النص المفهرس

صفحات 81-100

وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد ، وهذا كقوله :
(وَإِذَا ◌ُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِآلْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَكَظِيمٌ * يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِنِ سُوْءٍ
مَا بُشْرَيِهِ- أَيُّمْسِكُهُعَلَى هُونٍ أَمْ يَدُ سُّهُ فِى الَّابِ أَلَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَلَوْيُؤَاخِذُ اللهُالنَّاسَ بِظُلْمِهِ
مَاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَايَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ
اَلْسُنِى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ )
حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدم بنت
فيعدون هذا نقصاً وعيباً .
والرب تعالى أحق بشنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له ((المثل
الأعلى )) فكل كمال ثبت للمخلوق: فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجرداً عن
النقص ، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب : فالخالق أولى شزيهه عنه.
وهذا
وقال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم. وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ *
وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ * وَلَ الِظِلُّ وَلَا الْحُرُورُ ) فبين أن البصير أكمل، والنور
أكمل، والظل أكمل؛ وحينئذ فالمتصف به أولى. ((وَلِلَّهِالْمَثَلُ الْأَعْلَى)).
وقال تعالى: (وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارَ
ج
أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًاُ أَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ ) فدل
٨١

ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي : أكمل
ممن لا يتكلم ولا يهدي ، والرب أحق بالكمال .
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَابِكُ مَّنِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ
إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُنَّبَعَ أَمَّنْ لََّهِدِّىٍ إِلَّ أَنْ يُهْدَىْ فَالَكُمْكَيْفَ تَحُْمُونَ)
فبين سبحانه بما هو مستقر فى الفطر أن الذى يهدي إلى الحق احق بالاتباع
ممن لا يهتدى إلا أن يهديه غيره ؛ فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو
الكامل ؛ دون الذي لا يهتدي إلا بغيره.
وإذا كان لابد من وجود الهادى لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل ،
وقال تعالى فى الآية الأخرى: (أَفَلاَيَوْنَ أَلَّا تَرَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَعْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا
وَلَاتَفْعًا ) فدل على أن الذي يرجع إليه القول ، ويملك الضر والنفع:
أ کمل منه.
وقال إبراهيم لأبيه: ( يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا)
فدل على أن السميع البصير الغنى أكمل ، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك .
ومثل هذا فى القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب ((صفات الكمال))
كعدم التكلم والفعل ، وعدم الحياة، ونحو ذلك مما يبين أن المتصف
بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات ، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن
ناقص معيب .
٨٢

وأما ((رب الخلق)) الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات
بصفات الكمال ، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها؛
وهو يذكر أن الجمادات فى العادة لا تقبل الانصاف بهذه الصفات .
فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف : فقد جعله من جنس الأصنام
الجامدة ، التى عابها الله تعالى، وعاب عابديها.
ولهذا كانت ((القرامطة الباطنية)) من أعظم الناس شركا، وعبادة
لغير الله ؛ إذ كانوا لا يعتقدون فى إلههم أنه يسمع أو يبصر ، أو يغني
عنهم شيئاً .
والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له ، بل
ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ماسواه، فأفاد (الأصلين ) اللذين بهما
يتم التوحيد : وهما إثبات صفات الكمال رداً على أهل التعطيل ، وبيان أنه
المستحق للعبادة لا إله إلا هو رداً على المشركين.
والشرك فى العالم أكثر من التعطيل؛ ولا يلزم من إثبات «التوحيد)»
المنافى للإشراك إبطال قول أهل التعطيل؛ ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل
لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر .
والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة ؛ كالرد على فرعون وأمثاله؛
ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر، لأن القرآن شفاء لما فى الصدور .
ومرض الإشراك أكثر فى الناس من مرض التعطيل ، وأيضاً فإن الله سبحانه
٨٣

