النص المفهرس

صفحات 441-460

فى العلم، ولا كان فى ((القرون الثلاثة)) من ينكره؛ وإنما حدث إنكاره بعد
المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة، وأكبر سبب إنكاره إما من المجوزين
للعفو من ((أهل السنة)). ومن أهل المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيدية
بعموم آيات الوعيد وأحاديثه، فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم فى اللغة والشرع
فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار .
ولو اهتدوا للجواب السديد ((للوعيدية)): من أن الوعيد فى آية وإن كان
عاماً مطلقا ، فقد خصص وقيد فى آبة أخرى - جريا على السنن المستقيمة - أولى
بجواز العفو عن المتوعد وإن كان معيناً . تقييداً للوعيد المطلق ؛ وغير ذلك من
الأجوبة ، وليس هذا موضع تقرير ذلك؛ فإن الناس قد قرروا العموم بما
يضيق هذا الموضع عن ذكره.
وإن كان قد يقال: بل العلم بحصول العموم من صيغه ضروري من اللغة
والشرع والعرف ، والمنكرون له فرقة قليلة يجوز عليهم جحد الضروريات،
أو سلب معرفتها ؛ كما جاز على من جحد العلم بموجب الأخبار المتواترة وغير
ذلك من المعالم الضرورية .
وأما من سلم أن العموم ثابت، وأنه حجة. وقال: هو ضعيف، أو أكثر
العمومات مخصوصة ، وأنه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات .
فيقال له: ((أولاً)) هذا سؤال لا توجيه له ؛ فإن هذا القدر الذي ذكرته
لا يخلو: إما أن يكون مانعاً من الاستدلال بالعموم أو لا يكون. فإن كان مانعاً
٤٤١

فهو مذهب منكري العموم من الواقفة والمخصصة ، وهو مذهب سخيف
لم ينتسب إليه. وإن لم يكن ما نعاً من الاستدلال فهذا كلام ضائح غايته أن
يقال : دلالة العموم أضعف من غيره من الظواهر وهذا لايقر ؛ فإنه ما لم يقم
الدليل المخصص وجب العمل بالعام.
ثم يقال له ((ثانياً)): من الذي سلم لكم أن العموم المجرد الذي لم يظهر له
مخصص دليل ضعيف؟ أم من الذي سلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من
الذي يقول ما من عموم إلا قد خص إلا قوله: (بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) ؟ فان هذا
الكلام وإن كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد فى كلام
بعض المتكلمين فى أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده.
والظن بمن قاله ((أولا)) أنه إنماعنى أن العموم من لفظ ((كل شيء))
مخصوص إلا فى مواضع قليلة، كما فى قوله: ( تُدَمِرُكُلَّ شَىْءٍ)، (وَأُوْنِيَتْ مِن
كُلِّ شَىْءٍ)، (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ)، وإلا فأي عاقل يدعى هذا فى جميع
صيغ العموم فى الكتاب والسنة، وفى سائر كتب الله وكلام أنبيائه ، وسائر
کلام الأمم عربهم ومجمهم.
وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة ؛
لا مخصوصة. سواء عنيت عموم الجمع لأفراده، أو عموم الكل لأجزائه، أو عموم
الكل لجزئياته، فإذا اعتبرت قوله: (الْحَمْدُ لِلَِّرَبِ الْعَلَمِينَ ) فهل تجد أحداً من
العالمين ليس الله ربه؟ (مَلِكِ يَوَمِ الّذِينِ) فهل فى يوم الدين شيء لا يملكه
٤٤٢

الله؟ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِنَ ) فهل فى المغضوب عليهم والضالين أحد
لا يجتذب حاله التى كان بها مغضوباً عليه أو ضالاً؟ (هُدًى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ) الآية. فهل فى هؤلاء المتقين
أحد لم يهتد بهذا الكتاب؟ (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ).
هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا عموماً ولا خصوصاً؟ (أُوْلَتَكَ عَلَى
هُدَى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَبِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) هل خرج أحد من هؤلاء المتقين
عن الهدى فى الدنيا، وعن الفلاح فى الآخرة ؟ .
ثم قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) قيل: هو عام مخصوص، وقيل: هو لتعريف
العهد فلا تخصيص فيه؛ فإن التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ؛ ومن هنا
يغلط كثير من الغالطين ، يعتقدون أن اللفظ عام ، ثم يعتقدون أنه قد خص
منه ؛ ولو أمعنوا النظر لعلموا من أول الأمر أن الذي أخرجوه لم يكن اللفظ
شاملاً له ، ففرق بين شروط العموم وموانعه ، وبين شروط دخول المعنى فى
إرادة المتكلم وموانعه.
ثم قوله : (لَا يُؤْمِنُونَ ) أليس هو عاما لمن عاد الضمير إليه عموماً محفوظاً؟
( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَنْصَرِهِمْ ) أليس هو عاماً فى القلوب وفى
السمع وفى الأبصار وفى المضاف إليه هذه الصفة عموماً، لم يدخله تخصيص؟ وكذلك
(ولهم)، وكذلك فى سائر الآيات إذا تأملته إلى قوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ
) فمن الذين خرجوا من هذا العموم
رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
الثاني فلم يخلقهم الله له؟ وهذا باب واسع.
٤٤٣

