النص المفهرس

صفحات 121-140

فصل
وقول القائل: ((إن الضحك خفة روح)) ليس بصحيح؛ وإن كان ذلك
قد يقارنه .
ثم قول القائل: ((خفة الروح)). إن أراد به وصفاً مذموماً فهذا يكون
لما لا ينبغي أن يضحك منه ، وإلا فالضحك فى موضعه المناسب له صفة مدح
وكمال ، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه؛ والآخر لا يضحك
قط ، كان الأول أكمل من الثانى .
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ينظر إليكم الرب قنطين فيظل
يضحك ، يعلم أن فرجكم قريب)) فقال له أبو رزين العقيلى: يارسول الله!
أو يضحك الرب؟! قال: ((نعم)) قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. فجعل
الأعرابى العاقل - بصحة فطرته - ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه ؛ فدل على
أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال ، والشخص
العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك ، وقد قيل فى اليوم الشديد
العذاب: إنه ( يَوْمَّا عَبُوسًا قَتْطَرِيرًا ).
١٢١

وقد روى: أن الملائكة قالت لآدم: ((حياك الله وبياك)) أي أضحكك.
والإنسان حيوان ناطق ضاحك ؛ وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال،
فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال ، فمن يتكلم أكمل ممن
لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزماً
لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك ، وذلك الأكثر مختص لا عام، فليس
حقيقة الضحك مطلقاً مقرونة بالنقص ، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص،
ووجودنا مقرون بالنقص ، ولا يلزم أن يكون الرب موجداً وأن لا تكون
له ذات .
ومن هنا ضلت القرامطة الغلاة كصاحب ((الإقليد)) وأمثاله، فأرادوا
أن ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب ، وينطق به اللسان ، من نفى وإثبات ، فقالوا:
لا نقول موجود ولا لا موجود ، ولا موصوف ولا لا موصوف؛ لما فى ذلك
- على زعمهم - من التشبيه، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعاً، وهو مقتضى
التشبيه بالممتنع ، والتشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات فى شيء من
خصائصها ، وأن يكون مماثلآ لها فى شيء من صفاته ، كالحياة والعلم والقدرة،
فإنه وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق، كالحدوث والموت،
والفناء والإمكان .
١٢٢

فصل
وأما قوله: ((التعجب استعظام للمتعجب منه)).
فيقال : نعم. وقد يكون مقروناً بجهل بسبب التعجب ، وقد يكون لما
خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم ، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب
ما تعجب منه ؛ بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيماً له. والله تعالى يعظم
ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه أو لعظمته .
فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم . ووصف بعض الشر بأنه عظيم ، فقال
تعالى: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وقال: ( وَلَقَدْءَانَيْتَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ
اَلْعَظِيمَ ) وقال: ( وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُوَأْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَتْبِيتًا *
وَإِذَا لَّ تَيْنَهُمْ مِن لَُّنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) وقال: ( وَلَوْلَ إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ
لَنَا أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَقُّ عَظِيمٌ) وقال: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ ).
ولهذا قال تعالى: (بل عجبتُ ويسخرون) على قراءة الضم ، فهنا هو عجب
من كفرم مع وضوح الأدلة.
١٢٣

وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي آثر هو وامر أته ضيفهما: «لقد عجب
الله)) وفى لفظ فى الصحيح: ((لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة)). وقال:
« إن الرب ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
يقول على عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا)) وقال: ((عجب ربك من شاب
ليست له صبوة)) وقال: ((عجب ربك من راعي غنم على رأس شظية يؤذن ويقيم
فيقول الله انظروا إلى عبدي)) أو كما قال. ونحو ذلك.
١٢٤

فصل
وأما قول القائل: ((لو كان فى ملكه ما لا يريده لكان نقصاً)). وقول
الآخر: ((لو قدر وعذب لكان ظلماً، والظلم نقص)).
فيقال : أما المقالة الأولى فظاهرة : فإنه إذا قدر أنه يكون فى ملكه
ما لا يريده وما لا يقدر عليه ؛ وما لا يخلقه ولا يحدثه لكان نقصاً من وجوه:
(أحدها ) أن انفراد شيء من الأشياء عنه بالأحداث نقص لو قدر أنه فى
غير ملكه فكيف فى ملكه؟ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اتين: أحدهما يحتاج إليه
كل شيءٍ، ولا يحتاج إلى شيء، والآخر يحتاج إليه بعض الأشياء، ويستغنى عنه
بعضها : كان الأول أكمل، فنفس خروج شيء عن قدرته وخلقه نقص ، وهذه
دلائل الوحدانية ، فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين ، وليس الكمال
المطلق إلا فى الوحدانية .
فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين، ومن فعل
الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض ، ومن افتقر إليه
كل شيء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء .
١٢٥

(ومنها ) أن يقال: كونه خالقاً لكل شىء وقادراً على كل شىء: أكمل
من كونه خالقاً للبعض وقادراً على البعض.
و ((القدرية)) لا يجعلونه خالقاً لكل شيء، ولا قادراً على كل شيء.
و ((المتفلسفة)) القائلون بأنه علة غائية شر منهم ، فإنهم لا يجعلونه خالقاً
لشيء من حوادث العالم - لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات ، ولا
خالقاً لما يحدث بسبب ذلك، ولا قادراً على شيء من ذلك ، ولا عالماً بتفاصيل
ذلك، والله سبحانه وتعالى يقول: (اللهُلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِمِثْلَهُنَّ
يَزَّلُ الْأَمْىُبِنَهُنَّ ◌ِتَعْلَمُوَأ ◌َنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا) وهؤلاء
ينظرون فى العالم ولا يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ولا أن الله قد أحاط
بكل شىء علما .
(ومنها ) أنا إذا قدرنا مالكين: (أحدهما) يريد شيئا فلا يكون ويكون
ما لا يريد، (والآخر) لا يريد شيئاً إلا كان ولا يكون إلا ما يريد ، علمنا
بالضرورة أن هذا أكمل .
وفى الجملة قول ((المثبتة للقدرة)) يتضمن أنه خالق كل شيء ، وربه ومليكه
وأنه على كل شىء قدير ، وأنه ما شاء كان ؛ فيقتضى كمال خلقه وقدرته ومشيئته
و «نفاة القدر » يسلبونه هذه الكالات .
وأما قوله: ((إن التعذيب على المقدر ظلم منه)) فهذه دعوى مجردة ، ليس
معهم فيها إلا قياس الرب على أنفسهم ، ولا يقول عاقل إن كل ما كان نقصا
١٢٦

من أي موجود كان: لزم أن يكون نقصا من الله ؛ بل ولا يقبح هذا من
الإنسان مطلقا ؛ بل إذا كان له مصلحة فى تعذيب بعض الحيوان ، وأن يفعل به
ما فيه تعذيب له حسن ذلك منه ؛ كالذي يصنع القز، فإنه هو الذي يسعى فى
أن دود القز ينسجه، ثم يسعى فى أن يلقى فى الشمس ليحصل له المقصود من
القز ، وهو هناله سعى فى حركة الدود التى كانت سبب تعذيبه.
وكذلك الذي يسعى فى أن يتوالد له ماشية، وتبيض له دجاج، ثم يديج
ذلك لينتفع به ، فقد تسبب فى وجود ذلك الحيوان نسبياً أفضى إلى عذابه؛
لمصلحة له فى ذلك.
ففي ((الجملة)): الإنسان يحسن منه إيلام الحيوان لمصلحة راجحة فى
ذلك ، فليس جنس هذا مذموماً ولا قبيحاً ولا ظلماً، وإن كان من ذلك
ما هو ظلم.
وحينئذ فالظلم من الله إما أن يقال: هو ممتع لذاته؛ لأن الظلم تصرف
المتصرف فى غير ملكه والله له كل شيء ؛ أو الظلم مخالفة الأمر الذي تجب
طاعته، والله تعالى يمتنع منه التصرف فى ملك غيره ، أو مخالفة أمر من يجب عليه
طاعته . فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا : امتنع الظلم منه.
وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه ؛ ولإخباره
أنه لا يفعله ؛ ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه ، إذ كان العدل والرحمة من
لوازم ذاته ؛ فيمتنع الصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه على هذا
١٢٧

القول ، فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك ، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة
تقتضي تنزيهه عنه .
وعلى هذا فكل مافعله علمنا أن له فيه حكمة ؛ وهذا يكفينا من حيث الجملة
وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته؟
وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا ، وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا ، فلا
نكذب بما علمناه ما لم نعلمه .
وكذلك نحن نعلم أنه ((حكيم)) فيما يفعله ويأمربه، وعدم علمنا بالحكمة
فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته ؛ فلا نكذب بما علمناه
من حكمته مالم نعلمه من تفصيلها .
ونحن نعلم أن من على حذق أهل الحساب، والطب ، والنحو، ولم يكن
متصفاً بصفاتهم التى استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب، والطب والنحو
لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه ؛ لعدم علمه بتوجيهه.
والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب،
والطب، والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلا وتكلفاً للقول بلا علم من
العامي المحض ، إذا قدح فى الحساب ، والطب ، والنحو بغير علم بشيء
من ذلك .
وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه فى الكمال ، وهو قولنا: إن الكمال
١٢٨

