النص المفهرس

صفحات 241-260

كمال فقد كان فاقداً لها قبل حدوثها، وعدم الكمال نقص؛ فيلزم أن يكون
كان ناقصاً، وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع، وهذه الحجة من أفسد الحجج
وذلك من وجوه :
(أحدها): أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يعلم بالعقل وإنما علم
((بالإجماع)) - وعليه اعتمدوا فى نفي النقص - فنعود إلى احتجاجهم بالإجماع.
ومعلوم أن الإجماع لا يحتج به فى موارد النزاع ؛ فإن المنازع لهم يقول أنا لم
أوافقكم على نفى هذا المعنى ، وإن وافقتكم على إطلاق القول بأن الله منزه
عن النقص ؛ فهذا المعنى عندي ليس بنقص ، ولم يدخل فيما سلمته لكم ، فإن
بينتم بالعقل أو بالسمع انتفاءه، وإلا فاحتجاجكم بقولي مع أنى لم أرد ذلك كذب
علي؛ فإنكم تحتجون بالإجماع؛ والطائفة المثبتة من أهل الإجماع ، وهم لم
يسلموا هذا .
(الثاني) : أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص ؛ بل لو وجدت
قبل وجودها لكان نقصاً ؛ مثال ذلك تكليم الله لموسى عليه السلام ؛ ونداؤه له
فنداؤه حين ناداه صفة كمال ؛ ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصاً ؛ فكل
منها كمال حين وجوده ؛ ليس بكال قبل وجوده ؛ بل وجوده قبل الوقت الذي
تقتضى الحكمة وجوده فيه نقص.
( الثالث ) : أن يقال: لا نسلم أن عدم ذلك نقص فإن ما كان حادثاً
٢٤١

امتنع أن يكون قديماً، وما كان ممتعاً لم يكن عدمه نقصا، لأن النقص فوات مايمكن
من صفات الكمال .
( الرابع) : أن هذا يرد فى كل ما فعله الرب وخلقه. فيقال: خلق هذا
إن كان نقصاً فقد الصف بالنقص ، وإن كان كمالا فقد كان فاقداً له ؛ فإن قلتم:
((صفات الأفعال)) عندنا ليست بنقص، ولا كمال . قيل : إذا قلتم ذلك أمكن
المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال.
(الخامس) : أن يقال: إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن
تتكلم بقدرتها، وتفعل ما تشاء بنفسها ، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها
ولا تتصرف بنفسها ألبتة ، بل هي بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به
باختياره، قضى العقل الصريح بأن هذه الذات أكمل ، وحينئذ فأنتم الذين
وصفتم الرب بصفة النقص ؛ والكمال فى اتصافه بهذه الصفات؛ لا فى نفي
اقصافه بها .
(السادس): أن يقال: الحوادث التى يمتنع أن يكون كل منها أزلياً ، ولا
يمكن وجودها إلا شيئاً فشيئاً، إذا قيل : أيما أ كمل أن يقدر على فعلها شيئاً
فشيئاً أو لا يقدر على ذلك؟ كان معلوماً - بصريح العقل - أن القادر على
فعلها شيئاً فشيئاً، أكمل ممن لا يقدر على ذلك. وأنتم تقولون: إن الرب لايقدر
على شيء من هذه الأمور ؛ وتقولون إنه يقدر على أمور مباينة له ، ومعلوم
أن قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على أمور مباينة له ؛ فإذا قلتم
٢٤٢

