النص المفهرس

صفحات 381-400

فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء اللّه أكثر من تسعة وتسعين. قالوا:
- ومنهم الخطابي - قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها)) التقييد
بالعدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء.
فهذه الجملة وهي قوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) صفة للتسعة والتسعين
ليست جملة مبتدأة، ولكن موضعها النصب، ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى
لا يختلف، والتقدير أن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة كما
يقول القائل: إن لي مائة غلام أعددتهم للعتق، وألف درثم أعددتها للحج،
فالتقييد بالعدد هو فى الموصوف بهذه الصفة لا فى أصل استحقاقه لذلك العدد ؛
فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون .
قال: ويدل على ذلك قوله فى الحديث الذي رواه أحمد فى المسند: ((اللهم
إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته
أحداً من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك)) فهذا يدل على أن الله
أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين .
وأيضاً فقوله: ((إن لله تسعة وتسعين)) تقييده بهذا العدد، بمنزلة قوله
تعالى: (تِسْعَةَ عَشَرَ ) فلما استقلوم قال: ( وَمَعْلَمُ جُودَرَبِّكَ إِلَّهُوَ ) فأن
لا يعلم أسماءه إلا هو أولى؛ وذلك أن هذا لو كان قد قيل منفرداً لم يفد النفي إلا
بمفهوم العدد الذى هو دون مفهوم الصفة ، والنزاع فيه مشهور ، وإن كان
المختار عندنا أن التخصيص بالذكر - بعد قيام المقتضي للعموم - يفيد
٣٨١

الاختصاص بالحكم ، فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن
للاختصاص بالحكم والإ كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع
فقوله: ((إن لله تسعة وتسعين)) قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد
غير الحصر . و(منها ) ذكر أن إحصاءها بورث الجنة؛ فإنه لو ذكر هذه
الجملة منفردة، وأتبعها بهذه منفردة لكان حسناً؛ فكيف والأصل فى الكلام
الاتصال وعدم الانفصال ؟! فتكون الجملة الشرطية صفة؛ لا ابتدائية. فهذا هو
الراجح فى العربية مع ما ذكر من الدليل .
ولهذا قال: ((إنه وتر يحب الوتر)» ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق
بالإحصاء ؛ أي يحب أن يحصى من أسمائه هذا العدد؛ وإذا كانت أسماء الله أكثر
من تسعة وتسعين أمكن أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسماً يورث الجنة
مطلقاً على سبيل البدل ؛ فهذا يوجه قول هؤلاء ، وإن كان كثير
من الناس يجعلها أسماء معينة؛ ثم من هؤلاء من يقول: ليس إلا تسعة وتسعون
اسماً فقط، وهو قول ابن حزم وطائفة ،والأكثرون منهم يقولون: وإن كانت
أسماء الله أكثر ؛ لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هي معينة ، وبكل حال :
فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛
ولكن روى فى ذلك عن السلف أنواع: من ذلك ما ذكرهالترمذى . ومنها
غير ذلك.
فإذا عرف هذا: فقوله فى أسمائه الحسنى ((النور الهادى)) لو نازعه منازع
٣٨٢

فى ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له حجة ، ولكن جاء ذلك فى
أحاديث صحاح، مثل قوله فى الحديث الذى فى الصحيحين ، عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات
والأرض ومن فيهن)) الحديث . وفى صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال: ((نور أنى أراه ؟)) أوقال:
((رأيت نوراً)).
فالذى فى القرآن والحديث الصحيح إضافة النور كقوله: ( نُورُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ ) أو (نور السموات والأرض ومن فيهن).
وأما قوله: ((إذ النور كيفية قائمة)) فنقول: النور المخلوق محسوس لايحتاج
إلى بيان كيفية، لكنه نوعان: أعيان، وأعراض. ((فالأعيان)) هو نفس جرم
النار، حيث كانت - نور السراج والمصباح الذى فى الزجاجة وغيره ــ وهي
النور الذي ضرب الله به المثل ، ومثل القمر فإن الله سماه نوراً فقال: (جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَنُورًا ) ولا ريب أن النار جسم لطيف شفاف. «وأعراض»
مثل ما يقع من شعاع الشمس، والقمر والنار على الأجسام الصقيلة وغيرها،
فإن المصباح إذا كان فى البيت أضاء جوانب البيت ، فذلك النور والشعاع
الواقع على الجدر والسقف والأرض هو عرض ، وهو كيفية قائمة بالجسم.
وقد يقال: ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوها نوراً، فيكون الاسم
على الجوهر تارة ، وعلى صفة أخرى ؛ ولهذا يقال لضوء النهار نور ، كما قال
٣٨٣

تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ) ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا
فإنهما عرضان ، وقد قيل : هما جوهران ؛ وليس هذا موضع بسط ذلك .
فتبين أن اسم النور يتناول هذين والمعترض ذكر أولاً حد ((العرض)» وذكر
ثانياً حد ((الجسم)) فتناقض، وكأنه أخذ ذلك من كلامي ولم يهتد لوجه الجمع .
وكذلك اسم ((الحق)) يقع على ذات الله تعالى وعلى صفاته القدسية كقول
النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنت الحق، وقولك الحق ، والجنة حق، والنار حق
والنبیون حق ، ومحمد حق)).
وأما قول المعترض : النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد.
فيقال له: لم تفهم معنى الضد المنفي عن الله؛ فإن ((الضد)» يراد به ما يمنح
ثبوت الآخر ، كما يقال فى الأعراض المتضادة مثل السواد والبياض. ويقول
الناس : الضدان لا يجتمعان ، ويمتنع اجتماع الضدين ؛ وهذا التضاد عند كثير
من الناس لا يكون إلا فى ((الأعراض)) وأما ((الأعيان)) فلا تضاد فيها ؛
فيمتنع عند هذا أن يقال : لله ضد ، أو ليس له ضد؛ ومنهم من يقول يتصور
التضاد فیها ، والله تعالی لیس له ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب ؛ بل هو
القاهر الغالب الذي لا يغلب .
وقد يراد ((بالضد)» المعارض لأمره وحكمه ، وإن لم يكن مانعاً من وجود
ذاته ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: « من حالت شفاعته دون حد من حدود
٣٨٤

الله فقد ضاد الله فى أمره)) رواه أبو داود. وتسمية المخالف لأمره وحكمه ضداً
كتسميته عدواً .
وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون ؛ فأما على التفسير الأول
فلا ريب أنه ليس فى نفس الأمر مضاد لله؛ لكن التضاد يقع فى نفس الكفار
فإن الباطل ضد الحق، والكذب ضد الصدق؛ فمن اعتقد فى الله ما هو منزه
عنه كان هذا ضداً الإيمان الصحيح به .
وأما قوله : النور ضد الظالمة - وجل الحق أن يكون له ضد - فيقال له :
والحي ضد الميت، والعليم ضد الجاهل، والسميع، والبصير، والذي يتكلم
ضد الأصم الأعمى الأبكم، وهكذا سائر ما سمى الله به من الأسماء لها أضداد،
وهو منزه عن أن يسمى بأضدادها، فجل الله أن يكون ميتاً! أو عاجزاً، أو
فقيراً ونحو ذلك.
وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته: مثل وجود الميت والجاهل،
والفقير والظالم ، فهذا كثير ؛ بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة
فى الموجودين .
ولا يقال لأولئك إنهم أضداد الله، ولكن يقال إنهم موصوفون بضد
صفات الله؛ فإن التضاد بين الصفات إنما يكون فى المحل الواحد لا فى محلین ،
فمن كان موصوفا بلوت ضادته الحياة ، ومن كان موصوفاً بالحياة ضاده الموت ،
٣٨٥

