذكره ابن جرير وأمثاله فى تفسير قوله: (حَتَّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ) وتفسير كلام الله لموسى وغير ذلك؛ وكما ذكره عبدالله بن احمد، والخلال والطبراني، وأبو الشيخ، وغيرم: فى ((كتب السنة)) وكما ذكره الإمام أحمد وغيره في ((كتب الزهد، وقصص الأنبياء)). ٥٣٢ الوجه الخامس أن يقال : الأدلة الدالة على أن الله يتكلم - من الشرع والعقل - دلت على أنه يتكلم بالصوت؛ فإن الناس لهم فى مسمي ((الكلام)) أربعة أقوال. قيل: إنه اسم للفظ الدال على المعنى . وقيل : للمعنى المدلول عليه باللفظ . وقيل: اسم لكل منهما بطريق الاشتراك . وقيل: اسم لهما بطريق العموم . وهذا مذهب السلف والفقهاء والجمهور ، فإذا قيل : تكلم فلان : كان المفهوم منه عند الإطلاق اللفظ والمعنى جميعاً، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل به)) وقال : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمان : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)) وقال: ((أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبید . ألا كل شىء ما خلا الله باطل)) ﴿٤ ونظائر هذا كثيرة ((فالكلام)) إذا أطلق يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، وإذا سمى المعنى وحده كلاماً ، أو اللفظ وحده كلاماً ، فإنما ذاك مع قيد يدل على ذلك ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع ، وأن الكلام عند الإطلاق هو اللفظ والمعنى جميعاً؛ والقرآن والحديث مملوء من آيات الكلام لله تعالى ؛ فكان المفهوم من ذلك هو إثبات اللفظ والمعنى لله . ٥٣٣ الوجه السادس أن القرآن كلام الله باتفاق المسلمين ، فإن كان كلامه هو المعنى فقط ، والنظم العربي الذي يدل على المعانى ليس كلام الله كان مخلوقاً خلقه الله فى غيره، فيكون كلاماً لذلك الغير ؛ لأن الكلام إذا خلق فى محل كان كلاماً لذلك الغير كما تقدم ؛ فيكون الكلام العربى ليس كلام الله ، بل كلام غيره ، ومن المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن الكلام العربى الذي بلغه محمد صلى الله عليه وسلم عن الله أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره ؛ فإن كان النظم العربى مخلوقاً لم يكن كلام الله؛ فيكون ما تلقته الأمة عن نبيها باطلاً. وهذا من أعظم حجج السنية على الجهمية من أن القرآن غير مخلوق؛ فإنهم قالوا : لو خلقه فى غيره لكان صفة لذلك الغير ، كسائر الصفات المخلوقة إذا خلقها الله فى محل كانت صفة لذلك المحل ، وهذا بعينه يدل على أن القرآن العربي كلام الله لا كلام غيره ! إذ لو كان مخلوقا فى محل لكان الكلام العربى كلاماً لذلك المحل الذي خلق فيه ، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الكلام العربي كلام الله لا كلام غيره. وهذا يبطل قول من قال من المتأخرين: إن الكلام يقال بالاشتراك على اللفظ والمعنى ؛ فإنه يقال لهم : إذا كان كل منها يسمى كلاماً حقيقة امتنع أن يكون واحد منها مخلوقاً ؛ إذ لو كان مخلوقاً لكان كلاماً للمحل الذي خلق فيه . ٥٣٤ ولهذا لم يكن قدماء الكلابية يقولون: إن ((لفظ الكلام)) مشترك بين اللفظ والمعنى ؛ لأن ذلك يبطل حجتهم على المعتزلة ، ويوجب عليهم القول بأن كلام الله مخلوق ، لكن كانوا يقولون: إن إطلاق الكلام على اللفظ بطريق المجاز ، وعلى المعنى بطريق الحقيقة ؛ فعلم متأخروم أن هذا فاسد بالضرورة وأن (( اسم الكلام)» يتناول اللفظ حقيقة فجعلوه مشتركا، فلزمهم أن يكون كلام اللّه مخلوقاً. فهم بين محذورين: إما القول بأن كلام الله مخلوق، وإما القول بأن القرآن العربى ليس كلام الله ، وكلا الأمرين معلوم الفساد . وليس الكلام فى نفس أصوات العباد وحركاتهم؛ بل الكلام في نفس ((القرآن)) العربى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ويظهر ذلك بأن نقدر الكلام فى ((القرآن)» قبل أن ينزل إليه ويبلغه إلى الخلق. فإن قيل : إنه كله كلام الله تكلم به وبلغه عنه جبريل إلى محمد - كما هو المعلوم من دين المرسلين - كان هذا صريحاً بأنه لا فرق بين الحروف والمعاني وأن هذا من كلام