النص المفهرس

صفحات 201-220

إنما نطق بالاسم الذي هو الله ، والذي هو ربنا؛ فتسبيحه إنما وقع على الاسم،
لكن مراده هو المسمى، فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى. وهذا
لاريب فيه ، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو ((ألف سين ميم))
المراد به المسمى .
لكن يدل على أن ((أسماء الله)) مثل الله، وربنا، وربى الأعلى ونحو ذلك،
يراد بها المسمى مع أنها هي فى نفسها ليست هي المسمى، لكن يراد بها المسمى،
فأما إسم هذه الأسماء ((ألف سين ميم)) فلا هو المسمى الذي هو الذات، ولا
يراد به المسمى الذي هو الذات؛ ولكن يراد به مسماه الذي هو الأسماء ، كأسماء
الله الحسنى، فى قوله: (وَإِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الُْسْنَى) فلها هذه الأسماء الحسنى التى جعلها
هؤلاء هي التسميات ، وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعاً ؛ خالفوا إجماع الأمم
كلهم من العرب وغيرهم ، وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول.
والذين شاركوم فى هذا الأصل وقالوا: ((الأسماء ثلاثة)) قد تكون هي
المسمى وقد تكون غيره، وقد تكون لا هي هو ولا غيره، وجعلوا الخالق
والرازق ونحوهما غير المسمى ، وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمى:
غلطوا من وجه آخر ، فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو «ألف سين
ميم)) هو مسمى الأسماء ؛ فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه، ليس هو المخلوقات
المنفصلة عنه، واسمه العليم هو الرب العليم الذي العلم صفة له ، فليس العلم هو
المسمى؛ بل المسمى هو العليم ؛ فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا
هو المسمى وصفته .
٢٠١

وفى الخالق الاسم هو المسمى وفعله؛ ثم قولهم إن الخلق هو المخلوق، وليس
الخلق فعلاً قائماً بذاته قول ضعيف ، مخالف لقول جمهور المسلمين. كما قد بسط
فى موضعه .
فتبين أن هؤلاء الذين قالوا: (الاسم هو المسمى)) إنما يسلم لهم أن أسماء الأشياء
إذا ذكرت فى الكلام أريد به المسمى، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء؛
لا أن لفظ اسم (ألف، سين، ميم) يراد به الشخص. وما ذكروه من قول لبيد:
ه إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *
فراده ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود، كأنه قال ثم
سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به، ويذكر
اسمه . فإن نفس السلام قول ، فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل.
وقد احتج بعضهم بقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث
الأسماء ، وبني لما مضى ولما لم يكن بعد ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأن سيبويه
مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ . وهذا اصطلاح النحويين،
سموا الألفاظ بأسماء معانيها ؛ فسموا قام ويقوم وقم فعلاً ؛ والفعل هو نفس
الحركة ؛ فسموا اللفظ الدال عليها باسمها .
وكذلك إذا قالوا : اسم معرب ومبني ، فمقصوده اللفظ، ليس مقصودهم
المسمى، وإذا قالوا هذا الاسم فاعل فمرادم أنه فاعل فى اللفظ ؛ أي أسند إليه
الفعل، ولم يرد سيبويه بلفظ الأسماء المسميات كما زعموا ؛ ولو أراد ذلك
فسدت صناعته .
٢٠٢