لا يقدر على فعل متصل به، لزم أن لا يقدر على المنفصل ؛ فلزم على قولكم أن
لا يقدر على شيء، ولا أن يفعل شيئاً، فلزم أن لا يكون خالقاً لشيء ؛ وهذا
لازم للنفاة لا محيد لهم عنه.
ولهذا قيل : الطريق التى سلكوها فى حدوث العالم ، وإثبات الصانع :
تناقض حدوث العالم وإثبات الصانع، ولا يصح القول بحدوث العالم وإثبات
الصانع إلا بإيطالها؛ لا بإثباتها . فكان ما اعتمدوا عليه وجعلوه أصولا للدين
ودليلاً علیه هو فى نفسه باطل شرعا وعقلاً ، وهو مناقض للدين ومناف له.
ولهذا كان ((السلف والأئمة)) يعيبون كلامهم هذا ويذمونه ويقولون:
من طلب العلم بالكلام تزندق ؛ كما قال أبو يوسف . ويروي عن مالك . ويقول
الشافعي: حكمي فى أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والتعال، ويطاف بهم فى
العشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة ، وما ارتدى أحد
بالكلام فأفلح.
وقد صدق الأئمة فى ذلك ، فإنهم يبنون أمرم على ((كلام مجمل)) يروج
على من لم يعرف حقيقته ، فإذا اعتقد أنه حق وتبين أنه مناقض للكتاب والسنة
بقى فى قلبه مرض ونفاق ، وريب وشك ؛ بل طعن فيما جاء به الرسول
وهذه هي الزندقة .
وهو («كلام باطل من جهة العقل)) كما قال بعض السلف : العلم بالكلام هو
٢٤٣

الجهل ، فهم يظنون أن معهم عقليات، وإنما معهم جهليات: (كتَرَابٍ بِقِيعَةٍ
يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَا جَآءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ
سَرِيعُ الْحِسَابِ ). هذا هو الجهل المركب؛ لأنهم كانوا فى شك وحيرة فهم فى
ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً
فما له من نور . أين هؤلاء من نور القرآن والإيمان؟ قال الله تعالى: (اللّهُنُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ. كَمِشْكَوْقِهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَكَبُ
دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِمُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةِ يَكَادُ زَيْتُهَ يُضِىُّ وَلَوْلَمْ تَمْسَسْهُ
ج
نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اَللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُالْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ ).
فإن قيل: أما كون الكلام والفعل يدخل فى ((الصفات الاختيارية))
فظاهر. فإنه يكون بمشيئة الرب وقدرته، وأما ((الإرادة)) و((المحبة))
و ((الرضا)) و((الغضب)) ففيه نظر، فإن نفس ((الإرادة)) هي المشيئة، وهو
سبحانه إذا خلق من يحبه كالخليل فإنه يحبه ويحب المؤمنين ويحبونه ، وكذلك
إذا عمل الناس أعمالاً يراها ، وهذا لازم لا بد من ذلك ، فكيف يدخل تحت
الاختيار.
قيل : كل ما كان بعد عدمه ، فإنما يكون بمشيئة الله وقدر ته، وهو سبحانه
ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ؛ فما شاء وجب كونه، وهو تحت مشيئة
الرب وقدرته، وما لم يشأه امتنع كونه مع قدرته عليه. كما قال تعالى: ( وَلَوْ
٢٤٤

شِئْنَا لَ نِيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا ) (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم) ( وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ مَافَعَلُوهُ ) .
فكون الشيء واجب الوقوع لكونه قد سبق به القضاء على أنه لا بد
من كونه لا يمتنع أن يكون واقعاً بمشيئته وقدرته وإرادته ، وإن كانت من لوازم
ذاته كحياته وعلمه. فإن ((إرادته للمستقبلات)) هي مسبوقة ((بإرادته للماضي))
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,َكُنْ فَيَكُونُ) وهو إنما أراد ((هذا الثانى))
بعد أن أراد قبله ما يقتضى إرادته ؛ فكان حصول الإرادة اللاحقة بالإرادة
السابقة .
والناس قد اضطربوا فى ((مسألة إرادة الله سبحانه وتعالى)) على أقوال
متعددة. ومنهم من نفاها، ورجح الرازي هذا فى ((مطالبه العالية)) لكن
- ولله الحمد - نحن قررناها، وبينا فساد الشبه المانعة منها؛ وأن ما جاء به
الكتاب والسنة هو الحق المحض الذى تدل عليه المعقولات الصريحة ، وأن
(«صريح المعقول موافق لصحيح المنقول)).
وكناقد بينا ((أولا)) أنه يمتنع تعارض الأدلة القطعية، فلا يجوز أن
يتعارض دليلان قطعيان ، سواء كانا عقليين أو سمعيين ، أو كان أحدهما عقلياً
والآخر سمعياً ؛ ثم بينا بعد ذلك: أنها متوافقة، متناصرة، متعاضدة. فالعقل
يدل على صحة السمع، والسمع يبين صحة العقل، وأن من سلك أحدهما أفضى
به إلى الآخر .
٢٤٥

