النص المفهرس

صفحات 501-520

أنفسنا منا ؛ وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد، وكيف لا يكون كذلك
وهو أعلم بما توسوس به أنفسنا منا، فكيف بحبل الوريد ؟! وكذلك قال
أبو عمرو الطلمنكى، قال: ومن سأل عن قوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ ) فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه، والدليل من ذلك
صدر الآية؛ فقال الله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُةٌ.
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )، لأن الله لما كان عالماً بوسوسته ؛
كان أقرب إليه من حبل الوريد ، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس
به النفس .
ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطاً لهم الإنسان ولحمه ،
وأن لا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول : خالق ومخلوق ، لأن
معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه ، فهو على قوله ممتزج
بهغیر مباین له.
قال : وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن
من جميع خلقه ، وتعالى الله عن قول أهل الزيغ ، وعما يقول الظالمون
علواً كبيراً.
قال : وكذلك الجواب فى قوله فيمن يحضره الموت ( وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْكُمْ وَلَكِن لَّانُصِرُونَ ) أي بالعلم به والقدرة عليه، إذ لا يقدرون له على حيلة
٥٠١

ولا يدفعون عنه الموت وقد قال تعالى: ( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَاوَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) وقال
تعالى: ( قُلْ يَوَقََّّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكَلَ بِكُمْ) .
قلت: وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبى وأبى الفرج
) وأما فى قوله
ابن الجوزي وغيرهما فى قوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوِيدِ
( وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ) فذكر أبو الفرج القولين: إنهم الملائكة، وذكره
عن أبى صالح عن ابن عباس ، وإنه القرب بالعلم .
وهؤلاء كلهم مقصودم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة
من وريد العبد ومن الميت ، ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب
الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما فى لفظ المعية ، ولا حاجة إلى هذا ؛ فإن
المراد بقوله: ( وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ) أي بملائكتنا فى الآيتين ، وهذا
بخلاف لفظ المعية؛ فإنه لم يقل : ونحن معه ، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد
وأخبر أنه ينبئهم يوم القيامة بما عملوا ، وهو نفسه الذي خلق السموات
والأرض، وهو نفسه الذي استوى على العرش ، فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع
تفريق القرآن بينهما .
وكذلك قال أبو حامد موافقاً لأبي طالب المكى فى بعض ما قال ، مخالفاً له
فى البعض ؛ فإنه من نفاة علو الله نفسه على العرش، وإنما المراد عنده أنه قادر عليه
مستول عليه أو أنه أفضل منه . قال: وإنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله
٥٠٢

والمعنى الذي أراده، استواء منزهاً عن الماسة والاستقرار والتمكن والحلول
والانتقال، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطيف قدرته،
مقهورون فى قبضته ، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى نوم الثرى؛
فوقيته لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما
أنه رفيع الدرجات عن الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو
أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد ، إذ لا يماثل قربه قرب
الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل فى شيء ولا يحل فيه شيء
إلى أن قال :
وإنه بائن بصفاته من خلقه ، ليس فى ذاته سواه ، ولا فی سواه ذاته .
قلت: فالفوقية التى ذكرها فى القدرة والاستيلاء ((فوقية القدرة)) وهو أنه
أفضل المخلوقات، ((والقرب) الذي ذكره هو العلم أو هو العلم والقدرة. وثبوت
علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو مما اتفق عليه المسلمون، وتفسير قربه
بهذا قاله جماعة من العلماء لظنهم أن القرب فى الآية هو قربه وحده : ففسروها
بالعلم لما رأوا ذلك عاماً . قالوا: هو قريب من كل موجود بمعنى العلم، وهذا
لا يحتاج إليه كما تقدم. وقوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) لا يجوز
أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان بالشيء أعلى من غيره لا يقال : إنه أقرب إليه
من غيره لمجرد علمه به ، ولا لجرد قدرته عليه .
٥٠٣

ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يسر من القول وما يجهر به، وعالم بأعماله؛
فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإن حبل الوريد
قريب إلى القلب ليس قريباً إلى قوله الظاهر ، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه .
أَلَا
قال تعالى: ( وَأَسِرُ واْ قَوْلَكُمْ أَوِاجْهَرُ واْبِ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) وقال تعالى: ( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى
(
وقال تعالى: (أَوْيَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ
اُلْغُيُوبِ ) وقال تعالى: (أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّ لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَتَخْوَدُهُمَّ ◌َلَى
وَرُسُلُنَ لَدَتِهِمْ يَكْثُبُونَ ). وقال تعالى: ( أَلَّ قَرَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَرَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِ سُهُمْ وَلَاَ
مِى
أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَ أَكْثَرَإِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَ يُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ ) .
ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم؛ أنه قال تعالى: (وَلَقَدْ
إِذْيَنَقَى
خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَاتُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُةٌ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
اُلْمَُلِفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ ) فأخبر أنه يعلم ما توسوس به نفسه،
ثم قال: ( وَنَحْنُّ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) فأثبت العلم؛ وأثبت
القرب وجعلهما شيئين ، فلا يجعل أحدهما هو الآخر . وقيد القرب
مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
*
بقوله: ( إِذْيَنَقَى الْمُتَلَفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ
رَقِيبٌ عَنِيدٌ ) .
٥٠٤

وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، أو أن
ذاته أقرب إلى الميت من أهله؛ فهذا فى غاية الضعف ؛ وذلك أن الذين يقولون:
إنه فى كل مكان، أو أنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئاً دون
شيء ، ولا يمكن مسلماً أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا إنه
قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء .
وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندم فى جميع بدن الإنسان ؛
أو قريب من جميع بدن الإنسان، أو هو فى أهل الميت كما هو فى الميت ؛ فكيف
يقول ونحن أقرب إليه منكم إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟! وهل
یکون أقرب إلى نفسه من نفسه ؟!
وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنحبلالوريدِ
إِذ ◌َلَقَّ ◌َلْمُتَلَفِيَنِ عَنِ الْيَعِينِ وَعَنِ الشِمَالِ فَعِيدٌ * مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
*
عَبِيدٌ ). فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين ،
وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: (مَا يَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ ).
ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال ،
ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله فى الآية الأخرى: ( فَلَوْلَا إِذَابَلَغَتِ الْمُلْقُومَ * وَأَنْتُمْحِينَئِذٍ
٥٠٥

نَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن ◌َّا تُصِرُونَ ) فلو أراد قرب ذاته لم يخص
ذلك بهذه الحال ، ولا قال: (وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ )؛ فإن هذا إنما يقال إذا كان
هناك من يجوز أن يبصر فى بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره ، والرب
تعالى لا يراه فى هذه الحال ؛ لا الملائكة ولا البشر.
وأيضاً فإنه قال: (وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ) ؛ فأخبر عمن هو أقرب إلى
المحتضر من الناس الذين عنده فى هذه الحال. وذات الرب سبحانه وتعالى إذا
قيل: هي فى مكان ، أو قيل : قريبة من كل موجود ؛ لا يختص بهذا الزمان
والمكان والأحوال ، ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء.
ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما فى قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ)، فإن ذلك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر
قد يكون كافراً أو فاجراً أو مؤمناً أو مقرباً؛ ولهذا قال تعالي: (فَأَمَّ إِنْ كَانَ مِنَ
اُلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْعُ وَرَتْحَانٌ وَحَتَتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ * فَسَلَهٌ
لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ * وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِينَ * فَقُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ *
وَتَصْلِيَّةُ بَحِيمٍ ) ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه
دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون . وإنما م الملائكة الذين
يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَتِكَةُ ظَالِمِىّ
أَنْفُسِهِمْ ) وقال: (وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ )، وقال: (وَلَوْ تَرَىّ إِذِالظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْمَلَتَبِكَةُ بَاسِطُوَاْ
٥٠٦

