النص المفهرس
صفحات 381-400
و ((الرفض)) و ((الاعتزال)) و ((الإرجاء)) و ((خلق القرآن)) كتب إلى «أحمد ابن حنبل)): أن اكتب إلي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، ثم ذكر فيها ؛ وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، وعن حديث روي عن إسحق بن راهويه فى هذا المعنى . وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر فى الحديث عنهما وعن غيرهما، وحكمه عند أهل الأثرحكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول، لا يعرف فى أصحاب أحمدمن اسمه («أحمد بن محمد)): فيمن روى عن أحمد ابن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ، وأبي بكر الأثرم، وأحمد بن محمد ابن الحجاج، وأبى بكر المروذي، وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي، وأحمد بن محمد الصائغ، وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل ، وأحمد ابن محمد بن مزید الوراق. وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي ، وأحمد بن خالد أبا العباس البرانى، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، وأحمد بن محمد ابن عبد الله بن صالح الأسدي، وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفى، وأحمد ابن محمد بن يحيى الكحال، وأحمد بن محمدبن البخارى، وأحمد بن محمد بن بطة ، ٣٨١ وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذى، وأحمد بن سعيد وقيل : أبى الأشعبة الترمذي . وذكر فى المحمدين : محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : ولم يعد هذا فيمن روى عن مسدد أيضاً . قال : وهذا الحديث رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة على لفظ واحد منهم: أبو بكر الصديق ، وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعثمان بن أبى العاص، ومعاذ بن جبل ، وأبو أمامة، وعقبة بن عامر، وأبو ثعلبة الخشنى، ورفاعة بن عرابة الجهنى، وعبادة بن الصامت ، وعمر بن عبسة، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري ، وجابر بن عبد الله ، وجبير بن مطعم ، وأنس بن مالك، وعائشة ، وأم سلمة، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ ؛ ولا من رواه من الصحابة والتابعين والأمة بعدهم. ثم ساق الأحاديث بألفاظها؛ وذكر أن أحداً منهم لم يقل هذا اللفظ. قال: وهو لفظ موافق لرأي من زعم أنه لا يخلو منه مكان، ورأى من زعم أنه ليس له مكان . قال: وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، ولقوله: فلا يزال كذلك إلى الفجر. قلت : القائلون بذلك لم يقولوا : إن هذا اللفظ فى الحديث ؛ وليس فى ٣٨٢ الحديث أيضاً أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش؛ كما يدعيه المدعون لذلك ، فليس فى الحديث لا لفظ المثبتين لذلك ، ولا لفظ النفاة له. وهؤلاء يقولون: إنهم يتأولون النزول على غير النزول ؛ بل قد يكون من هؤلاء من ينفي نزولاً يقوم به ، ويجعل النزول مخلوقا منفصلاً عنه؛ وعامة رد ابن مندة المستقيم إنما يتناول هؤلاء؛ لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا يفضلون أباه أبا عبد الله عليه، وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره یتکلمون فيه فی ذلك كما هو معروف عنهم. قال عبد الرحمن : قال أبى فى الرد على من تأول النزول على غير النزول واحتج فى إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث موضوعة، وادعى المدبر أنه يقول يحديث النزول فرفه على من حضر مجلسه ، وأنكر فى خطبته ما أنزل الله فى کتابه من حجته ، وما بين الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه ينزل بذاته ، وتأول النزول على معنى الأمر والنهي ؛ لا حقيقة النزول . وزعم أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات فأبطل جميع ما أخرج فى هذا الباب إذا كان مذهبه غير ظاهر الحديث ، واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد. وقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) نفي التشبيه من جميع الجهات وكل المعاني، ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأمة إلا بهذا الطريق الذي هو ٣٨٣ به أولى، ثم قصد تعليل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافاً من قول الراوي ((ينزل)) و ((يقول إذا مضى نصف الليل)) وقال بعضهم « ثلث الليل ، ونصف الليل)) قال ابن مندة وليس هذا اختلافاً ولكنه جهل، واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن طارق ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه يأمر منادياً ينادي كل ليلة)). وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه . زعم أن يحي بن سعيد القطان ، وابن مهدي والبخاري ومسلما ؛ أخرجوا فى كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين تردداً منه وجهلاً وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص . رواه محاضر وغير واحد، قال ((إن الله ينزل كل ليلة)). وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر. عن زيد بن أبي أنيسة عن طارق. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله (( إن الله ينزل كل ليلة )) . وأما حديث الحسن ؛ عن عثمان بن أبي العاص فقد تقدم الكلام عليه فيما ذكرنا ؛ وليس فى هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح ؛ قال ولو سكت عن معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن ؛ إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ فى قلبه تبطيل الأخبار الصحاح واعتماد معقوله الفاسد . ٣٨٤ قلت فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه، وأبوه أعلى منه وأفقه وأسد قولاً. ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة هذا. قال: حدثنا محمد ابن محمد بن الحسن ، تنا عبد الله بن محمد الوراق، تناز كريابن يحي الساجي، ثم قال عبد الرحمن : حدثنى أحمد بن نصر قال : كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلاميٌّ من أصحاب الكلام فقال له : تقولون إن الله على عرشه لا يزول؛ ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ؟ فقال: عن حماد بن زيد: إن الله على عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء . قال عبد الرحمن : ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب، أرادا بقولهما يقرب من خلقه كيف شاء ؛ أرادا أن لا يزول عن مكانه ؛ فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد فى الكتاب والسنة . قال: وحدتنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي يبلغ أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي ، قال أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش ، قال حدثنا أحمد بن الحسن ابن زياد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي : أنا لا أومن برب يزول عن مكانه، فقل له أنا أومن برب يفعل ما يشاء. قال: رواه جماعة عن فضيل بن عياض. قال: ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب إليه الزنادقة ، فلا يبقى خلاف بين من يقول: أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول: أنا أومن برب لا يخلو منه العرش فى إبطال ما نطق به ٣٨٥ الكتاب والسنة . ثم روى بإسناده عن الفضيل بن عياض ، إذا قال الجهمى أنا أكفر برب ينزل ويصعد، فقل آمنت: برب يفعل ما يشاء. قلت : زكريا بن يحي الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث وكثير مما نقل فى كتاب ((مقالات الإسلاميين) من مذهب أهل السنة والحديث، وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش وأنه يقرب من خلقه كيف شاء. ومعنى ذلك عنده وعند من ينفى قيام الأفعال الاختيارية بذاته: أنه يخلق أعراضاً فى بعض المخلوقات يسميها نزولاً كما قال : إنه يخلق فى العرش معنى يسميه استواء. وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل ، بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان، وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه . والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته ، ولكن يقولون فى النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم فى نفي قيام الحوادث به، والسلف الذين قالوا يفعل ما يشاء وينزل كيف شاء وكما شاء ، والفضيل بن عياض الذي قال : إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء، مرادم نقيض هذا القول . ورد أبى عبد الله بن مندة متناول لهؤلاء ، وعلى هذا فلا يبقى ٣٨٦ خلاف بين من يقول ينزل ويصعد، وبين من ينفى ذلك، وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها أحد من المسلمين ، فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري القائم به، ولكنهم مع هذا ليس فى كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه، وأنه لا يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث. وروى بإسناده من ((كتاب السنة)) لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن ؛ حدثنى أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبنانى، تنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا أبي ، تنا موسى بن داود أبو معمر، نا عباد ابن العوام ، قال: قدم علينا شريك فسألته عن الحديث ((إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان)). قلنا : إن قوماً ينكرون هذه الأحاديث !! قال فما يقولون ؟ قلنا : يطعنون فيها ، فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج وبالصوم ، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث . قال : وأما حديث إسحق بن راهويه ، فرواه اسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه. قال : والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بريدة عن أحمد بن عبد الله بن محمد بن بشير ، عن الترمذي : سمعت (١) نسخة بن مردوية بدل بريدة . ٣٨٧ إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوماً فقالوا له: أيها الأمير ؛ إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله عن وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش . قال : فغضب عبد الله وبعث إلي ، فدخلت عليه وسلمت ؛ فلم يرد علي السلام غضباً ولم يستجلسنى، ثم رفع رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق! ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت لا أدري، قال: تزعم أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيافى كل ليلة ويخلو منه العرش؟ فقلت أيها الأمير ! لست أنا قلته ، قاله النبي صلى الله عليه وسلم: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسحاق، عن الأغر بن مسلم أنه قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ينزل الله إلى سماء الدنيا فى كل ليلة فيقول : من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له)) ولكن مهم يناظرونی . قال فلما ذكرت له النبي صلى الله عليه وسلم؛ سكن غضبه، وقال لى إجلس، فجلست. فقلت: حرم أيها الأمير يناظرونى. قال ناظروه، قال فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا يستطيع ؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رؤوسهم . فقلت: أيها الأمير ! مريم يجيبوا فسكتوا. فقال ويحك يا إسحاق !! ماذا سألتهم قال: قلت: أيها الأمير ! قل لهم يستطيع أن ينزل؛ ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال فأيش هذا؟ قلت : إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش؟ فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم ، وقد كفروا . وإن زعموا أنه يستطيع ٣٨٨ أن ينزل ولا يخلو منه العرش ، فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولا يخلو منه المكان . قال عبدالرحمن : والصحيح مماجری بین إسحاق وعبدالله بن طاهر ما أخبرنا أبى ، ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصرى، ثنا محمد بن حاتم ، سمعت إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذه الأحاديث التى تروونها فى النزول - يعنى وغير ذلك ما هي؟ قلت: أيها الأمير! هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام ، ونقلها العلماء ، فلا يجوز أن ترد ؛ هي كما جاءت بلا كيف . فقال عبد الله: صدقت، ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن ، قال عبد الرحمن : ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول، وتبطل قول من يقول: هي كما جاءت بلا كيف؛ فيقال: بل مخاطبة إسحاق لعبد الله بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك فى غير هذه الرواية ؛ ولكن هذه المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره: كما نقلوا فى مناظرة أحمد ابن حنبل وغيره، هذا ينقل ما لا ينقله هذا: كما نقل صالح وعبد الله والمروذى وغيرهم وكلهم ثقات ، وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر . قال الشيخ أبو عثمان النيسابورى ((الصابونى)) الملقب بشيخ الإسلام فى رسالته فى السنة قال : ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه وتعالى ٣٨٩ فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه فى قوله: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وذكر عدة آيات من ذلك؛ فإن هذا ذكره الله فى سبعة مواضع من القرآن، قال: وأهل الحديث يثبتون فى ذلك ما أثبته الله تعالى ، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله فى خبره ، ويطلقون ما أطلقه الله سبحانه من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى، و ( يَقُولُونَ ءَامَنَّابِهِ، كُلُّ مِنْ عِندِ رَيِّنَا وَمَايَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ آَلْأَلْبَبِ ) . وروى بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) كيف استوى؛ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً؛ وأمر أن يخرج من المجلس. وروى بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه ؛ ولا نقول كما قالت الجهمية: بأنه هاهنا، وأشار بيده إلى الأرض. وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - يعنى الحاكم - فى كتاب ((التاريخ)» الذى جمعه لأهل نيسابور، وفى كتاب ((معرفة أصول الحديث)) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هاني ، سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد ٣٩٠ استوى فوق سبع سمواته؛ فهو كافر به ، حلال الدم يستتاب ، فإن تاب؛ وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل . قال الشيخ أبو عثمان : ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ؛ ويكلون علمه إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك يثبتون ما أزل الله فى كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين فى قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) وقوله عزوجل (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا ). وقال : أخبرنا أبو بكر بن زكريا ، سمعت أبا حامد الشرقى ، سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف، قالا: سمعنا إسحق بن إبراهيم الحنظلى، يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف ينزل؟ قال: قلت : أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف! إنما ينزل بلا كيف. قال: وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري ، سمعت إبراهيم بن أبى طالب، سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، ٣٩١ وحضر إسحق بن إبراهيم رحمه الله ؛ فسئل عن حديث النزول أصحيح هو ؟ قال: نعم، فقال له بعض قواد عبدالله: يا أبا يعقوب! أنزعم أن الله ينزل كل ليلة؟! قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال إسحق: أثبته فوق. فقال أثبته فوق . فقال إسحاق: قال الله عز وجل: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّصَفًا) فقال الأمير عبد الله: هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟! وقال أبو عثمان : قرأت فى رسالة أبى بكر الإسماعيلى إلى أهل جيلان أن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) وقال: ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا )؛ نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف ، فلو شاء سبحانه أن يبين كيف ذلك فعل ؛ فانتهينا إلى ما أُحكمه، وكففنا عن الذى يتشابه إذ كنا قد أمرنا به فى قوله: (هُوَ اُلَّذِىَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَمٌ فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيٌْ فَيَقَبِعُونَ مَا تَشَبَّهَ مِنْهُ أبتِغَاءَالْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَآءَ تَأْوِهِ، وَمَا يَعْلَمْ تَأْوِيَهُ، إِلَّا الّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ، كُلٌ مِنْ عِندِ رَبِنَا وَمَايَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَ لْبَبٍ ). وروى عبد الرحمن بن مندة بإسناده عن حرب بن إسماعيل، قال: سألت إسحق بن إبراهيم، قلت : حديث النبى صلى الله عليه وسلم ((ينزل الله إلى السماء الدنيا» قال: نعم ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء. وقال ٣٩٢ عن حرب: لا يجوز الخوض فى أمر الله تعالى كما يجوز الخوض فى فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: (لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ). وروى أيضاً عن حرب قال: هذا مذهب أئمّة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، والحميدي وغيرهم. كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وروى أيضاً عن حرب : قال : قال إسحق بن إبراهيم: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توم ما يجوز التفكر والنظر فى أمر المخلوقين: وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله لأنه الخالق يصنع كيف شاء. وروى أيضاً عن محمد بن سلام، قال: سأل فضالة عبد الله بن المبارك عن النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال عبد الله: ياضعيف! بجد خداى خوشيركن: ينزل كيف شاء. وروى عن ابن المبارك قال : من قال لك يامشبه ! فاعلم أنه جهمي ، وقال عبد الرحمن بن مندة: إياك أن تكون فيمن يقول: أنا أومن برب يفعل ما يشاء، ثم تنفي ما فى الكتاب والسنة مما شاء الله وأوجب على خلقه ٣٩٣ الإيمان به : أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا، والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن الله لا يخلو منه مكان . وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد، عن جرير ، عن ليث ، عن بشر، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله ان ينزل عن عرشه نزل بذاته)). قلت : ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعا، ورواه ابن الجوزي فى ((الموضوعات))، وقال أبو القاسم التميمي : (ينزل)) معناه صحيح أنا أقر به، لكن لم يثبت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون المعنى صحيحاً وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأنور ؛ كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وبذاته خلق السموات والأرض ، وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكلما، وهو بنفسه وذاته استوى على العرش؛ ونحو ذلك من أفعاله التى فعلها هو بنفسه ، وهو نفسه فعلها ؛ فالمعنى صحيح؛ وليس كل ما بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفوعا. فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن مندة مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك ، من ذا الذي يسألنى فأعطيه ؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟، فلا يزال ٣٩٤ كذلك إلى الفجر)). وفى لفظ: ((إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا)» وفى لفظ حتى ينشق الفجر ثم يرتفع، وفى رواية يقول: «لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟))، وفى رواية عمرو بن عبسة : ((أن الرب يتدلى فى جوف الليل إلى السماء الدنيا))، وفى لفظ: ((حتى ينشق الفجر، ثم يرتفع)) وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق، وكذلك ليلة النصف من شعبان، وذكر نزوله يوم القيامة فى ظلل من الغمام ، وحديث يوم المزيد فى يوم الجمعة من أيام الآخرة، وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه وأمثال ذلك من الأحاديث، وهو ينكر على من يقول إنه لا يخلو منه العرش، ويجعل هذا مثل قول من يقول : إنه فى كل مكان ، ومن يقول : إنه ليس فى مكان . وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين : قول من يقول : إنه ينزل نزولا يخلو منه العرش . وقول من يقول : ما ثم نزول أصلاً كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته باختياره . وهاتان «الطائفتان)) ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريخ مكان وشغل آخر . ثم منهم من ينفي النزول عنه، ينزهه عن مثل ذلك. ومنهم من أثبت له نزولا من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر ؛ فأولئك يقولون : هذا القول باطل ؛ فتعين الأول؛ كما يقول من يقابلهم ذلك القول باطل فتعين الثاني. وهو يحمل كلام السلف «يفعل ٣٩٥ ما يشاء)) على أنه نزول يخلو منه العرش، ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله. ((وفى الجملة)): فالقائلون بأنه يخلومنه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلومنه، وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التى رواها ابن بطة وغيره ، وذكرنا أيضاً اللفظ الثابت عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد ؛ رواه الخلال وغيره . وأما ((رسالة أحمد بن حنبل)) إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم ، تلقوها بالقبول ، وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة فى كتاب ((الابانة)) واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي بعلی و کتبها بخطه . ٣٩٦ فصل وقد تأول قوم ـ من المنتسبين إلى ((السنة والحديث ))- ( حديث النزول ) وما كان نحوه من النصوص التى فيها فعل الرب اللازم : كالإتيان والمجىء ، والهبوط ونحو ذلك ، ونقلوا فىذلك قولا لمالك ، ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب أحمد - كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره - عن أحمد فى تأويل هذا الباب روايتين ؛ بخلاف غير هذا الباب ، فإنه لم ينقل عنه فى تأويله نزاعاً . وطرد ابن عقيل الروايتين فى ((التأويل)) فى غير هذه الصفة؛ وهو تارة يوجب التأويل ، وتارة يحرمه ، وتارة يسوغه . والتأويل عنده تارة ((للصفات الخبرية مطلقاً)) ويسميها الإضافات - لا الصفات - موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة ، كأبي علي بن الوليد ، وأبي القاسم بن التبان - وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري - وأبو الفرج بن الجوزى مع ابن عقيل على ذلك فى بعض كتبه، مثل ((كف التشبيه بكف التنزيه )» ويخالفه فى بعض كتبه . ٣٩٧ والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعاً فى التأويل، لا فى هذه الصفات ولا فى غيرها . وأما ما حكاه أبو حامد الغزالى عن بعض الحنبلية: أن أحمد لم يتأول إلا (ثلاثة أشياء)): ((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض))، (وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)) ((وإنى أجد نفس الرحمن من قبل اليمن)): فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد ؛ ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه. وهذا الحنبلى الذى ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف: لا علمه بما قال ، ولا صدقه فيما قال . وأيضاً : وقع النزاع بين أصحابه. هل اختلف اجتهاده فى تأويل المجيء والإتيان، والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلا نقل عنه فى ((المحنة)) أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم! (( تجىء البقرة، وآل عمران، كأنهما غمامتان ، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف)) ونحو ذلك من الحديث الذى فيه إتيان القرآن ومجيئه. وقالوا له: لا يوصف بالإتيان والمجىء إلا مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله :- وأحمد وغيره من أئمة السنة - فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجىء ثواب البقرة وآل عمران ، كما ذكر مثل ذلك من مجىء الأعمال فى القبر وفى القيامة ، والمراد منه ثواب الأعمال. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غيايتان ، أو غمامتان ، أو فرقان من طير صواف ، يحاجان ٣٩٨ عن أصحابهما)) وهذا الحديث فى الصحيح: فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ : على أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله ، وأخبر بمجىء عمله الذى هو التلاوة لهما فى الصورة التى ذكرها ، كما أخبر بمجىء غير ذلك من الأعمال. وهذا فيه كلام مبسوط فى غير هذا الموضع : هل يقلب الله العمل جوهراً قائماً بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر؟ وكذلك قوله: ((يؤتى بلوت فى صورة كبش أملح)). والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بمجىء القرآن فى هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ؛ التى هي عمله، وذلك هو ثواب قارئ القرآن ؛ ليس المراد به أن نفس كلامه الذى تكلم به ، وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين. فلم يكن فى هذا حجة للجهمية على ما ادعوه. ثم إن الإمام أحمد فى المحنة عارضهم بقوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُكَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) قال قيل: إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل ؛ ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته فى ((المحنة)) كعبد الله بن أحمد، وصالح بن أحمد ، والمروذى وغيره ؛ فاختلف أصحاب أحمد فى ذلك. فمنهم من قال : غلط حنبل ، لم يقل أحمد هذا . وقالوا حنبل له غلطات معروفة وهذا منها ، وهذه طريقة أبى إسحق بن شاقلا. ٣٩٩ ومنهم من قال : بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم. يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجىء والإتيان ، ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق ؛ بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره، فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن، لا أنه نفسه هو الجائي، فإن التأويل هنا ألزم، فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن وثوابه عمل له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن . فإذا كان الرب قد أخبر بمجىء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجىء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجىء ثوابه بطريق الأولى والأحرى. وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه ، وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا. فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة فى مجىء أعمال العباد ، والمراد مجىء قراءة القارئ التى هي عمله ، وأعمال العباد مخلوقة ، وثوابها مخلوق . ولهذا قال أحمد، وغيره من السلف: أنه يجىء ثواب القرآن، والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله. وذهب ((طائفة ثالثة)) من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا : ذلك الوقت ، وجعلوا هذا رواية عنه ، ثم من يذهب منهم إلى التأويل - كابن عقيل وابن الجوزى وغيرها - يجعلون هذه عمدتهم؛ حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزى فى تفسيره ؛ ولا يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها . ٤٠٠