وأن الذين يستحقون العذاب م الذين لا يسمعون ولا يعقلون . كما قال الله
تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْيَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّ كَلْأَنْعَِّ بَلَّ هُمْأَضَلُّ
سَكِيلًا) وقال تعالى: (كُلَّمَا أُلِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَرَهَا أَغْيَأْتِّكُمْنَذِيْرٌ قَالُوَأَ قَدْجَءَنَانَذِيرٌ
فَكَّنَاوَقُلْنَا مَا نََّ اللهُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ * وَقَالُواْلَوْنَانَتْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَافِ أَصْحَبِ
السَّعِيرِ) وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ
◌ِهَاْ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُّ ◌َلَّتِى فِي الصُّدُورِ) وقال تعالى: (إِنَّفِى ذَلِكَ
لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ ، قَلْبٌ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
فقد بين القرآن أن من كان يعقل ، أو كان يسمع : فإنه يكون ناجياً وسعيداً
ويكون مؤمناً بما جاءت به الرسل وقد بسطت هذه الأمور فى غير موضع
والله أعلى.
٢٤٦

فصل
وفحول النظار ((كأبى عبد الله الرازي)) و((أبى الحسن الآمدي)) وغيرها،
ذكروا حجج النفاة ((لحلول الحوادث)) وبينوا فسادها كلها. فذكروا لهم
أربع حجج:
(إحداها): ((الحجة المشهورة)) وهي أنها لو قامت به لم يخل منها ومن
أضدادها ، ومالم يخل من الحوادث فهو حادث. ومنعوا المقدمة الأولى؛ والمقدمة
الثانية؛ ذكر الرازي وغيره فسادها ، وقد بسط فى غير هذا الموضع.
و(الثانية ): أنه لو كان قابلاً لها فى الأزل، لكان القبول من لوازم ذاته،
فكان القبول يستدعي إمكان المقبول ، ووجود الحوادث فى الأزل محال ، وهذه
أبطلوهام بالمعارضة بالقدرة: بأنه قادر على إحداث الحوادث ، والقدرة تستدعى
إمكان المقدور، و ((وجود المقدور)) وهو الحوادث فى الأزل محال، و«هذه
الحجة )) باطلة من وجوه:
(أحدها) أن يقال ((وجود الحوادث)) إما أن يكون ممتنعاً ، وإما أن يكون
ممكناً ؛ فإن كان ممكناً أمكن قبولها، والقدرة عليها دائماً وحينئذ فلا يكون
وجود جنسها فى الأزل ممتنعاً ؛ بل يمكن أن يكون جنسها مقدوراً مقبولاً ؛
٢٤٧

وإن كان ممتنعاً فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى ؛ وحينئذ فلا تكون فىالأزل
ممكنة؛ لامقدورة ولامقبولة؛ وحينئذ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك . فإن الحوادث
موجودة؛ فلا يجوز أن يقال بدوام امتناعها ؛ وهذا تقسيم حاصر يبين فساد
((هذه الحجة)).
( الوجه الثانى ) : أن يقال - لا ريب أن الرب تعالى قادر؛ فإما أن يقال
إنه لم يزل قادراً - وهو الصواب - وإما أن يقال بل صار قادراً بعد أن لم يكن،
فإن قيل : لم يزل قادراً، فيقال: إذا كان لم يزل قادراً، فإن كان المقدور لم يزل
ممكناً أمكن دوام وجود الممكنات، فأمكن دوام وجود الحوادث؛ وحينئذ فلا
يمتنع كونه قابلاً لها فى الأزل.
فإن قيل : بل كان الفعل ممتنعاً ثم صار ممكنا. قيل : هذا جمع بين النقيضين
فإن القادر لا يكون قادراً على ممتنع ، فكيف يكون قادراً على كون المقدور
ممتعاً ؟! ثم يقال: بتقدير إمكان هذا، قيل هو قادر فى الأزل على ما يمكن فيما
لا يزال ، وكذلك فى المقبول: يقال هو قابل فى الأزل لما يمكن فيما لا يزال .
( الوجه الثالث): إذا قيل - هو قابل لما فى الأزل ، فإنما هو قابل لما هو
قادر عليه، يمكن وجوده ، فأما ما يكون ممتنعاً لا يدخل تحت القدرة ، فهذا
ليس بقابل له .
(الرابع) : أن يقال - هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات،
ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له ؛ وإذا
٢٤٨

كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمنع مثله لوجود المقدور المباين ، ثم ثبت أن المقدور
المباين هو ممكن وهو قادر عليه ، فالفعل أن يكون ممكناً مقدورا أولى.
(الحجة الثالثة لهم ): أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم (تغيره)، والتغير
على الله محال، وأبطلوا م ((هذه الحجة)) الرازي وغيره ؛ بأن قالوا: ما تريدون
بقولكم: لو قامت به تغير، أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا آخر ؟ فإن
أردتم الأول كان المقدم هو الثانى، والملزوم هو اللازم، وهذا لا فائدة فيه،
فإنه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث ، وهذا كلام
لا يفيد، وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك، فهو ممنوع، فلا نسلم أنها لو قامت به
لزم ((تغيرٌ)) غير حلول الحوادث فهذا جوابهم.
وإيضاح ذلك: أن ((لفظ التغير)) لفظ مجمل ، فالتغير فى اللغة المعروفة لايراد
به مجردكون المحل قامت به الحوادث، فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر
والكواكب إذا تحركت: إنها قد تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى
إنه تغير ، ولا يقولون إذا طاف وصلى ، وأمر ونهى ، وركب إنه تغير ، إذا كان
ذلك عادته بل إنما يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة ، كالشمس إذا
زال نورها ظاهراً، لا يقال إنها تغيرت ، فإذا اصفرت قيل تغيرت .
وكذلك الإنسان إذا مرض أو تغير جسمه بجوع أو تعب قيل قد تغير،
وكذلك إذا تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجراً فينقلب ويصير براً ، أو يكون
براً فينقلب فاجرا، فإنه يقال قد تغير. وفى الحديث (رأيت وجه رسول اللهصلى
٢٤٩

الله عليه وسلم متغيراً لما رأى منه أثر الجوع ولم يزل يراه يركع ويسجد)) فلم بسم
حركته تغيراً ، وكذلك يقال : فلان قد تغير على فلان إذا صار يبغضه بعد المحبة،
فإذا كان ثابتاً على مودته لم بسم هشته إليه وخطابه له تغيراً .
وإذا جرى على عادته فى أقواله وأفعاله فلا يقال إنه قد تغير ، قال الله تعالى:
( إِنَّ اللَّهَ لَيُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْمَايَأَنْفُسِهِمْ ). ومعلوم أنهم إذا كانوا على
عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم،
فاذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر، وباعتقاد الحق اعتقاد
الباطل ، قيل : قد غيروا ما بأنفسهم، مثل من كان يحب الله ورسوله والدار
الآخرة فتغير قلبه وصار لا يحب الله ورسوله والدار الآخرة، فهذا قد غير
ما فى نفسه .
وإذا كان هذا ((معنى التغير)) فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات
الكمال، منعوتا بنعوت الجلال والإكرام، وكماله من لوازم ذاته ، فيمتنع أن
يزول عنه شيء من صفات كماله، ويمتنع أن يصير ناقصاً بعد كاله.
و((هذا الأصل)) عليه قول السلف، وأهل السنة: أنه لم يزل متكلماً إذا
شاء، ولم يزل قادراً، ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال، ولا يزال كذلك ، فلا
يكون متغيراً، وهذا معنى قول من يقول: يامن يغير ، ولا يتغير ! فإنه يحيل
صفات المخلوقات؛ ويسلبها ما كانت متصفة به إذا شاء؛ ويعطيها من صفات
الكمال ما لم يكن لها ؛ وكماله من لوازم ذاته ؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات
٢٥٠