أَيْدِيهِمْ أَخْرِ جُوَّأْأَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ اُلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ غَيْرَ
صلى
الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) وقال تعالى: (حَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ
تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) وقال تعالى: (قُلْ يَنَوَقَّنَّكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُكَّلَ بِكُمْ
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ).
ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: (وَتَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ )
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) وهذا كقوله سبحانه (نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَاٍ مُوسَى
وَفِرْ عَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ) وقال (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ ) وقال: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ, * فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَعْ قُرْءَانَهُ, * ثُمَ إِنَّ
عَلَيْنَا بَيَانَهُ ).
فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى فى كتابه دل على أن المراد أنه
سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة نحن يقولها المتبوع
المطاع العظيم الذى له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة
الملائكة ربهم ، وهو خالقهم وربهم ، فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه،
وملائكته تعلم ؛ فكان لفظ نحن هنا هو المناسب.
وكذلك قوله: ( وَنَعْلَمُ مَاتُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) فإنه سبحانه يعلم ذلك،
وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت فى ((الصحیحین)» عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [يفعل ذلك بجنوده من الملائكة ].
٥٠٧

حسنات . وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ،
وإن تركها لله كتبت حسنة)). فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة ، وليس
ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به ، وقد روي عن ابن عيينة أنهم يشمون
رائحة طيبة فيعلمون أنه هم بحسنة ، ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه م بسيئة،
وثم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة، فعلمهم لايفتقر إلى ذلك، بل ما فى قلب
ابن آحم يعلمونه ، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه ؛ بل الشيطان يلتقم
قلبه، فإذا ذكر الله خنس ، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس؛ ويعلم هل
ذكر الله أم غفل عن ذكره، ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي
فیزینها له .
وقد ثبت فى ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ذكر
صفية رضي الله عنها: ((أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار ، سواء
كان العبد مؤمناً أو كافراً . وإما أن تكون ذات الرب فی قلب كل أحد كافر
أو مؤمن فهذا باطل ، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة،
بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك.
ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال: ( وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) فهنا هو نفسه سبحانه
٥٠٨

وتعالى القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة ؛ وكذلك قال النبى صلى الله
عليه وسلم فى الحديث المتفق على صحته: ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما
تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)).
وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعي فهو أقرب إليه من عنق
راحلته. وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين
يقولون: إن الله فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع.
فالمعنى المتفق عليهعندم یکون بتقریبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب
الساجد؛ كما ثبت فى ((الصحيح)): ((أقرب ما يكون العبدمن ربه وهو ساجد)»
فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه ، وإن كان بدنه على الأرض .
ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريباً بالضرورة. وإن قدر
أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة قربت
مکة منه .
وقد وصف الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر فقال:
( أَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ ) ، وقال:
(وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ ) وقال تعالى: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ *
فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّتُ نَّعِيمٍ ) وقال تعالى: (عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) وقال:
( أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) وقال: (وَنَدَيْنَهُ مِن
جَانِ اَلُّورِ الْأَمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا ).
٥٠٩

وأما قرب الرب قرباً يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه الكلابية ومن
يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته. وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون
ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام.
فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك هو من هذا
الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى السماء الدنيا ، وكذلك تكليمه لموسى عليه
السلام ؛ فإنه لو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوام الليل إليه لم يخص نزوله بسماء
الدنيا كما لم يخص ذلك فى إجابة الداعي وقرب العابدين له، قال تعالى: ( وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ).
وقال: ((من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا)) وهذه الزيادة تكون
على الوجه المتفق عليه ، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقربه باختياره. فكلما
تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قرباً إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع.
فكذلك قرب الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل فى قلب العبد من معرفة
الرب والإيمان به ، وهو المثل الأعلى؛ وهذا أيضاً لا نزاع فيه؛ وذلك أن العبد
يصير محباً لما أحب الرب ، مبغضاً لما أبغض، موالياً لمن يوالي؛ معاديا
لمن يعادي؛ فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه.
وهذا مما يدخل فى موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده. فإن الولاية
ضد العداوة، و((الولاية)) تتضمن المحبة والموافقة، و((العداوة)) تتضمن البغض
٥١٠

والمخالفة. وقد ثبت فى ((صحيح البخاري)) عن أبى هريرة رضي الله عنه ، عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادىلي ولياً فقدبارزنى
بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها، في يسمع، وبي
يبصر، وبى يبطش وبى يمشي ؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه،
وما ترددت فى شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره
الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)).
فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض ، ولا يزال يتقرب بالنوافل
حتى يحبه الله فيصير العبد محبوباً للّه، كما قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَاللَّهَ
وحودروع رو
فَاتَّبِعُونِيُحْبِبْكُمُ اللهُ ) وقال تعالى: (
(
فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُونَهُ
وقال تعالى: ( وَأَحْسِنُوْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ) وقال تعالى: (فَأْتِمُواْإِلَيْهِمْ
عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ) وقال: ( فَمَا أَسْتَقَمُواْلَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ
لَهُمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) وقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِّرِينَ)
وقال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ
مَّرْصُوصٌ) وقال تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ)
ج
وقال تعالى: (وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ).
٥١١

فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين فى سبيله ، وأنه يحب
المتقين والصابرين والتوابين والمتطهرين ، وهو سبحانه يحب كل ما أمر به
أمر إيجاب أو استحباب.
وقوله: ( وَنَعْلَمُ مَاتُّوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
(
يقتضى أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس به العبد نفسه ، كما
قال: ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَخْوَانُهُمَّ بَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْنُبُونَ ) فهو
يسمع، ومن يشاء من الملائكة يسمعون ومن شاء من الملائكة.
وأما الكتابة فرسله يكتبون، كما قال ههنا: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عَتِيدٌ )، وقال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَ اثَرَهُمْ)
فأخبر بالكتابة بقوله نحن ؛ لأن جنده يكتبون بأمره . وفصل فى تلك الآية
بين السماع والكتابة لأنه يسمح بنفسه ، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره،
والملائكة يكتبون .
فقوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) مثل قوله: ( وَنَكْتُبُ
مَا قَدَّمُواْوَءَاثَرَهُمْ ) لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره، كما كانوا
يكتبون عمله بأمره، قال ذلك، وقربه من كل أحد بتوسط الملائكة كتكليمه
كل أحد بتوسط الرسل ؛ كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحُيًا أَوْ
مِن وَرَآءٍ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ).
٥١٢

فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل ، وذاك قربه إليهم عند
الاحتضار ، وعند الأقوال الباطنة فى النفس والظاهرة على اللسان ، وقال تعالى:
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ * كِرَامًا كَئِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ).
وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمح منه القرآن، وهو الذي يقرؤه
بنفسه بلا واسطة عند قراءة كل قارئ ، كما غلطوا فى القرب ، وهم طائفة من
متأخرى أهل الحديث ومتأخري الصوفية .
ومن الناس من يفسر قول القائلين: بأنه أقرب إلى كل شىء من نفس ذلك
الشيء ؛ بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها ، وإنما هي موجودة بخلق الرب
سبحانه وتعالى لها ، وهي باقية بإبقائه، وهو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن ؛ فلا موجود إلا بإيجاده؛ ولا باق إلا بإيقائه. فلو قدر أنه لم يشأ خلقها
وتكوينها لكانت باقية على العدم لا وجود لها أصلاً؛ فصار هو أقرب إليها من
ذواتها؛ فتكوين الشيء وخلقه وإيجاده هو فعل الرب سبحانه وتعالى،وبه كان
الشيء موجوداً وكان ذاتاً محققة فى الخارج . والموجود دائماً محتاج إلى خالقه
لا يستغنى عنه طرفة عين فكان موجوداً بنسبته إلى خالقه ومعدوماً بنسبته
إلى نفسه فإنه بالنظر إلى نفسه لا يستحق إلا العدم ؛ فكان الرب أقرب إلى
المخلوقات من المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار .
وقد يفسر بعضهم قوله تعالى: ( كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ ) بهذا المعنى؛
فإن الأشياء كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض ؛ ونفي صرف، وإنما هي موجودة
٥١٣

