النص المفهرس
صفحات 541-560
دوام فعل الله ، وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم ، وجعلوا ذلك أصل دين المسلمين ، فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث ، وما لا يخلو عن الحوادث. فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها يكون معها أو بعدها ، وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث. وكثير منهم لا يذكر على ذلك دليلاً لكون ذلك ظاهراً ، إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين. لكن من تفطن منهم للفرق، فإنه يذكر دليلاً على ذلك بأن يقول: الحوادث لا تدوم بل يمتنع وجود حوادث لا أول لها. ومنهم من يمنع أيضاً وجود حوادث لا آخر لها ، كما يقول ذلك إماما هذا الكلام: الجهم بن صفوان وأبو الهذيل: ولما كان حقيقة هذا القول أن الله سبحانه لم يكن قادراً على الفعل فى الأزل؛ بل صار قادراً على الفعل بعد أن لم يكن قادراً عليه؛ كان هذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء، حتى إنه كان من البدع التى ذكروها: من بدع الأشعري فى الفتنة التى جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع، والقصة مشهورة. ثم إن أهل الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة والجهمية ومن اتبعهم من سائر الطوائف يقولون : إن دين الإسلام إنما يقوم على هذا الأصل، وأنه لا يعرف أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا ٥٤١ الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل، فلا بد من إثبات العلم بالصانع أولا ، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه. قالوا : وهذا لا يمكن معرفته إلا بهذه الطريقة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الصانع فيما زعموا إلا بمعرفة مخلوقاته ، ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات إلا بهذه الطريق فيما زعموا ، ويقول أكثرم : أول ما يجب على الإنسان معرفة الله؛ ولا يمكن معرفته إلا بهذا الطريق. ويقول كثير منهم : إن هذه طريقة إبراهيم الخليل عليه السلام المذكورة فى قوله (لَآ أُحِبُّ الْأَّفِينَ) قالوا: فإن إبراهيم استدل بالأفول - وهو الحركة والانتقال - على أن المتحرك لا يكون إلهاً. قالوا : ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفاً لذلك من وصف الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبياً لم يعرف إلا بهذا الدليل العقلي فلو قدح فى ذلك لزم القدح فى دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله، وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي يقولون إنه عارض السمع والعقل . ونقول إذا تعارض السمع والعقل امتح تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السمع دون العقل ؛ لأن العقل هو أصل السمع ، فلو جرح أصل الشرع كان جرحاً له . ولأجل هذه الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية ، وقالوا : ٥٤٢ القرآن مخلوق ؛ ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار ؛ ولأجلها قال العلاف بفناء حركاتهم ؛ ولأجلها فرع كثير من أهل الكلام ؛ كما قد بسط فى غير هذا الموضع. فقال لهم الناس : أما قولكم إن هذه الطريق هي الأصل فى معرفة دين الإسلام ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام . فإنه من المعلوم لكل من علم حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما جاء به من الإيمان والقرآن، أنه لم يدع الناس بهذه الطريق أبداً ، ولا تكلم بها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، فكيف تكون هي أصل الإيمان ؟! والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس إيماناً لم يتكلموا بها ألبتة، ولا سلكها منهم أحد . والذين علموا أن هذه طريق مبتدعة حزبان ؛ (حزب) ظنوا أنها صحيحة فى نفسها ، لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها وغموضها وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل . وهذا قول جماعة كالأشعري فى رسالته إلى الثغر، والخطابي والحليمي، والقاضي أبي يعلي، وابن عقيل ، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء. ( والثاني) : قول من يقول : بل هذه الطريقة باطلة فى نفسها، ولهذا ذمها السلف، وعدلوا عنها . وهذا قول أئمة السلف كابن المبارك، والشافعي، وأحمد ٥٤٣ ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي يوسف، ومالك بن أنس، وابن الماجشون: عبد العزيز، وغير هؤلاء من السلف. وحفص الفرد لما ناظر الشافعي فى مسألة القرآن - وقال القرآن مخلوق، وكفره الشافعي - كان قد ناظره بهذه الطريقة. وكذلك أبو عيسى - محمد بن عيسى برغوث - كان من المناظرين للإمام أحمد بن حنبل فى مسألة القرآن بهذه الطريقة . وقد ذكر الإمام أحمد فى رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون إن الله لا يتكلم ولا يتحرك. وأما عبد الله بن المبارك فكان مبتلى بهؤلاء فى بلاده، ومذهبه فى مخالفتهم كثير وكذلك الماجشون فى الرد عليهم، وكلام السلف فى الرد على هؤلاء كثير وقال لهم الناس : إن هذا الأصل الذي ادعيتم إثبات الصانع به ، وأنه لا يعرف أنه خالق للمخلوقات إلا به ، هو بعكس ما قلتم ، بل هذا الأصل يناقض كون الرب خالقاً للعالم ، ولا يمكن مع القول به القول بحدوث العالم ؛ ولا الرد على الفلاسفة . فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة ؛ لا للإسلام نصروا ، ولا لعدوه كسروا ، بل كان ما ابتدعوه مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم ، فأفسدوا عقله ودينه ٥٤٤ واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين ، وفتحوا لعدو الإسلام بابا إلى مقصوده . فإن حقيقة قولهم - إن الرب لم يكن قادراً، ولا كان الكلام والفعل ممكناً له، ولم يزل كذلك دائماً مدة ، أو تقدير مدة لا نهاية لها، ثم إنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك ، وجعلوا مفعوله هو فعله، وجعلوا فعله ولرادة فعله قديمة أزلية والمفعول متأخراً ، وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح - وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة ، وأنكروا صفاته ورؤيته ، وقالوا كلامه مخلوق ؛ وهو خلاف دين الإسلام. والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا يريد جميع المرادات بإرادة واحدة، وكل كلام تكلم به أو يتكلم به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض ، وإذا رُؤي رُؤي لا بمواجهة، ولا بمعاينة، وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت؛ ثم لما وجدت لم يقم به أمر موجود؛ بل حاله قبل أن يسمح ويبصر كماله بعد ذلك؛ إلى أمثال هذه الأقوال التى تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح. ثم لما رأت ((الفلاسفة)) أن هذا مبلغ على هؤلاء، وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء، وعلموا فساد هذا ، أظهروا قولهم بقدم العالم، واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع ؛ بل لا بد لكل متجدد من سبب حادث، ٥٤٥ وليس هناك سبب ؛ فيكون الفعل دائماً ، ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو: أنه إذا كان دائماً؛ لزم قدم الأفلاك والعناصر. ثم إنهم لما أرادوا تقرير ((النبوة)) جعلوها فيضاً يفيض على نفس النبى من العقل الفعال أو غيره ؛ من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا، ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، ولا يعلم الجزئيات، ولا نزل من عنده ملك ، بل جبريل هو خيال يتخيل فى نفس النبى أو هو العقل الفعال ، وأنكروا : أن تكون السموات والأرض خلقت فى ستة أيام ، وأن السموات تنشق وتنفطر ، وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم . وزعموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور مما يخيل إليهم بما ينتفعون به من غير أن يكون الأمرفى نفسه كذلك، ومن غير أن تكون الرسل بينت الحقائق ، وعلمت الناس ما الأمر عليه. ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي صلى الله عليه وسلم. و((حقيقة قولهم)» أن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس، وهل كانوا جهالا على قولين لهم . إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر الصريح والكذب البين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ٥٤٦ وقد بين فى غير هذا الموضع : أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل ، وإن تظاهروا بالإسلام ؛ فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولم ذلك ؟ قال: لأنهم كانوا يسرون نفاقهم ، وهم اليوم يعلنونه . ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب منه؛ فإن هؤلاء إنما ظهروا فى الإسلام فى أثناء ((الدولة العباسية)) وآخر ((الدولة الأموية)) لما عربت الكتب اليونانية ونحوها ، وقد بسط الرد عليهم فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم لم يكن الأمر كما قالوه ، بل هم فتحوالهم دهليز الزندقة ، ولهذا يوجد كثير ممن دخل فى هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين: كابن عربي وابن سبعين وغيرهما . وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين ، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله؛ فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عياناً . ودعوام أن هذه طريقة إبراهيم الخليل فى قوله: (لَآ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ): كذب ظاهر على إبراهيم ، فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير ، وهو