النص المفهرس

صفحات 521-540

فإذا كان العرش مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض ، فكيف يكون استواؤه
عمده إلى خلقه له؟ لو كان هذا يعرف فى اللغة: أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد
إلى فعله، وهذا لا يعرف قط فى اللغة ، لا حقيقة ولا مجازاً ، لا فى نظم ولا فى نثر.
ومن قال: استوى بمعنى عمد: ذكره فى قوله: ( ثُمَّ سْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ
دُخَانٌ ) ، لأنه عدي بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا،
ولا يقال: عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر فى تلك الآية
لا يعرف فى اللغة أيضاً ، ولا هو قول أحد من مفسري السلف ؛ بل المفسرون
من السلف قولهم بخلاف ذلك كما قدمناه عن بعضهم .
وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع فى الإسلام لما ظهر إنكار أفعال الرب
التى تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره؛ فينئذ صار يفسر القرآن
من يفسره بما ينافى ذلك كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما يوافق أقاويلهم.
وأما أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا ، بل أقوال السلف الثابتة
عنهم متفقة فى هذا الباب ؛ لا يعرف لهم فيه قولان ؛ كما قد يختلفون أحياناً
فى بعض الآيات . وإن اختلفت عباراتهم فمقصوده واحد وهو إثبات علو الله
على العرش .
فإن قيل ، إذا كان اللّه لا يزال عالياً على المخلوقات كما تقدم، فكيف يقال:
ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم علا على العرش؟ قيل : هذا كما أخبر
٥٢١

أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروى ((ثم يعرج)) وهو سبحانه لم يزل
فوق العرش، فإن صعوده من جنس نزوله . وإذا كان فى نزوله لم يصر شيء
من المخلوقات فوقه؛ فهو سبحانه يصعد وإن لم يكن منها شيء فوقه.
وقوله: ( ثُمَّ سْتَوَّإِلَى السَّمَاءِ) إنما فسروه بأنه ارتفع، لأنه قال قبل
أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُّرُونَ ◌ِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَ تَحْعَلُونَ لَهُ : أَنْدَادَأْ ذَلِكَ رَبُّ
هذا ؛(
وَجَعَلَ فِيَهَارَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَفِيهَا أَقْوَتَهَافِ أَرْبَعَةِ آَيَّامٍ
*
اُلْعَلَمِينَ
ثُمَّاُسْتَوَىَّإِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْتِيَاطَوْعًا أَوْكَرْهَا
*
سَوَاءٌ لِلِسَّآئِلِينَ
فَقَضَمُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِیَوْمَيْنِ ) وهذهنزلت فى سورة
*
قَالَتَا أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ
(حم) بمكة. ثم انزل الله فى المدينة سورة البقرة ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمِّ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ
الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) فلما ذكر أن استواءه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض
وخلق ما فيها؛ تضمن معنى الصعود لأن السماء فوق الأرض، فالاستواء
إليها ارتفاع إليها .
فإن قيل : فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات
والأرض فى ستة أيام ، فقبل ذلك لم يكن على العرش؟ قيل، الاستواء علو خاص،
فكل مستو على شىء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه .
ولهذا لا يقال لكل ما كان عالياً على غيره إنه مستو عليه ، واستوى عليه ،
٥٢٢