وإن مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الأمر كذلك ؛ فإنه
سبحانه قال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ)، فأي ناس ليس
الله ربهم؟ أم ليس ملكهم؟ أم ليس إلههم ؟ ثم قوله : ( مِن شَرِّالْوَسْوَاسِ
الْخَنَّاسِ ) إن كان المسمى واحداً فلا عموم فيه وإن كان جنساً فهو عام،
فأي وسواس خناس لا يستعاذ بالله منه ؟ .
وكذلك قوله: (بِرَبِّ الْفَلَقِ) أيُّ جزء من ((الغلق)) أم أي (فلق)
ليس الله ربه؟ (مِن شَرِّ مَاخَلَقَ) أي شر من المخلوق لا يستعاذ منه؟ (وَمِن
شَرِّالنَّفَّشَتِ) أي نفائة فى العقد لا يستعاذ منها؟ وكذلك قوله: (وَمِن شَرٍّ
حَاسِدٍ ) مع أن عموم هذا فيه بحث دقيق ليس هذا موضعه .
ثم ((سورة الإخلاص)) فيها أربع عمومات : (لَمْ يَلِدٌ) فأنه يعم جميع
أنواع الولادة، وكذلك (لَمْ يُؤَذ)، وكذلك (وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوَ أَحَدّ )؛
فإنها تعم كل أحد وكل ما يدخل فى مسمى الكفؤ ، فهل فى شيء من
هذا خصوص ؟ .
ومن هذا الباب كلمة الإخلاص التى هي أشهر عند أهل الإسلام من كل
كلام، وهي كلمة ((لا إله إلا الله)) فهل دخل هذا العموم خصوص قط ؟
فالذي يقول بعد هذا : ما من عام إلا وقد خص إلا كذا وكذا ، إما فى
غاية الجهل وإما في غاية التقصير فى العبارة؛ فإن الذى أظنه أنه إنما عنى: ((من
الكلمات التى تعم كل شيء)) مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم ؛ وإن فسر،
٤٤٤

بهذا؛ لكنه أساء فى التعبير أيضا؛ فإن الكلمة العامة ليس معناها أنها تعم كل
شيء؛ وإنما المقصود أن تعم ما دلت عليه أى ما وضع اللفظ له، وما من لفظ فى
الغالب إلا وهو أخص مما هو فوقه فى العموم وأعم مما هو دونه فى العموم
والجميع يكون عاماً.
ثم عامة كلام العرب وسائر الأمم إنما هو أسماء عامة ، والعموم اللفظى
على وزان العموم العقلى وهو خاصية ((العقل)) الذى هو أول درجات التمييز
بين الإنسان وبين البهائم.
فإن قيل : سلمنا أن ظاهر الكتاب والسنة يشمل النساء ؛ لكن هذا
العموم مخصوص ؛ وذلك أن فى حديث رؤية الله للرجال يوم الجمعة: ((إن الرجال
يرجعون إلى منازلهم فتلقاه نساؤهم فيقلن للرجل : لقد جئت وإن بك من
الجمال أفضل مما فارقتنا عليه! فيقول : إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن
تنقلب بمثل ما انقلبنا به)). وهذا دليل على أن النساء لم يشاركوم فى الرؤية ،
وإذا كان هذا فى رؤية الجمعة ففي رؤية الغداة والعشي أولى؛ لأن هذا أعلى من
تلك ومن لم يصلح للرؤية فى الأسبوع فكيف يصلح للرؤية فى كل يوم مرتين؟
وإذا انتفت رؤيتهن فى هذين الموطنين ، ولم يثبت أن الناس يرونه في غير هذين
الموطنين : فقد ثبت أن العموم مخصوص منه النساء فى هذين الموطنين ؛
وما سواهما لم يثبت لا للرجال ولا للنساء ، فلم يبق ما يدل على حصول الرؤية
للنساء فى موطن آخر ، فإما أن يبقى مطلقاً عملاً بالأصل النافى؛ وإما أن ينفى عن
هذين الموطنين ويتوقف فيما عداهما ولا يحتج على ثبوتها فيه بتلك العمومات
٤٤٥