فصل
وأما الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى، فهم إذا أرادوا أن الأسماء التى
هي أقوال ليست نفسها هي المسميات ، فهذا أيضاً لا ينازع فيه أحد
من العقلاء .
وأرباب القول الأول لا ينازعون فى هذا ؛ بل عبروا عن الأسماء هنا
بالتسميات ، وم أيضاً لا يمكنهم النزاع فى أن الأسماء المذكورة فى الكلام.
مثل قوله يا آدم! يا نوح! يا إبراهيم! إنما أريد بها نداء المسمين بهذه الأسماء.
وإذا قيل : خلق الله السموات والأرض ، فالمراد خلق المسمى بهذه
الألفاظ ؛ لم يقصد أنه خلق لفظ السماء ولفظ الأرض ، والناس لا يفهمون من
ذلك إلا المعنى المراد به، ولا يخطر بقلب أحد إرادة الألفاظ ؛ لما قد استقر فى
نفوسهم من أن هذه الألفاظ والأسماء يراد بها المعاني والمسميات ؛ فإذا تكلم
بها فهذا هو المراد؛ لكن لا يعلم أنه المراد إن لم ينطق بالألفاظ والأسماء المبينة
للمراد الدالة عليه. وهذا من البيان الذي أنعم الله به على بني آدم فى قوله: (خَلَقَ
اُلْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وقد علم آدم الأسماء كلها سبحانه وتعالى.
٢٠٣

ولكن هؤلاء الذين أطلقوا من الجهمية والمعتزلة أن الاسم غير المسمى
مقصودم أن أسماء الله غيره؛ وما كان غيره فهو مخلوق .
ولهذا قالت الطائفة الثالثة: لا نقول هي المسمى ولا غير المسمى.
فيقال لهم: قولكم إن أسماءه غيره مثل قولكم إن كلامه غيره، وإن
إرادته غيره، ونحو ذلك، وهذا قول الجهمية نفاة الصفات ، وقد عرفت شبههم
وفسادها فى غير هذا الموضع ؛ وهم متناقضون من وجوه كما قد بسط
فى مواضع.
فإنهم يقولون: لا نثبت قديماً غير الله ، أو قديماً ليس هو الله ، حتى
كفروا أهل الإثبات، وإن كانوا متأولين، كما قال أبو الهذيل: إن كل متأول
كان تأويله تشبيهاً له بخلقه، وتجويزاً له فى فعله، وتكذيباً لخبره فهو
كافر ؛ وكل من أثبت شيئاً قديماً لا يقال له الله فهو كافر ، ومقصوده
تكفير مثبتة الصفات والقدر ، ومن يقول إن أهل القبلة يخرجون من النار
ولا يخلدون فيها .
فما يقال لهؤلاء: إن هذا القول ينعكس عليكم، فأنتم أولى بالتشبيه
والتجويز والتكذيب ؛ وإثبات قديم لا يقال له الله ، فإنكم تشبهونه بالجمادات
بل بالمعدومات، بل بالممتنعات ، وتقولون إنه يحبط الحسنات العظيمة بالذنب
الواحد؛ ويخلد عليه فى النار، وتكذبون بما أخبر به من مغفرته ورحمته،
٢٠٤

وإخراجه أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها ، وإنه من يعمل مثقال ذرة خيراً
يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
وأنتم تثبتون قديماً لا يقال له الله ، فإنكم تثبتون ذاتاً مجردة عن الصفات،
ومعلوم أنه ما ليس بحي ، ولا عليم، ولا قدير؛ فليس هو الله، فمن أثبت ذاتاً
مجردة فقد أثبت قديماً ليس هو اللّه، وإن قال أنا أقول إنه لم يزل حياً عليماً
قديراً ، فهو قول مثبتة الصفات؛ فنفس كونه حياً ليس هو كونه علماً ، ونفس
كونه عالماً ليس هو كونه قادراً ، ونفس ذلك ليس هو كونه ذاتاً متصفة بهذه
الصفات، فهذه معان متميزة فى العقل ليس هذا هو هذا .
فإن قلتم هي قديمة فقد أبتم معاني قديمة ؛ وإن قلتم هي شيء واحد جعلتم
كل صفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف، فجعلتم كونه حياً هو كونه عالماً
وجعلتم ذلك هو نفس الذات ، ومعلوم أن هذا مكابرة، وهذه المعانى هي معانى
أسمائه الحسنى ، وهو سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء.
فهو المسمى نفسه بأسمائه الحسنى ، كما رواه البخاري فى صحيحه عن
ابن عباس أنه لما سئل عن قوله: ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)، (غَفُورًارَحِيمًا)
فقال هو سمى نفسه بذلك، وهو لم يزل كذلك؛ فأثبت قدم معانى أسمائه الحسنى
وأنه هو الذي سمى نفسه بها .
فإذا قلتم إن أسماءه، أو كلامه غيره فلفظ ((الغير)) مجمل؛ إن أردتم أن ذلك
شيء بائن عنه فهذا باطل ؛ وإن أردتم أنه يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر فقد
٢٠٥