والله سبحانه يمتنع أن يكون ظلمة أو موصوفاً بالظلمة، كما يمتنع أن يكون ميتاً
أو موصوفاً بالموت .
فهذا المعترض أخذ لفظ ((الضد بالاشتراك)» ولم يميز بين الضد الذي
يضاد ثبوته ثبوت الحق وصفاته وأفعاله ، وبين أن يكون فى مخلوقاته ما هو
موصوف بضد صفاته، وبین مایضاده فى أمره ونهيه، فالضد الأول هو الممتنع.
وأما الآخران فوجودهما كثير ؛ لكن لا يقال إنه ضد لله ، فإن المتصف بضد
صفاته لم يضاده .
والذين قالوا ((النور ضد الظلمة)) قالوا يمتنع اجتماعهما فى عين واحدة،
لم يقولوا: إنه يمتنع أن يكون شيء موصوفاً بأنه نور وشيء آخر موصوفاً بأنه
ظلمة ؛ فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخليط .
وأما قوله: لو كان نوراً لم يجز إضافته إلى نفسه فى قوله: (مَثَلُ نُورِهِ )
فالكلام عليه من طريقين :
(أحدهما) أن نقول : النص فى كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله
نور السموات والأرض ، وقد أخبر النص أن الله نور وأخبر أيضاً أنه يحتجب
بالنور ؛ فهذه ثلاثة أنوار فى النص وقد تقدم ذكر الأول.
( وأما الثاني) فهو فى قوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِرَتِهَا ) وفى قوله:
(مَثَلُ نُورِهِ ) وفيما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال
٣٨٦

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله خلق خلقه فى ظلمة ، وألقى عليهم من
نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل)).
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فى دعاء الطائف: ((أعوذ بنور وجهك الذي
أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك ،
أو يحل عليّ غضبك)) رواه الطبراني وغيره. ومنه قول ابن مسعود: إن ربكم
ليس عنده ليل ولا نهار ، نور السموات من نور وجهه .
ومنه قوله : ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبي موسى عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كمات فقال: ((إن
الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط يرفع إليه عمل الليل قبل عمل
النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور - أو النار - لو كشفه
لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه)). فهذا الحديث فيه
ذكر حجابه.
فإن تردد الراوي فى لفظ النار والنور لا يمنع ذلك، فإن مثل هذه النار
الصافية التى كلم بها موسى يقال لها نار ونور ، كما سمى الله نار المصباح نوراً،
بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نوراً .
فالأقسام ثلاثة: ((إشراق بلا إحراق)) وهو النور المحض كالقمر.
و((إحراق بلا إشراق)) وهي النار المظلمة. و ((ما هو نار ونور)» كالشمس،
ونار المصابيح التى فى الدنيا توصف بالأمرين؛ وإذا كان كذلك صح أن يكون
٣٨٧

نور السموات والأرض ، وأن يضاف إليه النور ، وليس المضاف هو عين
المضاف إليه .
(الطريق الثاني) أن يقال: هذا يرد عليكم لا يختص من بسميه بما سمى
به نفسه وبينه؛ فأنت إذا قلت: ((هاد)) أو ((منور)) أو غير ذلك: فالمسمى
((نوراً)) هو الرب نفسه؛ ليس هو النور المضاف اليه. فإذا قلت: ((هو الهادي
فنوره الهدى)) جعلت أحد النورين عيناً قائمة، والآخر صفة ؛ فهكذا بقول من
يسميه نوراً؛ وإذا كان السؤال يرد على القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما
بأنه مخالف لقوله ظلماً ولدداً فى المحاجة، أو جهلاً وضلالاً عن الحق.
وأما ماذكره من الأقوال : فلا ريب أن للناس فيها من الأقوال أكثر
مما ذكره، والموجود بأيدي الأمة من الروايات الصادقة والكاذبة والآراء
المصيبة والمخطئة لا يحصيه إلا الله، والكلام فى ((تفسير أسماء الله، وصفاته،
وكلامه)) فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين، وإنما الشأن فى
الحق والعلم والدين.
وقد كتبت قديماً فى بعض كتبى لبعض الأ كابر: إن العلم ما قام عليه الدليل ،
والنافع منه ما جاء به الرسول ، فالشأن فى أن نقول علماً وهو النقل المصدق،
والبحث المحقق، فإن ما سوى ذلك - وإن زخرف مثله بعض الناس - خزف
مزوق ، وإلا فباطل مطلق ، مثل ماذكره فى هذه الآية وغيرها .
وهذه الكتب التى يسميها كثير من الناس ((كتب التفسير)) فيها كثير
٣٨٨