تامة بالوجه الذي لها إلى الخالق ، وهو تعلقها به ، وبمشيئته وقدرته ،
فباعتبار هذا الوجه كانت موجودة ، وبالوجه الذي يلي أنفسها لا تكون
إلا معدومة .
وقد یفسرون بذلك قول لبید :
الا كل شىء ما خلا الله باطل ﴿٤
ولا يقال : هذه المقالة صحيحة فى نفسها، فإنها لو لا خلق الله للأشياء
لم تكن موجودة، ولولا إبقاؤه لها لم تكن باقية . وقد تكلم النظار فى سبب
افتقارها إليه هل هو الحدوث - فلا يحتاج إلا فى حال الإحداث كما يقول ذلك
من يقوله من الجهمية والمعتزلة ونحوم - أو هو الإمكان الذي يظن أنه يكون
بلا حدوث بل يكون الممكن المعلول قديماً أزلياً ، ويمكن افتقارها فى حال البقاء
بلا حدوث كما يقوله ابن سينا وطائفة؟ .
وكلا القولين خطأ كما قد بسط فى موضعه ، وبين أن الإمكان والحدوث
متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة
كأرسطو وأتباعه ؛ فإنهم أيضاً يقولون: إن كل ممكن فهو محدث، وإنما خالفهم
فى ذلك ابن سينا وطائفة ؛ ولهذا أنكر ذلك عليه إخوانه من الفلاسفة كابن رشد
وغيره، والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق، فالفقر وصف لازم لها دائماً لا تزال
مفتقرة إليه.
٥١٤

والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار ؛ لا أن هذين الوصفين جعلا
الشيء مفتقراً بل فقر الأشياء إلى خالقها، لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى
الرب لازم لذاته لا يفتقر فى اقصافه بالغنى إلى علة ، وكذلك المخلوق لا يفتقر
فى اقصافه بالفقر إلى علة، بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقراً لازماً
لها ، ولا يستغنى إلا بالله.
وهذا من معاني (الصمد )، وهو الذي يفتقر إليه كل شيء، ويستغنى عن
كل شيء. بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته ، ومن جهة إلهيته؛ فما لا يكون
به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم. وهذا تحقيق قوله:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
فلو لم يخلق شيئاًبمشيئته وقدرته لم يوجد شئ، وكل الأعمال إن لم تكن
لأجله - فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته ــ وإلا كانت أعمالاً فاسدة ؛
فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية ؛ بل العلمة الغائية بها
صار الفاعل فاعلاً ، ولولا ذلك لم يفعل .
فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات ،
بل كان العالم يفسد، وهذا معنى قوله: ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُلَفَسَدَنَا) ،
ولم يقل لعدمتا ؛ وهذا معنى قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
٥١٥

وهو كالدعاء المأثور: ((أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك
باطل إلا وجهك الكريم)).
ولفظ ((الباطل)» يراد به المعدوم، ويرادبه مالا ينفع، كقول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه،
وملاعبته لزوجته ، فإنهن من الحق)).
وقوله عن عمر رضى الله عنه: ((إن هذا الرجل لا يحب الباطل))، ومنه
قول القاسم بن محمد لما سئل عن الغناء قال: إذا ميز الله يوم القيامة الحق من
الباطل فى أيهما يجعل الغناء ؟ قال السائل: من الباطل ؛ قال: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ
إِلَّا الضَّلَلُ ). ومنه قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ ) .
فإن الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل لا ينفع ؛ والمقصود
منها لا يحصل ؛ فهو باطل ، واعتقاد ألوهيتها باطل ، أي غير مطابق، واتصافها
بالإلهية فى أنفسها باطل ، لا بمعنى أنه معدوم .
ومنه قوله تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْمِنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَعُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)
) ، فإن
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا
وقوله: (
الكذب باطل لأنه غير مطابق ، وكل فعل مالا ينفع باطل لأنه ليس له غاية
موجودة محمودة .
٥١٦

فقول النى صلى الله عليه وسلم: ((أصدق كلمة قالها شاعر كمة لبيد : -
ألا كل شىء ما خلا الله باطل
هذا معناه. أن كل معبود من دون اللّه باطل، كقوله: (ذَلِكَ بِأَنبَ
اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ ) ، وقال تعالى:
(قُلْ مَن يَرْزُقُّكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ
فَذَلِكُمُ
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَِّرُالْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
الهُرَبُّكُمُالْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَّ تُصْرَفُونَ ) وقد قال قبل هذا:
)
وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَمُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ )، كما قال فى
الأنعام: (حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّرُدُّوَاْ إِلَى اَللَّهِ
مَوْلَهُمُ الْحَقِّ )، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْالْبَطِلَ وَنَّالَّذِينَءَامَنُواْأَتَّبَعُواْحَقَّ
مِن ◌َّهِمْ ).
ودخل عثمان أو غيره على ابن مسعود - وهو مريض - فقال : كيف
تجدك ؟ قال أجدني مردودا إلى الله مولاي الحق. قال تعالى: (يَوَمَتَشْهَدُ
يَوْمَيِدِ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ
عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وَيَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهَ هُوَالْحَقُّ الْمُبِينُ )، وقد أقروا بوجوده فى الدنيا ، لكن فى ذلك
اليوم يعلمون أنه الحق المبين دون ما سواه ؛ ولهذا قال: (هُوَالْحَقُّ) بصيغة
الحصر ، فإنه يومئذ لا يبقى أحد يدعى فيه الإلهية، ولا أحد يشرك بربه أحداً.
٥١٧