يذكر الإنسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معانى أسمائه ؛ بل ولا
يخطر له حينئذ أنه عزيز وأنه حكيم، فقد أمكن العلم بهذا دون هذا؛ وإذا أريد
بالغير هذا فإنما يفيد المباينة فى ذهن الإنسان ؛ لكونه قد يعلم هذا دون هذا ،
وذلك لا ينفي التلازم فى نفس الأمر ، فهي معان متلازمة لا يمكن وجود الذات
دون هذه المعانى، ولا وجود هذه المعانى دون وجود الذات.
واسم ((الله)) إذا قيل الحمد لله أو قيل بسم الله يتناول ذاته وصفاته ، لايتناول
ذاتاً مجردة عن الصفات ، ولا صفات مجردة عن الذات ، وقد نص أئمة السنة
- كأحمد وغيره - على أن صفاته داخلة فى مسمى أسمائه، فلا يقال: إن على الله
وقدرته زائدة عليه؛ لكن من أهل الإثبات من قال : إنها زائدة على الذات .
وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة فهو صحيح؛
فإن أولئك قصروا فى الإثبات ، فزاد هذا عليهم ، وقال الرب له صفات زائدة
على ما علمتموه .
وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة فى نفس الأمر فهو كلام متناقض؛
لأنه ليس فى نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال إن الصفات زائدة عليها ؛ بل
لا يمكن وجود الذات إلا بما به قصير ذاتاً من الصفات ، ولا يمكن وجود الصفات
إلا بما به تصير صفات من الذات، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ، ثم زيادة
الآخر عليه نخيل باطل .
وأما الذين يقولون: إن ((الاسم للمسمى)) - كما يقوله أكثر أهل السنة
٢٠٦

فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)
وقال: ( أَيَُّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))، وقال النبى
صلى الله عليه وسلم إن لى خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحى ، والحاشر،
والعاقب)) وكلاهما فى الصحيحين .
وإذا قيل لهم : أهو المسمى أم غيره ؟ فصلوا ؛ فقالوا: ليس هو نفس
المسمي، ولكن يراد به المسمى؛ وإذا قيل إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا
له ، فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه فكيف
بالخالق ، وأسماؤه من كلامه ؛ وليس كلامه بائناً عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه
بائناً، مثل أن يسمي الرجل غيره باسم، أو يتكلم باسمه. فهذا الاسم نفسه ليس
قائماً بالمسمى ؛ لكن المقصود به المسمي، فإن الاسم مقصوده إظهار (المسمى)) وبيانه.
وهو مشتق من ((السمو))، وهو العلو، كما قال النحاة البصريون، وقال
النحاة الكوفيون هو مشتق من ((السمة)) وهي العلامة ، وهذا صحيح فى
(الاشتقاق الأوسط)) وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه فى كليهما
(السين والميم والواو)، والمعنى صحيح، فإن السمة والسيما العلامة.
ومنه يقال: وسمته أسمه كقوله: ( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُطُورِ ) ومنه التوسم
كقوله: (لَتِ لِلْمُتَوَسِمِينَ ) لكن اشتقاقه من ((السمو)) هو الاشتقاق الخاص
الذى يتفق فيه اللفظان فى الحروف وترتيبها ، ومعناه أخص وأتم، فإنهم يقولون
٢٠٧

