النص المفهرس
صفحات 461-480
سئلرحمه الله تعالى :- ما هو ((لقاء الله سبحانه؟)) الذي وصف بظنه الخاشعين بقوله تعالى: ) الَّذِينَ يَظُّونَ أَنَّهُم مَُّقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْإِلَيْهِ رَجِعُونَ ) ، وأمر بعلمه المتقين فى قوله تعالى: (وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ)، وبشر بالإقرار به عند المصيبة الصابرين ، وأشار إلى إتيان أجله للراجين بقوله تعالى: ( مَن كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّأَجَلَ اَلَّهِلَتٍ ) واشتهر ذكره فى غير حديث من كلام سيد المرسلين ، كقوله فى دعائه: ((لقاؤك حق)) وقوله: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) الحديث ؟؟. وهل يصح قول بعض المفسرين من أنه متعلق بمحذوف تقديره جزاء ربهم أو نحوه، بكونه مما لا يصح أن يضاف إلى الله تعالى حقيقة ، فيستحيل ظاهره ويكون المراد منه غير ظاهره ، ويصار فيه إلى تأويل معين؟ أم هو مستغن عن ذلك لجوازه فى نفسه ؟ وكيف يتصور منا محبة من لا نعرفه ، ولا نطلع عليه؟ أم كيف يتأتى شوقه وحنين القلوب إليه ، وإيثاره على ما سواه، مما هو عندنا معروف ولقلوبنا مألوف؟ ولنابه منفعة عاجلة ، ولذة حاصلة . ٤٦١ وقد قالت عائشة رضى الله عنها : كراهية الموت وكلنا نكره الموت . فرد صلى الله عليه وسلم قولها بما تضمنه الحديث ((من رؤية المؤمن ماله عند الله من النعيم ، فأحب الله لقاءه)) الحديث . وقد يعترض على هذا سؤال، وهو أنه إذا كان حبه اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد إليه، لا لمجرد لقاء الله تعالى، فكيف يجازى عليه بحب الله تعالى لقاءه، ومحبته غير خالصة، وإنما يتقبل الله من الأعمال ما كان خالصاً . بينوا لنا هذه الأمور البيان الشافى، بالجواب الصحيح الكافي، طلباً للأجر الوافى إن شاء الله تعالى؟؟ . فأجاب رضي الله عنه وأرضاه: الحمدلله. ((أما اللقاء)) فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة ، بعد السلوك والمسير ، وقالوا : إن لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى، واحتجوا بآيات ((اللقاء)) على من أنكر رؤية الله فى الآخرة من الجهمية، كالمعتزلة وغيرهم. وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال. فى قوله: ( فَ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) ولا يرائي، أو قال: ولا يخبر به أحدا ، وجعلوا اللقاء يتضمن معنيين: ( أحدهما ): السير إلى الملك ( والثاني) معاينته. كما قال: (يَأَيُّهَا الْإِنسَانُ ٤٦٢ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْ حَافَعُلَقِيهِ )، فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما . وأما المعاينة من غير مسير إليه- كمعاينة الشمس والقمر - فلا يسمى لقاء. وقد يراد باللقاء الوصول إلى الشيء ، والوصول إلى الشيء بحسبه . ومن دليل ذلك أن الله تعالى قد قال: ( إِذَالَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُواْ )، ( إِذَا ◌َقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْزَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ ) ، وقال: (وَإِذَا لَقُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ ) الآية. وقال: (وَإِذَا لَقُواْ قَالُوَاْءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّامَعَكُمْ الَّذِينَءَامَنُوْقَالُوْءَامَنَاوَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْأَمُحَدِّ ثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ) وقال: ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِالْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِ أَعْيُنِهِمْ ) وقال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِتَتَيْنِ اُلْتَقَتَافِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ). وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا))، وفى الصحيحين عن أبى هريرة أنه لقي النبى صلى الله عليه وسلم فى طريق من طرق المدينة وهو جنب ، فانفتل