النص المفهرس
صفحات 441-460
دنى الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت؛ فينادى مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له فى قبره مد بصره . قال : فيأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح ؛ فيقول: أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول له : من أنت فوجهك الوجه الذي يجىء بالخير ؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلى ومالي. وقال وإن العبد الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب ، قال : فتتفرق فى جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يجعلوها فى تلك المسوح ، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها فى الدنيا ، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا ؛ فيستفتح له فلا يفتح له . ثم قرأُ رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَ تُغَنَّحُ لَهُمْ أَوَبُ السَّمَاءِ وَلَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى (١) في مسند الإمام أحمد: ( ما هذه الروح الخبيث؟). ٤٤١ فيقول الله : اكتبوا كتابه فى سجين فى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّالْخِيَاطِ) الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَن يُشْرِكِ بِلَّهِفَكَأَنَّمَا خَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِمَكَانٍ سَحِيقٍ ) فتعاد روحه فى جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فيقولان له ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري. فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار ، وافتحوا له باباً إلى النار ؛ فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجىء بالشر؟ فيقول : أنا عملك الخبيث . فيقول : رب لا تقم الساعة )) . قلت : هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان ، منهم : عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحق بن مندة فى كتاب (( الروح والنفس)): حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحق الصغاني ثنا أبو النضر هاشم بن قاسم ، ثنا عيسى بن المسيب ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب، قال: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى (١) في مسند الإمام أحمد: ( فافرشوا له من النار ) وليس فيه ( وألبسوه من النار ). ٤٤٢ جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، نجلس وجلسنا حوله كأن على أكتافنا فلق الصخر وعلى رؤوسنا الطير ، فأزم قليلا - والإزمام السكوت - فلما رفع رأسه قال : إن المؤمن إذا كان فى قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت ؛ نزلت عليه ملائكة من السماء ، معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة ، فيجلسون منه مد بصره . وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم يقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة ، اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه ؛ فتسيل نفسه كما تقطر القطرة من السقاء . فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء، ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل سماء. فإذا انتهى إلى العرش کتب كتابه فی علیین ، فيقول الرب عز وجل : ردوا عبدي إلى مضجعه فإنى وعدتهم أبي منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له : ياهذا من ربك؟ فيقول : الله ربى، فيقولان : صدقت. ثم يقال له : ما دينك؟ فيقول : الإسلام فيقولان له: صدقت. ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول محمد رسول الله ؛ فيقولان: صدقت . ثم يفسح له فى قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له : جزاك الله خيراً، فوالله ما علمت إن كنت لسريعاً فى طاعة الله بطيئاً عن معصية الله، فيقول: وأنت جزاك الله خيراً فمن أنت ؟ فقال: أنا عملك الصالح. ثم يفتح له باب إلى ٤٤٣ الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة . وإن الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة وحضره ملك الموت؛ نزل عليه من السماء ملائكة معهم كفن من نار ، وحنوط من نار. قال: فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ، ثم قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله وسخطه ؛ فتتفرق روحه فى جسده كراهة أن نخرج لما ترى وتعاين ؛ فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول ، فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه ؛ فيقول الرب تبارك وتعالى: ردوا عبدى إلى مضجعه فإنى وعدتهم أبى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ؛ فترد روحه إلى مضجعه؛ فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ، ويفحصان الأرض بأشعارهما ، أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف؛ فيجلسانه، ثم يقولان له : من ربك؟ فيقول: لا أدرى ؛ فينادى من جانب القبر لا دريت ؛ فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : جزاك الله شراً؛ فوالله ما علمت إن كنت بطيئاً عن طاعة الله سريعاً فى معصية الله، فيقول: من أنت ؟ فيقول أنا عملك الخبيث ثم يفتح له باب إلى النار ، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة)). وقال ابن مندة : رواه الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن أبى النضر. ٤٤٤ ومن ذلك حديث ابن أبی ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد ابن يسار، عن أبى هريرة. وقد رواه الإمام أحمد فى ((مسنده)) وغيره. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهانى : هذا حديث متفق على عدالة ناقليه: اتفق الإمامان: محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج على ابن أبى ذئب ومحمد ابن عمرو بن عطاء، وسعيد بن يسار ، وهم من شرطهما ، ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبی ذئب مثل ابن أبى فدیك، وعنه دخیم بن إبراهيم. قلت : وقد رواه عن ابن أبى ذئب غير واحد ، ولكن هذا سياق حديث ابن أبى فديك لتقدمه ؛ قال ابن أبى فديك : حدثنى محمد بن أبى ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ،عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الميت تحضره الملائكة؛ فإذا كان الرجل الصالح فيقولون : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب ، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، قال : فيقولون ذلك حتى يخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقولون : فلان، فيقولون : مرحباً بالنفس الطيبة، كانت فى الجسد الطيب، ادخلى حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان . فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التى فيها الله عن وجل . وإذا كان الرجل السوء قال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله ٤٤٥ أزواج. فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان ، فيقولون : لامرحباً بالنفس الخبيثة ، كانت فى الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لن تفتح لك أبواب السماء؛ فترسل بين السماء والأرض ، فتصير إلى قبره. فيجلس الرجل الصالح فى قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال: ماكنت ؟ تقول فى الإسلام . فيقول : ما هذا الرجل ؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا)). وذكر تمام الحديث . والمقصود أن فى حديث أبى هريرة قوله: (فیصیر إلی قبره )»كما فى حديث البراء بن عازب ، وحديث أبى هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء ابن عازب، وفى بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله، كما ذكره الحاكم، مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن؛ إذ المسألة للبدن بلاروح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور، وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ابن ميسرة وابن حزم. ولو كان كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص. وزعم ابن حزم أن ((العود)) لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه، وليس الأمر كما قاله ، بل رواه غير زاذان عن البراء، وروى عن غير البراء مثل عدي ابن ثابت وغيره. وقد جمع الدار قطنى طرقه فى مصنف مفرد ، مع أن زاذان من ٤٤٦ 1 ! الثقات، روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم فى (صحيحه)) وغيره ؛ قال يحيى بن معين : هو نقة، وقال حميد بن هلال وقد سئل عنه فقال هو ثقة لا يسأل عن مثل هؤلاء ، وقال ابن عدي أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة ، وكان يتبع الكرابيسي ، وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه. وأما المنهال بن عمرو فمن رجال البخاري وحديث ((عود الروح)) قد رواه عن غير البراء أيضاً ، وحديث زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول . وأرواح المؤمنين فى الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن ، كما أنها تكون فى البدن ويعرج بها إلى السماء كما فى حال النوم. أما كونها فى الجنة ففيه أحاديث عامة ؛ وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة فى النوم وغيره. فالأول مثل حديث الزهري المشهور الذي رواه مالك عن الزهري فى ((موطئه)) وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما، وقد رواه الإمام أحمد فى ((المسند)) وغيره. قال الزهرى: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك الأنصاري - وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده)) فأخبر أنه يعلق فى شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده، ٤٤٧ يعني فى النشأة الآخرة. قال أبو عبد الله بن مندة : ورواه يونس ، والزبيدي، والأوزاعى ، وابن إسحق. وقال عمرو بن دينار ، وابن أخى الزهرى، عن الزهرى، عن عبدالرحمن ابن كعب ، عن أبيه قال ... ، قال صالح بن كيسان ، وابن أخى الزهرى، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب ، أنه