من الأمور الظاهرة فى اللغة، وسواء أريد بالأفول ذهاب ضوء ٥٤٧ القمر والكواكب بطلوع الشمس، أو أريد به سقوطه من جانب المغرب ؛ فإنه إذا طلعت الشمس يقال : إنها غابت الكواكب واحتجبت ، وإن كانت موجودة فى السماء ، ولكن طمس ضوء الشمس نورها . وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية فى طلوع الشمس بعد أفول القمر ، وإبراهيم عليه السلام لم يقل: (لَآ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ) لما رأى الكوكب يتحرك؛ والقمر والشمس ، بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب . فإن كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - كما ادعوهـ كانت قصة إبراهيم حجة عليهم ؛ فإنه لم يجعل بزوغه وحركته فى السماء إلى حين المغيب دليلاً على نفي ذلك ؛ بل إنما جعل الدليل مغيبه . فإن كان ما ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحاً فإنه حجة على نقيض مطلوبهم، وعلى بطلان كون الحركة دليل الحدوث . لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا، ولا كان قوله: ( هَذَارَتِی ) أنه رب العالمين، ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكباً من الكواكب خلق السموات والأرض، وكذلك الشمس والقمر ، ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك؛ بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب ويدعونها ويبنون لها الهياكل ، ويعبدون فيها أصنامهم، وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين؛ لا الصابئين الحنفاء، وهم الذين صنف صاحب ((السر المکتوم فی السحر ومخاطبة النجوم)» کتابه علی دینهم . ٥٤٨ وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك، وكانوا قبل ظهور دين المسيح عليه السلام، وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هيا كلهم : هذا هيكل المشتري ، وهذا هيكل الزهرة. وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ؛ وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال. والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين يعبدون الكواكب والأصنام، ويصنعون السحر، وكذلك أهل مصر وغيرهم. وجمهور المشركين كانوا مقرين برب العالمين، والمنكر له قليل مثل فرعون ونحوه. وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع ، ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل : ( أَفَرَءَ يْتُمُمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ) فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين، وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَّزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَ وُاْمِنْكُمْ وَمِمَّاتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِكَفَرْنَا بِكُرْوَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّ قَوْلَ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الَّهِمِن شَىْءٍ ) وقال الخليل عليه السلام: ( أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ * وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقال تعالى فى سورة الأنعام؛ (فَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِى بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُوْنِى فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ: إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَرَقِّ ٥٤٩ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَ كْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَّا فَتِىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَمُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) قال الله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآءَاتَّيْنَهَ إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). ولما فسر هؤلاء «الأفول)» بالحركة ، وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه دخلت الملاحدة من هذا الباب ، ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول بالإمكان الذي ادعوه حيث قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة، وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين . قالوا: فقول إبراهيم (لَا أُحِبُّ الَّفِينَ) أي لا أحب الممكن المعلول وإن كان قديماً أزلياً . وأين فى لفظ الأفول ما يدل على هذا المعنى؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه. وجاء بعده من جنس من زاد فى التحريف فقال: المراد ((بالكواكب والشمس والقمر)) هو النفس والعقل الفعال والعقل الأول. وقد ذكر ذلك أبو حامد الغزالي فى بعض كتبه ، وحكاه عن غيره فى بعضها . وقال هؤلاء الكواكب والشمس والقمر لا يخفى