فى تصريفه سميت ولا يقولون وسمت ، وفى جمعه أسماء لا أوسام ، وفى تصغيره
سمى لا وسيم . ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم، وهذا المعنى أخص.
((فإن العلو مقارن للظهور )) كلما كان الشيء أعلى كان أظهر ، وكل واحد
من العلو والظهور يتضمن المعنى الآخر ، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء )) ولم يقل فليس أظهر
منك شيء؛ لأن الظهور يتضمن العلو والفوقية؛ فقال: ((فليس فوقك شيءٍ)).
ومنه قوله: (فَمَا أَسْطَعُوْأَنْ يَظْهَرُوهُ ) أى يعلوا عليه. ويقال ظهر الخطيب
على المنبر إذا علا عليه . ويقال للجبل العظيم على؛ لأنه لعلوه وظهوره يعلم ويعلم به
غيره. قال تعالى: (وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِكَلْأَعْلَمِ).
وكذلك ((الراية العالية)) التى يعلم بها مكان الأمير والجيوش، يقال لها على،
وكذلك العلم فى الثوب لظهوره، كما يقال لعرف الديك والجبال العالية أعراف،
لأنها لعلوها تعرف، فالاسم يظهر به المسمى ويعلو؛ فيقال للمسمى سمه: أى أظهره
وأعله أى أعل ذكره بالاسم الذى يذكر به؛ لكن يذكر تارة بما يحمد به ،
ويذكر تارة بما يذم به، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَالَهُمْلِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، وقال:
( وَرَفَعْنَالَكَ ذِكْرَكَ )، وقال: ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ * سَلَمُ عَلَى نُوجِ فِ الْعَلَمِينَ ) .
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ
وقال فى النوع المذموم : (
)، وقال تعالى: ( نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نََّةٍ
اٌلْقِيمَةِ هُم مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
مُوسَى وَفِرْعَوْن ). فكلاهما ظهر ذكره ؛ لكن هذا إمام فى الخير وهذا إمام
فى الشر .
٢٠٨

1
وبعض النحاة يقول: سمى اسما لأنه علا على المسمى؛ أو لأنه علا على قسيميه
الفعل والحرف؛ وليس المراد بالاسم هذا، بل لأنه يعلى المسمى فيظهر ؛ ولهذا
يقال سميته أى أعليته، وأظهرته ، فتجعل المعلى المظهر هو المسمى، وهذا إنما
يحصل بالاسم.
ووزنه ◌ُفعل وفِعل، وجمعه أسماء، كقنو وأقناء، وعضو وأعضاء. وقد
يقال فيه ◌ُم وسِمٍ بحذف اللام. ويقال: سمى كما قال: والله أسماك سما مباركا.
وما ليس له اسم ، فإنه لا يذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء
الخفى الذى لا يعرف ؛ ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمى ، وعلم على المسمى،
ونحو ذلك.
ولهذا كان ((أهل الإسلام، والسنة)) الذين يذكرون أسماء الله ، يعرفونه
وبعبدونه، ويحبونه ویذ کرونه، ويظهرون ذكره.
((والملاحدة)): الذين ينكرون أسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته،
ومحبته وذكره؛ حتى ينسوا ذكره (نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، ( وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ
نَسُواْ اللَّهَ فَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ )، (وَأَذْكُرُرَبِّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاُلْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ).
والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور فى القلب، وقد يراد به مجرد اللفظ ،
وقد يراد به مجرد المغنى، فإنه من الكلام؛ ((والكلام)) اسم للفظ والمغنى، وقد
٢٠٩

يراد به أحدهما؛ ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره ، لكن
ذكره بهما أتم.
والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه، وأمر بالتسبيح باسمه، كما أمر بدعائه
بأسمائه الحسنى ؛ فيدعى بأسمائه الحسنى، ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو تسبيح
له؛ إذ المقصود بالاسم المسمى؛ كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. قال تعالى:
( قُلِ أَدْ عُواْاللَّهَ أَوِادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّاتَدْ عُوْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
والله تعالى يأمر بذكره تارة، وبذكر اسمه تارة ؛ كما يأمر بتسبيحه تارة
وتسبيح اسمه تارة؛ فقال: ( أَذَّكُرُواْ اللّهَ ذِكْرَاكَثِيرًا ) ( وَاذْكُرُرَّبَّكَ فِ
نَفْسِكَ) وهذا كثير . وقال: (وَأَذْكُرِسَ رَبِكَ وَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) كما قال :
( فَكُوْ مِمَا ذُ كِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) (وَلَا تَأْكُلُواْمِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ( فَكُلُواْمِمَّا
أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمِاللَّهِ عَلَيْهِ ).
لكن هنا يقال: بسم الله؛ فيذكر نفس الاسم الذي هو ((ألف سين ميم))
وأما فى قوله: ( وَاذْكُرِأَشْمَرَبِّكَ)؛ فيقال: سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله .
وهذا أيضاً مما يبين فساد قول من جعل الاسم هو المسمى . وقوله فى
الذبيحة (فَكُلُواْمِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) كقوله: ( أَقْرَأْبِاسِْرَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ)
وقوله: ( بِسْمِ اللّهِ مَجْرِنِهَا وَمُرْسَنَهَا) فقوله: ( اقْرَأْبِاسْدِرَكَ) هو قراءة
بسم الله فى أول السور .
٢١٠

وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع ، وبين أن هذه الآية تدل
على أن القارئ مأمور أن يقرأ بسم الله، وأنها ليست كسائر القرآن ؛ بل هي
تابعة لغيرها ، وهنا يقول: (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ) كما كتب سليمان، وكما
جاءت به السنة المتواترة وأجمع المسلمون عليه ؛ فينطق بنفس الاسم الذي هو
اسم مسمى، لا يقول بالله الرحمن الرحيم؛ كما فى قوله: (وَأَذْكُرِاسْمَ رَّكَ)
فإنه يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ونحو ذلك، وهنا قال: (اقْرَأْ
بِأَسْوِرَكَ ) لم يقل: اقرأ اسم ربك، وقوله: (وَأَذْكُرِاسْمَ رَبِّكَ) يقتضى أن
ذكره بلسانه .
وأما قوله: (وَأَذْكُرُرَبَّكَ) فقد يتناول ذكر القلب. وقوله: (اقرأ
بِسِرَبِّكَ ) هو كقول الآ كل باسم الله. والذابح باسم الله، كما قال النبى صلى الله
عليه وسلم: ((ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله)).
وأما التسبيح فقد قال: ( وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةُ وَأَصِيلًا) وقال: (سَيِّح ◌َسْمَ
رَبِّكَ اُلْأَعْلَى)، وقال: (فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ).
وفى الدعاء: ( قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنْ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)
فقوله: ( أَيَّامَّا تَدْعُواْ ) يقتضى تعدد المدعو لقوله ( أَيََّمَّا) وقوله (فَلَهُ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) يقتضى أن المدعو واحد له الأسماء الحسنى، وقوله (ادْعُواْ اللَّهَ
أَوِأَدْعُواْ الرَّحْمَنَ) - ولم يقل ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن - يتضمن أن المدعو
هو الرب الواحد بذلك الاسم.
٢١١

فقد جعل الاسم نارة مدعواً، وتارة مدعواً به، فى قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
اْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا ) فهو مدعو به باعتبار أن المدعو هو المسمى، وإنما يدعى
باسمه . وجعل الاسم مدعواً باعتبار أن المقصود به هو المسمى، وإن كان فى اللفظ
هو المدعو المنادى، كما قال (قُلِ أَدْ عُواْ لَهُ أَوِأَدْعُواْ الرَّحْمَنَ ) أي ادعوا هذا
الاسم، أو هذا الاسم، والمراد إذا دعوته هو المسمى؛ أي الاسمين دعوت ومرادك
هو المسمى: ( فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ).
فمن تدبر هذه المعانى اللطيفة تبين له بعض حكم القرآن وأسراره ، فتبارك
الذي نزل الفرقان على عبده فإنه كتاب مبارك تنزيل من حكيم حميد ، لا تنقضي
عجائبه، ولا يشبح منه العلماء، من ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، ومن تركه
من جبار قصمه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط
المستقيم، وهو قرآن عجب يهدي إلى الرشد ، أنزله الله هدى ورحمة ، وشفاء
وبياناً وبصائر وتذكرة.
فالحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى،
وكما ينبغي لکرم وجهه وعز جلاله.
آخره ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآ له وصحبه وسلم .
٢١٢