أخبر أن له الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمد فى الأولى والآخرة، وله الحكم،
ونحو ذلك من أنواع المحامد.
و ((الحمد نوعان)): حمد على إحسانه إلى عباده. وهو من الشكر؛
وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله ، وهذا الحمد لا يكون إلا على
ما هو فى نفسه مستحق للحمد ، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات
الكمال، وهي أمور وجودية ، فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها ، ولا خير
ولا كمال.
ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال ، فكل
ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد
فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة ، وهو أحق من كل محمود بالحمد والكال
من كل كامل وهو المطلوب .
٨٤

فصل
وأما ((المقدمة الثانية)) فنقول: لابد من اعتبار أمرين:
( أحدهما ) : أن يكون الكمال ممكن الوجود.
و (الثانى): أن يكون سليما عن النقص ؛ فإن النقص ممتنع على الله، لكن
بعض الناس قد يسمي ما ليس بنقص نقصاً ، فهذا يقال له إنما الواجب إثبات
ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص ، فإذا سميت أنت هذا نقصاً وقدر
أن انتفاءه يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ، ولم يكن هذا عند من سماه نقصاً
من النقص الممكن انتفاؤه.
فإذا قيل : خلق المخلوقات فى الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له ، قيل :
وجود المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها ؛ أو واحدامنها فى
الأزل ممتع . ووجود الحوادث المتعاقبة كلها فى آن واحد ممتنع ، سواء قدر
ذلك الآن ماضياً أو مستقبلاً؛ فضلاً عن أن يكون أزلياً ، وما يستلزم الحوادث
المتعاقبة يمتنع وجوده فى آن واحد، فضلاً عن أن يكون أزلياً ، فليس هذا ممكن
الوجود فضلاً عن أن يكون كملا ؛ لكن فعل الحوادث شيئاً بعد شيء أكمل من
التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئاً بعد أن لم يكن ؛ فإن الفاعل القادر على
الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل .
٨٥

فإذا قيل : لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته: كان هذا
نقصاً بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئاً بعدشيء، وكذلك إذا قيل: جعل
الشيء الواحد متحركا ساكناً موجوداً معدوماً صفة كمال ، قيل هذا
ممتنع لذاته.
وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال . قيل : هذا ممتنع
لنفسه ، فإن كونه مبدعا يقتضي أن لا يكون واجباً بنفسه؛ بل واجباً بغيره؛ فإذا
قيل هو واجب موجود بنفسه ، وهو لم يوجد إلا بغيره : كان هذا جمعاً
بين النقيضين.
وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه - إذا كان اتصافه
بها صفة كمال فقد فاتته فى الأزل ؛ وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه
بالنقائص. قيل : الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزلياً .
وأيضاً : فلا يلزم أن يكون وجود هذه فى الأزل صفة كمال ؛ بل الكمال
أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها.
وأيضاً : فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئاً بعد شيء.
فقول القائل: فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون فى الأزل:
جمع بين النقيضين . وأمثال هذا كثير. فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود ؛ فما
هو ممتنع فى نفسه فلا حقيقة له ؛ فضلاً عن أن يقال : هوموجود. أو يقال : هو
كمال للموجود .
٨٦

وأما الشرط الآخر وهو قولنا : الكمال الذي لا يتضمن نقصاً - على
التعبير بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصاً يمكن انتفاؤه - على
عبارة من يجعل ماليس بنقص نقصاً . فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون
بعض ، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصاً - كالأ كل والشرب
مثلاً . فإن الصحيح الذى يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من
المريض الذى لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قوامه بالأ كل والشرب.
فإذا قدر غير قابل له : كان ناقصاً عن القابل لهذا الكمال ؛ لكن هذا
يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره ، وهو ما يدخل فيه من الطعام
والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه، كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول
شىء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص
مما لا يحتاج فى كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به . والغني بنفسه
أكمل من الغني بغيره.
ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق، وهو نقص بالنسبة إلى
الخالق ، وهو كل ما كان مستلزماً لإمكان العدم عليه المنافى لوجوبه وقيوميته ،
أو مستلزماً للحدوث المنافى لقدمه ، أو مستلزماً لفقره المنافى لغناه.
٨٧