على عاقل أنها ليست رب العالمين، بخلاف النفس والعقل . ودلالة لفظ الكوكب والشمس والقمر على هذه المعانى لو كانت موجودة ٥٥٠ من عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية ، كما يتأولون العلميات مع العمليات، ويقولون : الصلوات الخمس معرفة أسرارنا، وصيام رمضان كتمان أسرارنا ، والحج هو الزيارة لشيوخنا المقدسين. وفتح لهم هذا الباب ((الجهمية، والرافضة)) حيث صار بعضهم يقول: الإمام المبين على بن أبى طالب ، والشجرة الملعونة فى القرآن بنو أمية، والبقرة المأمور بذبحها عائشة، واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين . وقد شاركهم فى نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين كالذين يقولون: (وَاُلِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِسِنِينَ * وَهَذَا الْبَدِالْأَمِينِ )، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، وكذلك قوله: ( كَزَرَعْ أَخْرَجَ شَطْعَهُ) أبو بكر (فَازَرَهُ) عمر (فَاسْتَغْلَظَ) هو عثمان (فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) هو على. وقول بعض الصوفية: (أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى ) هو القلب ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تَذْ بَحُو ◌ْبَقَرَةً ) هي النفس. وأمثال هذه التحريفات. لكن منها ما يكون معناه صحيحاً، وإن لم يكن هو المراد باللفظ ، وهو الأكثر فى إشارات الصوفية. وبعض ذلك لا يجعل تفسيراً ؛ بل يجعل من باب الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية كما فى قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب)). فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدى بها إلا القلوب ٥٥١ الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب ، فالمعانى التى تحبها الملائكة لا تدخل قلباً فيه أخلاق الكلاب المذمومة، ولا تنزل الملائكة على هؤلاء، وهذا لبسطه موضع آخر. والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام لما فتحوا «باب القياس الفاسد فى العقليات ، والتأويل الفاسد فى السمعيات))؛ صار ذلك دهليزاً للزنادقة الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة فى العقليات ، والقرمطة فى السمعيات ، وصار كل من زاد فى ذلك شيئاً دعاه إلى ماهو شر منه؛ حتى انتهى الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائح المعلومة كلها ، كما قال لهم رئيسهم بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة. ولهذا قال من قال من السلف : البدع بريد الكفر ، والمعاصي بريد النفاق . ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع أن معنى كون الله خالقاً لكل شيء هو ما تقدم: أنه لم يزل غير فاعل لشيء ، ولا متكلم بشيء، حتى أحدث العالم؛ لزمهم أن يقولوا : إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه . فإنه لو كان له كلام قديم ، أوكلام غير مخلوق؛ لزم قدم العالم على الأصل الذى أصلوه، لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته . وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة ؛ فهذا لم يكن يتصوره ٥٥٢ أحد من العقلاء ، ولا نعرف أن أحداً قاله، بل ولا يخطر ببال جماهير الناس، حتى أحدث القول به ابن كلاب. وإنما ألجأه إلى هذا: أن أولئك المتكلمين لما أظهروا موجب أصلهم ، وهو القول بأن القرآن مخلوق، أظهروا ذلك فى أوائل المائة الثانية ، فلما سمع ذلك علماء الأمة أنكروا ذلك ، ثم صار كلما ظهر قولهم أنكره العلماء - وكلام السلف والأمة فى إنكار ذلك مشهور متواتر - إلى أن صار لهؤلاء المتكلمين الكلام المحدث فى دولة المأمون عن ، وأدخلوه فى ذلك، وألقوا إليه الحجج التى لهم. وقالوا إما أن يكون العالم مخلوقاً أو قديماً . وهذا الثانى كفر ظاهر، معلوم فساده بالعقل والشرع . وإذا كان العالم مخلوقاً محدثاً بعد أن لم يكن ؛ لم يبق قديم إلا الله وحده. فلو كان العالم قديماً؛ لزم أن يكون مع الله قديم آخر. وكذلك الكلام إن كان قائماً بذاته ؛ لزم دوام الحوادث وقيامها بالرب وهذا يبطل الدليل الذى اشتهر بينهم على حدوث العالم. وإن كان منفصلاً عنه لزم وجود المخلوق فى الأزل ؛ وهذا قول بقدم العالم. فلما امتحن الناس بذلك واشتهرت هذه المحنة وثبت الله من ثبته من أئمة السنة، وكان الإمام - الذى ثبته اللّه وجعله إماماً للسنة حتى صار أهل العلم بعد ظهور المحنة يمتحنون الناس به ، فمن وافقه كان سنياً، وإلا كان بدعياً - هو الإمام أحمد بن حنبل ، فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ٥٥٣ وكان ((المأمون)) لما صار إلى الثغر بطرسوس كتب بالمحنة كتاباً إلى نائبه بالعراق («إسحاق بن إبراهيم))، فدعا العلماء والفقهاء والقضاة؛ فامتنعوا عن الإجابة والموافقة ، فأعاد عليه الجواب ، فكتب كتاباً ثانياً يقول فيه عن القاضيين: بشر بن الوليد ، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا فاضرب أعناقهما ، ويقول عن الباقين إن لم يجيبوا فقيدم فأرسلهم إلي. فأجاب القاضيان، وذكر الأصحابها أنها مكرهان، وأجاب أكثر الناس قبل أن يقيدم لما رأوا الوعيد، ولم يجب سنة أنفس فقيدم ، فلما قيدوا أجاب الباقون إلا اثنين: أحمد بن حنبل، ومحمد ابن نوح النيسابورى ؛ فأرسلوهما مقيدين إليه ؛ فمات محمد بن نوح فى الطريق ومات المأمون قبل أن يصل أحمد إليه وتولى أخوه أبو إسحاق وتولى القضاء أحمد بن أبي دؤاد ، وأقام أحمد بن حنبل فى الحبس من سنة ثمانى عشرة إلى سنة عشرين . ثم إنهم طلبوه وناظروه أياماً متعددة، فدفع حججهم وبين فسادها ، وأنهم لم يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وأنه ليس لهم أن يبتدعوا قولاً ويلزموا الناس بموافقتهم عليه ، ويعاقبوا من خالفهم. وإنما يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله ؛ ويعاقب من عصى الله ورسوله؛ فإن الإيجاب والتحريم ، والثواب والعقاب، والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ؛ ليس لأحد فى هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله؛ ومحريم ٥٥٤ ما حرمه الله ورسوله ، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله. وجرت فى ذلك أمور يطول شرحها . ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن أمره، وأنهم معطلة للصفات يقولون: إن الله لا يرى، ولا له علم، ولا قدرة، وإنه ليس فوق العرش رب؛ ولا على السموات إله ؛ وإن محمداً لم يعرج به إلى ربه ، إلى غير ذلك من أقوال الجهمية النفاة ؛ كثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة، وبالكلام الحق تارة ؛ وبالباطل تارة. وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل وعلم ودين . ومن قال : إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى فى المسلمين _ كما يذكره طائفة فى مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك - فهذا كذب عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم ؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد فى الرد على الجهمية؛ وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته فى القرآن؛ ويستعينون بمثل هذا الكلام الذى هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه. ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا م شر منه ، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم . ٥٥٥ وكان «أبو الحسن الأشعرى)) لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبى محمد ابن كلاب، فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبي علي الأهوازي يذكرون فى مثالب أبى الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم عليه ، لأن الأشعرى بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيرهحتى جعلهم فى قمع السمسمة . ((وابن كلاب)) لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذى ابتدعوه فى دين الإسلام ، بل وافقهم عليه. وهؤلاء الذين يذمون ابن كلاب والأشعرى بالباطل ثم من أهل الحديث . والسالمية من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والأشعري على هذا، موافق للجهمية على أصل قولهم الذى ابتدعوه . وهم إذا تكلموا فى ((مسألة القرآن)) وأنه غير مخلوق أخذوا كلام ابن كلاب والأشعرى فناظروا به المعتزلة والجهمية ، وأخذوا كلام الجهمية والمعتزلة فناظروا به هؤلاء ، وركبوا قولاً محدثاً من قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد من السلف ، ووافقوا ابن كلاب والأشعرى وغيرهما على قولهم : إن القرآن قديم، واحتجوا بما ذكره هؤلاء على فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم. وهم مع هؤلاء. وجمهور المسلمين يقولون : إن القرآن العربى كلام الله، وقد تكلم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إن الحروف والأصوات قديمة الأعيان ، أو الحروف ٥٥٦ بلا أصوات ، وإن الباء والسين والميم مع تعاقبها فى ذاتها فهي أزلية الأعيان لم نزل ولا تزال ؛ كما بسطت الكلام على أقوال الناس فى القرآن فى موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف، وابن كلاب أحدث ما أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية فى قلبه ، وقد بین فساد قولهم بنفي علو اللّه ونفي صفاته . وصنف كتباً كثيرة فى أصل التوحيد والصفات ، وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه ، ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وكذلك ذكرها الحارث المحاسبى فى كتاب ((فهم القرآن)) وغيره ؛ بين فيه من علو الله واستوائه على عرشه ما