سئل :-
عمن زعم أن ((الإمام أحمد)) كان من أعظم النفاة للصفات - صفات الله
تعالى - وإنما الذين انتسبوا إليه من أتباعه فى المذهب ظنوا أنه كان من أهل
الإثبات المنافى للتعطيل ، جهلاً منهم بما جرى له، فإنه اتفق له أمر عجيب:
وهو أن ناسا من ((الزنادقة)) قد علموا زهد أحمد وورعه وتقواه، وأن
الناس يتبعونه فيما يذهب إليه ؛ فجمعوا له كلاما فى الإثبات ، وعزوه إلى تفاسير
وكتب أحاديث، وأضافوا أيضاً إلى الصحابة والأئمة وغيرهم، حتى إليه هو -
شيئاً كثيراً من ذلك على لسانه - وجعلوا ذلك فى صندوق مقفل ، وطلبوا
من الإمام أحمد أن يستودع ذلك الصندوق منهم ؛ وأظهروا أنهم على سفر ونحو
ذلك، وأنهم غرضهم الرجوع إليه ليأخذوا تلك الوديعة، وهم يعلمون أنه
لا يتعرض لما فى الصندوق ، فلم يزل عنده ذلك إلى أن توفاه الله؛ فدخل أتباعه،
والذين أخذوا عنه العلم، فوجدوا ذلك الصندوق وفتحوه ، فوجدوا فيه تلك
((الأحاديث الموضوعة)) و((التفاسير والنقول)) الدالة على الإثبات. فقالوا: لولم
يكن الإمام أحمد يعتقد ما فى هذه الكتب لما أودعها هذا الصندوق واحترز
عليها ؛ فقرأوا تلك الكتب ، وأشهروها فى جملة ما أشهروا من تصانيفه وعلومه
٢١٣

وجهلوا مقصود أولئك الزنادقة، الذين قصدوا فساد هذه الأمة الإسلامية ، كما
حصل مقصود بولص بإفساد الملة النصرانية ، بالرسائل التى وضعها لهم.
(فأجاب ): من قال تلك الحكاية المفتراة عن أحمد بن حنبل ، وأنه أودع
عنده صناديق فيها كتب لم يعرف ما فيها حتى مات ، وأخذها أصحابه فاعتقدوا
ما فيها : فهذا يدل على غاية جهل هذا المتكلم، فإن أحمد لم يأخذ عنه المسلمون
كلمة واحدة من صفات الله تعالى قالها هو ؛ بل الأحاديث التى يرويها أهل العلم
فى صفات الله تعالى: كانت موجودة عند الأمة قبل أن يولد الإمام أحمد. وقد
رواها أهل العلم غير الامام أحمد ؛ فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد، بل هي
معروفة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولولم يخلق أحمد.
وأحمد إنما اشتهر أنه إمام أهل السنة ، والصابر على المحنة؛ لما ظهرت محن
(الجهمية)) الذين بنفون صفات الله تعالى، ويقولون إن الله لا يرى فى الآخرة،
وإن القرآن ليس هو كلام الله ؛ بل هو مخلوق من المخلوقات ، وإنه تعالى ليس
فوق السموات ، وإن محمداً لم يعرج إلى الله، وأضلوا بعض ولاة الأمر؛ فامتحنوا
الناس بالرغبة والرهبة، فمن الناس من أجابهم - رغبة - ومن الناس من أجابهم
رهبة - ومنهم من اختفى فلم يظهر لهم.
وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته ، وإن كان أسيرالم
يفكوه ولم يقبلوا شهادته ؛ وربما قتلوه أو حبسوه.
((والمحنة)) مشهورة معروفة، كانت فى إمارة المأمون، والمعتصم، والواثق؛
٢١٤