فذهب فاغتسل؛ ففقده النبى صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال: ((أين كنت؟) قال يارسول الله! لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)) وفي لفظ: ٤٦٣ لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسلم عن حذيفة أيضاً أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب، فذكر معناه. وفى صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُغَر أميراً على جيش أو سرية أوصاه فى خاصة نفسه بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: ((اغزوا باسم الله فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال )) الحديث . وفى حديث عتبة بن عبيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((القتلى ثلاثة : رجل مؤمن جاهد بماله ونفسه فى سبيل الله ، حتى إذا لقى عدواً قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد المفتخر في خيمة الله تحت ظل عرشه، لا يفضله إلا النبيون بدرجة النبوة، ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقى العدو قاتل حتى قتل، فمصمصة تحت ذنوبه وخطاياه ، إن السيف محاء للخطايا، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء ، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض، ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى قتل ، فإن ذلك فى النار ، إن السيف لا يمحو النفاق)) رواه أحمد وأبو حاتم فى صحيحه، ومثل هذا كثير فى كلام العرب كقول الشاعر : متی ما تلقی فردمن ترجو وأبو السنل (١) (١) يحرر البيت من مصادره . ٤٦٤ ويستعمل ((اللقاء)) فى لقاء العدو، ولقاء الولي، ولقاء المحبوب، ولقاء المكروه، وقد يستعمل فيما يتضمن مباشرة الملاقى ومماسته مع اللذة والألم، كما قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل))، وفى الحديث الصحيح: ((إذا قعد بين شعبها الأربع والتزق الختانان فقد وجب الغسل)). ومن نحو هذا قوله: (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ) وقوله: (فَوَقَنْهُمُ اللَّهُ شَرَّذَلِكَ الْيَّرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) وقوله: (أُوْلَكِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ◌ِمَا صَبَرُواْوَيُلَقَّوْنَ فِيهَاتِحِيَّةً وَسَلَامًا )، ويقال: فلان لقي خيراً، ولقي شراً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). وقد يقال: إن ((اللقاء )) فى مثل هذا يتضمن معنى المشاهدة ، كما قال تعالى ) ؛ لأن الإنسان وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ) يشاهد بنفسه هذه الأمور . وقد قيل: إن الموت نفسه يشهد ويرى ظاهراً. وقيل : المرئى أسبابه . وقد جاء فى الكتاب والسنة ألفاظ من نحو ((لقاء الله)) كقوله: (وَلَقَدْ وَلَوْتَرَّ إِذْوُقِّقُواْعَلَىرَبِّهِم )، وقوله: ( جِئْتُمُونَافُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِنَا ) وقوله: ( وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ) وقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ ) وقوله: لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَفْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة ( إِذَاجَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ)، وقوله: (كَلَّا لَ وَزَرَ * ٤٦٥ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيٍ الْمُنَقَرُّ) ، وقوله: ( إِنَّإِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَّ)، وقوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ)، وقوله: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، وقوله: (إِنَّإِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ). لكن يلزم هؤلاء ((مسألة)» تكلم الناس فيها، وهي أن القرآن قد أخبر أنه يلقاه الكفار ويلقاه المؤمنون، كما قال: (يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابَا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوْتِىَ كِتَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ، * فَسَوْفَ يَدْعُوا نُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا) وقد تنازع الناس فى الكفار هل يرون ربهم مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه بحال تمسكا بظاهر قوله: (كَآ إِنَّهُمْ عَنْ تَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ : ( ولأن الرؤية أعظم الكرامة والنعيم، والكفار لاحظ لهم فى ذلك. وقالت طوائف من أهل الحديث والتصوف: بل يرونه ثم يحتجب، كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة التى فى الصحيح وغيره، من حديث أبى سعيد وأبى هريرة وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن، قالوا وقوله: (َحْجُوبُونَ ) يشعر بأنهم عاينوا ثم حجبوا، ودليل ذلك قوله: ( إِنَّهُمْ عَنْ زَِّهِمْ يَوْمَيِدٍلََّحْجُوُونَ )؛ فعلم أن الحجب كان يومئذ. فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم، وذلك إنما هو في الحجب بعد الرؤية . فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال فى الدنيا والآخرة . قالوا: ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيماً؛ إذ ((اللقاء)) ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام، ولقاء على وجه العذاب ، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء. ٤٦٦ ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة ، حدثنا سهيل ابن أبى صالح عن أبيه عن أبي هريرةُ: ((هل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر؟)) وقد روى مسلم وأبو داود وأحمد فى المسند وابن خزيمة فى التوحيد وغيره قال : قالوا: يارسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تضارون فى رؤية الشمس ليست فى سحابة؟)) قالوا: لا. قال: ((والذي نفسي بيده لا تضارون فى رؤية ربكم إلا كما تضارون فى رؤية أحدهما)). قال: ((فيلقى العبد فيقول: أي فل! ألم ا كرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخرلك الخيل والإبل، وأخرك ترأس وتربع؟ فيقول : بلى. يارب : قال فيقول : فظننت أنك ملاقي. فيقول : لا. فيقول : فإني أنساك كما نسيتني. ثم قال يلقي الثاني فيقول له : مثل ذلك . فيقول: أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك ، وصليت وصمت وتصدقت ، ويثنى بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا. قال: ثم يقال الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر فى نفسه من ذا الذي يشهد علي ؟ ! فيختم على فيه ، ويقال لفخذه انطقي ، فتنطق فذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل فذلك المنافق ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله عليه ، وتمام الحديث قال: ثم ينادي مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فتتبع الشياطين والصليب أولياؤهم إلى جهنم، وبقينا أيها المؤمنون فيأتينا ربنا، فيقول: ما هؤلاء؟ فنقول: من عباد الله المؤمنين آمنا بربنا ولم نشرك به شيئاً ، وهو ربنا تبارك وتعالى، وهو (١) الحديث روى في صحيح مسلم بزيادة في ألفاظه ج ٤ ص ٢٢٧٩ - ٢٢٨٠ رقم ٢٩٦٨ ٤٦٧ يأتينا وهو يثبتنا، وهو ذا مقامنا حتى يأتينا ربنا، فيقول: أنا ربكم. فيقول: انطلقوا. فننطلق حتى نأتى الجسر، وعليه كلاليب من نار تخطف ، عند ذلك حلت الشفاعة لي، اللهم سلم اللهم سلم فإذا جاوزوا الجسر فكل من أنفق زوجاً من المال فى سبيل الله مما يملك فتكلمه خزنة الجنة تقول : يا عبد الله! يا مسلم! هذا خير)). فقال: أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله! إن هذا عبد لا توى عليه، يدع باباً ويلج من آخر؟ فضرب كتفه وقال: ((إنى أرجو أن تكون منهم)) قال سفيان بن عيينة حفظته أنا وروح بن القاسم ، وردده علينا مرتين أو ثلاثاً . وسئل سفيان عن قوله: ((ترأس وتربع)) فقال كان الرجل إذا كان رأس القوم كان له الرباع وهو الربع . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم؛ حيث قال يا رسول الله إنى على دين قال: «أنا أعلم بدينك منك إنك مستحل الرباع ولا يحل لك)). وهذا الحديث معناه فى الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة ، يصدق بعضها بعضاً ؛ وفيه أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها، ثم أتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه العبد، والمنافق، وأنه يخاطبهم. وفي حديث أبى سعيد وأبى هريرة أنه يتجلى لهم فى القيامة مرة للمؤمنين والمنافقين ، بعدما تجلى لهم أول مرة، ويسجد المؤمنون دون المنافقين، وقد بسط الكلام على هذه المسألة فى غير هذا الموضع . ٤٦٨ وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فيمتنع على أصلهم لقاء الله؛ لأنه يمتنع عندهم رؤية الله فى الدنيا والآخرة، وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم. وما اتفق عليه الصحابة وأمة الإسلام من أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، واحتجوا بحجج كثيرة عقلية ونقلية، قد بينا فسادها مبسوطاً، وذكرنا دلالة العقل والسمع على جواز الرؤية. وهذه ((المسألة)) من الأصول التى كان يشتد نكير السلف والأئمة على من خالف فيها ، وصنفوا فيها مصنفات مشهورة. (والثانى): أن عندهم لا يتصور الكدح إليه، ولا العرض عليه، ولا الوقوف عليه، ولا أن يحبه العبد، ولا أن يجده، ولا أن يشار إليه، ولا أن يرجع إليه ، ولا يؤوب إليه ؛ إذ هذه الحروف تقتضى أن يكون حال العبد بالنسبة إليه فى الآخرة - وبينهما فضل - يقتضي تقرباً إليه ودنواً منه، وأن يكون حال العبد بالنسبة إليه مخالف لحاله فى الدنيا ، وهذا كله محال عندم ، فإنهم لا يقرون بأن الخالق مباين للمخلوق - كما اتفق السلف والأئمة، وصرحوا بأنه مباين للخلق؛ ليس داخلاً في المخلوقات ، ولا المخلوقات داخلة فيه - بل تارة يجعلونه حالا بذاته في كل مكان ؛ وتارة يجعلون وجوده عين وجود المخلوقات، وتارة يصفونه بالأمور السلبية المحضة ؛ مثل كونه غير مباين للعالم ولا حال فيه فهم بين أمرين : ٤٦٩ إما أن يصفوه بما يقتضى عدمه وتعطيله، فينكرونه وإن كانوا يقرون به، فيجمعون - في قولهم - بين الإقرار والإنكار ، والنفي والإثبات. وقد يصرح بعضهم بصحة الجمع بين النقيضين ، ويقول : إن هذا غاية التحقيق والعرفان . وإما أن يصفوه بما يقتضي أنه عين المخلوقات أو جزء منها ، أو صفة لها ، وذلك أيضاً يقتضي قولهم بعدم الخالق ، وتعطيل الصانع ؛ وإن كانوا مقرين بوجود موجود غيره وإن جعلوه إياه . ثم يجدون فى المخلوقات مبايناً فى ربوبية المخلوق، فيقولون بالجمع بين النقيضين - كما تقدم. وقد يقولون بعبادة الأصنام، وإن عباد الأصنام على حق ، وعباد العجل على حق ، وإنه ما عبد غير الله قط ؛ إذ لا غير عنده ؛ بل الوجود واحد ، ويقولون بامتناع الدعوة إليه ، وأنه يمكن أن يتقرب إليه ويصل إليه، وهم يقولون: ما عدم فى البداية فيدعى إلى الغابة ؛ بل هو عين المدعو ، فكيف يدعو إلی نفسه ؟ . وكلام السلف والآتمة فى ذم الجهمية وتكفيرهم كثير جداً . وهؤلاء ومن وافقهم على بعض أقوالهم التى تنفي حقيقة اللقاء ، يتأولون ((اللقاء )) على أن المراد به لقاء جزاء ربهم، ويقولون إن الجزاء قد يرى ، كما فى قوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَّكُنْتُمْ صَدِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْنَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَمَّارَأَوْهُ زُلْفَةً سِيْئَتْ وُجُوهُالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُتُم بِ تَّدَّعُونَ ). ٤٧٠ إ فإن ضمير المفعول فى رأوه عائد إلى الوعد ، والمراد به الموعود أي فلما رأوا ما وعدوا سيئت وجوه الذين كفروا. ومن قال إن الضمير عائد هنا إلى الله فقوله ضعيف ، وفساد قول الذين يجعلون المراد ((لقاء الجزاء)) دون لقاء الله معلوم بالاضطرار، بعد تدبر الكتاب والسنة ، يظهر فساده من وجوه : - (أحدها): أنه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين . (الثانى) : أن حذف المضاف إليه يقارنه قرائن فلا بد أن يكون مع الكلام قرينة تبين ذلك، كما قيل في قوله: (وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِيَهَا)، ولو قال قائل: رأيت