النص المفهرس
صفحات 461-480
يَتَذَكَّرُونَ) وقال تعالى: (هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىَ * إِذْنَادَنُهُ رَبُّ بِلْوَادِ الْقَدَّسِ طُوَّى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِكَ فَنَخْشَى* فَرَنَهُ الَيَةَ اُلْكُرَى ). وقال ابن أبى حاتم فى ((تفسيره)): حدثنا على بن الحسين، حدثنا عثمان ابن أبى شيبة، حدثنا معاوية بن هشام ، حدثنا شريك ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال فى قوله تعالى: (فَلَمَّاجَآءَ هَا نُودِىَ قال . كان ذلك النار ، قال الله من فى أَنْ بُورِكَ مَنْ فِالنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) النور ، ونودى أن بورك من فى النور . حدثنا على بن الحسين ؛ ثنا محمد بن حمزة ؛ ثنا على بن الحسين بن واقد؛ عن أبيه ، عن يزيد النحوي أن عكرعة حدثنى عن ابن عباس (أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ) قال: كان ذلك النار نوره (وَمَنْ حَوْلَهَا ) أى بورك من فى النور ومن حول النور . وكذلك روى بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس : یعنی نفسه ، قال : كان نور رب (فَلَمَّا جَآءَ هَانُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ ) العالمين فى الشجرة ومن حولها . حدثنا أبى؛ ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ؛ ثنا أبو معاوية ؛ عن شيبان؛ عن عكرمة: ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ ) قال: كان الله فى نوره. حدثنا أبو زرعة، ثنا بن أبى شيبة، ثنا على بن جعفر المدائى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب ؛ عن سعيد بن جبير: ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِالنَّارِ ) قال : ناداه وهو فی النور. ٤٦١ حدثنا على بن الحسين(١) المنجانى: ثنا سعيد بن أبي مريم؛ تنامفضل ابن أبى فضالة (٢) حدثنى ابن ضمرة: (فَلَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِالنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) ، قال : إن موسى كان على شاطيء الوادي - إلى أن قال - فلما قام أبصر النار فسار إليها ، فلما أتاها ( نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ )، قال: إنها لم تكن نارا ، ولكن كان نور الله وهو الذي كان فى ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه؛ وموسى حوله . حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، تنا مكي بن إبراهيم، تنا موسى بن عبيدة ؛ عن محمد بن كعب فى قوله عز وجل (أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) ؛ قال: النار نور الرحمة ؛ قال: ضوء من الله تعالى، (وَمَنْ حَوْلَهَا ) موسى والملائكة . وروى بإسناده عن ابن عباس (وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: الملائكة. قال : وروی عن عكرمة ، والحسن، وسعيد بن جبير ، وقتادة مثل ذلك . وروى عن السدى وحده ( أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ) ، قال: كان فى النار ملائكة. وفى (صحيح مسلم)) عن أبي عبيدة، عن أبي موسى ، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: ((إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل (١) نسخة الحسن (٢) نسخة بن فضالة ٤٦٢ عمل اللیل، حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقتسبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)). ثم قرأ أبو عبيدة: ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ). وذكر من تفسير الوالى عن ابن عباس ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ )، يقول : قدس، وعن مجاهد: ( أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ) بوركت النار. كذلك كان يقول ابن عباس وفى السورة الأخرى: ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة، وقوله ( مِنَ الشَّجَرَةِ) هو بدل من قوله (مِن شَطِيٍ الْوَادِلْأَيْمَنِ ) فالشجرة كانت فيه، وقال أيضاً: (وَدَيْتَهُ مِن جَانِبِ الُورِ اُلْأَيَّمَنِ ) والطور هو الجبل ، فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادى فإن شاطيء الوادى جانبه، وقال (وَمَا كُنْتَ بِجَارِ الْغَرْبِّ ) أى بالجانب الغربي، وجانب المكان الغربي ؛ فدل على أن هذا الجانب الأيمن هو الغربي لا الشرقى ، فذكر أن النداء كان من موضع معين وهو الوادى المقدس طوى من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور الأيمن من الشجرة. وذكر أنه قربه نجياً فناداه وناجاه، وذلك المنادى له، والمناجي له، هو الله رب العالمين لا غيره، ونداؤه ومناجاته قائمة به، ليس ذلك مخلوقا منفصلا عنه، كما يقوله من يقول: إن الله لا يقوم به كلام ؛ بل كلامه منفصل عنه مخلوق ؛ وهو سبحانه وتعالى ناداه وناجاه ذلك الوقت كما دل عليه القرآن لا كما يقوله من يقول: لم يزل منادياً مناجياً له ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك النداء القديم الذي لم يزل ولا يزال. ٤٦٣ 1 ! ! 1 فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحداً منها أحد من السلف . وإذا كان المنادي هو الله رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه؛ دل ذلك على ما قاله السلف من قربه ودنوه من موسى عليه السلام، مع أن هذا أقرب مما دون السماء . وقد جاء أيضاً من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من أيوب عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام، ولفظه ــ الذي ساقه البغوى - أنه أظله غمام ثم نودي: يا أيوب؟ أنا الله، يقول: أنا قددنوت منك، انزل منك قريباً ، لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة، لا على وجه الاعتماد عليها وحدها ، وهو سبحانه وتعالى قد وصف نفسه فى كتابه وفى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه ، فقال تبارك وتعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ). وثبت فى ((الصحيحين)) عن أبى موسى ، أنهم كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال: ((أيها الناس! أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)). ((وفى الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم ((يقول الله تعالى : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتانى يمشي أتيته هرولة)). ٤٦٤ وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقربه جميع من يقول: أنه فوق العرش ، سواء قالوا مع ذلك: أنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا. وأما من ينكر ذلك :- فتهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه ، وهذا تفسير أبى حامد والمتفلسفة ؛ فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة . ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم ، ويفسر قربه بإثابته . وهذا تفسير جمهور الجهمية ؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلاً. ومما يدخل فى معانى القرب - وليس فى الطوائف من ينكره - قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين ؛ فإن كل من أحب شيئاً فإنه لابد أن يعرفه ويقرب من قلبه ، والذى يبغضه يبعد من قلبه . لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها تحل فى قلوب العارفين العابدين ، وإنما فى القلوب معرفته وعبادته ومحبته، والإيمان به ؛ ولكن العلم يطابق المعلوم. وهذا الإيمان الذي فى القلوب هو ((المثل الأعلى)» الذي له فى السموات والأرض، وهو معنى قوله تعالى: (وَهُوَ اُلَّذِى فِى السَّمَآءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ) وقوله (وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ). ٤٦٥ وقد غلط فى هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيره : فجعلوه حلول الذات واتحادها بالعابد والعارف ، من جنس قول النصارى فى المسيح وهو قول باطل كما قد بسط فى موضعه . والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكلابية ؛ فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته ، ونحو ذلك، ويقولون : الاستواء فعل فعله فى العرش فصار مستوياً على العرش . وهذا أيضاً قول ابن عقيل ، وابن الزاغونى ، وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم . وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ، ومجيئه يوم القيامة ، ونزوله ، واستوائه على العرش . وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث ، والنقل عنهم بذلك متواتر. وأول من أنكر هذا فى الإسلام ((الجهمية)) ومن وافقهم من المعتزلة، وكانوا ينكرون الصفات والعلو على العرش، ثم جاء ابن كلاب خالفهم فى ذلك وأثبت الصفات والعلو على العرش ، لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور الاختيارية؛ ولهذا أحدث قوله فى القرآن : أنه قديم لم يتكلم به بقدرته . ولا يعرف هذا القول عن أحد من السلف؛ بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير ٤٦٦ مخلوق ، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، كما ذكرت ألفاظهم فى كتب كثيرة فى مواضع غير هذا. فالذین یثبتون أنه کلم موسی بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً به ؛ هم الذين يقولون إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه. وأما من قال : القرآن مخلوق أو قديم فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه . فمن قال منهم: بهذا مع هذا؛ كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم . وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم على أصل المقالة ، ولم يعرف حقيقتها ولوازمها ؛ فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض كلامه فى هذا الباب. فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالإثبات ، وليس على النفي دليل واحد : لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر ؛ وإنما أصله قول الجهمية ، فلما جاء ابن كلاب فرق ، ووافقه كثير من الناس على ذلك، فصار كثير من الناس يقر بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة، وبما يقوله النفاة مما يناقض ذلك، ولا يهتدي للتناقض (وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وبهذا يحصل (الجواب) عما احتج به من قال: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد. وهذا قد احتج به طائفة ، وجعلوا هذا دليلاً على ما يتأولون عليه حديث النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس ٤٦٧ نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض ، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته . فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعاً؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش فى غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفى العمارة نحو ليلة ؛ فإنه يقال : بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية ، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة ، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتى عشرة ساعة بالليل أو النهار إذا كان الليل والنهار متساويين - كما يستويان فى أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع - بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر ، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة؛ فهذه الساعات مختلفة فى الطول والقصر ، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب ، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتى عشرة ساعة أو أكثر. فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند نصف النهار فإنها تضيء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها : اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل . ولا يزال لها هذا النهار لكن يخفى ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال ٤٦٨ والجنوب ؛ فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين - الشمالي والجنوبي - نسبة واحدة؛ ولهذا يقال فى حركة الفلك إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وإنها عند القطبين رحاوية تشبه حركة الرحى ، وإنها فى المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف . والمعمور المسكون من الأرض ، يقال : إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل . والكلام على هذا لبسطه موضع آخر: ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن ((الفلك)) مستدير . وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد ، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو ((أربعمائة مصنف)) وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم ، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم . والمقصودهنا: أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية فإنه حينئذ يكون إما وقت غروبها وإما قريباً من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية ، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة ؛ فهذا منتهى نورها . فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة ، وكذلك على كل (١) بلد تطلع عليه؛ والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٤٦٩ فيكون بينها وبين المغرب أيضاً تسعون درجة من ناحية المغرب وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت ، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية وإذا توسطت عليهم - وهو وقت استوائها قبل أن تدلك وتزيغ ويدخل وقت الظهر - كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية . وإذا كان كذلك - والنزول المذكور فى الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان : البخاري ومسلم ، واتفق علماء الحديث على صحته هو: ((إذا بقي ثلث الليل الآخر))، وأما رواية النصف والثلاثين فانفرد بها مسلم فى بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: ((إذا بقى ثلث الليل الآخر)). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا ؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث ، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر . فإن كان النبى صلى الله عليه وسلم قد ذكر ((النزول)) أيضاً إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل ؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق ؛ ويكون النزول أنواعاً ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة . ولفظ ((الليل، والنهار)) فى كلام الشارع إذا أطلق ، فالنهار من طلوع الفجر، ٤٧٠ كما فى قوله سبحانه وتعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ ) وكما فى قوله صلى الله عليه وسلم ((صم يوماً وأفطر يوماً)) وقوله: (( كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)» ونحو ذلك ، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة ، وكذلك فى مثل قوله صلى الله عليه وسلم ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة)). ولهذا قال العلماء - كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - أن صلاة الفجر من صلاة النهار. وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم:((نصف النهار)» فإنمايعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس ؛ لا يريد قط - لا فى كلامه ولا فى كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهار - النهار الذي أوله من طلوع الفجر ؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال ؛ ولهذا غلط بعض متأخرى الفقهاء - لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد - ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر . وسبب غلطه فى ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق ، وبين مسمى نصف النهار ، فالنهار الذي يضاف إليه نصف فى كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس ، والنهار المطلق فى وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر . والنبى صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل فهذا الليل ٤٧١ - المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف - وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وقت العشاء إلى نصف الليل أو إلى الثلث))؛ فهو هذا الليل . وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه ؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا. وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما فى الحديث الصحيح : ((أفضل القيام قيام داود ؛ كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه وینام سدسه )» ، واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر . فإن كان المراد بالحديث هذا وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل فى أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)) - فقد أخبر بدوامه إلى طلوع الفجر، وفى رواية: ((إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر )). وقد قال تعالى: (وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّإِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا ) تشهده ملائكة الليل والنهار ، وقد قيل : يشهده الله وملائكته. وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك ؛ فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثا ليلهم يدوم عندم سدس الزمان ، وأما النزول الذي فى النصف أو الثلثين: فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دواماً من ذلك. ٤٧٢ وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس ؛ كان وقت التزول أقل من ذلك فيكون قريباً من ثُمن الزمان وُتسعه ، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريباً من سدسه وربعه وأكثر من ذلك . ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقى قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة - وهو خمس عشرة درجة من المعمور - ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى ، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثاً ، والنزول يدوم فى كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلاً ونهاراً ، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثاً فكيف النزول إلالهى إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين فى الأرض ؟. فكل أهل بلد من البلاد يبقى نزوله ودعاؤه لهم : هل من سائل ؟ هل من داع ؟ هل من مستغفر ؟ سدس الزمان ، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام ولله الحمد قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوي لي منها)). وإنماذكرنا هذا لأنه قد يقال: إن هذا ((النزول، والدعاء)) إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن ((نزول عشية ٤٧٣ ! - : عرفة)) إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان ، وعنهم تغلق أبواب النار، وتصفد شياطينهم، (وأما الكفار)» الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولايرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار ، ولا تصفد شياطينهم. وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى ، بل المقصود أن النزول إن كان خاصاً بالمؤمنين؛ فهم ولله الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ، وإن كان عاماً ؛ فهو أبلغ ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل ليل صيفهم قصير ، قيل وليل شتائهم طويل ، فيعادل هذا هذا وما نقص من ليل صيفهم زيد فى ليل شتائهم ولهذا جاء فى الأثر، ((الشتاء ربيع المؤمن: يصوم نهاره ويقوم ليله)). وإذا كان كذلك - فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه بصير تحت السموات وفوق السماء الدنياو تحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد- لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط، فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد ؛ وكان المجموع ستة أثلاث فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث ، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث ، لزم أن لا يزال تحت العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن الله محصور فيه؛ فلا يكون قط فوق العرش . ٤٧٤ وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر (١) (وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر ، يقدر ما بينهما ، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقى ينقضى قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي . وأيضاً، إن كانت مداخلة ) فلا بد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرم ؛ فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد. وأيضاً ، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد ، فهو يختلف بعرضها أيضاً . فكلما كان البلد أدخل فى الشمال ؛ كان ليله فى الشتاء أطول، وفى الصيف أقصر. وما كان قريباً من خط الاستواء يكون ليله فى الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله فى الصيف أطول من ليل ذاك؛ فيكون ليلهم ونهارم أقرب إلى التساوي. وحينئذ فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم ، فيختلف مقداره بمقادير الليل فى الشمال والجنوب، كما اختلف فى المشرق والمغرب. وأيضاً ، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم ؛ فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد ؛ فيحصل النزول الإلهي الذى أخبر به الصادق المصدق أيضاً عند أولئك إذا بقى ثلث ليلهم ، وهكذا إلى آخر العمارة. فلو كان كما توهمه الجاهل من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء ؛ لكان هذا ممتنعا من وجوه كثيرة. (١) نسخة وإن كان آخر ثلث هؤلاء أول ثلث هؤلاء فلا بد أن يدوم إلخ. ٤٧٥ ((منها)) أنه لا يكون فوق العرش قط بل لايزال تحته، ((ومنها)) أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جداً ليقع كذلك ((ومنها)) أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرم إن أمكن مع ذلك أن يكون قد نزل على غيرم أيضاً ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء فى التقديم والتأخير والطول والقصر . فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلاً كنزول العباد من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم ، وهو أيضاً فى تلك الساعة نازلا على سماء آخرين ، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم ، أو يزيد أو يقصر . وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له : فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال : يرفعها ، ثم يضعها ، وهو قادر على ذلك. فهولاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم كلهم ضالون؛ ثم يصيرون قسمين . ((قسم)) علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا : إما أن يتأولوه تأويلاً يحرفون به الكلم عن مواضعه . وإما أن يقولوا: لايفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا ((مذهب السلف)). ٤٧٦ ويقولون: إن قوله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ) يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا الله، والحديث منه متشابه - كما فى القرآن - وهذا من متشابه الحديث ؛ فيلزمهم أن يكون الرسول الذى تكلم بحديث النزول لم يدر هو ما يقول، ولا ماغني بكلامه - وهو المتكلم به ابتداء . فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بني آدم ؟! فضلاً عن الأنبياء ! فضلاً عن أفضل الأولين والآخرين ، وأعلم الخلق ، وأفصح الخلق ، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم؟! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة ، وأن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة . ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه . ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ماهو من أقبح أقوال الكفار فى الأنبياء، وم لايرتضون مقالة من ينتقص النبى صلى الله عليه وسلم ، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله ، وهم مصييون فى استحلال قتل من يقدح فى الأنبياء عليهم السلام ، وقولهم يتضمن أعظم القدح؛ لكن لم يعرفوا ذلك . ولازم القول ليس بقول ، فانهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه . ((وقسم ثان)) من الممثلين لله يخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق قالوا مثل تلك الجهالات : من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء ، أو أن السموات ترتفع ثم تعود ، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولب . ٤٧٧ وقد ثبت فى ((الصحيحين)) أنه ينزل، وفى لفظ: (( ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وفى حديث آخر: «أقرب ما يكون الرب من عبده فى جوف الليل الآخر))، وفى صحيح مسلم: ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل)) وفى صحيح مسلم أيضاً: ((إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى سماء الدنيا)) فما ذكر من تقدم اختلاف الليل فى البلاد يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش ويصير تحت العرش أو تحت السماء. وأما ((النزول)) الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد ؛ فهذا لا يمتنع أن يكون فى وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض ، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه . وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما فى المعية ؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص. وأما قربه مما يقرب منه فهو خاص لمن يقرب منه ، كالداعى والعابد ، وكفربه عشية عرفة ، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج ، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار فى بعض البلاد ، وتكون ليلا فى بعض البلاد ؛ فإن تلك البلاد لم يدن إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنمادنا إلى السماء الدنيا التى على الحجاج، وكذلك نزوله بالليل. وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم فى ساعة واحدة، وكل ٤٧٨ منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه ، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رزين: للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ، قال: يا رسول الله ! كيف؟ ونحن جميع وهو واحد ؟! فقال: سأنئك بمثل ذلك فى آلاء الله: هذا القمر كلكم يراه مخليا به؛ فالله أكبر)). وقال رجل لابن عباس رضي الله عنه: كيف يحاسب الله العباد فى ساعة واحدة؟ قال : كما يرزقهم فى ساعة واحدة. وكذلك ما ثبت فى ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين : فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ اْعَلَمِينَ) قال الله: حمدني عبدى، فإذا قال العبد: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ قال الله : أثنى على عبدى ، فإذا قال العبد : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ؛ قال الله : مجدنى عبدى ، فإذا قال العبد: ( إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ قال : هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدى ما سأل، فإذا قال: ( اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَِّيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ)؛ قال: هؤلاء لعبدى ولعبدي ما سأل)). فهذا يقوله سبحانه وتعالى : لكل مصل قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك وفى تلك الساعة يصلى من يقرأ الفاتحة من ٤٧٩ لا يحصى عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحدما يقول له من القول فى ساعة واحدة، وكذلك سمعه لكلامهم يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم؛ يسمح دعاءهم سمع إجابة ، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يتبرم بالحاح الملحين ، فإنه سبحانه هو الذى خلق هذا كله، وهو الذى يرزق هذا كله وهو الذى يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له ، وكذلك من الزرع. وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما ، فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم ، أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَنُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّايُشْرِكُونَ)؟ !! وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء ، فإنه سبحانه وتعالى قال: (وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَالْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتُبِيَمِينِهِ، سُبْحَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقد ثبت فى ((الصحيحين)) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقبض الله الأرض ويطوى السموات بيمينه، ويقول أنا الملك أنا الملك !أين ملوك الأرض؟!)). ٤٨٠