من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم ، وقول على الله ورسوله بالرأي
المجرد؛ بل بمجرد شبهة قياسية، أو شبهة أدبية.
فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم، ومع هذا فقد ضعف قولهم بالباطل
فإن القوم فسروا النور فى الآية: بأنه الهادي ؛ لم يفسروا النور فى الأسماء الحسنى
والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يصح تضعيف قولهم بما ضعفه .
ونحن إنماذكرنا ذلك لبيان تناقضه، وأنه لا يحتج علينا بشيء يروج على
ذي لب ، فإن التناقض أول مقامات الفساد، وهذا التفسير قد قاله طائفة من
المفسرين. وأما كونه ثابتاً عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم ثبته.
ومعلوم أن فى ((كتب التفسير)) من النقل عن ابن عباس من الكذب
شيء كثير، من رواية الكلبى عن أبى صالح وغيره ، فلا بد من تصحيح النقل
لتقوم الحجة فليراجع ((كتب التفسير)) التى يحرر فيها النقل ، مثل تفسير محمد
ابن جرير الطبري ، الذي ينقل فيه كلام السلف بالإسناد، .. وليعرض عن
تفسير مقاتل ، والكلى - وقبله تفسير بقى بن مخلد الأندلسي وعبد الرحمن
ابن إبراهيم دحيم الشامي ، وعبد بن حميد الكشي وغيرهم، إن لم يصعد إلى
تفسير الإمام إسحق بن راهويه، وتفسير الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من
الأئمّة، الذين م أعلم أهل الأرض بالتفاسير الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم
وآثار الصحابة والتابعين كما م أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار
الصحابة والتابعين فى الأصول والفروع وغير ذلك من العلوم.
٣٨٩

فإما أن يثبت أصلاً يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجمال
بالدلائل ، الأغشام فى المسائل ؛ وبمثل هذه المنقولات - التى لا يميز صدقها
من كذبها ، والمعقولات التى لا يميز صوابها من خطئها ــ ضل من ضل من
أهل المشرق فى الأصول والفروع، والفقه والتصوف.
وما أحسن ما جاء هذا فى آية النور التى قال الله تعالى فيها: ( وَمَن ◌ََّّيَجْعَلِ اللَّهُ
لَهُنُورًا فَمَالَهُ مِنْ تُورٍ ) نسأل الله أن يجعل لنا نوراً.
ثم نقول : هذا القول الذي قاله بعض المفسرين فى قوله: ( اللهُنُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) أي هادي أهل السموات والأرض، لا يضرنا، ولا يخالف
ما قلناه، فإنهم قالوه فى تفسير الآية التى ذكر النور فيها مضافاً؛ لم يذكروه فى
تفسير نور مطلق ، كما ادعيت أنت من ورود الحديث به ؛ فأين هذا
من هذا ؟ .
ثم قول من قال من السلف: هادي أهل السموات والأرض لا يمنع أن
يكون فى نفسه نوراً : فإن من عادة السلف فى تفسيرهم أن يذكروا بعض
((صفات المفسر)) من الأسماء، أو بعض أنواعه ؛ ولا ينافى ذلك ثبوت بقية
الصفات للمسمى ، بل قد يكونان متلازمين ، ولا دخول لبقية الأنواع فيه .
وهذا قد قررناه غير مرة فى القواعد المتقدمة، ومن تدبره على أن أكثر
أقوال السلف فى التفسير متفقة غير مختلفة. مثال ذلك قول بعضهم فى ( الصِّرَطَ
الْمُسْتَقِيمَ): إنه الإسلام ، وقول آخر: إنه القرآن ، وقول آخر : إنه السنة
٣٩٠