الله، كما أن هذا من كلام الله . وإن قيل : إنه خلق فى غيره حروفاً منظمة دلت على معنى قائم بذاته ، فقد صرح بأن تلك الحروف المؤلفة ليست كلامه، وأنه لم يتكلم بها بحال. وإذا قيل: إن تلك تسمى كلاماً حقيقة وقد خلقت فى غيره، لزم أن تكون كلاماً لذلك الغير فلا يكون كلام الله، وهو خلاف المعلوم من دين الإسلام . وإن قيل: لا يسمى كلاماً حقيقة كان خلاف المعلوم من اللغة والشريعة ضرورة . ونحن لا نمنع أن المعنى وحده قد يسمى كلاماً، كما قد يسمى اللفظ وحده ٥٣٥ كلاماً؛ لكن الكلام فى القرآن الذي هو ((لفظ، ومعنى)) هل جميعه كلام الله؟ أم لفظه كلام الله ؛ دون معناه؟ أم معناه كلام الله دون لفظه ؟ ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الجميع كلام اللّه، وقد قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٌ وَاللَّهُأَعْلَمُ بِمَا يَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُهْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوِحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ - إلى قوله - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِمُهُ بَشَرٌ کان )، ◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَفٌ مُبِينُ بعض المشركين يقولون: إن محمداً إنما يتعلم القرآن من عبد لبنى الحضرمي، فقال الله تعالى: لسان الذي يضيفون إليه القرآن لسان أعجمي وهذا لسان عربي مبین . وهذا يبين أن محمداً بلغ القرآن لفظه ومعناه لم ينزل عليه معان مجردة؛ إذلو كان كذلك لأمكن أن يقال : تلقى من هذا الأعجمي معان صاغها بلسانه، فلما ذكر قوله: (لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبٌ ◌ُبِينَ) بعد قوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّيِّكَ بِالْحَقّ) دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان العربي المبين . الوجه السابع أن كلام الله، وسائر الكلام: يسمع من المتكلم كما سمع موسى كلام الله من الله، وسمع الصحابة كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه وتارة يسمع من المبلغ عنه؛ كما سمع المسلمون القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم ، والمبلغين عنه، ٥٣٦ ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ )، وكما يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة. ثم من المعلوم أن المحدث إذا حدث بقوله: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) كان الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه، تكلم به بصوته والمحدث بلغه بحر كاته وأصواته . ثم من المعلوم أن المبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم وأمثاله من الناطقين تكلم به بحروفه ومعانيه ؛ مع إمكان الرواية عنه بالمعنى ، وإمكان قيام ألفاظ مكان ألفاظ، كما حكى الله فى القرآن أقوال أمم تكلمت بغير الكلام العربي ، ولو قدر أن المبلغ عنه لم يتكلم إلا بمعنى الكلام وعبر عنه لكان كالأخرس الذي تقوم بذاته المعانى من غير تعبير عنها - حتى يعبر عنها غيره بعبارة لذلك الغير، ومن المعلوم أن ((الكلام)) صفة كمال تنافي الخرس . فإذا كان من قال : إن الله لايقوم به كلام فقد شبهه بالجامدات ووصفه بالنقص وسلبهالكال ،فمن قال أيضاً : إنه لا يعبر عما فى نفسه من المعاني إلا بعبارة تقوم بغيره ، فقد شبهه بالأخرس الذي لا يعبر عن نفسه إلا بعبارة تقوم بغيره، وهذا قول يسلبه صفة الکال،ويجعل غيره من مخلوقاته أ کمل منه. وقد قرر فى غير هذا الموضع : أن كل كمال يثبت لمخلوق فالخالق أولى به ، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ؛ فالخالق أولى بالتنزه عنه ، وكان هذا من الأدلة الدالة على إثبات صفات الكمال له كالحياة والعلم والقدرة ؛ فإن هذه صفات كمال ٥٣٧ ثبت لخلقه فهو أولى وأحق بالصافه بصفات الكمال ، ولو لم يتصف بصفات الكمال لكانت مخلوقاته أكمل منه. وهذا بعينه قد احتجوابه فى «مسألة الكلام )) وهو مطرد في تكلمه بعبارة القرآن ومعناه جميعاً . وقد استدلوا أيضاً بأنه لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها، وهي صفات نقص ، والله منزه عن ذلك ؛ فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالعلم لوصف بالجهل ، ولو لم يوصف بالكلام لوصف بالخرس، ولو لم يوصف بالبصر والسمع لوصف بالعمى والصمم. وللملاحدة هنا ((سؤال مشهور)) وهو: أن هذه المتقابلات ليست متقابلة تقابل السلب والإيجاب - حتى يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر - ؛ بل هي متقابلة تقابل ((العدم، والملكة)) وهو: سلب الشىء عماشأنه أن يكون قابلاً له؛ كعدم العمى عن الحيوان القابل له ؛ فأما الجماد فإنه لا يوصف عندهم بالعمى ولا البصر لعدم قبوله لواحد من هذين . وقد أعيا هذا السؤال كثيراً من المتأخرين - حتى أبى الحسن الآمدي وأمثاله: من أهل الكلام.ـ- وظنوا أنه لا جواب عنه، وقد بسط الكلام في أجوبته في غير هذا الموضع. وذكر من جملة ((الأجوبة)) عن هذا أن يقال: هذا أبلغ فى النقص؛ فإن ما كان قابلاً للانصاف بالبصر والعمى ، والعلم والجهل، والكلام والخرس. فهو أكمل مما لا يقبل واحداً منهما ؛ إذ الحيوان أكمل من الجماد ، فإذا كان الانصاف بصفات النقص عيباً مع إمكان الانصاف بصفات الكمال ؛ فعدم ٥٣٨ إمكان الاتصاف بصفات الكمال وعدم قبول ذلك أعظم آفة وعيباً ونقصاً. فسبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . الوجه الثامن أن يقال: ((كلام اللّه)) إما أن يكون مخلوقاً، منفصلاً عنه، ولم يقم بذاته كلام - كما يقوله الجهمية: من المعتزلة وغيرهم -، وإما أن يكون كلامه قائماً به. والأول باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها ، وسائر أهل السنة والجماعة ، وأدلة بطلانه من الشرع والعقل كثيرة كما قد بسط في موضعه . وإن كان كلامه قائماً به ، فلا يخلو إما أن يقال : لم يقم به إلا المعنى كما يقوله ابن كلاب وأتباعه ؛ وإما أن يقوم به المعنى والحروف، والأول باطل : أما (أولا) فلأن ((المعنى الواحد)) يمتنع أن يكون هو الأمر، والنهي، والخبر، وأن يكون هو مدلول التوراة والإنجيل، والقرآن. وأما ( ثانياً) فلأن المعنى المجرد لا يسمع ، وقد ثبت بالنص والإجماع أن كلام الله مسموع منه كما سمعه موسى بن عمران؛ ولهذا كان محققوا من يقول بأن الكلام هو مجرد المعنى يقول: إنه لا يسمع، ولكن ((طائفة منهم)) زعمت أنه يسمع بناء على قولهم: إن السمع يتعلق بكل موجود ، والرؤية بكل موجود، والشم والذوق واللمس بكل موجود، وجمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل ، وهذا من أعظم ما أنكره الجمهور على أبي الحسن الأشعري ومن وافقه من أصحاب أحمد وغيرهم . ٥٣٩ وأما ((ثالثاً)) فلو لم يكن الكلام إلا معنى لم يكن فرق بين تكليم الله لموسى وإيجائه إلى غيره، ولا بين التكليم من وراء حجاب، والتكليم إيحاء ؛ فإن إيصال معرفة المعنى المجرد إلى القلوب يشترك فيه جميع الأنبياء ؛ ولهذا قال من بنى على هذا الأصل الفاسد: إن الواحد من أهل الرياضة قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران كما ذكر ذلك فى ((الإحياء)) ونحوه، وصار الواحد من هؤلاء يظن أن ما يحصل له من الإلهامات هي مثل تكليم الله لموسى ابن عمران. ودخلت ((الفلاسفة)) من هذا الباب فزعموا أن تكليم الله لموسى إنما هو فيض فاض على نفسه من العقل الفعال، وأن ((كلام الله)) ليس إلا ما يحصل فى النفوس من المخاطبات، كما أن ((الملائكة)) ما يحصل فى القلوب من الصور الخيالية ، ومثل هذا قد يحصل فى اليقظة والمنام. فجعلوا تكليم الله لموسى ابن عمران من جنس من يرى ربه فى المنام وهو يكلمه، ونحو ذلك ، وهو لازم لقول من جعل كلام اللّه معنى مجرداً، وإذا كان اللزوم معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام على فساد اللازم. وأما ((رابعاً)) فلو لم يكن الكلام إلا مجرد المعاني لكان المخلوق أكمل من الخالق؛ فإنا كما نعلم أن الحي أكمل من الميت ، وأن العالم أكمل من الجاهل والقادر أكمل من العاجز ، والناطق أكمل من الأخرس ؛ فنحن نعلم أن الناطق بالمعاني والحروف أكمل ممن لا يكون ناطقاً إلا بالمعانى دون الحروف ، وإذا كان ٥٤٠