بلغه أن كعباً قال ... رواه الإمام أحمد والنسائي، وابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قلت: وفى الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو حاتم فى ((صحيحه)) وقد رواه أيضاً الأئمة. قال «إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه . فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه ، وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه . فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلى مدخل ، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة : ما قبلى مدخل ، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلى مدخل؛ فيقال له: اجلس ، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له : ما هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه؟ فيقول : دعونى حتى أصلى ؛ فيقولون: إنك ستفعل ، أخبرناعما ٤٤٨ نسألك عنه. فقال : عم تسألونى؟ فيقولون: ما تقول فى هذا الرجل الذى كان فيكم ؛ ما تشهد عليه به ؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله ؛ فيقال : على ذلك حييت ، وعلى ذلك مت ، وعلى ذلك تبعث إن شاء اللّه تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك فيها ؛ فيزداد غبطة وسروراً ، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك فيها [ لو عصيت ربك] فيزداد غبطة وسروراً؛ ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعا ، وينور له فيه . ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته فى نسم الطيب ، وهي طير تعلق فى شجر الجنة)). وفى لفظ: ((وهو فى طير يعلق فى شجر الجنة)) قال أبو هريرة: قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) وفى لفظ ((ثم يعاد الجسد إلى مابدئ منه)). وهذه الإعادة هي المذكورة فى قوله تعالى (مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُّكُمْ تَارَةً أُخْرَى) ليست هي النشأة الثانية. ورواه الحاكم فى ((صحيحه)) عن معمر ، عن قتادة ، عن قسامة بن زهير ، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون: اخرجى راضية مرضياً عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنهم ليناوله بعضهم ٤٤٩ بعضاً يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التى جاءتكم من الأرض !! وكما أتوا سماء قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه : ما فعل فلان ؟ قال : فيقولون : دعوه حتى يستريح فإنه كان فى غم الدنيا ، فإذا قال لهم : ما أتا كم؟ !! فإنه قدمات؛ يقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية . وأما الكافر فإن ملائكة العذاب تأتيه، فتقول : اخرجى ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض ، فيقولون: ما أنتن هذه الريح !! كلما أتوا على أرض قالوا ذلك ، حتى يأتوا به أرواح الكفار)). قال الحاكم: تابعه هشام الدستوائي ، عن قتادة . وقال همام بن يحيى؛ عن قتادة ، عن أبى الجوزاء ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم بنحوه. والكل صحيح، وشاهدها حديث البراء بن عازب. وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائي ، كما رواه معمر. قال : ورواه أبو موسى وبندار ، عن معاذ بن هشام، عن أبيه ،عن قتادة، مثله مرفوعاً . ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفاً ، ورواه همام عن قتادة ، عن أبى الجوزاء ، عن أبى هريرة؛ مرفوعاً نحوه . وقد روى هذا الحديث النسائي ، والبزار فى (مسنده)) وأبو حاتم فى ((صحيحه)). ٤٥٠ وقدروى مسلم فى (( صحيحه)) عن أبى هريرة قال ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها ، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض ؛ صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه؛ فينطلق بها إلى ربه ثم يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، وذكر من نتنها وذكر لعناً ، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض . قال : فيقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال أبو هريرة : فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا)». وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم (( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) وفى الصحيح أيضاً أنه كان يقول ((اللهم أنت خلقت نفسى وأنت تتوفاها ، لك مماتها ومحياها ، فإن أمسكتها فارحمها ؛ وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)». ففى هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء ، وعودها إلى البدن : مابين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله. وروينا عن الحافظ أبى عبد الله محمد بن مندة فى كتاب ((الروح والنفس)) حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ، ثنا عبد الله بن الحسن الحرانى ، ثنا أحمد ٤٥١ ابن شعيب ، تناموسى بن أيمن، عن مطرف ، عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما فى تفسير هذه