بين به فساد قول النفاة ؛ وفرح الكثير من النظار الذين فهموا أصل قول المتكلمين وعلموا ثبوت الصفات لله، وأنكروا القول بأن كلامه مخلوق؛ فرحوا بهذه الطريقة التى سلكها ابن كلاب: كأبى العباس القلانسي ، وأبى الحسن الأشعرى ، والثقفي؛ ومن تبعهم: كأبى عبد الله بن مجاهد ، وأصحابه ، والقاضي أبى بكر ، وأبي إسحاق الإسفرائينى، وأبى بكر بن فورك، وغير هؤلاء. وصار هؤلاء يردون على المعتزلة مارده عليهم ابن كلاب والقلانسي ٥٥٧ والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات ، فيبينون فساد قولهم : بأن القرآن مخلوق وغير ذلك ، وكان فى هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى فى الآخرة، وإثبات الصفات والقدر ، وغير ذلك من أصول السنة. لكن (( الأصل العقلي)» الذي بنى عليه ابن كلاب قوله فى كلام الله وصفاته هو أصل الجهمية والمعتزلة بعينه ، وصاروا إذا تكلموا فى خلق الله السموات والأرض وغير ذلك من المخلوقات إنما يتكلمون بالأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم؛ فيقولون قول أهل الملة، كما نقله أولئك، ويقررونه بحجة أولئك. وكانت ((محنة الإمام أحمد)) سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم ، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم . فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته هو هذا القول الذى يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم ، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل ؛ طمعوا فى تغيير الملة . فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود ، كما فعلته قرامطة البحرين . وكان قبلهم قد فعل بابك الخرمي مع المسلمین ما هو مشهور . وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الباقلانى وغيره من كشف أسرار ٥٥٨ ((الباطنية)) وهتك أستارهم فإنه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية. وصاروا يحتجون فى كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها أرسطو وأتباعه من الفلاسفة ، وهو أن الحركة يمتنع أن يكون لها ابتداء ، ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء، ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلا ؛ فصار هؤلاء الفلاسفة وهؤلاء المتكلمون كلاهما يستدل على قوله بالحركة . فأرسطو وأتباعه يقولون: إن الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد أن لم يكن ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلاً بعد أن لم يكن ؛ ولأنه من المعلوم بصريح المعقول أن الذات إذا كانت لا تفعل شيئاً ثم فعلت بعد أن لم تفعل ؛ فلا بد من حدوث حادث من الحوادث، وإلا فإذا قدرت على حالها وكانت لا تفعل فهي الآن لا تفعل فإذا كانت الآن تفعل ؛ لزم دوام فعلها . ويقولون : قبل وبعد مستلزم للزمان، فمن قال بحدوث الزمان لزمه القول بقدمه من حیث هو قائل بحدوثه. ويقولون : الزمان مقدار الحرکة فیلزم من قدمه قدمها ، ويلزم من قدم الحركة قدم المتحرك - وهو الجسم - فيلزم ثبوت جسم قديم، ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو الفلك؛ ولكن ليس لهم على هذا حجة كما قد بسط فى موضع آخر . وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية يردون عليهم ، ويدعون أن القادر المختار يرجح أحد المقدورين المتماثلين على الآخر الماثل له بلا سبب أصلاً ، وعلى هذا الأصل بنوا كون الله خالقاً للمخلوقات . ٥٥٩ ثم نفاة الصفات يقولون: رجح بمجرد القدرة، وكذلك أصل القدرية. والمعتزلة جمعت بين الأمرين . وأما المثبتة كالكلابية والكرامية فيدعون أنه رجح بمشيئة قديمة أزلية . وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء. ولهذا صار كثير من المصنفين فى هذا الباب كالرازي ، ومن قبله من أَّة الكلام والفلسفة - كالشهرستاني ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة - لا يوجد عندهم إلا العلة الفلسفية، أو القادرية المعتزلية أو الإرادية الكلابية. وكل من الثلاثة منكر فى العقل والشرع؛ ولهذا كانت بحوث الرازي فى مسألة القادر المختار فى غاية الضعف من جهة المسلمين ، وهي على قول الدهرية أظهر دلالة . واحتج أهل الكلام المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويقولون : لو وجدت حوادث لا أول لها ؛ لكنا إذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل الهجرة، وقابلنا بينهما؛ فإما أن يتساويا- وهو ممتنع - لأنه يكون الزائد مثل الناقص ، وإما أن يتفاضلا ، فيكون فيما لا يتناهى تفاضلاً وهو ممتنع. ويذكرون حججاً أخرى قد بسط الكلام عليها فى غير هذا الموضع . وقد تكلم الناس فى هذه ((الحجة)) ونحوها ، وبينوا فسادها ؛ بأن التفاضل إنما يقع من الطرف المتناهي لا من الطرف الذي لا يتناهى، وبأن هذا ٥٦٠