فصل
إذا تبين هذا: تبين أن ماجاء به ((الرسول)) هو الحق الذي يدل عليه
المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له، وأعظمهم له موافقة «وم سلف الأمة
وأئمتها )) الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن
مماثلة المخلوقات .
فإن الحياة والعلم والقدرة ، والسمع والبصر والكلام: صفات كمال ممكنة
بالضرورة ولا نقص فيها ، فإن من الصف بهذه الصفات فهو أكمل ممن
لا يتصف بها ؛ والنقص فى انتفائها لافى ثبوتها ؛ والقابل للانصاف بها كالحيوان
أكمل ممن لا يقبل الانصاف بها كالجمادات.
وأهل الإثبات يقولون للنفاة : لو لم يتصفبهذه الصفات لاتصف بأضدادها
من الجهل والبكم ، والعمى والصمم.
فقال لهم النفاة: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة ، لا تقابل
السلب والإيجاب ، والمتقابلان تقابل العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء
أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلاً لهما ، كالحيوان الذى لا يخلو إما أن
٨٨

يكون أعمى وإما أن يكون بصراً ؛ لأنه قابل لهما، بخلاف الجماد فإنه لا يوصف
لا بهذا ولا بهذا.
فيقول لهم أهل الإثبات : هذا باطل من وجوه:
(أحدها) أن يقال: الموجودات ((نوعان)): نوع يقبل الاتصاف بالكمال
كالحي. ونوع لا يقبله كالجماد. ومعلوم أن القابل للانصاف بصفات الكمال
أكمل ممن لا يقبل ذلك.
وحينئذ : فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اقصافه
بها ، وأن يكون القابل لها - وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي لا يقبل السمع
والبصر - أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر - فى حال عدم ذلك - أكمل
ممن لا يقبل ذلك . فكيف المتصف بها؟! فلزم من ذلك أن يكون مسلوباً
لصفات الكمال - على قولهم - ممتنعاً عليه صفات الكمال . فأنتم فروتم من
تشبيهه بالأحياء: فشبهتموه بالجمادات، وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص:
فوصفتموه بما هو أعظم النقص.
( الوجه الثاني ) أن يقال : هذا التفريق بين السلب والإيجاب، وبين
العدم والملكة : أمر اصطلاحي ؛ وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتاً كما
قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَ يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيرُ
أَخْيَاْءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَنَّانَ يُبْعَثُونَ).
٨٩

( الوجه الثالث ) أن يقال: نفس سلب هذه الصفات نقص ، وإن لم يقدر
هناك ضد ثبوتي ، فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حياً عليماً قديراً، متكلماً
سميعاً بصيراً أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم
كالجماد ، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ، ومجرد سلبها
من النقص : وجب ثبوتهالله تعالى ؛ لأنه كمال ممكن للموجودولا نقص فيه بحال؛
بل النقص فى عدمه .
وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات .
(أحدهما ) يقدر على التصرف بنفسه؛ فيأتي ويجىء، وينزل ويصعد،
ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به ( والآخر) يمتنع ذلك منه، فلا يمكن
أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال : كان هذا القادر على الأفعال التى تصدر
عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه.
وإذا قيل قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به: كان كما إذا قيل قيام
الصفات به يستلزم قيام الأعراض به .
ولفظ (الأعراض، والحوادث) لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل
اللغة من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات ، كما يقال : فلان قد
عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثاً عظيماً، كما قال النبى صلى الله
عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة))
٩٠