ولكن كل ما قيل فيه إنه استوى على غيره ؛ فإنه عال عليه : والذي أخبر الله أنه
كان بعد خلق السموات والأرض ((الاستواء) لا مطلق العلو ، مع أنه يجوز أنه
كان مستوياً عليه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، ثم
لما خلق هذا العالم كان عالياً عليه ولم يكن مستوياً عليه؛ فلما خلق هذا العالم
استوى عليه ؛ فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له كما أن عظمته
وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما ((الاستواء)) فهو فعل يفعله سبحانه وتعالى بمشيئته
وقدرته؛ ولهذا قال فيه: ( ثُمَّاُسْتَوَىّ). ولهذا كان الاستواء من الصفات
السمعية المعلومة بالخبر . وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الإثبات من
الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع ، وهذا اختيار أبي محمد بن كلاب
وغيره ، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جماهير أهل السنة والحديث
ونظار المثبتة .
وهذا الباب ونحوه إنما اشتبه على كثير من الناس ؛ لأنهم صاروا يظنون
أن ما وصف الله عز وجل به من جنس ما توصف به أجسامهم ، فيرون ذلك
يستلزم الجمع بين الضدين ؛ فإن كونه فوق العرش مع نزوله يمتنع فى مثل
أجسامهم ، لكن مما يسهل عليهم معرفة إمكان هذا معرفة أرواحهم وصفاتها
وأفعالها، وأن الروح قد تعرج من النائم إلى السماء وهي لم تفارق البدن، كما
قال تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ
الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى ) وكذلك الساجد ، قال
٥٢٣

النبي صلى الله عليه وسلم ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)). وكذلك
تقرب الروح إلى الله فى غير حال السجود مع أنها فى بدنه . ولهذا يقول
بعض السلف : القلوب جوالة : قلب يجول حول العرش ، وقلب يجول
حول الحش .
وإذا قبضت الروح عرج بها إلى الله فى أدنى زمان ، ثم تعاد إلى البدن
فتسأل وهي فى البدن . ولو كان الجسم هو الصاعد النازل لكان ذلك فى مدة
طويلة ، وكذلك ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم من حال الميت فى قبره
وسؤال منكر ونكير له، والأحاديث فى ذلك كثيرة.
وقد ثبت فى ((الصحيحين)) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أقعد الميت فى قبره أتى ثم شهد
أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَاوَفِي الْآَخِرَةِ ).
وكذلك فى ((صحيح البخاري)) وغيره عن قتادة، عن أنس، عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد إذا وضع فى قبره - وذهب أصحابه حتى إنه
ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له : ما كنت تقول فى هذا
الرجل محمد؟ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقول له انظر إلى مقعدك من
النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة)). قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيراهما جميعاً)).
٥٢٤

وأما الكافر والمنافق فيقول : هاه، هاه ، لا أدري كنت أقول ما يقول
الناس ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ، فيقال له : لا دريت ولا
تليت ، ويضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه
إلا الثقلين)).
والناس فى مثل هذا على ((ثلاثة أقوال)) منهم من ينكر إقعاد الميت مطلقاً
لأنه قد أحاط ببدنه من الحجارة والتراب ما لا يمكن قعوده معه، وقد يكون فى
صخر يطبق عليه، وقد يوضع على بدنه ما يكشف فيوجد بحاله ونحو ذلك. ولهذا
صار بعض الناس إلى أن عذاب القبر إنما هو على الروح فقط كما يقوله ابن ميسرة
وابن حزم. وهذا قول منكر عند عامة أهل السنة والجماعة .
وصار آخرون إلى أن نفس البدن يقعد على ما فهموه من النصوص .
وصار آخرون يحتجون بالقدرة وبخبر الصادق ، ولا ينظرون إلى
ما يعلم بالحس والمشاهدة وقدرة الله حق ، وخبر الصادق حق؛ لكن الشأن
فی فهمھم .
وإذا عرف أن النائم يكون نائماً وتقعد روحه وتقوم وتمشي وتذهب
وتتكلم وتفعل أفعالاً وأموراً باطن بدنه مع روحه ، ويحصل لبدنه وروحه
بها نعيم وعذاب؛ مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق،
٥٢٥