فصل
وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقاً ، فلا يوصف بالسفول
ولا علو شيء عليه بوجه من الوجوه ، بل هو العلي الأعلى الذي لا يكون
إلا أعلى ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء كما أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم ، وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية ،
لا النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك ؛ فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه
فى كتابه وعلى لسان رسوله ، والأدلة العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه ؛
ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب والسنة ، والسلف ؛ بل
الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا يقرون أفعاله من الاستواء والنزول
وغيرهما على ما هي عليه .
قال أبو محمد بن أبى حاتم فى ((تفسيره))، تنا عصام بن الرواد، تنا آدم
ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، ( ثُمَّسْتَوَإِلَى السَّمَآءِ ) يقول:
ارتفع. قال : وروي عن الحسن ، يعني البصري ، والربيع بن أنس
مثله كذلك .
وذكر البخاري فى ((صحيحه)) فى ((كتاب التوحيد)) قال: قال أبو العالية:
٥١٨

( أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ)، ارتفع فسوى خلقهن. وقال مجاهد: (أُسْتَوَى عَلَى
اُلْعَرْشِ )، علا على العرش. وكذلك ذكر ابن أبي حاتم فى ((تفسيره)) فى قوله :
(ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) وروى بهذا الإسناد عن أبى العالية وعن الحسن وعن
الربيع مثل قول أبى العالية. وروى بإسناده ( ثَُّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) قال : فى
اليوم السابع .
وقال أبو عمرو الطلمنكي : وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن
للّه عرشاً، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه قال:
فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى : (وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ ) ونحو
ذلك فى القرآن أن ذلك علمه ، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه
كيف شاء .
قال: وقال أهل السنة فى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى) ، الاستواء
من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، واستدلوا بقول الله: (فَإِذَا
اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)، وبقوله: ( لِتَسْتَوُد ◌ْعَلَىظُهُورِهِ
) ،
وبقوله: (وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ )؛ إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات فى هذا
على أقوال : فقال مالك رحمه الله: إن الاستواء معقول، والكيف مجهول،
والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
وقال عبدالله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير: إن معنى استوى
على العرش: استقر، وهو قول القتيى، وقال غير هؤلاء: استوى أي ظهر. وقال
٥١٩

أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى علا ، وتقول العرب :استويت على ظهر
الفرس ، بمعنى علوت عليه ، واستويت على سقف البيت ، بمعنى علوت عليه ،
ويقال: استويت على السطح بمعناه، وقال الله تعالى: (فَإِذَا آَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ
مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ )، وقال: ( لِتَسْتَوُ أُعَلَى ظُهُورِهِ ) وقال (وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)
وقال: ( أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، بمعنى علا على العرش.
وقول الحسن: وقول مالك من أنبل جواب وقع فى هذه المسألة وأشده
استيعابا، لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول ، وقد اتتم أهل العلم
بقوله واستجودوه واستحسنوه .
ثم تكلم على فساد قول من تأول استوى بمعنى استولى.
وقال الثعلى وقال الكلبى ومقاتل: ( ثُمَ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ، يغنى استقر،
قال ، وقال أبو عبيدة: صعد. وقيل استولى. وقيل: ملك. واختار هو ما حكاه
عن الفراء وجماعة أن معناه أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، قال : ويدل
عليه قوله: ( ثُمَّاُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ ) ، أى عمد إلى خلق السماء.
وهذا الوجه من أضعف الوجوه ؛ فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء
قبل خلق السموات والأرض وكذلك ثبت فى ((صحيح البخاري)) عن عمران
ابن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كان الله ولم یکن شىء قبله،
وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض)).
٥٢٠