زيداً، أو لقيته مطلقاً، وأراد بذلك لقاء أبيه أو غلامه لم يجز ذلك فى لغة العرب بلا نزاع، ولقاء الله قد ذكر في كتاب الله وسنة رسوله في مواضع كثيرة، مطلقاً غير مقترن بما يدل على أنه أريد بلقاء الله لقاء بعض مخلوقاته من جزاء أو غيره . ( الثالث ) : أن اللفظ إذا تكرر ذكره فى الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد ، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ، ولم يبين ذلك كان تدليسا وتلبيسا، يجب أن يصان كلام الله عنه ، الذى أخبر أنه شفاء لما فى الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين ، وأنه بيان للناس ، وأخبر أن الرسول قد بلغه البلاغ المبين ، وأنه بين للناس ما نزل إليهم ، وأخبر أن عليه بيانه ، ولا ٤٧١ يجوز أن يقال: ما فى العقل دلالة على امتناع إرادة هذا المعنى هو القرينة التى دل المخاطبين على إلفهم بها ؛ لوجهين . (أحدهما ): أن يقال: ليس في العقل ما ينافى ذلك ؛ بل الضرورة العقلية، والبراهين العقلية توافق ما دل عليه القرآن، كما قال: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ هُوَ الْحَقَ) وما يذكر من الحجج العقلية المخالفة لمدلول القرآن ، فهو شبهات فاسدة عند من له خبرة جيدة بالمعقولات ، دون من يقلد فيها بغير نظر تام. (الثانى ): أنه لو فرض أن هناك دليلا عقليا ينافي مدلول القرآن لكان خفيا دقيقا ، ذا مقدمات طويلة مشكلة متنازع فيها ، ليس فيها مقدمة متفق عليها بين العقلاء؛ إذ ما يذكر من الأدلة العقلية المخالفة لمدلول القرآن هي شبهات فاسدة كلها ليست من هذا الباب . ومعلوم أن المخاطب - الذى أخبر أنه بين للناس، وأن كلامه بلاغ مبين، وهدى للناس - إذا أراد بكلامه مالا يدل عليه ولا يفهم منه إلا بمثل هذه القرينة لم يكن قد بين وهدى ؛ بل قد كان لبس وأضل ، وهذا مما اتفق المسلمون على وجوب تنزيه الله ورسوله؛ بل وعامة الصحابة والأئمة من ذلك . (الرابع) : أن قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه: «اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن ٤٧٢ فيهن، أنت الحق، وقولك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق؛ اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وإليك حا كمت ، وبك خاصمت ، اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى ، أنت إلهى لا إله إلا أنت)) وفى لفظ: ((أعوذ بك أن تضلنى؛ أنت الحى الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون)). ففي الحديث فرق بين لقائه ، وبين الجنة والنار . والجنة والنار تتضمن جزاء المطيعين والعصاة ، فعلم أن لقاءه ليس هو لقاء الجنة والنار . (الخامس) : أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر فى غير حديث ما يبين لقاء العبد ربه، كما فى الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان؛ فينظر أيمن منه فلا يري إلا شيئا قدمه. وينظر أشأم منهفلا يرى إلا شيئا قدمه، فتستقبله النار ؛ فمن استطاع أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل ، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة )) إلى أمثال ذلك من الأحاديث. (السادس): أنه لو أريد ((بلقاء الله)) بعض المخلوقات - إما جزاء وإما غير جزاء - لكان ذلك واقعاً فى الدنيا والآخرة ، فكان العبد لا يزال ملاقياً لربه، ولما علم المسلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن لقاء الله لا يكون إلا بعد الموت: على بطلان أن ((اللقاء)) لقاء بعض المخلوقات. ومعلوم أن اللّه قد جازى خلقاً على ٤٧٣ أعمالهم فى الدنيا بخير وشر ، كما جازی قوم نوح ، وعاد ، وتمود ، وفرعون؛وكما جازى الأنبياء وأتباعهم، ولم يقل مسلم إن لقاء هذه الأمور فى الدنيا لقاء الله ، ولو قال قائل إن لقاء الله جزاء مخصوص وهو الجنة مثلاً ، أو النار لقیل له ليس فى لفظ هذا [لقاء ] مخصوص، ولا دليل [عليه] ، وليس هو بأولى من أن يقال لقاء الله تعالى لقاء بعض ملائكته ، أو بعض الشياطين ، وأمثال ذلك من التحكمات الموجودة فى الدنيا والآخرة ؛ إذ ليس دلالة اللفظ على تعيين هذا بأولى من دلالته على تعيين هذا فبطل ذلك. (الوجه السابع)): أن ((لقاء الله)) لم يستعمل فى لقاء غيره، لا حقيقة ولا مجازاً ولا استعمل لقاء زيد فى لقاء غيره أصلاً ؛ بل حيث ذكر هذا اللفظ فإنما يراد به لقاء المذكور ؛ إذ ما سواه لا يشعر اللفظ به، فلا يدل عليه . (الوجه الثامن): أن قوله: ( هُوَالَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمُ وَأَعْدٌ لَهُمْ أَجْرًاكَرِيمًا ) فلو كان ((اللقاء)) هو لقاء جزائه لكان هولقاء الأجر الكريم الذي أعد لهم، وإذا أخبر بأنهم يلقون ذلك لم يحسن بعد ذلك الإخبار بإعداده؛ إذ الإعداد مقصوده الوصول ، فكيف يخبر بالوسيلة بعد حصول المقصود؟ هذا نزاع بين العي الذي يصان عنه كلام أوسط الناس فضلاً عن كلام رب العالمين ؛ لاسيما وقد قرن اللقاء بالتحية، وذلك لا يكون إلا فى اللقاء المعروف؛ لا فى حصول شيء من النعيم المخلوق. ٤٧٤ 1 1 (الوجه التاسع): أن قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) أخبر فيه أن الله يحب لقاء عبد ويكره لقاء عبد، وهذا يمتنع حمله على الجزاء ؛ لأن الله لا يكره جزاء أحد، ولأن الجزاء لا يلقاه الله ؛ ولأنه إن جاز أن يلقي بعض المخلوق كالجزاء أو غيره جاز أن يلقى العبد، فالمحذور الذي يذكر فى لقاء العبد موجود فى لقائه سائر المخلوقات، فهذا تعطيل النص . وإما أن يقال: بل هولاق لبعضها ، فيتناقض قول الجهمي ويبطل . ودلائل بطلان هذا القول لا تكاد تحصى، يضيق هذا الاستفتاء عن ذكر كثير منها فضلا عن أكثرها . ٤٧٥ قصــ وأما قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه ، ولا نطلع عليه إلى آخره، فيقال له: هذه مسألة أخرى كبيرة، وهى ((مسألة محبة المؤمن ربه)) فإن الكتاب والسنة تنطق بذلك، كقوله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وقوله: ( قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّه ◌ِأَمْرِهِ )، وقوله تعالى: ( فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُبِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) الآية . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار)). وأمثال ذلك من النصوص، وهذه المحبة على حقيقتها عند سلف الأمة وأثّتها ومشائخها ، وأول من أنكر حقيقتها شيخ الجهمية الجعد بن درهم، فقتله ٤٧٦ خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، وقال: يا أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليما ، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً !!! ثم نزل فذجه . فإن هؤلاء أنكروا حقيقة ((الخلة))؛ لأن الخلة كالمحبة، وأنكروا حقيقة ((التكليم)) وجعلوا التكليم ما يخلقه فى بعض الأجسام، أو هو من جنس الإلهام ، حتى ادعى طوائف منهم أن أحدنا قد يحصل له التكليم كما حصل لموسى عليه السلام، بل سمع عين ما سمعه موسى، والله تعالى قد بين اختصاص موسى بذلك عن سائر الأنبياء فكيف عن سائر المؤمنين والأولياء ، كما قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ ) إلى قوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ففرق بين الإيحاء والتكليم، كما فرق بين الإيحاء والتكليم من وراء حجاب فى قوله: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآَمٍ ◌ِحِجَابٍ ) وكما بين هذه الخاصية في قوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِنْهُم مَّن كَلَّمَاللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) . ثم هؤلاء الذين أنكروا حقيقة المحبة لم يمكنهم إنكار لفظها؛ لأنه جاء فى الكتاب والسنة ففسروا محبته بعبادته وطاعته، وامتثال أمره، أو محبة أوليائه ونحو ذلك مما يضاف إليه ؛ ولو علموا أن محبوب الغير لا يكون محبوباً إلا إذا كان ٤٧٧ ذلك الغير محبوباً فيكون هو المحبوب بالذات ، والوسائل يحبون بالعرض. ولو تدبروا قولهم لعلموا أنه مستحيل أن تحب عبادته أو أولياؤه إذا لم يكن هو محبوباً ، فإذا قدروا أنه هو شيء ليس محبوباً لذاته : كانت محبة العمل الذي يحصل الأكل والشرب إنما هي فى الحقيقة محبة