وأعضاءه ساكنة، وقد يتحرك بدنه لقوة الحركة الداخلة ، وقد يقوم ويمشي
ويتكلم ويصيح لقوة الأمر فى باطنه؛ كان هذا مما يعتبر به أمر الميت فى قبره؟
فإن روحه تقعد ومجلس وتسأل وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه ؛ مع
کونه مضطجعاً فى قبره. وقد یقوی الأمر حتى يظهر ذلك فى بدنه ، وقد یری
خارجاً من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه ويمشي
ويخرج من قبره ، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين فى قبورهم ، وقد
شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ، ومن يقعد بدنه أيضاً إذا قوي الأمر
لكن هذا ليس لازماً فى حق كل ميت؛ كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس
لازماً لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر.
وقد عرف أن أبداناً كثيرة لايأ كلها التراب كأبدان الأنبياء وغير الأنبياء
من الصديقين ، وشهداء أحد، وغير شهداء أحد، والأخبار بذلك متواترة. لكن
المقصود أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من إفعاد الميت مطلقاً هو متناول
لقعودهم ببواطنهم، وإن كان ظاهر البدن مضطجعاً .
ومما يشبه هذا إخباره صلى الله عليه وسلم بما رآه ليلة المعراج من الأنبياء
فى السموات ، وأنه رأى آهم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون
وموسى وإبراهيم، صلوات الله وسلامه عليهم، وأخبر أيضاً أنه رأى موسى قائماً
يصلي فى قبره؛ وقد رآه أيضاً فى السموات . ومعلوم أن أبدان الأنبياء فى القبور
إلا عيسى وإدريس. وإذا كان موسى قائماً يصلي فى قبره، ثم رآه فى السماء
٥٢٦

السادسة ، مع قرب الزمان ؛ فهذا أمر لا يحصل للجسد . ومن هذا الباب أيضاً
نزول الملائكة صلوات الله عليهم وسلامه : جبريل وغيره .
فإذا عرف أن ما وصفت به الملائكة وأرواح الآدميين من جنس الحركة
والصعود والنزول وغير ذلك لا يماثل حركة أجسام الآدميين ، وغيرها مما نشهده
بالأبصار فى الدنيا ، وأنه يمكن فيها ما لا يمكن فى أجسام الآدميين ، كان
ما يوصف به الرب من ذلك أولى بالإمكان، وأبعد عن مماثلة نزول الأجسام ،
بل نزوله لا يماثل نزول الملائكة وأرواح بني آدم ، وإن كان ذلك أقرب من
نزول أجسامهم.
وإذا كان قعود المت فی قبره ليس هومثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار
عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ ((القعود والجلوس)) فى حق الله تعالى حديث
جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وغيرهما أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد.
٥٢٧

فصل
نزاع الناس فى معنى ((حديث النزول)) وما أشبهه فى الكتاب والسنة من
الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب سبحانه وتعالى مثل المجيء، والإتيان، والاستواء
إلى السماء وعلى العرش ، بل وفى الأفعال المتعدية مثل الخلق، والإحسان،
والعدل وغير ذلك، هو ناشئ عن نزاعهم فى أصلين:
( أحدهما ): أن الرب تعالى هل يقوم به فعل من الأفعال ؛ فيكون خلقه
السموات والأرض فعلاً فعله غير المخلوق ، أو أن فعله هو المفعول، والخلق
هو المخلوق ؟
على قولين معروفين :
و (الأول) هو المأثور عن السلف ، وهو الذي ذكره البخاري فى
((كتاب خلق أفعال العباد)) عن العلماء مطلقاً، ولم يذكر فيه نزاعا. وكذلك
ذكره البغوي وغيره مذهب أهل السنة ، وكذلك ذكره أبو على الثقفى
والضبعي وغيرهما من أصحاب ابن خزيمة فى ((العقيدة)) التى اتفقواهم وابن خزيمة
على أنها مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره الكلاباذي فى كتاب((التعرف لمذهب
٥٢٨

