النص المفهرس

صفحات 401-420

ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية ، ويبين أنه
لا يقول : إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك.
والذين ذكروا عن أحمد فى تأويل النزول ونحوه من ((الأفعال)) لهم
قولان :
منهم من يتأول ذلك بالقصد؛ كما تأول بعضهم قوله: ( ثُمَاُسْتَوَ إِلَى
السَّمَاءِ ) بالقصد، وهذا هو الذى ذكره ابن الزاغوني.
ومنهم من يتأول ذلك بمجىء أمره ونزول أمره، وهو المذكور فى
رواية حنبل .
وطائفة من أصحاب أحمد وغيره - كالقاضى أبى يعلى وغيره من يوافق أبا الحسن
الأشعري - على أن ((الفعل)) هو المفعول ؛ وأنه لا يقوم بذاته فعل اختيارى.
يقولون : معنى النزول والاستواء وغير ذلك: أفعال يفعلها الرب فى المخلوقات.
وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعرى وغيره ، قالوا : الاستواء فعل
فعله فى العرش كان به مستويا، وهذا قول أبى الحسن بن الزاغوني.
وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف؛ وليس الأمر كذلك. كما قد بسط
فى موضعه .
وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك، رویت من طریق کاتبه حبيب بن
٤٠١

أبي حبيب ؛ لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل ، لا يقبل أحد منهم نقله عن
مالك . ورويت من طريق آخرى ذكرها ابن عبد البر ، وفى إسنادها من
لا نعرفه .
واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث : فى النزول
والإتيان ، والمجىء وغير ذلك . هل يقال أنه بحركة وانتقال ؟ أم يقال بغير
حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفى؟ على ((ثلاثة أقوال)) ذكرها
القاضى أبو يعلى فى كتاب ((اختلاف الروايتين والوجهين)).
(فالأول) قول أبى عبد الله بن حامد وغيره.
( والثانى): قول أبى الحسن التميمى وأهل بيته.
( والثالث ) : قول أبى عبد الله بن بطة وغيره.
ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى ، وهو قول
كثير منهم، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد الرحمن وغيره .
ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ ، وهم فى المعنى منهم من يتصوره
مجملا، ومنهم من يتصوره مفصلا؛ إما مع الإصابة، وإما مع الخطأ .
والذين أثبتوا هذه رواية عن ((أحمد)) ثم، وغيرم ــ ممن ينتسب إلى السنة
والحديث - لهم فى تأويل ذلك قولان:
٤٠٢

(أحدهما) أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره.
و(الثانى): أن المراد بذلك عمده وقصده. وهكذا تأول هؤلاء قوله
تعالى: ( ثُمَّاُسْتَوَىَّإِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ ) قالوا قصد وعمد .
وهذا تأويل طائفة من أهل العربية ، منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة ،
ذكر فى كتاب ((مختلف الحديث)) له : الذي رد فيه على أهل الكلام ، الذين
يطعنون فى الحديث.
فقال : قالوا حديث فى التشبيه يكذبه القرآن والإجماع . قالوا رويتم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ينزل الله - تبارك وتعالى - إلى السماء الدنيا
فى ثلث الليل الآخر ، فيقول : هل من داع؟ فأستجيب له . أو مستغفر ؟
فاغفر له))، و((ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة)). و«ينزل ليلة النصف من
شعبان)). وهذا خلاف لقوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّ هُوَرَابِعُهُمْ وَلَا
خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ )،
وقوله: (وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ).
فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان؛ ولا يشغله شأن عن شأن.
ونحن نقول فى قوله: ( مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّهُوَرَابِعُهُمْ ): أنه معهم
بالعلم بما هم عليه، كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع ، ووكلته بأمر من أمرك:
٤٠٣

احذر التقصير والإغفال لشىء مما تقدمت فيه إليك ؛ فإنى معك ؛ يريد
أنه لا يخفى على تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك ؛ والبحث عن
أمورك؛ فإذا جاء هذا فى المخلوق والذي لا يعلم الغيب : فهو فى الخالق الذي
يعلم الغيب أجوز.
وكذلك هو بكل مكان يراك ، لا يخفى عليه شيء مما فى الأماكن ، هو فيها
بالعلم بها والإحاطة ، فكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول،
مع قوله: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) أى استقر؟ قال الله تعالى: (فَإِذَا
اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) أى استقررت، ومع قوله: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ )؟
وكيف يصعد إليه شىء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف نعرج
الملائكة والروح يوم القيامة ؟ وتعرج بمعنى تصعد، يقال عرج إلى السماء إذا
صعد، والله ذو المعارج والمعارج الدرج. فما هذه الدرج؟ فإلى من تؤدي
الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى؟!
ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم ، وما ركبت عليه خلقتهم، من معرفة
الخالق: لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى، وبالمكان الرفيع، وأن القلوب
عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترتفع بالدعاء إليه . ومن العلو يرجى الفرج
ويتوقع النصر والرزق .
٤٠٤