لوجود التخصيصات فيها. هذا غاية ما يمكن فى تقرير هذا السؤال ولولا أنه أورد
علي لما ذكرته لعدم توجهه. فنقول: (الجواب من وجوه متعددة) وترتيبها الطبيعي
يقتضي نوعا من الترتيب، لكن أرتبها على وجه آخر ليكون أظهر في الفهم .
الأول
أنا لو فرضنا أنه قد ثبت أن النساء لا يرينه فى الموطنين المذكورين
لم يكن فى ذلك ما ينفي رؤيتهن فى غير هذين الموطنين ، فيكون ماسوى هذين
الموطنين لم يدل عليه الدليل الخاص لا بنفي ولا بإثبات ، والدليل العام قد أثبت
الرؤية فى الجملة ، والرؤية فى غير هذين الموطنين لم ينفها دليل فيكون الدليل
العام قد سلم عن معارضة الخاص فيجب العمل به ، وهذا فى غاية الوضوح .
فإن من قال: رأيت رجلاً، فقال آخر: لم تر أسود ولم تره فى دمشق،
لم تتناقض القضيتان، والخاص إذا لم يناقض مثله من العام لم يجز تخصيصه به ،
فلو كان قد دل دليل على أن النساء لا يرينه بحال لكان هذا الخاص معارضاً
لمثله من العام، أما إذا قيل : إنه دل على رؤية فى محل مخصوص كيف ينفي بنفي
جنس الرؤية؟ وكيف يكون سلب الخاص سلباً للعام؟
فإن قيل: لا رؤية لأهل الجنة إلا فى هذين الموطنين ، قيل ما الذى دل
على هذا؟ فإن قيل : لأن الأصل عدم ما سوى ذلك. قيل : العدم لا يحتج
به فى الاخبار بإجماع العقلاء ، بل من أخبر به كان قائلاً ما لا علم له به ، ولو قيل
٤٤٦

للرجل : هل فى البلد الفلاني كذا ، وفى المسجد الفلاني كذا؟ فقال : لا ؛
لأن الأصل عدمه ، كان نافياً ما ليس له به على باتفاق العقلاء.
ولو قال الآخر : الذين يرون الله كل يوم مرتين: هم النبيون فقط، لأن
الأصل عدم رؤية غيرم ، ولهم من الخصوص ما لا يشركون فيه ، كان هذا
قولا بلا علم - إذا سلم من أن يكون كذبا - وليس هنا مفهوم يتمسك به كما فى
قوله: ( فَأَجْلِدُ وهُمْثَمَنِينَ جَدَةً ) .
فإن الرسول لم يقل إن أهل الجنة لهم موطنان فى الرؤية ، حتى يقول ذلك
بنفي ما سواهما ، بل كلامه يدل على خلاف ذلك كما سنبينه ، ولو فرضنا أنه
يجوز الحكم باستصحاب الحال فى مثل هذا ؛ فإن العموم والقياس حجتان
مقدمتان على الاستصحاب، أما ((العموم)) فبإجماع الفقهاء، وأما (القياس))
فعند جماهيرهم.
ومعلوم أن ((العموم)) و ((القياس)) يقتضيان ثبوت الرؤية كما تقدم،
فلا يجوز نفيها بالاستصحاب ، وإن جاز تخصيص ذلك بنقص عقل النساء ،
فينبغي أن يقال: ((البله)) و ((أهل الجفاء)) من الأعراب ونحوهم ممن يدخل
الجنة لا يرى الله ، فإنه لا ريب أن فى النساء من هو أعقل من كثير من الرجال ،
حتى أن المرأة تكون شهادتها نصف شهادة الرجل ، والمغفل ونحوه ترد
شهادتهما بالكلية ، وإن لم يكن مجنوناً؛ وقد قال الني صلى الله عليه وسلم:
كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع)) أكمل ممن لم يكمل من
الرجال ؛ ففي أي معقول تكون الرؤية للناقص، دون الكامل.
٤٤٧