التصوف)) أنه مذهب الصوفية وهو مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم ،
وبعض المصنفين فى ((الكلام)) كالرازي ونحوه ينصب الخلاف فى ذلك معهم فيظن
الظان أن هذا مما انفردوا به، وهو قول السلف قاطبة،وجماهير الطوائف، وهو
قول جمهور أصحاب أحمد ، متقدموم كلهم وأكثر المتأخرين منهم ، وهو أحد
قولى القاضي أبي يعلى. وكذلك هو قول أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث
وأكثر أهل الكلام: كالهشامية أو كثير منهم والكرامية كلهم، وبعض المعتزلة
وكثير من أساطين الفلاسفة : متقدمیهم ومتأخريهم.
وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية، وأكثر المعتزلة والأشعرية إلى
أن الخلق هو نفس المخلوق ، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا
إبداع إلا المخلوقات أنفسها ، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين ؛ إذا قالوا
بأن الرب مبدع كابن سينا وأمثاله .
و(الحجة المشهورة) لهؤلاء المتكلمين أنه لو كان خلق المخلوقات بخلق
لكان ذلك الخلق إما قديماً وإما حادثاً . فإن كان قديماً لزم قدم كل مخلوق،
وهذا مكابرة. وإن كان حادثاً ، فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به، وإن لم يقم
به كان الخلق قائماً بغير الخالق، وهذا ممتنع . وسواء قام به أو لم يقم به يفتقر ذلك
الخلق إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ، هذا عمدتهم .
و (جواب السلف والجمهور) عنها بمنع مقدماتها ، كل طائفة تمنح مقدمة،
ويلزمهم ذلك إلزاما لا محيد لهم عنه .
٥٢٩

أما ( الأولى) فقولهم: لو كان قديماً لزم قدم المخلوق؛ يمنعهم ذلك من
يقول: بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق، والمخلوق محدث، كما يقول ذلك من
يقوله من الكلابية والحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل
الحديث ، وقالوا: أنتم وافقتمونا على أن إرادته قديمة أزلية مع تأخر المراد ،
كذلك الخلق هو قديم أزلي وإن كان المخلوق متأخراً. ومهما قلتموه فى الإرادة
ألزمناكم نظيره فى الخلق.
وهذا جواب إلزامي جدلي لا حيلة لهم فيه.
وأما ( المقدمة الثانية ) وهي قولهم: لو كان حادثاً قائماً بالرب لزم قيام
الحوادث وهو ممتنع؛ فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث ، وأساطين
الفلاسفة وكثير من متقدميهم ومتأخريهم، وكثير من أهل الكلام: كالهشامية
والكرامية، وقالوا: لا نسلم انتفاء اللازم ، وسيأتى الكلام إن شاء الله تعالى
على ذلك فى ((الأصل الثانى)).
وأما ( الثالث ) فقولهم : إن لم تقم به فهو محال ؛ فهذا لم يمنعهم إياه إلا
طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم ، فمنهم من قال : بل الخلق يقوم
بالمخلوق، ومنهم من يقول : بل الخلق ليس فى محل كما تقول المعتزلة البصريون :
فعل بإرادة لا فى محل ، وهذا ممتنع لا أعرفه عن أحد من السلف وأهل الحديث
والفقهاء والصوفية والفلاسفة.
٥٣٠