الكمال؛ قال تعالى (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ) وقال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ).
ولكن («هؤلاء النفاة)) ثم الذين يلزمهم أن يكون قد تغير؛ فإنهم يقولون:
كان فى الأزل لا يمكنه أن يقول شيئاً؛ ولا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ وكان ذلك
ممتنعاً عليه لا يتمكن منه ، ثم صار الفعل ممكناً يمكنه أن يفعل .
ولهم فى ((الكلام)) قولان: من يثبت الكلام المعروف وقال : إنه يتكلم
بمشيشه وقدرته قال إنه صار الكلام ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً عليه ؛ ومن لم
يصفه بالكلام المعروف ؛ بل قال : إنه يتكلم بلا مشيئة وقدرة كما تقوله
الكلابية، فهؤلاء أثبتوا كلاماً لا يعقل ولم يسبقهم إليه أحد من المسلمين ؛ بل
كان المسلمون قبلهم على «قولين»:
فالسلف وأهل السنة يقولون : إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وکلامه غير
مخلوق. و (الجهمية)) يقولون : إنه مخلوق بقدرته ومشيئته، فقال هؤلاء بل
بتكلم بلا مشيئته وقدرته، وكلامه شيء واحد لازم لذاته، وهو حروف ، أو
حروف وأصوات : أزلية لازمة لذاته ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع.
و (المقصود ) أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن الرب لم يزل يمكنه أن
يفعل ما شاء ، ويقولون ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى ، وذلك محال
فهؤلاء يقولون صار الفعل ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً عليه ، وحقيقة قولهم إنه
٢٥١

صار قادراً بعد أن لم يكن قادراً، وهذا حقيقة التغير ، مع أنه لم يحدث سبب
يوجب كونه قادراً .
وإذا قالوا: هو فى الأزل قادر على ما لا يزال . قيل هذا جمع بين النفي
والإثبات، فهو فى الأزل كان قادراً . أفكان القول ممكناً له أو ممتنعاً عليه؟
إن قلتم : ممكن له ، فقد جوزتم دوام كونه فاعلاً ، وأنه قادر على حوادث
لا نهاية لها. وإن قلتم: بل كان ممتنعاً . قيل القدرة على الممتنع، مع كون
الفعل ممتنعاً غير ممكن - لا يكون مقدوراً للقادر، إنما المقدور هو الممكن
لا الممتنع.
فإذا قلتم : أمكنه بعد ذلك. فقد قلتم : إنه أمكنه أن يفعل بعد أن كان
لا يمكنه أن يفعل، وهذا صريح فى أنه صار قادراً بعد أن لم يكن، وهو صريح
فى التغير. فهؤلاء النفاة الذين قالوا: إن المثبتة يلزمهم القول بأنه ((تغير)) قد
بان بطلان قولهم، وأنهم ثم الذين قالوا: بما يوجب لغيره.
(الحجة الرابعة ): قالوا: حلول الحوادث به أفول ؛ والخليل قد قال:
(لَا أُحِبُّ الْآَّفِلِينَ) و ((الآفل)) هو المتحرك الذي تقوم به الحوادث، فيكون
((الخليل)) قد نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث، فلا يكون إلهاً؛ وإذا قال المنازع
أنا أريد بكونه تغير ، أنه تكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب منا الطاعة ويفرح
بتوبة التائب ، ويأتي يوم القيامة . قيل : فهب أنك سميت هذا تغيراً ؛ فلم قلت
إن هذا ممتع فهذا محل النزاع ، كما قال الرازي : فالمقدم هو الثاني.
٢٥٢

فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الله يوصف ((بالغيرة)) وهي مشتقة
من ((التغير)) فقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لا أحد أغير من
الله أن يزني عبده أو تزني أمته)) وقال أيضاً ((لا أحد أحب إليه المدح من الله،
من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك
بعث الرسل وأنزل الكتب ، ولا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم
الفواحش ما ظهر منها وما بطن)). وقال: ((أتعجبون من غيرة سعد ؟! لأنا
أغير منه والله أغير مني)).
و (الجواب): أن قصة الخليل حجة عليهم لالهم ؛ وهم المخالفون لإبراهيم
ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وذلك أن الله تعالى قال:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبَا قَالَ هَذَارَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا
رَءَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّ فَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِى لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
فَلَمَّارَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَارَتِ هَذَآ أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ * إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ).
فقد أخبر الله فى كتابه: أنه من حين بزغ الكوكب ، والقمر ، والشمس
وإلى حين أقولها لم يقل الخليل : لا أحب البازغين ، ولا المتحركين ، ولا
المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات ولا الحوادث، ولا قال شيئاً مما
يقوله النفاة حين أفل الكوكب والشمس والقمر.
٢٥٣

و ((الأفول)) باتفاق أهل اللغة، والتفسير : هو الغيب والاحتجاب؛ بل
هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التى نزل بها القرآن ، وهو المراد
باتفاق العلماء .
فلم يقل إبراهيم: (لَآ أُحِبُّ الْآَفِينَ) (إلا) حين أفل وغاب عن الأبصار فلم يبق
مرئياً ولا مشهوداً - حينئذ قال (لَا أُحِبُّ الْآَفِينَ) .. وهذا يقتضي أن
كونه متحركا منتقلاً تقوم به الحوادث ؛ بل كونه جسما متحيزاً تقوم به الحوادث
لم يكن دليلاً عند إبراهيم على نفي محبته.
فإن كان إبراهيم إنما استدل ((بالأفول)) على أنه ليس رب العالمين - كما
زعموا -: لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الأفول - من كونه متحركا
منتقلا - تحله الحوادث؛ بل ومن كونه جسمها متحيزاً: لم يكن دليلاً عند إبراهيم
على أنه ليس برب العالمين، وحينئذ فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض
مطلوبهم؛ لا على تعيين مطلوبهم. وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون
((بحجة)) سمعية، ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم؛ لا لهم.
ولكن «إبراهيم عليه السلام)) لم يقصد بقوله (هذا ربى) إنه رب العالمين،
ولا كان أحد من قومه يقولون إنه رب العالمين، من تجويز ذلك عليهم ؛ بل كانوا
مشركين ، مقرين بالصانع ؛ وكانوا يتخذون الكواكب والشمس والقمر أرباباً
يدعونها من دون الله ويبنون لها الهياكل، وقد صنفت فى مثل مذهبهم ((كتب)):
مثل « كتاب السر المكتوم: فى السحر ومخاطبة النجوم» وغيره من الكتب.
٢٥٤

ولهذا قال الخليل: (أَفَرَءَيْتُمُ مَاكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ *
فَإَِهُمْ عَدُوٌ لِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِي إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ إِذْقَا أُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَ وُاْمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْوَبَدَا بَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ الْعَدَوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ) ولهذا قال الخليل فى تمام الكلام: (إِنِّ بَرِىٌّ
مِّمَا تُشْرِكُونَ * إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
بين أنه إنما يعبد الله وحده فله يوجه وجهه ، إذا توجه قصده إليه : يتبع
قصده وجهه ، فالوجه توجه حيث توجه القلب ، فصار قلبه وقصده ووجهه
متوجهاً إلى الله تعالى، ولهذا قال: (وَمَا أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ) لم يذكر أنه أقر
بوجود الصانع فإن هذا كان معلوماً عند قومه، لم يكونوا ينازعونه فى وجود
فاطر السموات والأرض وإنما كان النزاع فى عبادة غير الله، واتخاذه رباً؛
فكانوا يعبدون الكواكب السماوية ويتخذون لها أصناماً أرضية .
وهذا ((النوع الثاني من الشرك)) فإن الشرك فى قوم نوح كان أصله من
عبادة الصالحين - أهل القبور- ثم صوروا تماثيلهم، فكان شركهم بأهل الأرض؛
إذ كان الشيطان إنما يضل الناس بحسب الإمكان فكان ترتيبه ((أولا)) الشرك
بالصالحين أيسر عليه .
ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات : بالكواكب، وصنعوا لها
((الأصنام)) بحسب ما رأوه من طبائعها، يصنعون لكل كوكب طعاماً وخاتماً
٢٥٥