ثم رفعها المتوكل ؛ فثبت الله الإمام أحمد ، فلم يوافقهم على تعطيل صفات الله
تعالى، وناظرهم فى العلم فقطعهم، وعذبوه فصبر على عذابهم، فجعله الله من الأمة
الذين يهدون بأمره. كما قال تعالى: ( وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّا
صَبَرُوَأْ وَكَانُوْبِثَايَتِنَا يُوقِنُونَ).
فمن أعطى الصبر واليقين : جعله الله إماما فى الدين . وما تكلم به من
(السنة)) فإنما أضيف له لكونه أظهره وأبداه لا لكونه أنشأه وابتدأه، وإلا
فالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى
هدى محمد بن عبد الله، وما قاله الإمام أحمد هو قول الأمة قبله؛ كمالك والثوري،
والأوزاعي، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة، وقول التابعين قبل هؤلاء،
وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأحاديث ((السنة))
معروفة فى الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام.
والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة : متواتر بإثبات صفات الله تعالى،
وهؤلاء متبعون فى ذلك ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما إن المسلمين
يثبتون عقيدتهم فى أصول الدين بقوله، أو بقول غيره من العلماء : فهذا لا يقوله
إلا جاهل .
و((أحمد بن حنبل)) نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء فى الفروع.
وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا . وقال: لا تقلدنى،
ولا مالكا. ولا الثوري ، ولا الشافعي ؛ وقد جرى فى ذلك على سنن غيره
٢١٥

من الأئمة ؛ فكلهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره
من العلماء ، فكيف يقلد أحمد وغيره فى أصول الدين؟
وأصحاب أحمد : مثل أبي داود السجستانى ، وإبراهيم الحربى، وعثمان بن
سعيد الدارمي ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والبخارى ، ومسلم ، وبقي بن مخلد،
وأبي بكر الأثرم ، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي،
ومحمد بن مسلم بن وارة ، وغير هؤلاء الذين م من أكبر أهل العلم والفقه
والدين. لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره إلا بحجة يبينها لهم، وقد سمعوا العلم كما
سمعه هو ، وشاركوه فى كثير من شيوخه ، ومن لم يلحقوه أخذواعن أصحابه الذين
ثم نظراؤه ، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه .
٢١٦

وقال شيخ الإسلام
أبو العباس
تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه : -
فصل
فى ( الصفات الاختيارية )
وهي الأمور التى يتصف بها الرب عز وجل ، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته ؛
مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه،
وسخطه ؛ ومثل خلقه، وإحسانه ، وعدله ؛ ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه،
ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التى نطق بها الكتاب العزيز ، والسنة .
((فالجهمية)) ومن وافقهم من ((المعتزلة)) وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته
شيء من هذه الصفات، ولا غيرها .
و((الكلابية)) ومن وافقهم من ((السالمية)) وغيرهم يقولون: ((تقوم صفات
بغير مشيئته وقدرته ؛ فأما ما يكون بمشيئته وقدرته: فلا يكون إلا مخلوقاً
منفصلاً عنه .
٢١٧

وأما (« السلف وأئمة السنة والحديث)) فيقولون: إنه متصف بذلك؛ كما نطق
به الكتاب والسنة؛ وهو قول كثير من («أهل الكلام والفلسفة)) أو أكثرم
كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها فى غير هذا الموضع .
ومثل هذا: ((الكلام)). فإن السلف، وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم
بمشيئته وقدرته؛ وكلامه ليس بمخلوق ؛ بل كلامه صفة له قائمة بذاته .
ومن ذكر أن ذلك قول أئمة السنة: أبو عبد الله ابن منده، وأبو عبد الله
ابن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم؛
وكذلك ذكر أبو عمر بن عبد البر نظير هذا فى ((الاستواء)» وأكّة السنة -
كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري ، وعثمان بن سعيد الدارمي
ومن لا يحصى من الأئمة، وذكره حرب بن إسماعيل الكرمائى عن سعيد بن
منصور، وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن إبراهيم، وسائر أهل السنة والحديث
- متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء، وكيف شاء.
وقد سمى الله القرآن العزيز حديثاً فقال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )
وقال: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ). وقال (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍمِن رَّيِّهِم
◌ُحْدَثٍ)؛ وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء))
وهذا مما احتج به البخاري، فى صحيحه، وفى غير صحيحه؛ واحتج به غير
البخاری، کنعيم بن حماد، وحماد بن زيد .
٢١٨