وأما ( المقدمة الرابعة ) وهي قولهم : الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر؛
فقد منعهم من ذلك عامة من يقول بخلق حادث من أهل الحديث والكلام
والفلسفة والفقه والتصوف وغيرهم: كأبى معاذ التومني ، وزهير الابرى،
والهشامية، والكرامية ، وداود بن على الأصبهانى، وأصحابه، وأهل الحديث،
والسلف الذين ذكرم البخاري وغيره ، وقالوا: إذا خلق السموات والأرض
بخلق، لم يلزم أن يحتاج ذلك الخلق إلى خلق آخر، ولكن ذلك الخلق يحصل
بقدرته ومشيئته وإن كان ذلك الخلق حادثاً .
والدليل على فساد إلزامهم أن الحادث إما أن يكفي فى حصوله القدرة
والمشيئة، وإما أن لا يكفي . فإن لم يكف ذلك ؛ بطل قولهم إن المخلوقات
تحدث بمجرد القدرة والإرادة بلا خلق ، وإذا بطل قولهم؛ تبين أنه لا بد
للمخلوق من خالق خلقه، وهو المطلوب. وإن كفى فى حصول المخلوق القدرة
والمشيئة جاز حصول هذا الخلق الذي يخلق به المخلوقات بالقدرة والمشيئة، ولم
يحتج إلى خلق آخر ؛ فتبين أنه على كل تقدير ؛ لا يلزم أن يقال: خلقت المخلوقات
بلا خلق ، بل يجوز أن يقال : خلقت بخلق ، وهو المطلوب .
وتبين أن النفاة ليس لهم قط حجة مبنية على مقدمة إلا وقد نقضوا تلك
المقدمة فى موضع آخر ؛ فمقدمات حجتهم كلها منتقضة.
وأيضاً فمن المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل لا يكون إلا
٥٣١

يفعل يقوم بذاته. وأما نفس فعله القائم بذاته فلا يفتقر إلى فعل آخر ، بل يحصل
بقدرته ومشيئته ؛ ولهذا كان القائلون بهذا يقولون : إن الخلق حادث ، ولا
يقولون هو مخلوق، وتنازعوا هل يقال : إنه محدث ؟ على قولين.
وكذلك يقولون : إنه بتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه هو حديث ، وهو
أحسن الحديث . وليس بمخلوق باتفاقهم، ويسمى حديثاً وحادثاً . وهل يسمى
محدثاً ؟ على قولين لهم. ومن كان من عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على
المخلوق المنفصل - كما كان هذا الاصطلاح هو المشهور عند المتناظرين الذين
تناظروا فى القرآن فى محنة الإمام أحمد رحمه الله، وكانوا لا يعرفون للمحدث
معنى إلا المخلوق المنفصل - فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن
يقال القرآن محدث ، بل من قال إنه محدث فقد قال إنه مخلوق .
ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على (داود)) لما كتب إليه أنه تكلم
بذلك؛ فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة.
وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله
غير مخلوق ، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه ؛ وهو قول غير واحد من أمة
السلف ، وهو قول البخاري وغيره .
والنزاع فى ذلك بين أهل السنة ((لفظي))؛ فإنهم متفقون على أنه ليس
بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة:
٥٣٢

كأحمد وأمثاله، والبخاري وأمثاله، وداود وأمثاله، وابن المبارك وأمثاله،
وابن خزيمة ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وابن أبى شيبة وغيرم ؛ متفقين على أن
الله يتكلم بمشيئته وقدرته؛ ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم؛ وأول من شهر
عنه أنه قال ذلك هو ابن كلاب.
وكان ((الإمام أحمد)» يحذر من الكلابية ، وأمر بهجر الحارث المحاسبى
لكونه كان منهم. وقد قيل عن الحارث أنه رجع فى القرآن عن قول ابن كلاب
وأنه كان يقول : إن الله يتكلم بصوت . وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي فى
كتاب (( التعرف لمذهب التصوف)).
والمقصودهنا: أن قول القائل: لو كان خلقه للأشياء ليس هو الأشياء
لافتقر الخلق إلى خلق آخر فيكون الخلق مخلوقاً : ممنوع . بل الخلق يحصل
بقدرة الرب ومشيئته، والمخلوق يحصل بالخلق .
(وأما المقدمة الخامسة) وهو أن ذلك يفضى إلى التسلسل ؛ فهذه المقدمةتقال
على وجهين:
( أحدهما ) أن الخلق يفتقر إلى خلق آخر ، وذلك الخلق إلى خلق آخر
كما تقدم.
(والثاني ) أن يقال : هب أنه لا يفتقر إلى خلق، لكن يفتقر إلى سبب
يحصل به الخلق . وإن لم يسم ذلك خلقاً ، وذلك السبب إنما تم عند وجود
٥٣٣

الخلق ؛ فتمامه حادث ، وكل حادث فلا بد له من سبب ؛ إذ لو كان ذلك الخلق
لا يفتقر إلى سبب حادث للزم وجود الحادث بلا سبب حادث. وإن قيل: إن
السبب التام قديم ؛ لزم من ذلك تأخر المسبب عن سببه التام؛ وهذا ممتع .
وهنا للقائلين بأن الخلق غير المخلوق وأن الخلق حادث ثلاثة أجوبة:
(أحدها ) قول من يقول: الخلق الحادث لا يفتقر إلى سبب حادث لا إلى
خلق ولا إلى غيره ؛ قالوا : أنتم يا معشر المنازعين كلكم يقول إنه قد يحدث
حادث بلا سبب حادث ، فإنه من قال: المخلوق غير الخلق ؛ فالمخلوقات كلها حادثة
عنده بلا سبب حادث، ومن قال : الخلق قديم فلا ريب أن القديم لا
اختصاص له بوقت معين ؛ فالمخلوق الحادث فى وقته المعين له لم يحصل له
سبب حادث .
قالوا : وإذا كان هذا لازماً علی کل تقدير ؛ لم يخص جوابه ، بل نقول
المخلوق حدث بالخلق ، والخلق حصل بقدرة الله ومشيئته القديمة من غير افتقار
إلى سبب آخر ، وهذا قول كثير من الطوائف من أهل الحديث والكلام
كالكرامية وغيرهم.
( الجواب الثاني) قول من يقول من المعتزلة : إن الخلق الحادث قائم
بالمخلوق أو قائم لا بمحل ، كما يقولون فى الإرادة إنها حادثة لا فى محل من غير
سبب اقتضى حدوثها، بل أحدثها بمجرد القدرة.
٥٣٤

(الجواب الثالث): جواب معمر وأصحابه الذين يسمون ((أهل المعاني))
فإنهم يقولون بالتسلسل فى آن واحد، فيقولون: إن الخلق له خلق وللخلق
خلق، وللخلق خلق آخر ، وهلم جرا لا إلى نهاية ، وذلك موجود كله فى آن
واحد، وهذا مشهور عنهم.
و (الجواب الرابع ) قول من يقول: الخلق الحادث يفتقر إلى سبب حادث
وكذلك ذلك السبب، وهلم جرا. وهذا يستلزم دوام نوع ذلك، وهذا غير
ممتع ؛ فإن مذهب السلف أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وكلماته لا نهاية لها،
وكل كلام مسبوق بكلام قبله لا إلى نهاية محدودة ، وهو سبحانه يتكلم
بقدرته ومشيئته .
وكذلك يقولون: الحي لا يكون إلا فعالاً، كما قاله البخاري، وذكره عن
نعيم بن حماد . وعثمان بن سعيد، وابن خزيمة وغيرم، ولا يكون إلا متحركا،
كما قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره، وكل منهما يذكر أن ذلك مذهب أهل
السنة. وهكذا يقول ذلك من أساطين الفلاسفة من ذكر قوله بذلك فى غير
هذا الموضع من متقدميهم ومتأخريهم.
قالوا وهذا تسلسل فى الآثار ، والبرهان إنما دل على امتناع التسلسل
فى المؤثرين فإن هذا مما يعلم فساده بصريح المعقول، وهو مما اتفق العقلاء
على امتناعه ، كما بسط الكلام عليه فى موضع آخر .
٥٣٥