الجواب الثاني
أن نقول: نفس الحديث المحتج به دل على أن لأهل الجنة رؤية فى مواطن
عديدة فإنه قال: ((وأعلى أهل الجنة منزلة من يرى الله كل يوم مرتين غدوة
وعشية))؛ فإذا كانت هذه للأعلى، فمفهومه أن الأدنى له دون ذلك، ولا يجوز
أن يقصر ما دون ذلك على ((رؤية الجمعة)) لأنه لا دليل عليه ؛ بل يجوز أن
يراه بعضهم كل يوم مرة، وبعضهم كل يومين مرة، وبعضهم أكثر من ذلك
والحكمة تقتضي ذلك؛ فإن « يوم الجمعة يشترك فيه جميع الرجال من الأعلين
والمتوسطين ومن دونهم. وكل يوم مرتين للأعلين فالذين هم فوق الأدنين
ودون الأعلين لا بد أن يميزوا عمن دونهم ؛ كما نقصوا عمن فوقهم .
الجواب الثالث
أنه قد جاءت الأحاديث برؤية الله فى غير هذين الموطنين ، منها : ما رواه
ابن ماجة فى ((سننه)) والدار قطنى فى ((الرؤية)) عن الفضل بن عيسى الرقاشي،
عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: بينا أهل الجنة فى نعيمهم إذ سطح لهم نور ، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب
تبارك وتعالى أشرف عليهم ! فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة! وهو
قول الله: (سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّتٍ تَحِيمٍ )، فلا يلتفتون إلى شيء مماهم فيه
من النعيم ما دام الله بين أظهرهم حتى يحتجب عنهم، وتبقى فيهم بركته ونوره))
٤٤٨

ورويناه من طريق أخرى معروفة إلى سلمة بن شبيب حدثنا بشر بن حجر
حدثنا عبدالله بن عبيد الله عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((بينما أهل الجنة فى ملكهم ونعيمهم إذ سطح لهم نور، فرفعوا
رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم ! فيقول : السلام
عليكم ياأهل الجنة، فذلك قوله تبارك وتعالى: (سَلَمُ قَولَا مِّن رَّدٍ زَحِيمٍ )،
فينظرون إليه وينظر إليهم فلا يلتفتون إلى شيء من الملك والنعيم حتى يحتجب
عنهم ، قال: فيبقى نوره وبركته عليهم وفى ديارهم)).
وهذه الطريق تنفي أن يكون قد تفرد به الفضل الرقاشي ، وهذا الحديث
بعمومه يقتضي أن جميعهم يرونه، لكن لم يستدل به ابتداء ، لأن فى إسناده
مقالا ، والمقصود هنا أنه قد روى ذلك وهو ممكن ولا سبيل إلى دفعه فى نفس
الأمر، والعمومات الصحيحة تثبت جنس ما أثبته هذا الحديث.
وأيضا فالحديث الصحيح ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد، يا أهل الجنة!
إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا
ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه،
فما أعطام شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)).
فهذا ليس هو نظر الجمعة ؛ لأن هذا عند الدخول، ولم يكونوا ينتظرونه،
ولا اجتمعوا لأجله ، ونظر الجمعة يقدمون إليه من منازلهم، ويجتمعون لأجله
٤٤٩

كما جاءت به الأحاديث، وبين هذا التجلي وذاك فرق تدل عليه الأحاديث؛ ولاهذا
التجلى من المرتين اللتين تختص بالأعلين، بل هو عام لمن دخل الجنة كما دل عليه
الحديث موافقاً لقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ) - (أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ ).
وأيضاً فقد جاء موقوفا على ابن عباس ، وعن كعب الأحبار مرفوعا إلى
النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنهم يرونه فى كل يوم عيد)).
وأيضاً فقد ثبت بالنصوص المتواترة فى عرصات القيامة قبل دخول الجنة
أكثر من مرة، وهذا خارج عن المرتين ؛ إلا أن يقال: وإن كان لم يقل: ولا
فى سؤال السائل ما يدل عليه فهو مبطل لحصره قطعاً ، ومن أراد أن يحترز
عنه يصوغ السؤال على غير ما تقدم، وإنما صغناه كما أورد علينا .
وأيضا فقد قال تعالى: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، فكيف يمكن أن يقال: إن من
سوى الأعلين لا يرى الله قط إلا فى الأسبوع مرة ؟ ويقضى ذلك الدليل
على ما قد أخفاه عن كل نفس ؛ ونفى علمه من كل عين ، وسمع ، وقلب ،
وفرق بين عدم العلم، والعلم بالعدم . وبين عدم الدليل ؛ والدليل على العدم
فإذا لم يكن مع الإنسان فيما سوى الموطن سوى عدم العلم وعدم الدليل
لم يكن ذلك مانعاً من موجب الدليل العام بالاضطرار وبالإجماع.
ونكتة (الجواب الأول ) أن النبى صلى الله عليه وسلم. إذا قال: إن أهل
٤٥٠