والجماعة، وقول آخر : إنه طريق العبودية . فهذه كلها صفات له متلازمة ،
لا متباينة؛ وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه: بل بمنزلة
أسماء الله الحسنى.
ومثال ((الثاني)) قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَتِ ) فذكر منهم صنفاً من الأصناف، والعبد بعم الجميع . فالظالم
لنفسه المخل ببعض الواجب ، والمقتصد القائم به، والسابق المتقرب بالنوافل
بعد الفرائض.
وكل من الناس يدخل فى هذا بحسب طريقه فى التفسير والترجمة : ببيان
النوع والجنس ؛ ليقرب الفهم على المخاطب ، كما لو قال الأعجمي ما الخبز؟ فقيل
له: هذا، وأشير إلى الرغيف . فالغرض الجنس لا هذا الشخص. فهكذا تفسير
كثير من السلف وهو من جنس التعليم.
فقول من قال: ( نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) هادي أهل السموات
والأرض كلام صحيح ، فإن من معاني كونه نور السموات والأرض أن يكون
هادياً لهم ؛ أما أنهم نفوا ماسوى ذلك فهذا غير معلوم ، وأما أنهم أرادوا ذلك
فقد ثبت عن ابن مسعودأنه قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور
السموات من نور وجهه .
وقد تقدم عن النبى صلى الله عليه وسلم من ذكر نور وجهه . وفى رواية
(النور)) ما فيه كفاية ؛ فهذا بيان معنى غير الهداية .
٣٩١

وقد أخبر الله فى كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها، فإذا كانت تشرق
من نوره كيف لا يكون هو نوراً ؟ ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه
إضافة خلق وملك واصطفاء - كقوله (نَاقَةَ اللَّهِ ) ونحو ذلك - لوجوه:
(أحدها ) أن النور لم يضف قط إلى الله إذا كان صفة لأعيان قائمة ، فلا
يقال فى المصابيح التى فى الدنيا: إنها نور الله، ولا فى الشمس والقمر، وإنما
يقال كما قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات
من نور وجهه . وفى الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بنور
وجهك الذى أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة)).
( الثاني) أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض فى
الدنيا، وليس من نور إلا وهو خلق من خلق الله، وكذلك من قال: منور
السموات والأرض لا ينافى أنه نور ، وكل منور نور، فهما متلازمان .
ثم إن الله تعالى ضرب مثل نوره الذى فى قلوب المؤمنين بالنور الذى فى
المصباح، وهو فى نفسه نور ، وهو منور لغيره ، فإذا كان نوره فى القلوب هو
نور ، وهو منور ، فهو فى نفسه أحق بذلك ، وقد علم أن كل ما هو
نور فهو منور .
وأما قول من قال : معناه منور السموات بالكواكب: فهذا إن أراد به
قائله : أن ذلك من معنی کونه نور السموات ، وأنه أراد به ليس لكونه نور
٣٩٢

السموات والأرض معنى إلا هذا فهو مبطل ؛ لأن الله أخبر أنه نور السموات
والأرض؛ والكواكب لا يحصل نورها فى جميع السموات والأرض.
وأيضاً فإنه قال: (مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقِفِيهَا مِصْبَاعُ )؛ فضرب المثل لنوره
الموجود فى قلوب المؤمنين ؛ فعلم أن النور الموجود فى قلوب المؤمنين نور
الإيمان ، والعلم مراد من الآية ؛ لم يضربها على النور الحسى الذى يكون
للكواكب ، وهذا هو الجواب عما رواه عن ابن عباس فى رواية أخرى،
وأبى العالية والحسن ، بعد المطالبة بصحة النقل ، والظن ضعفه عن ابن عباس
لأنهم جعلوا ذلك من معاني النور أما أنهم يقولون قوله: ( اللَّهُ نُورُالسَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ ) ليس معناه إلا التنوير بالشمس ، والقمر والنجوم ، فهذا
باطل قطعاً .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أنت نور السموات والأرض ومن فيهن))
ومعلوم أن العميان لا حظ لهم فى ذلك ، ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب
لاحظ له فى ذلك، والموتى لا نصيب لهم من ذلك ، وأهل الجنة لا نصيب لهم
من ذلك ، فإن الجنة ليس فيها شمس ولا قمر ؛ كيف وقد روى أن أهل الجنة
يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش، مثل ظهور الشمس لأهل الدنيا
فتلك الأنوار خارجة عن الشمس والقمر .
وأما قوله : قد قيل : بالأدلة والحجج، فهذا بعض معنى الهادي، وقد تقدم
الكلام على قوله: ((هذا يبطل قوله أن التأويل دفع للظاهر ، ولم ينقل عن
٣٩٣

