النص المفهرس

صفحات 21-40

نذم محريف الكلم عن مواضعه ، ومخالفة الكتاب والسنة ، والقول فى
القرآن بالرأي .
(وتحقيق الجواب ) هو أن يقال: إما أن يكون قربه بنفسه القرب اللازم
ممكناً أو لا يكون. فإن كان ممكناً لم تحتج الآية إلى تأويل، وإن لم يكن ممكناً
حملت الآية على ما دل عليه سياقها ، وهو قربه بعلمه . وعلى هذا القول فإما أن
يكون هذا هو ظاهر الخطاب الذي دل عليه السياق أو لا يكون . فإن كان هو
ظاهر الخطاب فلا كلام؛ إذ لا تأويل حينئذ.
وإن لم يكن ظاهر الخطاب ؛ فإنما حمل على ذلك لأن الله تعالی قد بین فی
غير موضع من كتابه أنه على العرش وأنه فوق ، فكان ما ذكره فى كتابه
فى غير موضع أنه فوق العرش مع ما قرنه بهذه الآية من العلم دليلاً على أنه أراد
قرب العلم ؛ إذ مقتضى تلك الآيات ينافى ظاهر هذه الآية على هذا التقدير ،
والصريح يقضي على الظاهر ويبين معناه.
ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف
الكلام عن ظاهره ؛ إذ لا محذور فى ذلك عند أحد من أهل السنة ، وإن سمي
تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ، ولموافقة السنة والسلف
عليه؛ لأنه تفسير للقرآن بالقرآن؛ ليس تفسيراً له بالرأي . والمحذور إنما هو
صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم.
وللإمام أحمد - رحمه الله تعالى - رسالة فى هذا النوع، وهو ذكر
٢١

الآيات التى يقال: بينها معارضة، وبيان الجمع بينها وإن كان فيه مخالفة لما يظهر
من إحدى الآيتين ، أو حمل إحداهما على المجاز. وكلامه فى هذا أكثر من كلام
غيره من الأمّة المشهورين ؛ فإن كلام غيره أكثر ما يوجد فى المسائل العملية
وأما المسائل العلمية فقليل . وكلام الإمام أحمد كثير فى المسائل العلمية والعملية
لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك، ومن قال: إن مذهبه نفي ذلك فقد
افترى عليه والله أعلى .
والكلام على قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِإِذَا دَعَانٍ ) مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم لا تدعون أصم
ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق
راحلته)) فمن حمله على قرب نفسه قرباً لازماً أو عارضاً فلا كلام ، ومن قال:
المراد كونه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم وما يتبع ذلك . قال : دل عليه السياق
فلا يكون خلاف الظاهر . أو يقول : دل عليه ما فى القرآن والسنة من النصوص
التى تدل على أنه فوق العرش ، فيكون تفسير القرآن وتأويله بالكتاب
والسنة ، وهذا لا محذور فيه.
واعلى أن من الناس من سلك هذا المسلك فى نفس ((المعية))، ويقول : إنه
محمول على ما دل عليه السياق ؛ وإن كان خلاف ظاهر الإطلاق، أو محمول على
خلاف الظاهر لدلالة الآيات أن الله فوق العرش ، ويجعل بعض القرآن يفسر
بعضاً ، لكن نحن بينا أنه ليس فى ظاهر المعية ما يوجب ذلك؛ لأنا وجدنا جميع
٢٢

استعمالات ((مع)) فى الكتاب والسنة لا توجب الصالا واختلاطاً، فلم يكن بناحاجة
إلى أن نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه .
فأما لفظ ((القرب)) فهو مثل لفظ ((الدنو)) وضد القرب البعد، فاللفظ
ظاهر فى اللغة. فإما أن يحمل عليه، وإما أن يحمل على ما يقال إنه الظاهر الذي
دل عليه السياق ، أو على خلاف الظاهر لدلالة بقية النصوص. وقد روى
الطبرانى وغيره : أن ناسا سألوا النبى صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فتناجيه
أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ اُلَّاعِ إِذَا دَعَانِ ).
وصلى الله على محمد.
٢٣