الذي لا نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به، وتنزيههعما يناقضه ، فيقال :
خلق بعض الحيوان وفعله الذي يكون سبباً لعذابه، هل هو نقص مطلقا أم يختلف؟.
وأيضاً فإذا كان فى خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك ، فأما أكمل
تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها ؟ وأيضاً فهل يمكن حصول
الحكمة المطلوبة بدون حصول هذا؟
فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان : على أنه لا يمكنه أن يقول خلق فعل
الحيوان الذي يكون سبباً لتعذيبه نقص مطلقاً .
و ((المثبتة للقدر)) قد تجيب بجواب آخر؛ لكن ينازعهم الجمهور فيه .
فيقولون : كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال، بخلاف الذي يكون
مأموراً منهياً ، الذي يؤمر بشيء وينهى عن شيء . ويقولون إنما قبح من غيره
أن يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر، وهو سبحانه لا يجوز أن يلحقه ضرر.
والجمهور يقولون : إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه ،
ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره: كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن
يفعل لا لحكمة ولا الرحمة.
ويقولون : إذا قدرنا مريداً لا يميز بين مراده ومراد غيره . ومريداً يميز
بينهما؛ فيريد ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد؛ دون ما هو بالضد: كان هذا
الثاني أكمل .
ويقولون: المأمور المنهي الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس
١٢٩

فوقه آمر ناه، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل ، والمحرم عليها
ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل ما يريده بدون أمر وتهي من نفسه، فهذا
الملتزم لأمره ونهيه - الواقعين على وجه الحكمة - أكمل من ذلك؛ وقد قال
تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقال: ((يا عبادي! إنى حرمت الظلم على
نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)».
وقالوا أيضاً : إذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته، وأنه
لا مانع له، ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده، ولا أن يجعله مريداً ، كان هذا
أكمل ممن له مانع يمنعه مراده، ومعين لا يكون مريداً أو فاعلا لما يريد إلا به.
وأما إذا قيل : يفعل ما يريد باعتبار أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم
والحكمة؛ بل هو (متسفه) فيما يفعله، وآخر يفعل ما يريد؛ لكن إرادته
مقرونة بالعلم والحكمة ؛ كان هذا الثاني أكمل .
و(جماع الأمر) فى ذلك: أن كمال القدرة صفة كمال، وكون الإرادة نافذة
لا تحتاج إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال.
وأما كون ((الإرادة)) لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الأجناس عندهاسواء
فهذا ليس بوصف كمال ؛ بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد - كما يقتضيه العلم
والحكمة - هى الموصوفة بالكال ، فمن نقصه فى قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره
قدره. ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره. والكال الذي يستحقه
إثبات هذا وهذا .
١٣٠

فصل
وأما ((منكرو النبوات)) وقولهم: ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم
رسولا ، كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا :
فهذا جهل واضح فى حق المخلوق والخالق ، فإن من أعظم ما تحمد به الملوك
خطابهم بأنفسهم لضعفاء الرعية ، فكيف بإرسال رسول إليهم .
وأما فى حق الخالق فهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو
قادر مع كمال رحمته، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل
إليهم رسولا رحمة منه؟ كما قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلََّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا رحمة مهداة))؛ ولأن هذا من
جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية ، وبيان ما ينفعهم وما يضرهم، كما قال
تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ،
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَب وَالْحِكْمَةَ) فبین تعالی أن هذا من مننه على
عباده المؤمنين.
١٣١

فإن كان المنکر ینکر قدرته على ذلك فهذا قدح فی كمال قدرته ، وإن كان
ینکر إحسانه بذلك فهذا قدح فی کمال رحمته وإحسانه .
فعلم أن إرسال الرسول من أعظم الدلالة على كمال قدرته وإحسانه،
والقدرة والإحسان من صفات الكمال لا النقص. وأما تعذيب المكذبين
فذلك داخل فى القدر ، لما له فيه من الحكمة.
١٣٢