السلف)) فإن هذا الكلام مكذوب على، وقد ثبت تناقض صاحبه، وأنه لم
يذكر عن السلف إلا ما اعترف بضعفه .
وأما الذى أقوله الآن وأكتبه - وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتى
وإنما أقوله فى كثير من المجالس - إن جميع ما فى القرآن من آيات الصفات،
فليس عن الصحابة اختلاف فى تأويلها .
وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث،
ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من
مائة تفسير ، فلم أجد - إلى ساعتى هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً
من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ؛ بل
عنهم من تقرير ذلك وتثبيته ، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام
المتأولين ما لا يحصيه إلا الله . وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم
شيء کثیر .
وتمام هذا أنى لم أجدم تنازعوا إلا فى مثل قوله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ ) فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن
الشدة فى الآخرة ، وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها فى الصفات ؛ للحديث
الذي رواه أبو سعيد فى الصحيحين.
ولا ريب أن ظاهر القرآن [لا] يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال:
يَوْمَ بَّكْشَفُ عَن سَاقٍ ) نكرة فى الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن
)
٣٩٤

ساقه ، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر،
ومثل هذا ليس بتأويل ، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها
ومعناها المعروف ؛ ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولاً
له، ثم يريدون صرفه عنه، ويجعلون هذا تأويلاً، وهذا خطأ من وجهين كما
قدمناه غير مرة.
وأما قوله: ((لو كان نوراً حقيقة - كما تقوله المشبهة - لوجب أن يكون
الضياء ليلاً ونهاراً على الدوام»: فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول.
فإن المشبهة يقولون: إنه نور كالشمس؛ والله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) فإنه
ليس كشيء من الأنوار، كما أن ذاته ليست كشيء من الذوات؛ لكن ما ذكره
حجة عليه ، فإنه يمكن أن يكون نوراً يحجبه عن خلقه كما قال فى الحديث :
(« حجابه النور - أو النار - لوكشفه لأ حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
بصره من خلقه)) .
لكن هنا غلط فى النقل ، وهو إضافة هذا القول إلى المشبهة، فإن هذا من
أقوال الجهمية المعطلة أيضاً كالمريسي ، فإنه كان يقول. إنه نور ، وهو كبير
الجهمية ؛ وإن كان قصده بالمشبهة من أثبت أن الله نور حقيقة، فالمثبتة
للصفات كلهم عنده مشبهة ، وهذه ((لغة الجهمية المحضة)) يسمون كل من أثبت
الصفات مشبهاً .
فقد قدمنا أن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ذكرا أن نفي كونه نوراً فى
٣٩٥

نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة ، وأنهما أثبتا أنه نور ، وقررا ذلك هما وأ كابر
أصحابهما، فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة. وأول هؤلاء المؤمنين بالله
وبأسمائه، وصفاته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجاب النبي صلى الله عليه
وسلم عن هذا السؤال الذي عارض به المعترض ، فقال صلى الله عليه وسلم:
((حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه)).
فأخبر أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه ،
وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ،
فهذا الحجاب عن إحراق السبحات يبين ما يرد فى هذا المقام.
وأما ما ذكره عن ابن عباس فى روايته الأخرى فمعناه بعض الأنوار
الحسية ، وما ذكره من كلام العارفين. فهو بعض معانى هدايته لعباده ، وإنما
ذلك تنويع بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين ، كماذكرناه من عادة السلف
أن يفسروها بذكر بعض الأنواع ، يقع على سبيل التمثيل لحاجة المخاطبين،
لا على سبيل الحصر والتحديد .
فقد تبين أن جميع ما ذكر من الأقوال يرجع إلى معنيين من
معانى كونه نور السموات والأرض ، وليس فى ذلك دلالة على أنه فى نفسه
لیس بنور .
٣٩٦