الجنة يرون الله تعالى وفسربه قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
إلى قوله: ( أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِّهُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ) فأعلمنا بهذا أن أصحاب
الجنة لهم ((الزيادة)) التى هي النظر إليه ، وقد علمنا أن أهل الجنة وأصحاب الجنة
منهم النساء المحسنات أكثر من الرجال. وقال لنا - مثلاً -: يوم الجمعة يراه
الرجال دون النساء، وقال لنا أيضاً : لا يراه كل يوم مرتين إلا أعلى أهل الجنة
وفرضنا أن النساء لا يرينه بحال - كل يوم مرتين - ولا يوم الجمعة، ولا فيما
سوى ذلك قط ، وهذا وإن كان من وقف على هذا الكلام يعلم أنه لا خلاف
بين العلماء؛ بل ولا بين العقلاء فى أنه لا يدل على نفي جنس ((الرؤية))، ولا
يخص ذلك اللفظ العام، ولا يقيد ذلك المطلق - فإنما رددت الكلام فيه
للمنازعة فيه ، فلا يظن أنا أطلنا النفس فيه لخفائه ؛ بل لرده مع جلائه .
ولك أن تعبر عن ((هذا الجواب)) بعبارات. إن شئت أن تقول: ((أحاديث
الإثبات)) أثبتت رؤية مطلقة للرجال والنساء، ونفي المقيد لا ينفي المطلق
فلا یکون المطلق منفياً ، فلا يجوز نفی موجبه .
وإن شئت أن تقول: ((أحاديث الإثبات)) تعم الرجال والنساء و((أحاديث
النفي)) تتفي عن النساء ما علم أنه للرجال، أو ما ثبت أن فيه الرؤية ، أو تنفى
عن النساء الرؤية فى الموطنين اللذين أخبروا بالرؤية فيها ؛ لكن هذا سلب
فى حال مخصوص ؛ لم يتعرض لما سواهما: لا بنفي ولا بإثبات ؛ والمسلوب عنه
لا يعارض العام.
٤٥١

وإن شئت أن تقول : القضية الموجبة المطلقة لا يناقضها إلا سلب كلي ؛
وليس هذا سلباً كلياً فلا يناقض ، ولا يجوز ترك موجب أحد الدليلين.
وإن شئت أن تقول: ليس فى ذكر هذين الموطنين إلا عدم الإخبار
بغيرهما، وعدم الإخبار بثواب معين - من نظر أو غيره - لا يدل على عدمه،
كيف وهذا الثواب مما أخفاه الله ؟ وإذا كان عدم الإخبار لا يدل على عدمه.
والعموم اللفظي والمعنوي إما قاطع وإما ظاهر فى دخول النساء ، لم يكن عدم
الدليل مخصصاً للدليل - سواء كان ظاهراً أو قاطعاً - وكل هذا كما أنه معلوم
بالعقل الضروري فهو تجمع عليه بين الأمة على ما هو مقرر عند العلماء فى
الأصول والفروع.
وإنما ينشأ الغلط من حيث يسمح السامع ماجاء فى الأحاديث فى «الرؤية))
عامة مطلقة ويرى أحاديث أخر أخبرت برؤية مقيدة خاصة فيتوم أن لا وجود
لتلك المطلقة العامة إلا فى هذه المقيدة ، أو ينفى دلالة تلك العامة ؛ لهذا الاحتمال،
كرجل قال : كنت أدخل أصحابي داري وأكرمهم . ثم قال فى موطن آخر:
أدخلت داري فلاناً وفلاناً من أصحابى فى اليوم الفلاني، فمن ظن أن سائر أصحابه
لم يدخلهم - لأنه لم يذكرم فى هذا الموطن - فقد غلط، وقيل له: من أين
لك أنه ما أدخلهم فى وقت آخر ؟ فإذا قال : يمكن أنه أدخلهم ويمكن أنه
ما أدخلهم فأنا أقف ، قيل له: فقد قال : كنت أدخل أصحابى داري وهذا يعم
جميع أصحابه.
٤٥٢٠