فصل
وأما ((قول المشركين)): إن عظمته وجلاله يقتضى أن لا يتقرب إليه
إلا بواسطة وحجاب ، والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع فهذا باطل
من وجوه :
(منها ) أن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب إما أن يكون قادراً
على سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب، وإما أن لايكون
قادراً ، فإن لم يكن قادراً كان هذا نقصاً ، والله تعالى موصوف بالكال ؛ فوجب
أن يكون متصفا بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ، ويجيب دعاءهم ، ويحسن
إليهم بدون حاجة إلى حجاب، وإن كان الملك قادرا على فعل أموره بدون الحجاب،
وترك الحجاب إحسانا ورحمة كان ذلك صفة كمال.
وأيضا: فقول القائل : إن هذا غض منه إنما يكون فيمن يمكن الخلق أن
يضروه ويفتقر فى نفعه إليهم ، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم، وأمنه أن
يؤذوه، فليس تقربهم إليه غضاً منه؛ بل إذا كان اثنان : أحدهما يقرب إليه
الضعفاء إحسانا إليهم ولا يخاف منهم، والآخر لا يفعل ذلك إما خوفا وإما كبراً
وإما غير ذلك : كان الأول أكمل من الثانى :
١٣٣

وأيضا فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المطاع ؛ بل إذا أذن للناس
فى التقرب منه، ودخول داره: لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضا منه، فهذا
إنكار على من تعبده بغير ما شرع.
ولهذا قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ
بِإِذْنِهِ)، وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ).
١٣٤

فصل
وأما قول القائل: إنه لو قيل لهم أيما أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع
الإدراكات من الذوق والشم واللمس؟ أم ذات لا توصف بها؟ لقالوا : الأول
أكمل ، ولم يصفوه بها .
فتقول مثبتة الصفات لهم: فى هذه الإدراكات ثلاثة أقوال معروفة: (أحدها) :
إثبات هذه الإدراكات لله تعالى ، كما يوصف بالسمع والبصر. وهذا قول
القاضي أبي بكر وأبى المعالي، وأظنه قول الأشعرى نفسه، بل هو قول المعتزلة
البصريين الذين يصفونه بالإدراكات .
وهؤلاء وغيرهم يقولون: تتعلق به الإدراكات الخمسة أيضا كما تتعلق به
الرؤية ؛ وقد وافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى فى ((المعتمد)) وغيره.
(والقول الثانى) : قول من ينفي هذه الثلاثة؛ كما ينفي ذلك كثير من المثبتة
أيضا من الصفاتية وغيرم . وهذا قول طوائف من الفقهاء ، من أصحاب
الشافعي وأحمد ، وكثير من أصحاب الأشعري وغيره .
(والقول الثالث): إثبات إدراك اللمس دون إدراك الذوق ؛ لأن الذوق
إنما يكون للمطعوم فلا يتصف به إلا من يأكل ، ولا يوصف به إلا ما يؤكل،
١٣٥

والله سبحانه منزه عن الأكل بخلاف اللمس، فإنه بمنزلة الرؤية، وأكثر أهل
الحديث يصفونه باللمس ، وكذلك كثير من أصحاب مالك والشافعى وأحمد
وغيرهم ، ولا يصفونه بالذوق .
وذلك أن نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة : إذا قلتم إنه يرى . فقولوا إنه
يتعلق به سائر أنواع الحس. وإذا قلتم إنه سميع بصير فصفوه بالإدراكات الخمسة .
فقال ((أهل الإثبات قاطبة)) نحن نصفه بأنه يرى، وأنه يسمع كلامه، كما
جاءت بذلك النصوص . وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى .
وقال جمهور أهل الحديث والسنة : نصفه أيضاً بإدراك اللمس ، لأن ذلك
كمال لا نقص فيه. وقد دلت عليه النصوص بخلاف إدراك الذوق، فإنه مستلزم
للأكل، وذلك مستلزم للنقص كما تقدم.
وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين .
ومنهم من قال: إنه يمكن أن تتعلق به هذه الأنواع ، كما تتعلق به الرؤية،
لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود، ولم يقولوا إنه متصف بها.
وأكثر مثبتى الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية ؛ بل قالوا
إن المقتضى أمور وجودية، لا أن كل موجود يصح رؤيته ، وبين الأمرين فرق؛
فإن الثاني يستلزم رؤية كل موجود؛ بخلاف الأول؛ وإذا كان المصحح للرؤية
هي أمور وجودية لا يشترط فيها امور عدمية؛ فما كان أحق بالوجود وأبعد عن
العدم كان أحق بأن مجوزرؤيته، ومنهم من نفى ماسوى السمع والبصر من الجانبين.
١٣٦