وهناك الكرسي والعرش، والحجب والملائكة. يقول الله تبارك وتعالى
﴿وَلَهُ، مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ*
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) . وقال فى الشهداء: (أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ بُرْزَقُونَ )
قيل لهم شهداء: لأنهم يشهدون ملكوت الله، واحدم شهيد، كما يقال : عليم
وعلماء، وكفيل وكفلاء.
) أي
لَوْأَرَدْنَا أَن تَنَّخِذَ لَوَا لَّأَ تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّاً
وقال عز وجل : (
لا تخذنا ذلك عندنا لا عندكم ؛ لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته
لاعند غيره.
والأمم كلها ؛ عجمها وعربها تقول: إن الله عز وجل فى السماء ، ما تركت
على فطرتها، ولم نقل عن ذلك بالتعليم.
وفى الحديث أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعنق
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين الله))؟ قالت: فى السماء. قال
((من أنا؟)) قالت أنت رسول الله؛ فقال ((هي مؤمنة)) وأمره بعتقها.
وقال أمية بن أبي الصلت : -
ربنا فى السماء أمسى كبيرا
مجدوا الله فهو للمجد أهل
س وسوی فوق السماء سریرا
بالبناء الأعلى الذي سبق النا
ن ترى دونه الملائك صورا
شرجعاً ما يناله بصر العيـ
٤٠٥

وصوراً جمع أصور ، وهو المائل العنق ، وهكذا قيل فى حملة العرش
صور ، وكل من حمل شيئاً ثقيلاً على كاهله أو على منكبه لم يجد بدا من
أن يميل عنقه.
وفى ((الإنجيل)) أن المسيح عليه السلام قال : لا تحلفوا بالسماء فإنها
كرسي الله. وقال للحواربين : إن أنتم غفر تم للناس فإن أباكم ــ الذي فى
السماء - يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء: فإنهن لا يزرعن ، ولا
يحصدن، ولا يجمعن فى الأهواء، وأبوكم الذي فى السماء هو الذي يرزقهم،
أفلستم أفضل منهن ؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب.
قال ابن قتيبة: وأما قوله تعالى: (وَهُوَالَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)
فليس فى ذلك ما يدل على الحلول بهما ، وإنما أراد أنه إله السماء ومن فيها
وإله الأرض ومن فيها . ومثل هذا من الكلام قولك: هو بخراسان أمير،
وبمصر أمير ؛ فالإمارة تجتمع له فيهما ، وهو حال بأحدهما أو بغيرهما . هذا
واضح لا يخفى.
فإن قال لنا : كيف النزول منه جل وعن ؟ قلنا لا تحكم على النزول منه
بشيء؛ ولكنا نبين كيف النزول منا، وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله
أعلم بما أراد.
٤٠٦

والنزول منا يكون بمعنيين:
(أحدهما) الانتقال من مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض
ومن السطح إلى الدار .
والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشىء بالإرادة والنية. كذلك الهبوط والارتفاع
والبلوغ والمصير ، وأشباه هذا من الكلام.
ومثال ذلك إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب - وهو لا يريد
المصير إليهم - فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا فازل منه وخذ يميناً، وإذا
صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالاً، وإذا سرت إلى أرض كذا فاعل
هضبة هناك حتى تشرف عليهم ؛ وأنت لا تريد فى شيء مما نقوله افعله بيدنك،
إنما تريد افعله بنيتك وقصدك .
وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحزاب تشتمهم ، وصرت إلى الخلفاء تطعن
عليهم، وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة؛ ليس
يراد فى شيء من هذا انتقال الجسم ، وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة
والعزم والنية ، وكذلك قوله: (إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْوَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ)
لا يراد به أنه معهم بالحلول ؛ ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة.
وكذلك قوله عز وجل: ((من تقرب منى شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن
تقرب منى ذراعاً تقربت منه باعاً ، ومن أتانى يمشي أتيته هرولة)).
٤٠٧