وقال رحمه الله :-
فصل
قد كتبت قبل هذا فى ( الجزء الثانى من المرتب): الكلام فى ((قرب
العبد من ربه)) وذهابه إليه، و«قرب الرب من عبده)) وتجلى الرب له وظهوره
وما يعترف به المتفلسفة من ذلك؛ ثم المتكلمة، ثم أهل السنة، وأن مايثبته هؤلاء
من الحق يثبته أهل السنة .
ثم يثبت أهل السنة ((أشياء)) لا يعرفها أهل البدعة؛ لجهلهم وضلالهم:
اذكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.
ثم المعاني التى يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة
صحيحة جيدة ؛ لكن الضلال جاء من جهة نفيهم مازاد عليها ، وذلك مثل إثبات
المتفلسفة ((لواجب الوجود)) وأن ((الروح غير البدن)) وأنها باقية بعدفراق
البدن ، وأنها منعمة أو معذبة: نعيما وعذاباً روحانيين.
وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن، والنفس الصالحة، وغير الصالحة: كل
ذلك حق؛ لكن زعمهم أن لا معنى للنصوص إلا ذلك، وأن لا حق وراء ذلك،
٢٤

وأن ((الجنة)) و ((النار)) عبارة عن ذلك؛ وإنما الوصف المذكور فى الكتب
الإلهية أمثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحاني، وأن ((الملائكة)) و((الجن)) هي
أعراض وهي قوى النفس الصالحة والفاسدة، وأن ((الروح)) لا تتحرك؛ وإنما
ينكشف له حقائق الكون، فيكون ذلك قربها إلى الله، وأن معراج النبي هو
من هذا الباب، هذا النفي والتكذيب كفر.
وكذلك ما يثبته المتكلمة : من أن العبد يتقرب ببدنه وروحه إلى
((الأماكن المفضلة)) التى يظهر فيها نور الرب ، كالسموات والمساجد وكذلك
الملائكة فهذا صحيح ؛ لكن دعوا أنهم لا يتقربون إلى ذات الله، وأن الله
ليس على العرش ؛ فهذا باطل .
وإنما الصواب إثبات ذلك، وإثبات ما جاءت به النصوص أيضاً من قرب العبد
إلى ربه، وتجلى الرب لعباده بكشف الحجب المتصلة بهم والمنفصلة عنهم وأن القرب
والتجلى فيه على العبد الذي هو ظهور الحق له، وعمل العبد الذي هودنوه إلى ربه .
وقد تكلمت فى دنو الرب وقربه، وما فيه من النزاع بين أهل السنة .
ثم بعض المتسنة والجهال : إذا رأوا ما يثبته أولئك من الحق : قد يفرون من
التصديق به ؛ وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون أهل السنة فى ثبوته ؛ بل
الجميع صحيح.
وربما كان الإقرار بما اتفق على إثباته أم من الإقرار بما حصل فيه نزاع ؛
إذ ذلك أظهر وأبين وهو أصل للمتنازع فيه ؛ فيحصل بعض الفتنة فى نوع
٢٥

تكذيب ، ونفى: حال أو اعتقاد، كال المبتدعة فيبقى الفريقان فى بدعة
وتكذيب ، ببعض موجب النصوص ، وسبب ذلك أن قلوب المثبتة تبقى
متعلقة بإثبات ما نفته المبتدعة .
وفيهم نفرة عن قول المبتدعة ؛ بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له ،
فیعرضون عن ما يثبتونه من الحق أو ینفرون منه، أو یکذبون به ، کما قد یصیر
بعض جهال المتسلنة فى إعراضه عن بعض فضائل على وأهل البيت ؛ إذا رأى
أهل البدعة يغلون فيها ، بل بعض المسلمين يصير فى الإعراض عن فضائل موسى
وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك، حتى يحكى عن قوم من الجهال
أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا فى الحرب.
وعن بعض الجهال أنه قال: سبوا علياً كما سبوا عتيقكم، كفر بكفر؛
وإيمان بإيمان. ومثال ذلك فى ((باب الصفات )) أن العبد إذا عرف ربه وأحبه؛
بل لو عرف غير الله وأحبه وتألهه؛ يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم فى القلب
واللسان، وقد تقوى به شدة الوجد ، والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى
به عن نفسه .
كما قيل إن رجلاً كان يحب آخر ؛ فوقع المحبوب فى اليم. فألقى الآخر
نفسه خلفه، فقال : أنا وقعت فما الذي أوقعك ؟ فقال : غبت بك غنى ،
فظننت أنك أنی. وهذا كما قيل :
ومثواك فى قلبى؛ فأن تغيب ؟!
مثالك فى عيني . وذ كراك فى في
٢٦