ونحن لا تنازع فى أن ((اللفظ العام)» يحتمل الخصوص فى الجملة مع عدم
هذه القرينة، فمع وجودها أوكد؛ لكن تنازع فى ((الظهور)) فنقول : هذا
الاحتمال المرجوح لا يمنع ظهور العموم كما تقدم ، فيكون العموم هو الظاهر
- وإن كان ما سواه ممكناً - وأما سائر ((الأجوبة)) ففى تقرير أن ((الرؤية))
تقع فى غير هذين الموطنين .
(الجواب الرابع)
أنا لو فرضنا أن ((حديث المرتين كل يوم)) يعارض ماقدمناه من النصوص
الصحيحة العامة - لفظاً ومعنى - لما كان الواجب دفع دلالة تلك الأحاديث
بمثل هذا الحديث؛ لما تقدم ((أولا)) لما فى اسناده من المقال؛ ولأنه يستلزم إخراج
أكثر أفراد اللفظ العام بمثل هذا التخصيص، وهذا إما ممتنع وإما بعيد ، ومستلزم
تخصيص العلمة بلا وجود مانع، ولا فوات شرط ، وهذا ممتنع عند الجمهور؛ أو
من غير ظهور مانع، وهذا بعيد لا يصار إليه إلا بدليل قوي.
(الجواب الخامس)
لو فرضنا أن لا رؤية إلا مافى هذين ، فمن أين لنا أن النساء لا يرين الله
فيهما جميعاً؟ وهب أنا سلمنا أنهن لا يرينه يوم الجمعة فمن أين أنهن لا يرينه كل
يوم مرتين؟ وقول القائل : هذه أعلى وتلك أدنى ، فكيف يحرم الأدنى من
يعطي الأعلى ؟ فعنه أجوبة :
٤٥٣

(أحدها ): أن الذين ميزوا برؤية كل يوم مرتين شركوا الباقين فى رؤية
يوم الجمعة فصار لهم النوعان جميعاً ؛ فإذا كان فضلهم بالنوعين جميعاً فما المانع فى
أن بعض من دونهم بشركهم فى ((الجمعة)) دون «رؤية الغداة والعشي)) والبعض
الآخرون يشركونهم فى ((الغداة، والعشي)) دون ((الجمعة)) ؟! ولا يكون من له
الغداة والعشي دون الجمعة أعلى مطلقاً؛ وإنما الأعلى مطلقاً الذي له الجميع .
لكن قد يقال: يلزم على هذا أن يكون النساء أعلى ممن له الجمعة دون
((البردين)) من الرجال، فيقال: قد لا يلزم هذا؛ بل قد تكون الجمعة وحدها
أفضل من (( البردين)) وحدهما .
وقد يقال: فهب أن الأمر كذلك . أكثر ما فيه تفضيل النساء على
مفضول الرجال، وهذا الاحتمال وإن كان ممكناً ؛ لكن يبعد أن تكون كل
امرأة تدخل الجنة أفضل ممن لا يرى الله كل يوم مرتين؛ فإن ذلك مستلزم
أن يكون مفضول النساء أفضل من مفضول الرجال ، فيترك هذا الاحتمال
ويقتصر على الذي قيل ، وهو : أن الأعلى مطلقاً الذي له المرتان مع الجمعة،
وإنما لزم هذا لأنا نتكلم بتقدير أن لا رؤية إلا هذين ؛ ولا ريب أن هذا
التقدير باطل قطعاً .
( الوجه الثانى): أنه من أين لكم أن ((الرؤية كل يوم مرتين)) أفضل من
((رؤية الجمعة))؟ نعم هي أكثر عدداً، لكن قد يفضل ذلك فى الكيفية
فيكون أحد النوعين أكثر عدداً والآخر أفضل نوعاً: كدينار وخمسة درام،
٤٥٤

ولا ريب أن هذا ممكن إمكاناً قريباً؛ فإن الله يثيب عبده على: (قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ ) مع قلة حروفها بقدر ما يثيبه على ثلث القرآن .
وإذا كان الأمر كذلك . فيمكن في حق من حرم الأفضل في نوعه أن
يعطي النوع المفضول وإن كثر عدده سواء كان فاضل النوع أفضل مطلقاً ، أو
كانا متكافئين عند التقابل ؛ وفي أحاديث المزيد ما يدل على هذا ؛ فإنهم
يرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالا فيقولون: إنا جالسنا اليوم ربنا
الجيار فيحق لنا أن نتقلب بمثل ما انقلبنا به. وفي حديث آخر: «فليسوا إلى
شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا نظراً إلى ربهم ويزدادوا كرامة)).
ومن تأمل سياق ((الأحاديث المتقدمة)) علم أن التجلي يوم الجمعة له عندهم
وقع عظيم لا يوجد مثله في سائر الأيام ؛ وهذا يقتضى أن هذا النوع أفضل
من الرؤية الحاصلة كل يوم مرتين ، وإن كانت تلك أكثر ! فإذا منع النساء
من هذا الفضل لم يلزم أن يمنعن مما دونه وهذا بين لمن تأمله .
( الوجه الثالث ): هب أن رؤية الله كل يوم مرتين أفضل مطلقاً من
رؤية الجمعة ، فلا يلزم حرمانهن من الثواب المفضول حرمان ما فوقه مطلقا ؛
وذلك أن العبد قد يعمل عملا فاضلاً يستحق به أجراً عظيماً ، ولا يعمل
ما هو دونه فلا يستحق ذلك الأجر ، وما زال الله سبحانه يخص المفضولين
من كل صنف بخصائص لا تكون للفاضلين ، وهذا مستقر في الأشخاص من
الأنبياء والصديقين وفي الأعمال .
٤٥٥