فأما كونه سبحانه وتعالى يتكلم كلمات لا نهاية لها وهو يتكلم بمشيئته
وقدرته ، فهذا هو الذي يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، وهو
مذهب سلف الأمة وأئمتها ، والفلاسفة توافق على دوام هذا النوع، وقدماء
أساطينهم يوافقون على قيام ذلك بذات الله كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم.
والذين قالوا إن ذلك ممتنع هم أهل الكلام المحدث فى الإسلام من الجهمية
والمعتزلة وهم الذين استدلوا على حدوث كل ما تقوم به الحوادث بامتناع حوادث
لا أول لها .
ومن هنا يظهر ( الأصل الثاني ) الذى تبنى عليه أفعال الرب تعالى اللازمة
والمتعدية ، وهو أنه سبحانه هل تقوم به الأمور الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته
أم لا؟ فذهب السلف وأئمة الحديث وكثير من طوائف الكلام والفلاسفة
جواز ذلك. وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ، والكلابية
من مثبتة الصفات إلى امتناع قيام ذلك به .
أما ((نفاة الصفات)) فإنهم ينفون هذا وغيره، ويقولون : هذا كله أعراض ،
والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام محدثة، فلو قامت به الصفات ؛
لكان محدثاً .
أما ((الكلابية)) فإنهم يقولون: نحن نقول تقوم به الصفات ولا نقول هي
أعراض ، فإن العرض لا يبقى زمانين ، وصفات الرب تبارك وتعالى عندنا باقية
بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات ؛ فإن الأعراض عندنا لاتبقى زمانين .
٥٣٦

وأما جمهور العقلاء فنازعوم فى هذا وقالوا: بل السواد والبياض الذي
كان موجوداً من ساعة هو هذا السواد بعينه، كما قد بسط فى غير هذا الموضع،
إذ المقصود هنا التنبيه على مقالات الطوائف فى هذا الأصل .
قالت ((الكلابية)): وأما الحوادث فلو قامت به للزم أن لا يخلو منها ، فإن
القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وإذا لم يخل منها لزم أن يكون حادثاً ،
فإن هذا هو الدليل على حدوث الأجسام هذا عمدتهم فى هذا الأصل ، والذين
خالفوم قد يمنعون المقدمتين كليهما، وقد يمنعون واحدة منهما.
وكثير من أهل الكلام والحديث منعوا الأولى: كالهشامية والكرامية؛
وأبى معاذ وزهير الآبرى، وكذلك الرازي ، والآمدى، وغيرهما من الأشعرية
منعوا المقدمة الأولى وبينوا فسادها؛ وأنه لا دليل لمن ادعاها على دعواه . بل قد
يكون الشيء قابلاً للشيء وهوخال منه ومن ضده، كما هو الموجود ؛ فإن القائلين
بهذا الأصل التزموا أن كل جسم له طعم ولون وريح ؛ وغير ذلك من أجناس
الأعراض التى تقبلها الأجسام. فقال جمهور العقلاء : هذا مكابرة ظاهرة ؛ ودعوى
بلاحجة، وإنما التزمته الكلابية لأجل هذا الأصل .
وأما (المقدمة الثانية)؛ وهو منع دوام نوع الحادث فهذه يمنعها أئمة السنة
والحديث القائلون بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته ؛ وأن كلماته لا نهاية لها؛
والقائلون بأنه لم يزل فعالاً؛ كما يقوله البخاري وغيره ؛ والذين يقولون
٥٣٧