وقال: ((لعن الله من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً)) وقال: ((إذا أحدث أحدكم
فلا يصلي حتى يتوضأ)).
ويقول الفقهاء: الطهارة ((نوعان)) طهارة الحدث وطهارة الخبث.
ويقول أهل الكلام: اختلف الناس فى ((أهل الأحداث)) من أهل القبلة:
كالربا والسرقة وشرب الخمر . ويقال فلان به عارض من الجن ، وفلان حدث
له حرض . فهذه من النقائص التى ينزه الله عنها .
وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص ، فإنما أحدث ذلك
الاصطلاح من أحدثه من أهل الكلام، وليست هذه لغة العرب، ولا لغة أحد
من الأمم؛ لا لغة القرآن ولا غيره ؛ ولا العرف العام، ولا اصطلاح أكثر
الخائضين فى العلم ؛ بل مبتدعو هذا الاصطلاح: م من أهل البدع المحدثين فى
الأمة ، الداخلين فى ذم النبي صلى الله عليه وسلم.
وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح، وتسمية هذه أعراضاً وحوادث:
لا يخرجها عن أنها من الكمال الذى يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه
الانصاف بها . أو يمكنهذلك ولا يتصف به .
و ((أيضاً)) فإذا قدراثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض
وحوادث على اصطلاحهم؛ كالعلم والقدرة ، والفعل والبطش، والآخر يمتنع أن
يتصف بهذه الصفات التى هي أعراض وحوادث : كان الأول أكمل، كما أن
الحي المنصف بهذه الصفات : أكمل من الجمادات.
٩١

وكذلك إذا قدر (اثنان)) أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها،
والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص ؛ فلا يحب لا هذا ولا
هذا، ولا يرضى لا هذا ولا هذا ، ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا: كان الأول
أکمل من الثانى .
ومعلوم أن الله تبارك وتعالى يحب المحسنين، والمتقين، والصابرين، والمقسطين
ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهذه كلها صفات كمال.
وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يبغض المتصف بضد الكال، كالظلم
والجهل والكذب ، ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر لا فرق عنده بين
الجاهل الكاذب الظالم وبين العالم الصادق العادل ، لا يبغض لا هذا ولا هذا،
ولا يغضب لا على هذا ولا على هذا : كان الأول أكمل.
وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يقدر أن يفعل بيديه، ويقبل بوجهه .
والآخر لا يمكنه ذلك: إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان، وإما لامتناع الفعل
والإقبال عليه باليدين والوجه: كان الأول أكمل .
فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص فى شيء مما يوصف بذلك،
ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه، وهو ممدوح به لا مذموم، کوجه النهار
ووجه الثوب، ووجه القوم، ووجه الخيل ، ووجه الرأي ، وغير ذلك ؛ وليس
الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه فى شىء من موارد الاستعمال،
سواء قدر الاستعمال حقيقة أو مجازاً .
٩٢

«فإن قيل)) : من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أکمل من
يفعل بيديه . قيل: من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء، وبيديه إذا شاء:
هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه ، ولا يمكنه أن
يفعل باليد.
ولهذا كان ((الإنسان)) أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها، كالنار
والماء، فإذا قدر اثنان أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه ، والآخر يمكنه
الفعل بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل . فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه
وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأ كمل !!
وأما صفات النقص فمثل النوم ، فإن الحي اليقظان أكمل من النائم
والوسنان . والله لا تأخذه سنة ولا نوم، وكذلك من يحفظ الشيء بلا اكتراث
أكمل ممن يكرثه ذلك ؛ والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ، ولا
يؤوده حفظهما.
وكذلك من يفعل ولا يتعب: أكمل ممن يتعب . والله تعالى خلق السموات
والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسه من لغوب.
ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل ، والقدرة دون العجز ، والحياة دون
الموت، والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى والبكم، والضحك دون
البكاء ، والفرح دون الحزن .
٩٣