ولو كان العمل الفاضل يحصل به جميع المفضول مطلقاً لما شرع المفضول
فى وقت ؛ فلا يلزم من إعطاء الأعلى إعطاء الأدنى مطلقا، ولا يلزم منه منع
الأعلى مطلقا، فهذا ممكن إمكاناً شرعياً فى عامة الثوابات ، ألا ترى أن الذين
فى الدرجات العلى من أهل الجنة لا يعطون الدرجات الدفى، ثم لا يكون هذا
نقصاً فى حقهم ؛ فإن الله سبحانه يرضي كل عبد بما آتاه ، فجاز أن يكون قد
أرضى النساء بأعلى ((الرؤية)) عن مجموع أعلاها وأدناها.
والذي يؤيد هذا أنه من الممكن أن تكون رؤية الجمعة جزاء على عمل
الجمعة فى الدنيا ؛ ورؤية الغداة والعشي جزاء على عمل الغداة والعشي، فهذا
ممكن فى العقل ، وإن لم يجي به خبر ؛ وإذا كان ممكناً لم يلزم من
منعهن ((رؤية الجمعة)) لعدم المقتضى فيهن منعهن ((رؤية البردين)) مع قيام
المقتضى فيهن .
ومن الممكن فى العقل أنهن إنما لم يشهدن رؤية الجمعة لأنه مجتمع الرجال .
والغيرة فى الجنة ؛ ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الجنة ورأي
قصراً وعلى بابه جارية قال: ((فأردت أن أدخل فذكرت غيرتك ، فقال عمر :
أعليك أغار؟)). والله أعلم بحقائق الأمور، فإذا كان كذلك فهذا منتف فى رؤية
الغداة والعشي ؛ لأن تلك الرؤية قد تحصل وأهل الجنة فى منازلهم.
ثم هذا من الممكن أن ((الرؤية جزاء العمل)) فإنه قد جاء فى الأخبار
ما يدل على أن الرؤية يوم الجمعة ثواب شهود الجمعة ؛ بدليل أن فيها يكونون فى
٤٥٦

الدنو منه على مقدار مسارعتهم إلى الجمعة، وتفاوت الثواب بتفاوت العمل دليل
على أنه مسبب عنه ، وبدليل أنه مذكور فى غير حديث ((إنه يكون بمقدار
انصرافهم من صلاة الجمعة فى الدنيا ».
وموافقة الثواب للعمل فى وقته، وفى قدره حتى يصير جزاء وفاقا: يقتضى
أن العمل سببه؛ وبدليل أن ذلك مذكور فى فضل يوم الجمعة فى الدنيا والآخرة،
فعلى أن ارتباط ثوابه فى الآخرة بعمله فى الدنيا ؛ وبدليل أن فيه عند منصرف
الناس من الجمعة رجوع الصالحين إلى منازلهم ورجوع الأنبياء والصديقين
والشهداء إلى ربهم.
وهذا مناسب لحالهم فى الدنيا ؛ فإن الصالح إذا انقضت الجمعة اشتغل بما
أبيح له فى الدنيا وأولئك اشتغلوا بالتقرب إليه بالنوافل ، فكانوا متقربين إليه
فى الدنيا بعد الجمعة فقربوا منه بعد الجمعة فى الآخرة، وهذه ((المناسبة الظاهرة))
المشهود لها بالاعتبار تقتضي أن ذلك التجلي ثواب أعمالهم يوم الجمعة ، وإذا كان
كذلك فانتفاء الرؤية فى حق النساء لعدم شهودهن الجمعة ؛ ولهذا روي أنهن
یرینه فى العيد كما شرع لهن شهود العید .
فإن قيل : ماذكرتموه من هذه الزيادة أمر غريب! والأحاديث المشهورة
المجمع عليها ليس فيها هذه الزيادة، فلا يجوز الاعتماد عليها، والناس كلهم قد
سمعوا أحاديث الرؤية يوم الجمعة ولم يسمعوا هذه الزيادة .
٤٥٧