الحركة من لوازم الحياة فيمتنع وجود حياة بلا حركة أصلاً ؛ كما يقوله
الدارمي وغيره.
وقد روى الثعلى فى ((تفسيره)) بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق رضى الله
عنه: أنه سئل عن قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا) لم خلق الله الخلق ؟
فقال: لأن الله كان محسناً بما لم يزل فيما لم يزل إلى ما لم يزل، فأراد الله أن يفيض
إحسانه إلى خلقه، وكان غنياً عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن
خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن
أحسن كافأه بالجنة ، ومن عصى كافأه بالنار .
وقال ابن عباس رضى الله عنه فى قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا )
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ونحو ذلك قال: كان ولم يزل ولا يزال.
ويمنعها أيضاً جمهور الفلاسفة ، ولكن الجهمية والمعتزلة والكلابية
والكرامية يقولون بامتناعها ، وهي من الأصول الكبار التى يبتني عليها الكلام
فی کلام الله تعالی وفی خلقه .
وهذا القول هو أصل الكلام المحدث فى الإسلام الذي ذمه السلف
والأمة ؛ فإن أصحاب هذا الكلام فى الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم ظنوا أن معنى
كون الله خالقاً لكل شيء - كما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أهل
الملل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم - أنه سبحانه وتعالى لم يزل معطلاً
٥٣٨

لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بشيء أصلاً، بل هو وحده موجود بلا كلام يقوله،
ولا فعل يفعله. ثم إنه أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته المنفصلة عنه .
فأحدث العالم . وظنوا أن ما جاءت به الرسل واتفق عليه أهل الملل - من أن
كل ما سوى الله مخلوق ، والله خالق كل شيء - هذا معناه، وأن ضد هذا قول
من قال بقدم العالم أو بقدم مادته، فصاروا فى كتبهم الكلامية لا يذكرون
إلا قولين.
(أحدهما) : قول المسلمين وغيرهم من أهل الملل أن العالم محدث ، ومعناه
عندهم ما تقدم.
(والثاني) : قول الدهرية الذين يقولون : العالم قديم ، وصاروا يحكون
فى كتب الكلام والمقالات أن مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود
والنصارى وغيرهم أن الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئاً، ولا يتكلم بشيء، ثم
إنه أحدث العالم؛ ومذهب الدهرية أن العالم قديم.
والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له ؛ فينكرون الصانع
جل جلاله. وقدذكر أهل المقالات أن أول من قال من الفلاسفة بقدم العالم
((أرسطو)) صاحب التعاليم الفلسفية: المنطقي والطبيعي والإلهي. وأرسطو وأصحابه
القدماء يثبتون فى كتبهم العلة الأولى ، ويقولون : إن الفلك يتحرك للتشبه بها؛
فهي علة له بهذا الاعتبار ، إذلو لا وجود من تشبه به الفلك لم يتحرك، وحركته
٥٣٩

من لوازم وجوده ، فلو بطلت حركته لفسد. ولم يقل أرسطو: إن العلة الأولى
أبدعت الأفلاك ؛ ولا قال هو موجب بذاته ، كما يقوله من يقول من متأخري
الفلاسفة كابن سينا وأمثاله، ولا قال: إن الفلك قديم وهو ممکن بذاته ؛ بل كان
عندهم ما عند سائر العقلاء أن الممكن هو الذي يمكن وجوده وعدمه ، ولا
يكون كذلك إلا ما كان محدثاً ، والفلك عندهم ليس بممكن بل هو قديم
لم يزل وحقيقة قولهم إنه واجب لم يزل ولا يزال.
فلهذا لا يوجد فى عامة كتب الكلام المتقدمة القول بقدم العالم ، إلا عمن
ينكر الصانع. فلما أظهر من أظهر من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله أن العالم
قديم عن علة موجبة بالذات قديمة، صار هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم،
أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من إنكار صانع العالم ، وصاروا أيضاً
يطلقون ألفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك ، ولكن مرادم بذلك
أنه معلول قديم أزلي، لا يريدون بذلك . أن الله أحدث شيئاً بعد أن لم يكن،
وإذا قالوا : إن الله خالق كل شىء ، فهذا معناه عندم ؛ فصار المتأخرون من
المتكلمين يذكرون هذا القول، والقول المعروف عن أهل الكلام فى معنى
حدوث العالم الذي يحكونه عن أهل الملل كما تقدم، كما يذكر ذلك الشهر ستاني
والرازي والآمدي وغيرهم .
وهذا الأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام من امتناع
٥٤٠