وأما الغضب مع الرضا والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه
إلا الرضا والحب ، دون البغض والغضب للأمور المذمومة التى تستحق أن
تلم وتبغض.
ولهذا كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع ، ويخفض ويرفع ، ويعز ويذل:
أكمل من انصافه بمجرد الإعطاء، والإعزاز والرفع؛ لأن الفعل الآخر .- حيث
تقتضى الحكمة ذلك - أكمل مما لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر فى المحل
المناسب له ، ومن اعتبر هذا الباب وجده على قانون الصواب ، والله الهادي
لأولى الألباب.
٩٤

فصل
وأما قول ملاحدة ((المتفلسفة)» وغيرم : إن اقصافه بهذه الصفات إن
أوجب له كمالاً فقد استكمل بغيره، فيكون ناقصاً بذاته، وإن أوجب له نقصاً
لم يجز اتصافه بها. فيقال: قد تقدم أن الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود
الذي لا نقص فيه .
وحينئذ فقول القائل يكون ناقصاً بذاته ، إن أراد به أن يكون بدون هذه
الصفات ناقصاً فهذا حق ؛ لكن من هذا فررنا ، وقدرنا أنه لابد من صفات
الكمال وإلا كان ناقصا .
وإن أراد به أنه إنما صار كاملاً بالصفات التى انصف بها فلا يكون كاملاً
بذاته المجردة عن هذه الصفات . فيقال أولاً : هذا إنما يتوجه أنه لو أمكن وجود
ذات مجردة عن هذه الصفات ، أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه
الصفات ، فإذا كان أحد هذين ممتنعاً امتنح كماله بدون هذه الصفات، فكيف
إذا كان كلاهما ممتنعاً ؟ فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع ، فإنا نعلم
بالضرورة أن ((الذات)) التى لا تكون حية عليمة، قديرة سميعة بصيرة متكلمة:
ليست أكمل من الذات التى تكون حية عليمة ، سميعة بصيرة متكلمة.
وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل
٩٥

الذات المنصفة؛ فضلاً عن أن تكون أكمل منها ، ويقضي بأن الذات المتصفة بها
أكمل على بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات ، فإن قيل بعد ذلك
لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات . قيل: الكال بدون
هذه الصفات ممتنع ، وعدم الممتنع ليس نقصاً ، وإنما النقص عدم ما يمكن.
وأيضاً فإذا ثبت أنه يمكن انصافه بالكمال ، وما انصف به وجب له،
وامتنع بجرد ذاته عن هذه الصفات؛ فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات
تقديراً ممتنعاً .
وإذا قدر للذات تقدير ممتنع ، وقيل إنها ناقصة بدونه: كان ذلك مما يدل
على امتناع ذلك التقدير ؛ لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل: إذا مات كان ناقصاً
فهذا يقتضي وجوب كونه حياً ، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه
الصفات يوجب أن تكون ناقصة : كان ذلك مما يستلزم أن يوصف
بهذه الصفات.
وأيضاً فقول القائل : اكتمل بغيره ممنوع ؛ فإنا لا نطلق على صفاته أنها
غيره، ولا أنها ليست غيره؛ على ما عليه ((أمَّة السلف)) كالإمام أحمد بن حنبل
وغيره، وهو اختيار حذاق المثبتة ؛ كابن كلاب وغيره.
ومنهم من يقول: أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو، ولا أطلق عليها أنها
ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين فأقول لاهي هوولا هي غيره. وهو اختيار طائفة
من المثبتة كالأشعري ، وأظن أن قول أبي الحسن التميمي هو هذا أو ما يشبه هذا.
٩٦

ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب: فى إطلاقهما جميعاً،
کالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى.
ومنشأ هذا أن لفظ ((الغير)) يراد به المغاير للشيء ، ويراد به ما ليس هو
إياه ، وكان فى إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعاني فاسدة.
ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: يتكمل بغيره . أيريد
به بشيء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته؟ أما الأول فهممتنح. وأما الثاني
فهو حق، ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها ؛ كما لا يمكن وجودها بدونه،
وهذا کمال بنفسه لا بشيء مباين لنفسه.
وقد نص الأئمة ـــ كأحمد بن حنبل وغيره - وأئمة المثبتة كأبى محمد
ابن كلاب وغيره ، على أن القائل إذا قال : الحمد لله. أو قال: دعوت الله
وعبدته . أو قال: بالله . فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته ؛ وليست صفاته
زائدة على مسمى أسمائه الحسنى.
وإذا قيل : هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات
المجردة التى يقربها نفاة الصفات ، فالصفات زائدة عليها ، وإن أريد بالذات
الذات الموجودة فى الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة.
والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات ، وإن كانت زائدة على
الذات التى يقدر تجردها عن الصفات .
٩٧