فصل
وأما قول القائل : الكمال والنقص من الأمور النسبية : فقد بينا أن الذي
يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وأنه الكمال
الممكن للموجود ، ومثل هذا لا ينتفى عن الله أصلاً، والكال النسبى هو المستلزم
للنقص ؛ فيكون كمالاً من وجه دون وجه؛ كالأ كل للجائع كمال له ، وللشبعان
نقص فيه ؛ لأنه ليس بکال محض بل هو مقرون بالنقص .
والتعالي والتكبر والثناء على النفس ، وأمر الناس بعبادته ودعائه، والرغبة
إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب تبارك
وتعالى، وهو نقص مذموم من المخلوق.
وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية؛ كقوله: ( إِنَّنِى أَنَا اللَّهُلَا إِلَهَ
إِلَّ أَنَاْ فَ عْبُدْنِ )؛ وقوله تعالى: (أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقوله: (وَإِن تُبْدُواْمَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ )، وقوله: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَ ) وقوله: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَرُ ) وقوله:
﴿ إِنَّا لَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ ) وقوله :
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
١٣٧

وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه وهو
فى ذلك صادق فى إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال : هو أيضاً
من كماله، فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضاً من كاله.
وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذباً مفترياً ، والكذب من أعظم
العيوب والنقائص.
وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقاً ، بل
قد يحمد منه إذا كان فى ذلك مصلحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)). وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أومساوية، فيذم
لفعله ما هو مفسدة، لا لكذبه ، والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه ؛
بل له الحمدعلى كل حال فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود.
وأما على قول من يقول: الظلم منه ممتع لذاته فظاهر. وأما على قول الجمهور
من أهل السنة والقدرية فإنه إنما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل، فأخباره كلها
وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة، واقعة على وجه الكمال الذي يستحق عليه
الحمد ، وله من الأمور التى يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه
تبارك وتعالى.
فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حياً قيوماً قديماً واجباً بنفسه ، وأنه
بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ، وأنه العزيز الذي لا ينال ، وأنه قهار
لكل ما سواه .
١٣٨

فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو ؛ فما لا يستحقه إلا هو كيف
يكون كمالاً من غيره وهو معدوم لغيره ؟ فمن ادعاه كان مفترياً منازعاً للربوبية
فى خواصها، كما ثبت فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعنى واحداً
منهما عذبته)).
وجملة ذلك: أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب ، فهذا
تحقيق انصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه . ومثل هذا الكمال لا يكون
لغيره فادعاؤه منازعة للربوبية وفرية على الله.
ومعلوم أن النبوة كمال للنبى وإذا ادعاها المفترونكمسيلمة وأمثاله.
كان ذلك نقصاً منهم ، لا لأن النبوة نقص ؛ ولكن دعواها ممن ليست له هو
النقص، وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفاً بذلك كان
مذموماً محقوناً، وهذا يقتضي أن الرب تعالى متصف بكال لا يصلح للمخلوق،
وهذا لا ينافى أن ما كان كمالاً للموجود من حيث هو موجود: فالخالق أحق
به؛ ولكن يفيد أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه إذا وصف الخالق
بما هو منه ، فالذي للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه .
وهذا حق ، فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه
شيء ، فليس له سمي ولا كفؤ ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق
کربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق ؛
١٣٩

فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق : عظمةً هي
أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها .
و «ملخص ذلك)) أن المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه
أحياناً ونحو ذلك .
وأما قول السائل : فإن قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وتنظر فيها
هل هي كمال أم نقص ؟ وكذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما ؛ لأنها قد تكون
كمالاً لذات نقصاً لأخرى على ما ذكر.
فيقال : بل نحن نقول الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال
مطلق لكل ما يتصف به .
وأيضاً فالكمال الذي هو كمال للموجود .- من حيث هوموجود - يمتنع أن
يكون نقصاً فى بعض الصور؛ لأن ما كان نقصاً فى بعض الصورتاماً فى بعض: هو
كمال لنوع من الموجودات دون نوع، فلا يكون كمالالموجودمن حيث هو موجود.
ومن الطرق التى بها يعرف ذلك : أن نقدر موجودين : أحدهما متصف
بهذا والآخر بنقيضه، فإنه يظهر من ذلك أيهما أكمل، وإذا قيل هذا أكمل
من وجه وهذا أنقص من وجه لم يكن كمالاً مطلقاً .
والله أعلى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآ له وسلم.
١٤٠