وقال آخر :
لست أنساه فأذكره
ساكن فى القلب يعمره
[ ونصيى منه أوفره ]
هو مولی قد رضيت به
ولقوة الاتصال : زعم بعض الناس أن العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف
وآخرون يرون أن المحب قد يتحدبالمحبوب. وهذا إما غلط؛ وإما توسع فى العبارة فإنه
نوع اتحاد: هو اتحاد فى عين المتعلقات من نوع اتحاد فى المطلوب والمحبوب والمأمور
به ، والمرضى والمسخوط؛ واتحاد فى نوع الصفات، من الإرادة والمحبة، والأمر
والنهي ، والرضا، والسخط ، بمنزلة اتحاد الشخصين المتحابين. وهذا له تفصيل
نذكره فى غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا: أن المعروف المحبوب فى قلب العارف المحب : له أحكام
وأخبار صادقة ؛ كقوله تعالى: (وَهُوَالَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)
وقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وقوله تعالى: (وَأَنَّهُ.
) وقوله: ( سَبِحِ أُسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى). وقوله فى الاستفتاح:
تَعَلَىجَدُّ رَبِنَا
((سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ؛ ولا إله
غيرك)).
ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها ، يقربه كل أحد ؛
لكن أهل السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه أهل البدعة ؛ كما يقرون باستوائه
على العرش .
٢٧

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((عبدى مرضت فلم تعدني)) فيقول: أى
رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: ((أما علمت أن عبدي فلاناً
مرض ، فلو عدته لوجدتني عنده)).
فقد أخبر أنه عند عبده؛ وجعل مرضه مرضه، والإنسان قد تكون عنده
محبة وتعظيم لأمير أو عالم أو مكان ؛ بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ذكره،
وموافقته فى أقواله وأعماله ، فيقال: إن أحدهما الآخر ، كما يقال: أبو يوسف
أبو حنيفة .
ويشبه هذا من بعض الوجوه : ظهور الأجسام المستنيرة وغيرها فى
الأجسام الثقافة، كالمرآة المصقولة، والماء الصافى ونحو ذلك. بحيث ينظر
الإنسان فى الماء الصافى السماء ، والشمس والقمر والكواكب.
كما قال بعضهم :
إذا وقع السماء على صفاء كدر أنى يحركه النسيم ؟
ترى فيه السماء بلا امتراء كذاك البدر يبدو والنجوم
يرى فى صفوها الله العظيم
(١)
كذاك قلوب أرباب التجلى
وكذلك نرى فى المرآة صورة ما يقابلها من الشمس ، والقمر والوجوه
وغير ذلك .
(١) هذه الأبيات لم تتضح للناسخ لخرم فى الأصل. فلتحرر من مظانها .
٢٨

ثم قد يحاذى تلك المرآة مرآة أخرى ، فترى فيها الصورة التى رؤيت فى
الأولى، ويتسلل الأمر فيه. وهذه المرائى المنعكسة تشبه من وجه بعيد ظهور
اسم المحبوب المعظم فى الورق بالخط والكتابة سواء كان بمداد أو بتنقير أو بغير
ذلك ، فإنه هنا لم يظهر إلا حروف اسمه فى جسم لا حس له ولا حركة، وفى
الأجسام الصقلية ظهرت صورته ؛ لكن من غير شعور بالمظهر ولا حركة، فالأول
مظهر اسمه ، وهذا مظهر ذاته .
وأما فى قلوب العباد وأرواحهم: فيظهر المعروف المحبوب المعظم، وأسماؤه
فى القلب الذي يعلمه ويحبه . وذلك نوع أكمل وأرفع من غيره ، بل
ليس له نظير .
وإلى ذلك أشار بقوله: (كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ)
وهو الذي قال: ( وَمَنْ يَكْفُرَ بِآلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) وقال: (فَإِنْ ءَامَنُواْ
بِمِثْلِ مَآءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ ) وكذلك قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وقوله:
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) .
٢٩

