النص المفهرس
صفحات 561-580
منقوض بالحوادث المستقبلة ؛ فإن كون الحادث ماضياً أو مستقبلاً أمر إضافي؛ ولهذا منع أمة هذا القول - جهم والعلاف - وجود حوادث لا تتناهى فى المستقبل ، وقال جهم بفناء الجنة والنار ، وقال العلاف بفناء الحركات، وهذا كله مبسوط فى موضع آخر. وصار ((طائفة أخرى)) قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء ــ كالرازى والآمدي وغيرها - يصفون الكتب الكلامية، فينصرون فيها ماذكره المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من ((حدوث العالم)) بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه، وهو امتناع حوادث لا أول لها، ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي ((المباحث الشرقية)) ونحوها ؛ ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول لها ، وأن الزمان والحركة والجسم لها بداية ، ثم ينقض ذلك كله ، ويجيب عنه ، ويقرر حجة من قال : إن ذلك لا بداية له. وليس هذا تعمداً منه لنصر الباطل ؛ بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية فى نظره وبحثه . فإذا وجد فى المعقول بحسب نظره ما يقدح به فى كلام الفلاسفة قدح به ، فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له، فهو يقدح فی کلام هؤلاء بما یظهر له أنه قادح فیهمن كلام هؤلاء ، وكذلك يصنع بالآخرين ومن الناس من بسىء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل ؛ وليس ٥٦١ كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث فى كل مقام بما يظهر له ، وهو متناقض فى عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئاً ثم ينقضه فى موضع آخر ؛ لأن المواد العقلية التى كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة ، تشتمل على كلام باطل - كلام هؤلاء وكلام هؤلاء : - فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه فى موضع آخر بما ينقض به. ولهذا اعترف فى آخر عمره فقال : لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق ((طريقة القرآن)» اقرأ فى الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) واقرأ فى النفي (لَيْسَ كَمِثْلِيهِ شَىْءٌ)، (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا) ، ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى . والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف فى عامة الأصول الكبار ، حتى إنه أورد على نفسه سؤالا فى تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جواباً ، وبنى إثبات الصانع على ذلك ؛ فلا يقرر فى كتبه لا إثبات الصانع ولا حدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئاً من الأصول التى يحتاج إلى معرفتها . والرازي - وإن كان يقرر بعض ذلك - فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه فى موضع آخر، لكن هو أحرص على تقرير الأصول التى يحتاج إلى معرفتها من ٥٦٢ الآمدي. ولو جمع ما تبرهن فى العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجد صريح المعقول مطابقاً لصحيح المنقول. لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول، وحصل اضطراب فى المعقول به ؛ فحصل نقص فى معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته ، فالعجز يكون عذراً للإنسان فى أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأمة فى أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به. وأما من قال من الجهمية ونحوهم : إنه قد يعذب العاجزين ، ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لا بد أن يعرف الحق ، وإن من لم يعرفه فلتفريطه ، لا لعجزه ، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا . فيقال ((لأرسطو وأتباعه)) من رأى دوام الفاعلية ولوازمها: العقل الصريح لا يدل على قدم شىء بعينه من العالم : لا فلك ولا غيره ؛ وإنما يدل على أن الرب لم يزل فاعلاً. وحينئذ فإذا قدر أنه لم يزل يخلق شيئا بعد شىء كان كل ما سواه مخلوقا محدثا مسبوقا بالعدم، ولم يكن من العالم شىء قديم، وهذا التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا تنفونه ؟! ونفس قدر الفعل هو ٥٦٣ المسمى بالزمان ، فإن الزمان إذا قيل : إنه مقدار الحركة ، كان جنس الزمان مقدار جنس الحركة ، لا يتعين فى ذلك أن يكون مقدار حركة الشمس أو الفلك. وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام، وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض ، وهو الدخان ثُمَّاُسْتَوَىَّ إِلَى السّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَا الذي هو البخار ، كما قال تعالى: ( ) ، وهذا الدخان هو بخار وَلِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوَعَا أَوْكَرْهَا قَالَتَّآ أَنْنَا طَآَبِعِينَ الماء الذي كان حينئذ موجوداً، كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين ، وكما عليه أهل الكتاب، كما ذكر هذا كله فى موضع آخر. وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة هذه الشمس وهذا الفلك ، فإن هذا مما خلق فى تلك الأيام ، بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى . وكذلك إذا شق الله هذه السموات، وأقام القيامة ، وأدخل أهل الجنة الجنة ، قال تعالى: (وَلَمْرِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا ). وقد جاءت الآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم بأنه تبارك وتعالى يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة ، وأن أعلام منزلة من يرى الله تعالى كل يوم مرتين ، وليس فى الجنة شمس ولا قمر، ولا هناك حركة فلك، بل ذلك الزمان مقدر بحركات ، كما جاء فى الآثار أنهم يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش . ٥٦٤ وإذا كان مدلول الدليل العقلى أنه لا بد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئاً بعد شيء ، فهذا إنما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام المحدث - الذي ذمه السلف والأئمة - الذين قالوا: إن الرب لم يزل معطلاً عن الفعل والكلام . فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم بصريح المعقول هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على من ابتدع فى ملته ما يخالف أقواله. وكان ما على بالشرع مع صريح العقل أيضا راد لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله بل القول ((بقدم العالم)) قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه ؛ فليس أهل الملة وحدهم تبطله ، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سوام من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب ، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم. وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن ، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شىء، والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء ، وأن هذا العالم كله مخلوق، والله خالقه وربه، وهذه الأمور مبسوطة فى موضعها . والمقصود هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة ((حديث النزول)) وأمثاله، وهما(الأصلان المتقدمان)) ومن تمام الأصل الثاني لفظ ((الحركة)) هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون ، وغيرهم من أهل الملل ، ٥٦٥ وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام، وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال . وهذه الثلاثة موجودة فى أصحاب الأئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وقد ذكر القاضى أبو يعلى الأقوال الثلاثة عن أصحاب الإمام أحمد فى «الروايتين والوجهين)) وغير ذلك من الكتب. وقبل ذلك ينبغي أن يعرف أن لفظ الحركة والانتقال والتغير والتحول ، ونحو ذلك ألفاظ مجملة؛ فإن المتكلمين إنما يطلقون لفظ الحركة على الحركة المكانية ، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الأول وشغل الثاني: حركة أجسامنا من حيز إلى حيز، وحركة الهواء والماء ، والتراب والسحاب، من حيز إلى حيز؛ بحيث يفرغ الأول ويشغل الثاني؛ فأكثر المتكلمين لا يعرفون للحركة معنى إلا هذا. ومن هنا نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة ؛ فإنهم ظنوا أن جميعها إنما تدل على هذا، وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا كالذين فهموا من نزوله إلى السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته ، فلا يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شىء، ولا يكون هو العلى الأعلى ، ويلزمهم أن لا يكون مستويا على العرش بحال كما تقدم. والفلاسفة يطلقون لفظ ((الحركة)) على كل ما فيه تحول من حال إلى حال. ويقولون أيضا: حقيقة الحركة هى الحدوث أو الحصول ، والخروج من القوة إلى الفعل يسيراً يسيراً بالتدريج. قالوا: وهذه العبارات دالة على معنى الحركة ٥٦٦ وقد يحدون بها الحركة . وهم متنازعون فی الرب تعالى هل تقوم به جنس الحركة ؟ على قولين. وأصحاب ((أرسطو)) جعلوا الحركة مختصة بالأجسام ، ويصفون النفس بنوع من الحركة؛ وليست عنده جسماً فيتناقضون. وكانت الحركة عنده ((ثلاثة أنواع)) فزاد ابن سينا فيها قسما رابعاً فصارت ((أربعة)). ويجعلون الحركة جنساً تحته أنواع: حركة فى الكيف، وحركة فى الكم. وحركة فى الوضع، وحركة فى الأين . ((فالحركة فى الكيف)) هي محول الشيء من صفة إلى صفة ؛ مثل اسوداده واحمراره واخضراره واصفراره ، ومثل مصيره حلواً وحامضاً ، ومثل تغير رائحته؛ وكذلك فى النفوس كعلم الإنسان بعد جهله، وحبه بعد بغضه ، وإيمانه بعد كفره، وفرحه بعد حزنه ، ورضاه بعد غضبه؛ كل هذه الأحوال النفسانية حركة فى الكيف، وهذا مما احتج به من جوز منهم الحركة، فإن إرادته لإحداث الشيء عندم حركة. و((الحركة فى الكم)) مثل امتداد الشيء، مثل كبر الحيوان بعد صغره، وطوله بعد قصره، ومثل امتداد الشجر والنبات وامتداد عروقه فى الأرض وأغصانه فى الهواء ، فهذا حركة فى المقدار والكمية ؛ كما أن الأول حركة فى الصفات والكيفية. ٥٦٧ وأما ((الحركة فى الوضع))؛ فمثل دوران الشيء فى موضع واحد، كدوران ((الفلك)) و ((المنجنون)) الذي يسمى الدولاب، وحركة الرحى وغير ذلك، فإنه لا ينتقل من حيز إلى حيز ؛بل حيزه واحد، لكن يختلف فى أوضاعه، فيكون الجزء منه تارة محاذياً للجهة العليا فيصير محاذياً للجهة السفلى ؛ أو للجهة اليمنى فيصير محاذياً للجهة اليسرى . وهذا النوع يقولون : إن ابن سينا زاده. ( والرابع ) : الحركة فى الأين وهي الحركة المكانية ، وهو انتقاله من حيز إلى حيز. وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل . فكل من فعل فعلاً فقد تحرك عندهم ؛ ويسمون أحوال النفس حركة ، فيقولون : تحركت فيه المحبة، وتحركت فيه الحمية، وتحرك غضبه، وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون: فيقال: سكن غضبه، قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَاُلْأَلْوَاحَ ) ، فوصف الغضب بالسكوت، وفى قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ومعاوية بن قرة ، وعكرمة : (ولما سكن) بالنون وعلى القراءة المشهورة (بالتاء ) قال المفسرون : سكت الغضب ، أي سكن . وكذلك قال أهل اللغة ؛ الزجاج وغيره. قال الجوهري : سكت الغضب مثل سكن ؛ فالسكون أخص ؛ فكل ٥٦٨ ساكت ساكن، وليس كل ساكن ساكتاً، وإذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا؛ وهذا وصف للأعراض النفسانية بالحركة والسكون. والأشعري قد استدل على أن الحركة وأنواعها لا تختص بالأجسام بما وجد من استعمالهم ذلك فى الأعراض ؛ قال: فإنهم يقولون: جاءت الحمى ، وجاء البرد ، وجاءت العافية ، وجاء الشتاء ، وجاء الحر. ونحو ذلك مما يوصف بالمجيء والإنيان من الأعراض . ومجيء هذه الأعراض هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى حال. فإن قيل : ما وصف بالحركة والسكون من هذه الأعراض فإنما هو لتحرك المحل الحامل لذلك العرض - وإلا فالعرض لا يقوم بنفسه، ولا يفارق محله ؛ فإن الحمى والحر والبرد يقوم بالهواء الذي يحمل الحر والبرد. وكذلك الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام ، وهذا حركة الدم ؛ فإذا سكن غليان الدم سكن الغضب . قيل: ليس الأمر كذلك ؛ بل هذا يستعمل فيما يحدث من الأعراض فى المحل شيئاً فشيئاً وإن لم يكن هناك جسم ينتقل معه كما تقدم من الحركة فى الكيفيات والصفات ؛ فإن الماء إذا سخن حدثت فيه الحرارة، وسخن الوعاء الذي فيه الماء من غير انتقال جسم حار إليه، وإذا وضع الماء المسخن فى المكان البارد برد من غير انتقال جسم بارد إليه . وكذلك الحمى حرارة أو برودة تقوم بالبدن من غير أن ينتقل إلى كل جزء ٥٦٩ من البدن جسم حار أو بارد . والغضب - وإن كان بعض الناس يقول : إنه غليان دم القلب فهو - صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنما ذلك أثره ؛ فإن حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإن مبدأ الغضب من النفس ، هي التى تتصف به أولا ، ثم يسري ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين ، وهو من الأحوال النفسانية ؛ لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وبيأس من ذلك ؛ فيغور دمه، والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة ؛ فينبسط دمه . والحركة والسكون والطمأنينة التى توصف بها النفس ليست مماثلة لما يوصف به الجسم ، قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ ) والاطمئنان هو السكون ؛ قال الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانا وطمأنينة: أي سكن، قال ) وكذلك تعالى: ( يَأَيَُّهَا النَّفْسُ اَلْمُطْمَسِنَّةُ * أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّضِيَّةً للقلوب سكينة تناسبها . قال تعالى: (هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَّعَ إِيَمَنِهِمْ). وكذلك ((الريب)) حركة النفس للشك، ومنه الحديث: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بظى حاقف فقال لا يريبه أحد)) ويقال : رابنى منه ريب، و ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وقال: ((الكذب ريبة والصدق طمأنينة)) فجعل الطمأنينة ضد الريبة وكذلك اليقين ضد الريب. واليقين يتضمن معنى ٥٧٠ الطمأنينة والسكون، ومنه ماء يقن وكذلك يقال: الزعج. وأزعجه فازعج أى أقلقه ويقال ذلك لمن قلقت نفسه ، ولمن قلق بنفسه وبدنه حتى فارق مكانه؛ وكذلك يقال: قلقت نفسه، واضطربت نفسه، ونحو ذلك من أنواع الحركة . ويسمى ما يألفه جنس الإنسان ويحبه سكناً ؛ لأنه يسكن إليه . ويقال : فلان يسكن إلى فلان ويطمئن إليه ويقال : القلب يسكن إلى فلان ، ويطمئن إليه ، إذا كان مأمونا معروفاً بالصدق؛ فإن الصدق يورث الطمأنينة والسكون. وقد سميت الزوجة سكنا، قال تعالى: ( خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُوْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )، وقال: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) ؛ فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه وبدنه جميعاً. وقد يكون بدن الشخص سا كناً ونفسه متحركة حركة قوية، وبالعكس قد يسكن قلبه، وبدنه متحرك. والمحب للشيء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه ؛ ولهذا يقال : العشق حركة نفس فارغة . فالقلوب تتحرك إلى الله تعالى بالمحبة والإنابة والتوجه ، وغير ذلك من أعمال القلوب وإن كان البدن لا يتحرك إلى فوق . فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)). ومع هذا فبدنه أسفل ما يكون. فينبغى أن يعرف أن الحركة جنس تحته أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك. وما يوصف به نفس الإنسان من إرادة ومحبة وكراهة وميل ونحو ذلك ٥٧١ كلها فيها تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس، وذلك حركة لها بحسبها؛ ولهذا يعبر عن هذه المعانى بألفاظ الحركة ، فيقال: فلان يهفو إلى فلان كما قيل : یہفو إلی البان من قلی نوازعه وما بی البان بل من دارة البان وهذا اللفظ يستعمل فى حركة الشىء الخفيف بسرعة ، كما يقال : هنا الطائر بجناحه ، أي خفق وطار ، وهفا الشيء فى الهواء إذا ذهب كالصوفة ونحوها، ومر الظى يهفو ، أي يطفر، ومنه قيل للزلة: هفوة، كما سميت زلة، والزلة حركة خفيفة، وكذلك الهفوة. وكذلك يسمى المحب المشتاق الذى صار حبه أقوى من العلاقة ((صباً)» وحاله صبابة ، وهو رقة الشوق وحرارته، والصب المحب المشتاق، وذلك لانصباب قلبه إلى المحبوب كما ينصب الماء الجاري ، والماء ينصب من الجيل، أى ينحدر . فلما كان فى انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة الصب («صبابة)) وهذا يستعمل فى المحبة المحمودة والمذمومة . ومنه الحديث: ((أن أبا عبيدة رضى الله عنه لما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم فى سرية بكى صبابة وشوقاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم)). والصبابة والصب متفقان فى الاشتقاق الأكبر . والعرب تعاقب بين الحرف المعتل ٥٧٢ والحرف المضعف كما يقولون : تقضى البازى وتقضض، وصبا يصبو : معناه مال، وسمي الصبى صبيا لسرعة ميله. قال الجوهرى: والصى أيضاً من الشوق، يقال منه تصابى ، وصبا يصبو صبوة وصبواً ، أى مال إلى الجهل والفتوة ، وأصبته الجارية . وقد يستعمل هذا فى الميل المحمود على قراءة من قرأ : (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّبِينَ ) بلا همزة فى قراءة نافع ، فإنه لا يهمز ((الصابئين)) فى جميع القرآن. وبعضهم قد حمده الله تعالى؛ وكذلك يقال : حن إليه حنيناً ، ومنه حنا فى الاشتقاق الأكبر يحنو عليه حنواً . قال الجوهري : حنوت عليه عطفت عليه ، ويخنى عليه ، أى يعطف ، مثل نحنن، كما قال الشاعر : فكيف تحنيها وأنت تهينها تحنى عليك النفس من لاعج الهوى وقال : الحنين : الشوق وتوقان النفس ، ويقال حن إليه يحن حنينا ، فهو حان والحنان الرحمة يقال حن عليه يحن حنانا، ومنه قوله تعالى: (وَحَنَانَامِن لَُّنَا وَزَكَوَةً) والحنان بالتشديد : ذو الرحمة ، وتحنن عليه ترحم، والعرب تقول: حنانيك يارب وحنانك بمعنى واحد، أى رحمتك، وهذا كلام الجوهرى. وفى الأثر فى تفسير ((الحنان ، المنان)): أن الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الذى