سئل الشيخ تقي الدين أبو العباس
أحمد بن تيمية رضي الله تعالى عنه :-
عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض))
وقوله: ((إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن)) وقوله: ( ثُمَّاسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ ) وقوله: (يَدُاللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ) وقوله: ( وَأَصْبِرْ لِحُكْوِرَبِّكَ
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) .
(فأجاب ) : رحمه الله : أما الحديث الأول : فقد روي عن
النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال:
((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض، فمن صافه وقبّله فكأنما صافح
اللّه وقبل يمينه)) ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من
لم يتدبره، فإنه قال: ((يمين الله فى الأرض)) فقيده بقوله ((فى الأرض)» ولم
يطلق، فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق.
ثم قال: ((فمن صافه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)) ومعلوم أن
المشبه غير المشبه به؛ وهذا صريح فى أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً، ولكن
٣٩٧

شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله
كما هو معلوم عند كل عاقل ، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتاً
يطوفون به: جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء ، فإن
ذلك تقريب للمقبل وتكريم له، كما جرت العادة ، والله ورسوله لا يتكلمون
بما فيه إضلال الناس [بل لا بد] من أن يبين لهم ما يتقون ؛ فقد بين لهم فى
الحديث ما ينفي من التمثيل.
وأما ( الحديث الثاني): فقوله ((من اليمن)) يبين مقصود الحديث ، فإنه
ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين
يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: (مَنْ يَرْتَدَ مِنَكُمْ عَن ◌ِينِ فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ ).
وقد روى أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء ؛ فذكر أنهم قوم
أبى موسى الأشعري؛ وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: ((أنا كم أهل اليمن
أرق قلوبا، وألين أفئدة؛ الإيمان يمانى، والحكمة يمانية)) وهؤلاء هم الذين
قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات،
ومن خصص ذلك بأويس فقد أبعد .
وأما الآية: فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس وقال له السائل :
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه
٣٩٨

الرحضاء؛ ثم قال : الاستواء معلوم؛ والكيف مجهول . والإيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعة؛ وما أراك إلا مبتدعا. ثم أمر به فأخرج .
وجميع أئمة الدين : كابن الماجشون، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحماد
ابن زيد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم : كلامهم يدل على ما دل عليه
كلام مالك؛ من أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا، لأن العلم بكيفية الصفة
فرع على العلم بكيفية الموصوف ، فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم
كيفية الصفة .
ومتى جنب المؤمن طريق التحريف والتعطيل ، وطريق التمثيل : سلك
سواء السبيل ؛ فإنه قد علم بالكتاب والسنة والإجماع ما يعلم بالعقل أيضاً أن
اللّه تعالى ( لَتْسَگِمِثْلِهِشَىْءٌ) لا فى ذاته، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، فلا يجوز
أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين؛ [لأنه متصف] بغاية الكمال منزه
عن جميع النقائص ، فإنه سبحانه غني عن ما سواه ، وكل ما سواه مفتقر إليه،
ومن زعم أن القرآن دل على ذلك فقد كذب على القرآن ؛ ليس فى كلام الله
سبحانه ما يوجب وصفه بذلك: بل قد يؤتى الإنسان من سوء فهمه، فيفهم
من كلام الله ورسوله معاني يجب تنزيه الله سبحانه عنها ، ولكن حال المبطل
مع كلام الله ورسوله کما قيل :-
وآفته من الفهم السقيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً
٣٩٩

ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص فى صفات
الله تعالى، وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك،
وأن القرآن بيان وهدى وشفاء ؛ وإن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه ؛
كما قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّلِينَ
إِلَّا خَسَارًا) وقوله: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
فِىّءَاذَانِهِمْ وَقْرٌوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى).
٤٠٠