فصل
وأما قول القائل : لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقراً إليها وهي
مفتقرة إليه ، فيكون الرب مفتقراً إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول.
فيقال أولاً: قول القائل: ((لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقراً
إليها )» يقتضي إمكان جوهر تقوم به الصفات؛ وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات؛
فلو كان أحدهما ممتنعاً لبطل هذا الكلام، فكيف إذا كان كلاهما ممتنعا ؟ فإن
تقدير ذات مجردة عن جميع الصفات إنما يمكن فى الذهن لا فى الخارج، كتقدير
وجود مطلق لا يتعين فى الخارج.
ولفظ ((ذات)» تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافاً إلى
غيره، فهم يقولون: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء
فى القرآن أو لغة العرب لفظ ((ذو)) ولفظ ((ذات)لم يجئء إلا مقروناً بالإضافة كقوله
(فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ) وقوله: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) .
وقول خبيب رضي الله عنه : -
وذلك فى ذات الإله ....
٩٨

ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار يتكلمون فى هذا الباب قالوا : إنه يقال إنها ذات على
وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه،فقالوا: ((الذات)). وهي
لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء ، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم؛
كأبى الفتح بن برهان، وابن الدهان وغيرها، وقالوا : ليست هذه اللفظة عربية
ورد عليهم آخرون كالقاضي وابن عقيل وغيرهما .
( وفصل الخطاب ) : أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة كلفظ
الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضى وجود صفات
تضاف الذات إليها ، فيقال : ذات على وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك،
فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه فى الخارج لا يتصف بصفة ثبوتيه أصلاً؛
بل فرض هذا فى الخارج كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره.
ففرض عرض قائم بنفسه لاصفة له، كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما
ممتنع ، فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة ، وما كان صفة فلا بد له من
قائم بنفسه متصف به.
ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائماً بنفسه لا صفة له، سواء سموه
جوهراً أو جسما أو غير ذلك ، ويقولون : وجود جوهر معرى عن جميع
٩٩

الأعراض ممتنع ، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر
ما لا يعلم وجوده فى الخارج ولا يعلم إمكانه فى الخارج، فكيف إذا علم أنه
ممتنع فى الخارج عن الذهن .
وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع ، وإنما يمكن فرضه
فى العقل ، فالعقل يقدره فى نفسه ، كما يقدر ممتنعات، لا يعقل وجودها فى
الوجود ولا إمكانها فى الوجود.
وأيضاً ((فالرب تعالى)) إذا كان انصافه بصفات الكمال ممكناً - وما أمكن
له وجب -امتنع أن يكون مسلوباً صفات الکال، ففرض ذاته بدون صفاته
اللازمة الواجبة له فرض ممتنع .
وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعاً عموماً وخصوصاً : فقول القائل:
يكون مفتقراً إليها، وتكون مفتقرة إليه، إنما يعقل مثل هذا فى شيئين. يمكن
وجود كل واحد منهما دون الآخر ، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير .
ثم يقال له: ما تعنى بالافتقار ؟ أتعنى أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة
لها أو بالعكس؟ أم تغنى التلازم وهو أن لا يكون أحدهما إلا بالآخر ؟ فإن
عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل ، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته
اللازمة له ، بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته . فكيف تجعل صفاته
مفعولة له ، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته ؟ وإن عنيت التلازم
فهو حق .
١٠٠