الأكل والشرب والنكاح ، وكان ذلك من جنس محبة سائر المشتهيات ؛ فإذاً تكون محبة الله ورسوله إنما هي فى الحقيقة محبة الأكل والشرب ، إذا كان الله لا يحب لنفسه على رأي هؤلاء. وهذه ((المسألة)) أصل عبادة الله، كما أن ((المسألة الأولى)) أصل الإقرار بالله؛ فتلك فيها ذهاب النفس والمال، كما قال تعالى: (إِنَّاللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) الآية. ولهذا نعت المحبين المحبوبين بقوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ بل أصل ((الولاية)) الحب ، يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمٍ ) وأصل ((العداوة)) البغض، وإنكار الحب والبغض يتضمن إنكار ولاية الله وعداوته ، كما أنكر بعض الفقهاء قوله: ((إنه لا يعز من عاديت)) وقوله: (لَاتَّخِذُواْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ) وهذا باب طويل، وقد كتبت فى هذين الأصلين عدداً يبلغ أكثر من الأسفار ، وكلام الأولين والآخرين من أهل العلم والإيمان موجود فى هذا . فقول القائل : كيف نتصور عبادة من لا نعرفه؛ إذ الإيمان بما لا نعرفه ، أو الطاعة لما لا نعرفه ، أو التسبيح والتحميد بما لا نعرفه ونحو ذلك من ٤٧٨ العبادات ؛ فهذه الأمور لا يمكن أن تتعلق بمجهول من كل وجه؛ إذ ذلك ممتنع، لا يجب أن تكون معرفته للمعبود المحبوب كمعرفته بنفسه؛ بل ليس لنا فى الوجود من محبه أو نبغضه ؛ ونحن نعرفه كمعرفة الله به ، والمعرفة قد تكون من جهة الاستدلال والنظر . ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم فى الدنيا ويتفاوتون فى درجات العرفان، والنبى صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله. وقد قال: ((لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها، المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه، وهي مسألة كبيرة. والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها : أن نفس الإيمان الذي فى القلوب يتفاضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان فى دخوله فى مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث - وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم - أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص. وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم - مع جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان - متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج؛ ولا يسلب جميع الإيمان كما تقوله المعتزلة ؛ لكن بعض الناس قال : إن إيمان الخلق مستو ، فلا يتفاضل إيمان أبي بكر وعمر وإيمان الفساق ؛ بناء على أن التصديق بالقلب واللسان ، أو بالقلب ، وذلك لا يتفاضل . ٤٧٩ وأما عامة السلف والأمة فعنده أن إيمان العباد لا يتساوى ، بل يتفاضل ، وإيمان السابقين الأولين أكمل من إيمان أهل الكبائر المجرمين. ثم النزاع مني على الأصلين. (أحدهما ) : العمل . هل يدخل فى مطلق الإيمان ؟ فإن العمل يتفاضل بلا نزاع. فمن أدخله فى مطلق الإيمان قال: يتفاضل. ومن لم يدخله في مطلق الإيمان احتاج إلى (الأصل الثاني) وهو أن ما فى القلب من الإيمان هل يتفاضل؟ فظن من نفي التفاضل أن ليس فى القلب - من محبة الله، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق - ما هو متفاضل بلا ريب ، ثم نفس التصديق أيضاً متفاضل من جهات : (منها) أن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون مجملا، وقد يكون مفصلا؛ والمفصل من المجمل؛ فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه، والحديث ومعانيه، وصدق بذلك مفصلاً كمن صدق أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه. (ومنها) : أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع الغفلة عنه. (ومنها ) : أن التصديق نفسه يتفاضل كهه ؛ فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان ، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى الدرجات ؛ درجات الإيقان ، كتصديق زعزعته الشبهات ، وصدفته الشهوات، ولعب به ٤٨٠