الآية: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْتَمُتْ فِ مَنَامِهَا) قال: تلتقي أرواح الأحياء فى المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم ؛ فيمسك الله أرواح الموتى ، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها . وروى الحافظ أبو محمد بن أبى حاتم فى ((تفسيره))، حدثنا عبد الله ابن سليمان، ثنا الحسن؛ ثنا عامر عن الفرات؛ ثنا أسباط عن السدى ( وَلَّتِى لَمْ تَّمُتْ فِ مَنَامِهَا). قال: يتوفاها فى منامها. قال: فتلتقى روح الحي وروح الميت فيتذا كران ويتعارفان. قال : فترجع روحالحي الى جسده فى الدنيا إلى بقية أجله فى الدنيا . قال: وتريدروح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس. وهذا أحد القولين وهو أن قوله: (فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) أُريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي. والقول الثانى - وعليه الأكثرون - أن كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، وأما التى توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث ؛ وهي التى قدمها بقوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن اللّه قال: (اللَّهُ يَتَوَنَّ اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ؛ فذكر فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأَخْرَىّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى) إمساك التى قضى عليها الموت من هذه الأنفس التى توفاها بالنوم ، وأما التى ٤٥٢ ! : ۔ 1 1 توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ، ولا ذكر فى الآية التقاء الموتى بالنيام . والتحقيق أن الآية تتناول النوعين ؛ فإن الله ذكر توفيتين: توفى الموت، وتوفى النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى . ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت فى النوم أو قبل ذلك ؛ ويرسل من لم تمت . وقوله: (يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) يتناول ما ماتت فى اليقظة وما ماتت فى النوم؛ فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها فى أحد التوفيتين ويرسلها فى الأخرى ؛ وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف. وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافى ما فى الآية ؛ وليس فى لفظها دلالة عليه ؛ لكن قوله: (فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة؛ سواء توفاها فى اليقظة أو فى النوم؛ ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت خلقت نفسى وأنت تتوفاها؛ لك مماتها ومحياها ؛ فان أمسكتها فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) فوصفها بأنها فى حال توفى النوم إما ممسكة وإما مرسلة. وقال ابن أبي حاتم : ثنا أبي، ثنا عمر بن عثمان؛ تنابقية ؛ تناصفوان ابن عمرو، حدثنى سليم بن عامر الحضرمي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أعلي بن أبى طالب رضي الله عنه : أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء ٤٥٣ لم يخطر له على بال! فتكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الشىء ؛ فلاتكون رؤياه شيئاً ؛ فقال علي بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين ؟ إن الله يقول: ( اُللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى ؛ فالله يتوفى الأنفس قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى ) كلها، فما رأت -وهي عنده فى السماء - فهو الرؤيا الصادقة، وما رأت - إذا أرسلت إلى اجسادها - تلقتها الشياطين فى الهواء فكذبتها، فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها ؛ فعجب عمر من قوله. وذكر هذا أبو عبد الله محمدبن إسحق بن منده فى كتاب ((الروح والنفس) وقال : هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره ولفظه . قال علي بن أبى طالب: يا أمير المؤمنين! يقول الله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَِّى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَّ إِلَىَ أَجَلٍ تُسَمَّى) ، والأرواح بعرج بها فى منامها ، فما رأت وهي فى السماء فهو الحق ، فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين فى الهواء فكذبتها . فما رأت من ذلك فهو الباطل . قال الإمام أبو عبد الله بنمنده : وروی عن أبى الدرداء قال : روى ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعينى، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبى الدرداء قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال : فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود، وإن كان جنباً لم يؤذن لها بالسجود. رواه زيد بن الحباب وغيره. ٤٥٤ وروى ابن منده حديث على وعمر رضي الله عنهما مرفوعاً، حدثنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد ، تنا محمد بن شعيب ، ثنا ابن عياش بن أبى إسماعيل ، وأنا الحسن بن على ، أنا عبد الرحمن بن محمد، ثناقتيبة والرازي (١) تنا محمد ابن حميد (٣°ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسى، تنا الأزهر بن عبد الله الأزدى، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقى عمر بن الخطاب على بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن ! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ثلاثة أشياء أسألك عنهن، فهل عندك منهن على؟ فقال على بن أبى طالب: وماهن؟ قال : الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيراً: والرجل يبغض الرجل ولم يرمنه شراً. فقال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الأرواح جنود مجندة تلتقى فى الهواء ، فتشام، فما تعارف منها اتتلف ، وما تناكر منها اختلف قال عمر: واحدة. قال عمر: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه، فيما هو قد نسيه إذذكره. فقال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر ، فبينما القمر يضيء إذ مجللته سحابة فأظلم؛ اذ تجلت عنه فأضاء ؛ وبذا القلب يتحدث إذ تجللته فنسي ، إذ تجلت عنه فذكر)). قال عمر: اثنتان . قال : والرجل يرى الرؤيا: فمنها ما يصدق ، ومنها ما يكذب. فقال: نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد ينام فيمتلئ نوما إلا عرج بروحه إلى العرش فالذى لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى تصدق، والذى يستيقظ دون العرش (١) نسخة ابن قتيبة الرازى (٢) نسخة جميل. ٤٥٥ فهى الرؤيا التى تكذب . فقال عمر : ثلاث كنت فى طلبهن؛ فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت . ورواه من وجه ثالث : أن ابن عباس سأل عنه عمر ، فقال : حدثنا أحمد ابن سليمان بن أيوب ، ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد ، تنا آدم بن أبى إياس ثنا إسماعيل بن عياش ، عن ثعلبة بن مسلم الختعمى عن ابن أبي طلحة القرشى أن ابن عباس رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه : يا أمير المؤمنين ! أشياء أسألك عنها ؟ قال : سل عما شئت ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ! مم يذكر الرجل، ومم ينسى؟ ومم تصدق الرؤيا، ومم تكذب؟ فقال له : عمر أما قولك مم يذكر الرجل ومم ينسى ؛ فإن على القلب طخاة مثل طخاة القمر ، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم ، فإذا تجلت عن القلب ذكر ما كان ينسى . وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب ؛ فإن الله يقول: ( اُللَّهُ يَتَوَفَّى اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا ) فَمن دخل منها فى ملكوت السماء فهى التى تصدق ، وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التى تكذب . قلت : وفى هذين الطريقين ذكر أن التى تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو . وفى الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها . وكلا الأمرين ممكن ؛ فإن الحكم يختلف لفوات شرطه ، أو وجود ما نعه عن ذلك. قال عكرمة ومجاهد : إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح ، ٤٥٦ وأصله فى الجسد ؛ فتبلغ حيث شاء الله ، فما دام ذاهباً فإن الإنسان نائم . فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان ؛ فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصل بالشمس . قال ابن منده : وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمر قندى، عن علي بن يزيد السمر قندي- وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبير- قال: إن الأرواح تمتد من منخر الإنسان، ومراكبها وأصلها فى بدن الإنسان، فلو خرج الروح لمات، كما أن السراج لو فرقت بينها وبين الفتيلة لطفئت . ألا ترى أن تركب النار فى الفتيلة، وضوؤها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان فى منامه حتى تأتى السماء ، وتجول فى البلدان ، وتلتقى مع أرواح الموتى . فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان المرء فى اليقظة عاقلاً ذكياً صدوقاً لا يلتفت فى اليقظة إلى شىء من الباطل رجع إليه روحه ، فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله عز وجل على حسب صدقه. وإن كان خفيفاً زَقا يحب الباطل والنظر إليه، فإذا نام وأراه الله أمراً من خير أوشر رجع روحه، فحيث ما رأى شيئاًمن مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف فى يقظته، وكذلك يؤدى إلى قلبه فلا يعقل ما رأى ، لأنه خلط الحق بالباطل ؛ فلا يمكن معبر يعبر له ، وقد اختلط الحق بالباطل. قال الإمام ابن منده: ومما يشهد لهذا الكلام ما ذكرناه عن عمر وعلي وأبى الدرداء رضى الله عنهم. قلت: وخرج ابن قتيبة فى كتاب ((تعبير الرؤيا))، قال : حدثنى حسين ٤٥٧ ابن حسن المروزى، أخبرنا ابن المبارك عبد الله، ثنا المبارك عن الحسن أنه قال: أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله تبارك وتعالى: ((انظروا إلى عبدى، روحەعندی و جسده فی طاعتی)». وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها فى البدن ؛ على أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذى يمتنع هذا فيه. وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج الروح ونزولها، لا منجنس عروج البدن ونزوله . وصعود الرب عز وجل فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه تعالى أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق . وإذا قيل: الصعود والنزول والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة؛ قيل: والحركة أيضاً أصناف مختلفة ، فليست حركة الروح كحركة البدن ، ولا حركة الملائكة حركة البدن .والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز ، ويراد بها أمور أخرى، كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة: منها الحركة فى الكم حركة النمو، والحركة فى الكيف حركة الإنسان من جهل إلى على ، وحركة اللون أو الثياب من سواد إلى بياض ، والحركة فى الأين كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان: فى النمو والزيادة، أو فى الذبول والنقصان ؛ وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز . ومن قال: إن الجواهر المفردة تنتقل ؛ فقوله غلط كما هو مبسوط فى موضعه. ٤٥٨ وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها، فيسود الجسم بعدايضاضه ويحلو بعد مرارته بعد أن لم يكن كذلك. وهذه حركات واستحالات وانتقالات وإن لم يكن فى ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز، وكذلك الجسم الدائر فى موضع واحد كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه ، وإن لم يزل متحركا. وهذه الحركات كلها فى الأجسام، وأما فى الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب ، ومن سخط إلى رضا. ومن كراهة إلى إرادة، ومن جهل إلى علم، ويجد الإنسان من حركات نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده . وذلك من جنس آخر غیر جنس حرکات بدنه . وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم؛ وإن ما يوصف به الرب تبارك وتعالى هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله ؛ وحينئذ فإذا قال السلف والأئمة: كماد بن زيد ، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة أهل السنة أنه ينزل ولا يخلو منه العرش؛ لم يجز أن يقال: أن ذلك ممتنع ، بل إذا كان المخلوق يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر، فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف البدن به ، كان جواز ذلك فى حق الرب تبارك وتعالى أولى من جوازه من المخلوق كأرواح الآدميين والملائكة. ومن ظن أن ما يوصف به الرب عز وجل لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بنى آدم ؛ فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان . ٤٥٩ وأصل هذا أن ((قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته)) لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش ؛بل هو فوق العرش ، ويقرب من خلقه كيف شاء ؛ كما قال ذلك من قاله من السلف؛ وهذا كقربه إلى موسى لماكله من الشجرة ، قال تعالى: (إِذْقَالَ مُوسَى لِأَهْلِإَِّانَسْتُ نَارَ سَنَاتِكُ مِنْهَا بِخٍَ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ الَهِرَبِّ الْعَلَمِينَ * يَمُوسَ إِنَّهُ أَنَ اللهُالْعَزِيزُالْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَالَ فَلَمَّارَءَاهَاتَرُ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَى مُدْبِرً وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَ تَّخَفْ إِ لَ يَخَافُ لَدَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلََّ مَنْ ظَلَرَ ) وقال فى السورة الأخرى (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَ هْلِهِةْءَانَسَ مِن جَانِبِ الْطُورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُثُواْ إَِّانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّءَاتِيَكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْحَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِنْ شَطِ الْوَادِالْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىّ إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولُاَنِّيًّا * وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الُْورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نَجِيَّا ) فأخبر أنه ناداه من جانب الطور، وأنه قربه نجيا وقال تعالى: ( وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ ◌َّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ مِنَ الشَّهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأَنَا قُرُونَا فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَلَكِنَّاكُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَاكُنْتَ بِجَانِبِ اُلْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَمُهُمْ مِّن ◌َذِبٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ ٤٦٠ ٠