فصل
فهذا القدر لا يخالف فيه عاقل ، فإنه أمر محسوس مدرك، وهو أقل
مراتب الإقرار بالله ؛ بل الإقرار بوجود أي شيء كان، وأقل مراتب عبادته
ومحبته والتقرب إليه، ثم مع ذلك هل يتحرك القلب، والروح العارفة المحبة أم
لا حركة لها إلا مجرد التحول من صفة إلى صفة؟ .
(الأول) مذهب عامة المسلمين ، وجمهور الخلق.
(والثاني ) قول المتفلسفة ومن اتبعهم؛ إذ عندم أن الروح لا داخل
البدن ولا خارجه ، ولا تتحرك ولا تسكن. وأما الجمهور فيقرون بتحركها نحو
المحبوب المطلوب كائناً ما كان . ويقر جمهور المتكلمين بأنها تتحرك إلى
المواضع المشرفة التى تظهر فيها آثار المحبوب وأنواره، كتحرك قلوب العارفين
وأبدانهم إلى السموات ، وإلى المساجد ونحو ذلك.
وكذلك تحرك ذلك إلى ذات المحبوب من المخلوقين كالأنبياء، والملائكة
وغيرهم ، وكل من الفريقين يقر بتجلى الرب وظهوره لقلوب العارفين ، وهو
٣٠

عندهم حصول الإيمان والعلم والمعرفة فى قلوبهم بدلاً من الكفر والجهل ؛ وهو
حصول المثل والحد والاسم فى السماء والأرض .
وأما حركة روح العبد أو بدنه إلى ذات الرب ،فلا يقر به من كذب بأن
اللّه فوق العرش، من هؤلاء المعطلة الجهمية، الذين كان السلف يكفرونهم،
ويرون بدعتهم أشد البدع، ومنهم من يرام خارجين عن الثنتين والسبعين
فرقة: مثل من قال إنه فى كل مكان، أو إنه لاداخل العالم ولا خارجه(١)؛ لكن عموم
المسلمين ، وسلف الأمة وأهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك؛ فيكون
العبد متقرباً بحركة روحه وبدنه إلى ربه ، مع إثباتهم أيضاً التقرب منهما إلى
الأماكن المشرفة، وإثباتهم أيضاً تحول روحه وبدنه من حال إلى حال.
(فالأول) مثل معراج النبى صلى الله عليه وسلم، وعروج روح العبد إلى
ربه، وقربه من ربه فى السجود وغير ذلك .
( والثانى): مثل الحج إلى بيته، وقصده فى المساجد.
( والثالث ): مثل ذكره له ودعائه ، ومحبته وعبادته، وهو فى بيته ؛ لكن
فى هذين يقرون أيضاً بقرب الروح أيضاً إلى الله نفسه ، فيجمعون بين
الأنواع كلها .
(١) بالأصل سطر لم يتضح للناسخ.
٣١

وأما نجليه لعيون عباده فأقرّ به المتكلمون الصفاتية؛ كالأشعرية والكلابية.
ومن نفى منهم علو الرب على العرش ، قال: هو بخلق الإدراك فى عيونهم
ورفع الحجب المانعة.
وأما أهل السنة: فيقرون بذلك، وبأنه يرفع حجباً منفصلة عن العبد، حتى
يرى ربه، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة .
٣٢