قلنا : قد تقدم الجواب عن ذلك بما ذكرناه من طرق الحديث وحال
أصاله وزيادته ، وبينا أن الزيادة لا ينقص حكمها فى الرؤية عن حكم أصل الحديث
نقصاً يمنع إلحاقها به ؛ بل هي إما مكافئة أو قريبة أو فوق، واجبنا عما قيل هنا
وما لم يقل .
فإن قيل: ((فقد كن المؤمنات يشهدن صلاة الجمعة مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم)) فعلى قياس هذا ينبغي لمن شهد الجمعة من النساء أن يشهدن يوم
المزيد فى الجنة .
قلنا: ما كان يشهد الجمعة والجماعة من النساء إلا أقلهن؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن)) متفق عليه.
وقال: ((صلاة إحداكن فى مخدعها أفضل من صلاتها فى حجرتها ، وصلاتها
فى حجرتها أفضل من صلاتها فى دارها ، وصلاتها فى دارها أفضل من صلاتها
في مسجد قومها ، وصلاتها في مسجد قومها أفضل من صلاتها معي - أوقال -
خلفي)) رواه أبو داود . فقد أخبر المؤمنات: أن صلاتهن في البيوت أفضل
لهن من شهود الجمعة والجماعة، إلا ((العيد)) فإنه أمرهن بالخروج فيه، ولعله
- والله أعلم - لأسباب :-
( أحدها ) : أنه في السنة مرتين فقبل بخلاف الجمعة والجماعة.
( الثاني) : أنه ليس له بدل خلاف الجمعة والجماعة فإن صلاتها في بيتها
الظهر هو جمعتها .
٤٥٨

( الثالث ) : أنه خروج إلى الصحراء لذكر الله فهو شبيه بالحج من
بعض الوجوه ؛ ولهذا كان العيد الأكبر في موسم الحج موقفة للحجيج ،
ومعلوم أن الصحابيات إذا علمن أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لم يتفق
أكثرهن على ترك الأفضل ؛ فإن ذلك يلزم أن يكون أفضل القرون على المفضول
من الأعمال .
فإن قيل : هذا التفضيل إنما وقع فى حق من بعد الصحابيات لما أحدث
النساء ما أحدثن، ولأن من بعد الرسول من الأمة لايساويه ؛ فأما الصحابيات
فصلاتهن خلف النى صلى الله عليه وسلم كانت أفضل ، ويكون هذا الخطاب
عاما خرج منه القرن الأول ؛ فإن تخصيص العموم جائز.
قلنا : هذا خلاف ما على بالاضطرار من لغة العرب والعجم ، وخلاف ما على
بالاضطرار من دين المسلمين ، وخلاف ما فطر الله عليه العقلاء ، وخلاف
ما أجمع المسلمون عليه؛ وذلك لأن قوله: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله !
وبيوتهن خير لهن)) قد أجمع المسلمون على أن الحاضرين تحقق دخولهم فيه .
واختلفوا فى القرن الثاني والثالث هل يدخلون بمطلق الخطاب أم بدليل منفصل؟
فيه قولان، فأما دخول الغائب دون الحاضر فممتنع باتفاق.
ثم اللغة يحيله فإن قوله: ((لا تمنعوا إماء الله)) لا ريب أنه خطاب
الصحابة - رضي الله عنهم - ابتداء ، فكيف نحيل اللغة أن لا يدخلوا فيه .
ويدخل فيه من بعدهم ؟ أهل اللغة لا يشكون أن هذا ممتنع .
٤٥٩

ثم قد علمنا بالاضطرار أن أوامر القرآن والسنة شملت الصحابة، ثم من
بعدم ، وقد يقال أو يتوم فى بعضها : أنها شملتهم دون من بعدم فأما اختصاص
من بعدهم بالأوامر الخطابية دونهم فهذا لا وجود له.
وأما مخالفته (للفطر)) فما من سليم العقل يعرض عليه هذا إلا أنكره
أشد الإنكار، ثم هب هذا أمكن فى قوله: ((لا منعوا إماء الله مساجد الله))
فكيف بقوله: ((صلاة إحدا كن فى مسجد قومها أفضل من صلاتها معي ،
أو خلفي)) ؟ أليس نصا فى صلاتهن فى بيوتهن وفى مسجد النبى صلى الله عليه
وسلم خلفه؟ وصلى الله على محمد .
٤٦٠
!
١