قال : وثنا عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه أن موسى عليه السلام
لما نودي من الشجرة (فَأَخْلَعْ نَعَلَيْكَ ) أسرع الإجابة، وتابع التلبية ، وما كان ذلك
إلا استئناساً منه بالصوت، وسكوناً إليه.
وقال : إنى أسمع صوتك، وأحس حسك ولا أدري مكانك فأين أنت ؟
قال: ((أنا فوقك، وأمامك وخلفك، ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك))
يريد أنى أعلم بك منك؛ لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ماوراءك،
وإذا سموت بطرفك إلى ماهو فوقك ذهب عنك على ما يحتك ، وأنا لا يخفى
علي خافية منك فى جميع أحوالك.
ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت : شغلوا قلوبهم عن الله بحب
الدنيا ، ولو تركوها لجالت فى الملكوت ثم رجعت إليهم بطرف الفائدة، ولم ترد
أن أبدانهم وقلوبهم تجول فى السماء بالحلول ؛ ولكن تجول هناك بالفكر
والقصد والإقبال .
وكذلك قول أبى ممندية الأعرابى قال : اطلعت فى النار فرأيت الشعراء
لهم كظيظ يعنى التقاء وأنشد فيه : -
# جياد بها صرعى لهن كظيظ #
ولو قال قائل فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اطلعت فى الجنة
٤٠٨

فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت فى النار فرأيت أكثر أهلها النساء»:
إن اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسناً .
قلت : وتأويل المجىء والإتيان والنزول ونحو ذلك- بمعنى القصد
والإرادة ونحو ذلك - هو قول طائفة. وتأولوا ذلك فى قوله تعالى: (ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) وجعل ابن الزاغونى وغيره ذلك: هو إحدى الروايتين
عن أحمد.
والصواب: أن جميع هذه التأويلات مبتدعة ، لم يقل أحد من الصحابة
شيئاً منها ، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان؛ وهي خلاف المعروف المتواتر
عن أئمة السنة والحديث : أحمد بن حنبل ، وغيره من أئمة السنة .
ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض
الأَمّة ، وتكون إما غلطاً أو محرفة؛ كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من
أئمة السلف فى النزول ((يفعل الله ما يشاء)) فسره بعضهم أن النزول مفعول
مخلوق، منفصل عن الله، وأنهم أرادوا بقولهم: (يفعل الله ما يشاء) هذا المعنى
وليس الأمر كذلك؛ كما تقدمت الإشارة إليه .
وآخرون - كالقاضي أبي يعلي فى ((إبطال التأويل)) - قالوا لم يرد
الأوزاعي أن النزول من صفات الفعل، وإنما أراد بهذا الكلام بقوله: ( يَفْعَلُ
ج
اُللَّهُ مَا يَشَآءُ) وشبهوا ذلك بقوله تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ
٤٠٩

◌ُكْرَمُونَ *لَا يَسْبِقُونَهُ بِلْقَوْلِوَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ
وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَيِهِ، مُشْفِقُونَ ) فزعموا أن قوله
سبحانه: ليس تنزيهاً له عن اتخاذ الولد - بناء على أصلهم الفاسد ، وهو: أن
الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال - بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه.
وكذلك جعلوا قول الأوزاعي وغيره : إن النزول ليس بفعل يشاؤه
الله ؛ لأنه عندم من صفات الذات لا من صفات الفعل ، بناء على أصلهم، وأن
الأفعال الاختيارية لا تقوم بذات الله ؛ فلو كان صفة فعل لزم أن لا يقوم بذاته؛
بل يكون منفصلاً عنه .
وهؤلاء يقولون: النزول من صفات الذات ، ومع هذا فهو عندم أزلي
كما يقولون مثل ذلك فى الاستواء ، والمجيء ، والإتيان والرضى ، والغضب،
والفرح، والضحك وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية لله ، وإنها قديمة
أزلية ، لا تتعلق بمشيئته واختياره ؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب ،
وهو أن الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره ؛ بل من هؤلاء من يقول
إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره.
بل من هؤلاء من يقول إن الفعل قديم أزلي، وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته
وقدرته ، وأكثر العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا
٤١٠

مثل ذلك فى قول من قال من المتفلسفة إن الفلك قديم أزلي ، وإنه أبدعه
بقدرته ومشيئته .
وجمهور العقلاء يقولون : الشيء المعين من الأعيان والصفات إذا كان
حاصلاً بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزلياً .
فلما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه، كالحارث المحاسبى، وأبي العباس
القلانسي، وأبى الحسن الأشعرى ، والقضاة أبى بكر بن الطيب ، وأبي يعلى بن
الفراء، وأبى جعفر السمانى، وأبى الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان؛ كأبى المعالى
الجوينى وأمثاله ، وأبى الوفاء بن عقيل ، وأبى الحسن بن الزاغونى وأمثالهما: أن
الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئه وقدرته ، ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله
الحوادث، ووافقوا فى ذلك الجهم بن صفوان، وأتباعه من الجهمية والمعتزلة،
صاروا فيما ورد فى الكتاب والسنة من صفات الرب، على أحد قولين: إما أن
يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه.
فيقولون : كلام الله مخلوق بائن عنه ؛ لا يقوم به كلام . وكذلك رضاه ،
وغضبه ، وفرحه، ومجيئه وإتيانه ، ونزوله وغير ذلك، هو مخلوق منفصل عنه،
لا يتصف الرب بشيء يقوم به عنده.
وإذا قالوا هذه الأمور من صفات الفعل : فمعناه أنها منفصلة عن الله بائنة ،
وهي مضافة إليه ؛ لا أنها صفات قائمة به .
٤١١

ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات ،
وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات ، وإما أن يجعلوا
جميع هذه المعانى قديمة أزلية ، ويقولون نزوله ومجيئه، وإتيانه وفرحه، وغضبه
ورضاه؛ ونحو ذلك: قديم أزلي، كما يقولون إن القرآن قديم أزلي.
ثم منهم من يجعله معنى واحداً، ومنهم من يجعله حروفاً، أو حروفا
وأصواتاً قديمة أزلية ، مع كونه مرتباً فى نفسه . ويقولون : فرق بين ترتيب
وجوده ، وترتيب ماهيته ، كما قد بسطنا الكلام على هذه الأمور فى غير
هذا الموضع على هذه الأقوال وقائليها ، وأدلتها السمعية والعقلية فى غير
هذا الموضع .
والمقصودهنا: أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول الصحابة والتابعين لهم
بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة - أئمة السنة والجماعة وأهل
الحديث - كالأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وعبد
الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم؛
بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من أئمة
الدين ، وعلماء المسلمين : موجودة فى الكتب التى ينقل فيها أقوالهم بألفاظها،
بالأسانيد المعروفة عنهم .
كما يوجد ذلك فى كتب كثيرة، مثل كتاب ((السنة)) ((والرد على الجهمية))
٤١٢

لمحمد بن عبد الله الجعفي، شيخ البخاري ؛ ولأبى داود السجستانى، ولعبد الله
ابن أحمد بن حنبل، ولأبى بكر الأثرم، ولحنبل بن إسحق ، والحرب الكرمانى
ولعثمان بن سعيد الدارمي، ولنعيم بن حماد الخزاعي، ولأبى بكر الخلال ، ولأبى
بكر بن خزيمة ، ولعبد الرحمن بن أبى حاتم ، ولأبى القاسم الطبرانى، ولأبى
الشيخ الأصبهائى، ولأبى عبد الله بن مندة، ولأبي عمرو الطلمنكي وأبى عمر
ابن عبد البر .
وفى كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك ، مثل تفسير عبد الرزاق
وعبد بن حميد ودحيم وسنيد ، وابن جرير الطبري، وأبى بكر بن المنذر ؛
وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم ؛ وغير ذلك من كتب التفسير ، التى ينقل
فيها ألفاظ الصحابة والتابعين ، فى معانى القرآن بالأسانيد المعروفة .
فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى؛
وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من
هذا الباب، كما يظنون أن مذهب السلف فى آيات الصفات وأحاديثها . أنه لا يفهم
أحد معانيها؛ لا الرسول ولا غيره، ويظنون أن هذا معنى قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.
إِلَّا اللّهُ ) مع نصرهم للوقف على ذلك ؛ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن
الرسول بلغ قرآناً لايفهم معناه؛ بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لايفهم معناها
وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك.
٤١٣