وبخوراً وأموالاً تناسبه، وهذا كان قد اشتهر على عهد إبراهيم إمام الحنفاء ؛
ولهذا قال الخليل: (مَاذَاتَعْبُدُونَ * أَبِفِكَاءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِنُرِدُونَ * فَمَاطَتُّكُمْ بِرَبٍ
اُلْعَلَمِينَ ) وقال لهم: ( أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )
وقصة إبراهيم قد ذكرت فى غير موضع من القرآن مع قومه : إنما فيها نهيهم
عن الشرك ؛ خلاف قصة موسى مع فرعون ، فإنها ظاهرة فى أن فرعون كان
مظهراً الإنكار للخالق، وجحوده .
وقد ذكر الله عن إبراهيم أنه حاج الذي حاجه فى ربه فى قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِى حَاجَّ إِنَّهِعِمَ فِى رَبِّهِ: أَنْ ءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِ الَّذِى يُحِىءٍ وَيُمِيتُ
قَالَ أَنَاْ أُحِىءٍ وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِمٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ )
فهذا قد يقال : إنه كان جاحداً للصانع ومع هذا فالقصة ليست صريحة فى
ذلك؛ بل يدعو الإنسان إلى عبادة نفسه وإن كان لا يصرح بإنكار الخالق،
مثل إنكار فرعون.
وبكل حال «فقصة إبراهيم» إلى أن تكون حجة عليهم أقرب منها إلى أن
تكون حجة لهم، وهذا بين - ولله الحمد - بل ما ذكره الله عن إبراهيم
يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن الله ؛ فإن إبراهيم قال: (إِنَّرَبِ لَسَمِيعُ
الدُّعَاءِ ) والمراد به: أنه يستجيب الدعاء، كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده ، وإنما
يسمح الدعاء ويستجيبه بعد وجوده ؛ لا قبل وجوده ، كما قال الله تعالى:
( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِ لُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَا ).
٢٥٦

فهي مجادل وتشتكي حال سمع الله محاورها ؛ وهذا يدل على أن سمعه
كرؤيته المذكورة فى قوله: (وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَ اللهُ عَمَكُوَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
وقال: (ثُمَّجَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) فهذه رؤية
مستقلة ونظر مستقل، وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلاً عن
الرائي السامع باتفاق العقلاء ، فإذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها .
و((الرؤية)) و ((السمع)) أمر وجودي لا بدله من موصوف يتصف به،
فإذا كان هو الذي رآها وسمعها، امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع
وهذه الرؤية. وأن تكون قائمة بغيره فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به
بعد أن خلقت الأعمال والأقوال، وهذا مطعن لا حيلة فيه .
وقد بسط الكلام على ((هذه المسألة)) وما قال فيها عامة الطوائف فى غير
هذا الموضع ، وحكيت ألفاظ الناس بحيث يتيقن الإنسان أن النافي ليس معه
ء
حجة لا سمعية ولا عقلية ؛ وأن الأدلة العقلية الصريحة موافقة لمذهب السلف،
وأهل الحديث؛ وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة مع ((الكتب المتقدمة)):
التوراة والإنجيل والزبور ، فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء وأقوال السلف
وأتمّة العلماء ودلت عليها صرائح المعقولات.
فالمخالف فيها كالمخالف فى أمثالها ممن ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية،
بل هو شبيه بالذين قالوا: (لَوْكُنَّانَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكُنَفِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ).
٢٥٧

قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ
يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ آلَتِ فِ الصُّدُورِ)
؛ ولكن ((هذه المسألة)) و((مسألة الزيارة)) وغيرهما حدث من المتأخرين
فيها شبه.
وأنا وغيري كنا على ((مذهب الآباء)) فى ذلك !! نقول فى ((الأصلين))
بقول أهل البدع؛ فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبح
ما أنزل الله، أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو إتباع الرسول ؛
وأن لا نكون ممن قيل فيه: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَِّعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَل ◌َّبِعُ مَا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ ءَبَآءَنَآ) وقد قال تعالى: ( أَوَلَوْ جِنْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ ءَابََّكُمْ)
وقال تعالى: (وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا وَ إِن جَهَدَالَ لِتُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْ هُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأنْبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ).
فالواجب اتباع الكتاب المنزل والنى المرسل ، وسبيل من أناب إلى الله
فاتبعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار ؛ دون ما خالف ذلك من دين
الآباء وغير الآباء، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى الصراط المستقيم، صراط
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن
أولئك رفيقا .
والله سبحانه أنزل القرآن، وهدى به الخلق ، وأخرجهم به من الظلمات
٢٥٨

إلى النور ؛ وأم القرآن هي فاتحة الكتاب . قال النبى صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح ((يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها
لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِِّرَبِ الْعَلَمِينَ)
،قال الله: حمدنى عبدى، فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال الله : أثنى علي عبدي
فإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الّذِينِ ) قال الله: مجدنى عبدي، فإذا قال: (إِنَّكَ نَعْبُهُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال الله : هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال:
( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلَ الضَّآلِينَ)، قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)).
فهذه ((السورة)) فيها لله الحمد . فله الحمد فى الدنيا والآخرة، وفيها للعبد
السؤال، وفيها العبادة لله وحده ، وللعبد الاستعانة فحق الرب حمدهوعبادته
وحده، وهذان «حمد الرب وتوحيده)) يدور عليهما جميع الدين.
و ((مسألة الصفات الاختيارية)) هي من تمام حمده، فمن لم يقربها لم يمكنه
الإقرار بأن الله محمود ألبتة، ولا أنه رب العالمين ، فإن الحمد ضد الذم، والحمد هو
الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له ، والذم هو الإخبار بمساوئ المذموم مع
البغض له، وجماع المساوئ فعل الشر، كما أن جماع المحاسن فعل الخير .
فإذا كان يفعل الخير - بمشيئته وقدرته استحق ((الحمد)). فمن لم يكن له
فعل اختياري يقوم به ؛ بل ولا يقدر على ذلك ، لا يكون خالقاً ولا
رباً للعالمين.
٢٥٩

وقوله: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ
أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِالْكِنَبَ ) - ونحو ذلك - فإذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره
امتنع ذلك كله .
فإنه من المعلوم بصريح ((العقل)) أنه إذا خلق السموات والأرض ، فلابد
من فعل يصير به خالقاً ؛ وإلا فلو استمر الأمر على حال واحدة - لم يحدث
فعل - لكان الأمر على ما كان قبل أن يخلق، وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودا
فكذلك يجب أن لا يكون المخلوق موجودا ، إن كان الحال فى المستقبل مثل
ما كان فى الماضى، لم يحدث من الرب فعل هو خلق السموات والأرض. وقد
قال تعالى: (مَّا أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَاخَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) .
ومعلوم
أنهم قد شهدوا نفس المخلوق فدل على أن ((الخلق)) لم يشهدوه، وهو تكوينه
لها وإحداثه لها ؛ غير المخلوق الباقى .
وأيضاً فإنه قال (خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ) . فالخلق لها كان
فى ستة أيام ، وهي موجودة بعد المشيئة ، فالذي اختص بالمشيئة غير الموجود
بعد المشيئة .
وكذلك ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فإن الرحمن، الرحيم، هو الذى يرحم العباد
بمشيئته وقدرته، فإن لم يكن له رحمة إلا نفس إرادة قديمة؛ أو صفة أخرى
قديمة: لم يكن موصوفاً بأنه يرحم من يشاء ، ويعذب من يشاء ، قال الخليل :
(قُلْ سِيرُوافِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ بَدَأَ اْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ
٢٦٠