ومن المشهور عن السلف: أن القرآن العزيز كلام الله غير مخلوق، منه بدأ ،
وإليه يعود.
وأما ((الجهمية)) و((المعتزلة)) فيقولون: ليس له كلام قائم بذاته ؛ بل كلامه
منفصل عنه مخلوق عنه و((المعتزلة)) يطلقون القول: بأنه بتكلم بمشيئته ؛
ولكن مرادهم بذلك أنه يخلق كلاماً منفصلاً عنه .
و ((الكلابية والسالمية)» يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ؛ بل كلامه
قائم بذاته، بدون قدرته ، ومشيئته مثل حياته ؛ وهم يقولون: الكلام صفة ذات؛
لا صفة فعل يتعلق بمشيئته وقدرته ؛ وأولئك يقولون : هو صفة فعل ؛ لكن
الفعل عنده : هو المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته .
وأما («السلف وأئمة السنة)) وكثير من أهل الكلام كالهشامية، والكرامية
وأصحاب أبي معاذ التومني ، وزهير اليامي، وطوائف غير هؤلاء: يقولون: إنه
((صفة ذات ، وفعل)) هو يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته . وهذا هو
المعقول من صفة الكلام لكل متكلم ، فكل من وصف بالكلام كالملائكة
والبشر ، والجن، وغيرم: فكلامهم لابد أن يقوم بأنفسهم، وم يتكلمون
بمشيشهم وقدرتهم.
والكلام صفة كمال؛ لا صفة نقص، ومن تكلم بمشيئته أكمل ممن لا يتكلم
بمشيئه ؛ فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق ؟!
٢١٩

ولكن ((الجهمية والمعتزلة)) بنوا على ((أصلهم)): أن الرب لا يقوم به
صفة ؛ لأن ذلك بزعمهم يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع ؛ إذ الصفة عرض،
والعرض لا يقوم إلا بجسم.
و «الكلابية)) يقولون : هو متصف بالصفات التى ليس له عليها قدرة،
ولا تكون بمشيئة ؛ فأما ما يكون بمشيئته فإنه حادث، والرب - تعالى -
لا تقوم به الحوادث. ويسمون ((الصفات الاختيارية)) بمسألة ((حلول الحوادث))
فإنه إذا كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته ، وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته
كان ذلك النداء والكلام حادثاً .
قالوا : فلو الصف الرب به لقامت به الحوادث ، قالوا: ولو قامت به
الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث ؛ قالوا: ولأن كونه
قابلاً لتلك الصفة إن كانت من لوازم ذاته كان قابلاً لها فى الأزل ، فيلزم جواز
وجودها فى الأزل ، والحوادث لا تكون فى الأزل ؛ فإن ذلك يقتضي
وجود حوادث لا أول لها، وذلك محال: «لوجوه» قد ذكرت فی غیر
هذا الموضع .
قالوا : وبذلك استدلنا على حدوث الأجسام، وبه عرفنا حدوث العالم،
وبذلك أثبتنا وجود الصانع ، وصدق رسله ؛ فلو قدحنا فى تلك لزم القدح فى
أصول ((الإيمان)) و((التوحيد)).
وإن لم يكن من لوازم ذاته صار قابلاً لها بعد أن لم يكن قابلاً ، فيكون
٢٢٠