وهذا ضلال عظيم ، وهو أحد أنواع الضلال فى كلام الله والرسول صلى
الله عليه وسلم، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف، والتبديل، وظن
أهل التجهيل. وهذا مما بسط الكلام عليه فى مواضع؛ والله يهدينا وسائر
إخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
والمقصود هنا : الكلام على من يقول ينزل ولا يخلو منه العرش، وإن
أهل الحديث فى هذا على ثلاثة أقوال :
منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو ، كما يقول ذلك الحافظ
عبد الغنى وغيره .
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن مندة
مصنفاً فى الإنكار على من قال : لا يخلو من العرش ، أو لا يخلو منه العرش
- كما تقدم بعض كلامه.ــ.
وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول يخلو أو لا يخلو . وجمهورهم
على أنه لا يخلو منه العرش. وكثير منهم يتوقف عن أن يقال: يخلو أو لا يخلو
لشكهم فى ذلك ، وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين، وأما مع كون الواحد
منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين لكن يمسك فى ذلك لكونه ليس فى الحديث
٤١٤

ولما يخاف من الإنكار عليه . وأما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن طائفة
قليلة منهم.
والقول الثالث - وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها -
أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا
ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة ، وليس
نزوله كنزول أجسام بنى آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم
بل الله منزه عن ذلك، وسنتكلم عليه إن شاء الله، وهذه المسألة تحتاج
إلى بسط .
وأما قول النافى: إنما ينزل أمره ورحمته ؛ فهذا غلط لوجوه ، وقد تقدم
التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو . وأما إذا كان من النفاة
للعلو والنزول جميعاً؛ فيجاب أيضاً بوجوه:
(أحدها ) أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة
وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول؛ فالملائكة تنزل إلى الأرض
فى كل وقت ، وهذا خص النزول بجوف الليل ، وجعل منتهاه سماء الدنيا،
والملائكة لا يختص نزولهم لابهذا الزمان ولا بهذا المكان . وإن أريدصفات
وأعراض مثل ما يحصل فى قلوب العابدين فى وقت السحر من الرقة
والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك ؛ فهذا حاصل فى الأرض ليس منتهاه
السماء الدنيا.
٤١٥

(الثانى): أن فى الحديث الصحيح ((أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول
((لا أسأل عن عبادى غيرى)) ، ومعلوم أن هذا كلام الله الذى لايقوله غيره .
(الثالث ): أنه قال: ((ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذى يدعونى
فأستجيب له؟ من ذا الذى يسألني فأعطيه؟ من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له؟
حتى يطلع الفجر))، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل
سؤله إلا الله ، وأمره ورحمته لا تفعل شيئاً من ذلك.
( الرابع ): نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه؛ وحينئذ فهذا يقتضي
أن يكون هو فوق العالم ، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة
لبعض المثبتين : ينزل أمره ورحمته ؛ فقال له المثبت : فممن ينزل ؟! ما عندك
فوق شيء ؛ فلا ينزل منه لا أمر، ولا رحمة ولا غير ذلك ؟! فبهت النافى وكان
کبیراً فیهم .
(الخامس)؛ أنه قد روى فى عدة أحاديث: ((ثم يعرج)) وفى لفظ
(( ثم يصعد)).
(السادس): أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله
كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه «ينزل)» من الفعل الرباعي المتعدي أنه
يأمر مناديا ينادي ؛ لكان الواجب أن يقول : من يدعو الله فيستجيب له؟ من
يسأله فيعطيه؟ من يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت فى ((الصحيحين))، ((وموطأ
٤١٦

مالك)) و ((مسند أحمد بن حنبل))، وغير ذلك عن أبي هريرة رضى الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أحب الله العبد نادى فى السماء يا جبريل
إني أحب فلانا فأحبه ؛ فيحبه جبريل ؛ ثم ينادي جبريل : إن الله يحب
فلانا فأحبوه ؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض))، وقال فى
البغض مثل ذلك.
فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم الفرق بين نداء الله ونداء جبريل ،
فقال فى نداء الله : «يا جبريل ! إني أحب فلانا فأحبه)) ، وقال فى نداء جبريل
((إن الله يحب فلانا فأحبوه))، وهذا موجب اللغة التى بها خوطبنا ، بل
وموجب جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر
عن غيره فإنما يأتى باسمه الظاهر وضمائر الغيبة . وهم يمثلون نداء الله بنداء
السلطان ويقولون: قد يقال : نادى السلطان ، إذا أمر غيره بالنداء -
وهذا كما قالت الجهمية المحضة فى تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه،
لم يكن هو المتكلم.
فيقال لهم : إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره
أو يخاطبه ؛ فإن المنادى ينادي : معاشر الناس ! أمر السلطان بكذا ،
أو رسم بكذا، لا يقول إني أنا أمرتكم بذلك. ولو تكلم بذلك لأهانه الناس
ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟! والمنادي كل ليلة يقول: ((من يدعوني
فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ )) كما فى ندائه
٤١٧