يبدأ بالنوال قبل السؤال ، وهذا باب واسع . ٥٧٣ والمقصودهنا أن هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة ، والحركة العامة هي التحول من حال إلى حال ؛ ومنه قولنا: لا حول ولا قوة الا بالله. وفى ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى رضي الله عنه: ((ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله)). وفى ((صحيح مسلم)) وغيره، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قال المؤذن: الله أكبر؛ فقال الرجل: الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله الا الله؛ فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة؛ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: حي على الفلاح ، فقال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال : الله أكبر الله أكبر فقال: الله أكبر الله أكبر. فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال ، والقوة هي القدرة على ذلك التحول ؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال ، ولا قدرة على ذلك إلا بالله . ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول : لا حول من معصيته إلا بعصمته ؛ ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. والصواب الذى عليه الجمهور هو التفسير الأول وهو الذى يدل عليه ٥٧٤ اللفظ ، فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية ، وكذلك القوة لا يختص بالقوة على الطاعة ، بل لفظ الحول يعم كل تحول. ومنه لفظ ((الحيلة)) ووزنها فعلة بالكسر، وهي النوع المختص من الحول كما يقال: الجلسة، والقعدة، واللبسة، والإكلة، والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي النوع الخاص، وهو بالفتح المرة الواحدة . فالحيلة أصلها حولة، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء ، كما فى لفظ ميزان وميقات وميعاد وزنه مفعال ؛ وقياسه موزان وموقات ؛ لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء ، قال تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) من الحيل ؛ فإنها نكرة فى سياق النفي فتعم جميع أنواع الحيل. وكذلك لفظ ((القوة)) قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَةً ثُمَّجَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَةِضَعْفًا وَشَيْبَةً ) ولفظ القوة قد يراد به ما كان فى القدرة أكمل من غيره ؛ فهو قدرة أرجح من غيرها، أو القدرة التامة. ولفظ ((القوة)) قد يعم القوة التى فى الجمادات بخلاف لفظ القدرة ؛ فلهذا كان المنفى بلفظ القوة أشمل وأكمل . فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن قدرة إلا به بطريق الأولى. وهذا باب واسع. والمقصودهنا أن الناس متنازعون فى جنس ((الحركة العامة)) التى تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية كالغضب والرضا والفرح، ٥٧٥ وكالدنو والقرب والاستواء والنزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال : (أحدها ) قول من ينفي ذلك مطلقاً وبكل معنى ، فلا يجوز أن يقوم بالرب شيء من الأمور الاختيارية. فلا يرضى على أحد بعد أن لم يكن راضياً عنه، ولا يغضب عليه بعد أن لم يكن غضبان ، ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة؛ ولا يتكلم مشیئه وقدرته إذا قيل إنذلك قائم بذاته . وهذا القول أول من عرف بهم ((الجهمية، والمعتزلة)) وانتقل عنهم إلى الكلابية والأشعرية والسالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة: كأبى الحسن التميمى ، وابنه أبى الفضل ، وابن ابنه رزق الله ، والقاضي أبي يعلى ، وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغونى ، وأبى الفرج بن الجوزى ؛ وغير هؤلاء من أصحاب أحمد - وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض كلامه - وكأبى المعالي الجويني وأمثاله من أصحاب الشافعي، وكأبى الوليد الباجي وطائفة من أصحاب مالك ، وكأبى الحسن الكرخي وطائفة من أصحاب أبى حنيفة. ( والقول الثانى): إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرم من طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة. وأما الذين أثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل فى ذلك قيام الأمور والأفعال ٥٧٦ الاختيارية بذاته؛ فهذا قول طوائف غير هؤلاء: كأبي الحسين البصرى، وهو اختيار أبى عبد الله بن الخطيب الرازي ، وغيره من النظار، وذكر طائفة: أن هذا القول لازم لجميع الطوائف. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة فى كتاب نقضه على بشر المريسي ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث ، وذكره حرب بن إسماعيل الكرمانى: لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر عن أهل السنة والحديث قاطبة وذكر ممن لقى منهم على ذلك: أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه، وعبد الله ابن الزبير الحميدى ، وسعيد بن منصور. وهو قول أبى عبد الله ابن حامد وغيره . وكثير من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن لا يطلق هذا اللفظ لعدم مجىء الأثر به، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره فى كلامهم علی حدیث النزول. والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث : هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتى وينزل ، وغير ذلك من الأفعال اللازمة. قال ((أبو عمرو الطلمنكى)): أجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن ٥٧٧ الله يأتى يوم القيامة والملائكة صفاً صفاً لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء، قال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ) وقال تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا). قال: وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون فى ذلك شيئاً، ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح قال : وسألت يحيى بن معين عن النزول فقال نعم. أقر به ، ولا أحد فيه حدا . (والقول الثالث ) الإمساك عن النفي والإثبات ، وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء والصوفية - كابن بطة وغيره. وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات. والذي يجب القطع به أن الله ليس كمثله شيء فى جميع ما يصف به نفسه. فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين فى شىء من الأشياء فهو مخطئ قطعاً، كمن قال إنه ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش؛ فيكون نزوله تفريغاً لمكان وشغلا لآخر ؛ فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه كما تقدم. ٥٧٨ وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية ؛ فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه الأعلى، وقال: (سَيِّعَ أَسْمَرَِّكَ الْأَعْلَى ). فإن كان لفظ العلو لا يقتضي علو ذاته فوق العرش ؛ لم يلزم أن يكون على العرش . وحينئذ فلفظ النزول ونحوه بتأول قطعاً، إذ ليس هناك شيء يتصور منه النزول . وإن كان لفظ العلو يقتضي علو ذاته فوق العرش ، فهو سبحانه الأعلى من كل شيء، كما أنه أكبر من كل شيء. فلو صار تحت شيء من العالم لكان بعض مخلوقاته أعلى منه ، ولم يكن هو الأعلى ، وهذا خلاف ما وصف به نفسه . وأيضاً فقد أخبر: أنه ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) فإن لم يكن استواؤه على العرش يتضمن أنه فوق العرش؛ لم يكن الاستواء معلوماً ، وجاز حينئذ ألا يكون فوق العرش شيء؛ فيلزم تأويل النزول وغيره . وإن كان يتضمن أنه فوق العرش فيلزم استواؤه على العرش ، وقد أخبر أنه استوى عليه لما خلق السموات والأرض فى ستة أيام وأخبر بذلك عند إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بألوف من السنين ، ودل ٥٧٩ كلامه على أنه عند نزول القرآن مستو على عرشه فإنه قال: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَ آَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ يَعْلَمُ مَايَلِحُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَّا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ). وفى حديث الأوعال الذي رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وغيرها لما مرت سحابة قال النبى صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: السحاب قالوا: السحاب قال : والمزن : قالوا : والمزن ، وذكر السموات وعددها وكم بين كل سمادين، ثم قال : والله فوق عرشه ، وهو يعلم ما أنتم عليه)). وکذلك فی حدیث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير ابن مطعم، قال: ((أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يارسول الله جهدت الأنفس، وجاع العيال ، وهلكت الأموال، وهلكت الأنعام ؛ فاستسق الله لنا ، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك ! أتدري ما تقول؟! وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك فى وجوه أصحابه ، ثم قال : ويحك أتدري ما الله ؟ إن الله على عرشه ، وعرشه على سمواته مثل القبة ، وأشار بيده )) . ٥٨٠