سئل شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية رحمه الله
عمن يقول : إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر
به، والعقل دل على تنزيه البارى عزَّ وجل عنه؛ فالأسلم للمؤمن أن يقول : هذا
((متشابه)) لا يعلم تأويله إلا الله. فقال له قائل: هذا لا بد له من ضابط، وهو
الفرق فى الصفات بين المتشابه وغيره؛ لأن دعوى التأويل فى كل الصفات
باطل، وربما أفضى إلى الكفر ، ويلزم منه أن لا يعلم لصفة من صفاته معنى،
فلا بد حينئذ من الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، فقال : كما دل دليل
العقل على أنه تجسيم كان ذلك متشابها . فهل هذا صحيح أم لا ؟ ابسطوا
القول فى ذلك .
فأجاب :- الحمد لله رب العالمين. هذه ((مسئلة)) كبيرة عظيمة القدر،
اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة
النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب فى هذا، وإنما نشأ
ذلك فى أوائل المائة الثانية لما ظهر (الجعد بن درهم)) وصاحبه ((الجهم بن
صفوان)) ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات .
٣٣

فظهرت مقالة الجهمية النفاة - نفاة الصفات - قالوا: لأن إثبات الصفات
يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك؛ لأن ((الصفات))
التى هي العلم، والقدرة ، والإرادة، ونحو ذلك، أعراض ومعان تقوم بغيرها ،
والعرض لا يقوم إلا بجسم، والله تعالى ليس بجسم ؛ لأن الأجسام لا تخلو
من الأعراض الحادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث .
قالوا : وبهذا استدللنا على حدوث الأجسام ؛ فإن بطل هذا بطل
الاستدلال على حدوث الأجسام، فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل
على إثبات الصفات .
قالوا: وإذا كانت الأعراض التى هي الصفات لا تقوم إلا بجسم ، والجسم
مركب من أجزائه، والمركب مفتقر إلى غيره ، ولا يكون غنياً عن غيره واجب
الوجود بنفسه ، والله تعالى غني عن غيره واجب الوجود بنفسه .
قالوا : ولأن الجسم محدود متناهي ؛ فلو كان له صفات لكان محدوداً
متناهیاً ؛ وذلك لا بد أن یکون له مخصص خصصه بقدر دون قدر ، وما افتقر
إلى مخصص لم يكن غنياً قديماً واجب الوجود بنفسه.
قالوا : ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسما ، ولو كان جسماً لكان
مماثلاً لسائر الأجسام، فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع عليها، وذلك
ممتنع على الله تعالى.
٣٤

وزاد الجهم فى ذلك هو والغلاة - من القرامطة والفلاسفة - نحو ذلك
فقالوا: وليس له اسم كالشيء والحي والعليم ونحو ذلك ؛ لأنه إذا كان له اسم
من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفاً بمعنى الاسم كالحياة والعلم ؛ فإن صدق
المشتق مستلزم لصدق المشتق منه؛ وذلك يقتضى قيام الصفات به، وذلك محال ؛
ولأنه إذا سمى بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن مشابهة الغير.
وزاد آخرون بالغلو فقالوا : لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال: موجود
ولا لا موجود، ولا حى ولا لاحى؛ لأن فى الإثبات تشبيهاً له بالموجودات ،
وفى النفي تشبهاً له بالمعدومات ، وكل ذلك تشبيه .
فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها ، وقابلوها
بما تستحق من الإنكار الشرعي ، وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شوكة
الجهمية فى أواخر ((المائة الأولى)) وأوائل ((الثانية)) فى دولة أولادالرشيد، فامتحنوا
الناس المحنة المشهورة التى دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن ولوازم ذلك :
مثل إنكار الرؤية والصفات ، بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض ؛ فلو
قام بذات الله لقامت به الأعراض، فيلزم التشبيه والتجسيم.
وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه ؛ فجعلوا صفاته من جنس
صفات المخلوقين، فأنكر السلف والأمة على الجهمية المعطلة، وعلى المشبهة الممثلة،
وكان إمام المعتزلة ((أبو الهذيل العلاف)) ونحوه من نفاة الصفات قالوا : يقتضي
أن يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك. قال هؤلاء: بل هو جسم، والجسم
٣٥

هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو غير ذلك من المقالات، وطعنوا فى أدلة نفاة
الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا.
ثم من هؤلاء من قال: هو جسم كالأجسام، ومنهم من وصفه بخصائص
المخلوقات، وحكي عن كل واحدة من الطائفتين مقالات شنيعة .
وجاء («أبو محمد بن كلاب)) فقال هو وأتباعه: هو الموصوف بالصفات ،
ولكن ليست الصفات أعراضا ؛ إذهي قديمة باقية لا تعرض ولا تزول، ولكن
لا يوصف بالأفعال القائمة به كالحركات ؛ لأنها تعرض وتزول.
فقال ابن كرام وأتباعه: لكنه موصوف بالصفات وإن قيل إنها أعراض،
وموصوف بالأفعال القائمة بنفسه وإن كانت حادثة . ولما قيل لهم : هذا يقتضي
أن يكون جسمها، قالوا: نعم هو جسم كالأجسام! وليس ذلك ممتنعاً دائما وإنما
الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتع ، ومنهم من قال : أطلق
لفظ الجسم لا معناه. وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة
فى غير هذا الموضع.
وأما ((السلف والآمة)) فلم يدخلوامع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من
نفي أو إثبات، بل اعتصموا بالكتاب والسنة، ورأوا ذلك هو الموافق لصريح
العقل ، فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقاً يجب
الإيمان به وإن لم تعرف حقيقة معناه، وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه
آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم ، فإن كان
٣٦

مراده حقاً موافقاً لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة: من نفي أو إثبات قلنا
به؛ وإن كان باطلاً مخالفاً لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا
القول به، ورأوا أن الطريقة التى جاء بها القرآن هى الطريقة الموافقة لصريح
المعقول وصحيح المنقول وهى طريقة الأنبياء والمرسلين .
وأن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بنفى مجمل وإثبات مفصل ؛ ولهذا قال
سبحانه وتعالى: (سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّ يَصِفُونَ * وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَاَلْحَمْدُ
لِلَِّرَبِّ الْعَلَمِينَ) فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين
لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وطريقة الرسل هى ما جاء بها القرآن ،
والله تعالى فى القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه .. على طريق
الإجمال -التشبيه والتمثيل.
فهو فى القرآن يخبر أنه بكل شىء عليم وعلى كل شىء قدير ، وأنه عزيز
حكيم غفور رحيم ، وأنه سميع بصير، وأنه غفور ودود، وأنه تعالى على عظم
ذاته- يحب المؤمنين ويرضى عنهم ، ويغضب على الكفار ويسخط عليهم ، وأنه
خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش ، وأنه كلم موسى
تكليماً، وأنه تجلى للجبل فجعله دكا؛ وأمثال ذلك.
ويقول فى النفي (لَيْسَ كِمِثْلِهِ شَىْءٌ)؛ (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (فَلَا تَضْرِ بُوْلَّهِ
الْأَمْثَالَ)، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ *
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ)، فيثبت الصفات وينفى مماثلة المخلوقات.
٣٧

ولما كانت طريقة السلف : أن يصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه
به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومخالفو
الرسل يصفونه بالأمور السلبية : ليس كذا ، ليس كذا. فإذا قيل لهم: فأثبتوه.
قالوا : هو وجود مطلق، أو ذات بلا صفات .
وقد على ((بصريح المعقول)) أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا فى الأذهان؛
لا فى الأعيان ، وأن المطلق لا بشرط لا يوجد فى الخارج مطلقاً ، لا يوجد
إلا معيناً ، ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات، بل إما أن يعطلوه
أو يجعلوه وجود المخلوقات أو جزأها أو وصفها، والألفاظ المجملة يكفون
عن معناها .
فإذا قال قوم: إن الله فى جهة أو حيز، وقال قوم: إن الله ليس فى جهة
ولا حيز ، استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده ؛ فإن لفظ الجهة والحيز
فيه إجمال واشتراك. فيقولون: ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق ، والله تعالى
منزه بائن عن مخلوقاته ؛ فإنه سبحانه خلق المخلوقات بائنة عنه ، متميزة عنه ، خارجة
عن ذاته، ليس فى مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا فى ذاته شيء من مخلوقاته، ولولم
يكن مبايناً لكان إما مداخلاً لها حالا فيها، أو محلالها، والله تعالى منزه عن ذلك.
وإما أن لا يكون مبايناً لها، ولا مداخلالها فيكون معدوماً والله تعالى
منزه عن ذلك .
والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون
٣٨

بذلك، وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئاً، ومثبتهم
يعبدون كل شىء ، ويقال أيضا فإذا كان ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق ،
فالخالق بائن عن المخلوق .
فإذا قال القائل : هو فى جهة أو ليس فى جهة. قيل له : الجهة أمر موجود
أو معدوم، فإن كان أمراً موجوداً؛ ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق
بائن عن المخلوق، لم يكن الرب فى جهة موجودة مخلوقة. وإن كانت الجهة أمراً
معدوماً بأن يسمى ما وراء العالم جهة ، فإذا كان الخالق مبايناً العالم، وكان ما وراء
العالم جهة مسماة وليس هو شيئاً موجوداً كان الله فى جهة معدومة بهذا الاعتبار.
لكن لا فرق بين قول القائل: هو فى معدوم ؛ وقوله ليس فى شىء غيره؛
فإن المعدوم ليس شيئاً باتفاق العقلاء .
ولاريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجوداً، وتارة معنى معدوماً،
بل المتكلم الواحد يجمع فى كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال ظهر
حقيقة الأمر ، فإذا قال القائل : لو كان فى جهة لكانت قديمة معه . قيل له :
هذا إذا أريد بالجهة أمر موجود سواه ، فالله ليس فى جهة بهذا الاعتبار.
وإذا قال : لو رؤى لكان فى جهة وذلك محال ؛ قيل له : إن أردت بذلك:
لكان فى جهة موجودة فذلك محال ؛ فإن الموجود يمكن رؤيته وان لم يكن
فى موجود غيره: كالعالم فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو فى عالم آخر. وإن
قال: أردت أنه لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدوماً ؛ فإنه إذا كان
٣٩

مبايناً للعالم سمى ما وراء العالم جهة. قيل له : فلم قلت : إنه إذا كان فى
جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعاً ؟ فإذا قال: لأن ما باين العالم ورؤي لا يكون
إلا جسما أو متحيزاً عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة.
فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره ، ويراد به ما بان عن غيره - فكان
متحيزاً عنه - فإن أردت بالمتحيز الأول لم يكن سبحانه متحيزاً ؛ لأنه بائن
عن المخلوقات لا يحوزه غيره، وإن أردت الثانى فهو سبحانه بائن عن المخلوقات
منفصل عنها ، ليس هو حالا فيها ولا متحداً بها.
فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل ، وإلا فكل من نفى شيئاً من
الأسماء والصفات سمى من أثبت ذلك مجسما قائلا بالتحيز والجهة . فالمعتزلة ونحوهم
يسمون الصفاتية - الذين يقولون: إن الله تعالى حى بحياة، عليم بعلم، قدير
بقدرة، سميع بسمع ، بصير بيصر ، متكلم بكلام ، يسمونهم - مجسمة مشبهة
حشوية ، والصفاتية هم السلف والأمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات : كالكلابية
والكرامية ، والأشعرية، والسالمية، وغيرهم من طوائف الأمة، قالت نفاة
الصفات من الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء : إذا أتتتم له حياة
وقدرة وكلاماً فهذه أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وإذا قلتم : يرى
فالرؤية لا تكون إلا لمعاين فى جهة، وهذا يستلزم التجسيم.
فإذا قالت الأشعرية ومن اتبعهم : نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها
أعراضاً؛ لأن العرض ما يعرض لمحله وهذه الصفات باقية لاتزول . قالت لهم
النفاة: هذا نزاع لفظي ؛ فإن العرض عندكم ينقسم إلى لازم لمحله لايفارقه - مادام
٤٠