لموسى عليه السلام: ( إِنَّنِى أَنَا ◌َللَّهُ لَ إِلَهَإِلَّ أَنَا فَاعْبُدُنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ )،
وقال: (أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ). ومعلوم أن الله لو أمر ملكا
أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: ((من يدعونى فأستجيب
له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟))، ولا يقول: ((لا أسأل
عن عبادي غيري) .
وأما قول المعترض : إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول فى التقدم
والتأخر والطول والقصر .
فيقال له : الجواب عن هذا كالجواب عن قولك : هل يخلو منه العرش
أو لا يخلو منه ؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ؛ فتقدم
النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك؛ بناء على أن هذا نزول لايقاس بنزول
الخلق . وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع .
( أحدها ) : أن يبين أن المنازع النافى يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن
المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت ، فإن كان مما يحتج به من المعقول حجة
صحيحة ؛ لزم بطلان النفي ، فيلزم الإثبات ؛ إذ الحق لا يخلو عن النقيضين .
وإن كان باطلاً ؛ لم يبطل به الإثبات ، فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية
والشرعة النبوية ، وهذا كما إذا قال : لو كان فوق العرش لكان جسمها، وذلك
ممتنع؛ فيقال له: للناس هنا ثلاثة أقوال :
٤١٨

منهم من يقول : هو فوق العرش وليس بجسم.
ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم، ومنهم من يقول: هو فوق
العرش ولا أقول هو جسم، ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا
النفي والإثبات ؛ لأن كليهما بدعة فى الشرع .
ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم، فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه
نفاه وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك ، وإن فسر بما يتصف الرب به
لم ينف ذلك المعنى . فالجسم فى اللغة هو البدن، والله منزه عن ذلك ، وأهل
الكلام قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة
والصورة. وكثير منهم ينازع فى كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا
وهذا؛ بل أكثر العقلاء من بنى آدم عندم أن السموات ليست مركبة، لا من
الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة؛ فكيف يكون رب العالمين مركباً
من هذا وهذا؟ فمن قال : إن الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركب ؛ فهو مخطئ
فى ذلك. ومن قصد نفى هذا التركيب عن الله ؛ فقد أصاب فى نفيه عن الله،
لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده.
ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب، أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة
فاجتمع ، أو أنه يقبل التفريق ، والله منزه عن ذلك كله.
٤١٩

وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار اليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه فى
الدعاء، وأنه يقال: هو هنا وهناك ، ويراد به القائم بنفسه ، ويراد به الموجود.
ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه ، وهو عند السلف وأهل السنة ترفع
الأيدي إليه فى الدعاء، وهو فوق العرش. فإذا سمى المسمي ما يتصف بهذه المعاني
جسماً ؛ كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسما، وتسمية الآخر
ما له حياة وعلم وقدرة جسمها.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون فى ثلاث مقامات :
(أحدها ) أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة فى الشرع واللغة؛
فلا أهل اللغة يسمون هذا جسما، بل الجسم عنده هو البدن كما نقله غير واحد
من أئمة اللغة ، وهو مشهور فى كتب اللغة ؛ قال الجوهري فى ((صحاحه)) المشهور:
قال أبو زيد: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان، وقال الأصمعي: الجسم
والجثمان الجسد، والجثمان الشخص، قال: والأجسم الأضخم بالبدن ، وقال
ابن السكيت: تجسمت الأمر أي ركبت أجسمه، وجسيمه أي معظمه، قال:
وكذلك تجسمت الرجل والجيل أي ركبت أجسمه.
وقد ذكر الله لفظ الجسم فى موضعين من القرآن ؛ فى قوله تعالى: ( وزاده
بسطة فى العلم والجسم ) وفى قوله تعالى: (وَإِذَارَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ).
والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ ، كما يقال هذا الثوب
٤٢٠