النص المفهرس
صفحات 361-380
وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون ؛ كان تناقضه أعظم ؛ فإنه يقال له : فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع كان قديماً أزلياً واجباً بنفسه - ومن المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم - وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب وممكن ، وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان: أحدهما قديم واجب. والآخر محدث ممكن ؛ فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم ، بل هذا يلزمك بصريح قولك ، فإن العالم المشهود جسم تقوم به الحركات ، فإن الفلك جسم ، وكذلك الشمس والقمر والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات ؛ فجحدت رب العالمين لئلا يجعل القديم الواجب جسما تقوم به الصفات والحركات ؟! ثم فى آخر أمرك جعلت القديم الأزلى الواجب الوجود بنفسه أجساما متعددة تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم بها الصفات والحركات ، مع ما فيها من الافتقار والحاجة . فإن الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى محالها التى هي فيها ، ومواضعها التى تحملها وتدور بها ، والأفلاك كل منها محتاج إلى ما سواه ، إلى غير ذلك من دلائل نقصها وحاجتها ؟ !! . ٣٦١ والمقصودهنا: أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجوداً - وموصوفاً بصفات الكمال، لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم، وجعل نفي هذا اللازم دليلاً على نفي ما جعله ملزوماً له - لزمه فى آخر الأمر ما فر منه من جعله الموجود الواجب جسما يشبه غيره، مع أنه وصفه بصفات النقص التى يجب تنزيه الرب عنها ومع أنه جحد الخالق جل جلاله ؛ فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من كفر عامة المشركين ، فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه، ولزمه مع هذا أنه من أجهل بنى آدم وأفسدم عقلاً ونظراً وأشدم تناقضاً . وهكذا يفعل الله بالذين يلحدون فى أسمائه وآياته - مع دعوى النظر والمعقول والبرهان والقياس كفرعون وأتباعه - قال الله تعالى: (وَلَقَدْأَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابُ * فَلَمَّاجَآءَ هُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ. وَأَسْتَحْيُوْ نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِّ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ* وَقَالَ مُوسَى إِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبٍِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ: أَنَفْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللّهُ وَقَدْجَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنِيَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُ كُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَقَوْمِ لَكُمُ ٣٦٢ اُلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَن يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَ نَاقَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّسَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِىّءَامَنَ يَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ * مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَ ثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا الَّهُيُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْيَوْمَالنَّنَادِ * يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَهُمِنْ هَادٍ * وَلَقَدْجَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَازِلْتُمْ فِى سٍَّ مِّمَّاجَآءَ كُمْ بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابُ * الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمٌّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَاللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرِ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَدْهَ مَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَشْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ ). وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ * يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُوَلَهُمْ سُوءُ الذَّارِ * وَلَقَدْءَ انَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَتْنَابَنِىّ إِسْرَءِيلَ اُلْكِتَبَ * هُدَّى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ * فَاصْبِرُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ وَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ * إِنَّالَّذِينَ يُحَدِ لُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنُهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَاهُم بِبَلِغِيَةِ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). ٣٦٣ وسبب ذلك أن لفظ ((الجسم)) و((التشبيه)) فيه إجمال واشتباه كما سنبينه إن شاء الله تعالى ؛ فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد بالجسم فى اللغة، فإن الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذي فى اللغة ، كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء، وسنأتى بذلك، وإنما يريدون بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء، واعتقدوا أن كل ما تقوم به الصفات فهو مركب من أجزاء ، وهذا الاعتقاد باطل . بل الرب موصوف بالصفات ، وليس جسماً مركباً لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، كما يدعون، كما سنبينه إن شاء الله تعالى؛ فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال، بل غلطوا فى هذا التلازم. وأما ماهو لازم لا ريب فيه ؛ فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن الله تعالى. فكان غلطهم باستعمال لفظ جمل، وإحدى المقدمتين باطلة: إما الأولى وإما الثانية ، كماسيأتي إن شاء الله تعالى. وهذه قواعد مختصرة جامعة، وهي مبسوطة فى مواضع أخرى . ٣٦٤ فصل إذا تبين هذا فقول السائل: كيف ينزل ؟ بمنزلة قوله : كيف استوى؟ وقوله: كيف يسمع؟ وكيف يبصر ؟ وكيف: يعلم ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل: مالك ابن أنس، وشيخه ربيعة بن أبى عبد الرحمن ؛ فانه قد روى من غير وجه أن سائلاً سأل مالكا عن قوله: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى ) كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به ء فأخرج . ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك ، وقد روى هذا الجواب عن أم سلمة رضى الله عنها: موقوفاً ومرفوعا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك: فى أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك. ٣٦٥ وأما سؤال السائل: هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه؟ - وإمساك المجيب عن هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته - وسؤال السائل له عن هذا إن كان نفياً لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم، فخطأ منه، وإن كان استرشاداً، فحسن ، وإن كان تجهيلاً للمسؤول؛ فهذا فيه تفصيل ؛ فإن المثبت الذي لم يثبت إلا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ونفى علمه بالكيفية ؛ فقوله سديد لا يرد عليه سؤاله ، والمعترض الذي يعترض عليه بهذا السؤال ؛ اعتراضه باطل ، فإن ذلك لا يقدح فى جواب المجيب. وقول المسؤول: هذا قول مبتدع ورأى مخترع - حيدة منه عن الجواب- يدل على جهله بالجواب السديد ؛ ولكن لا يدل هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به الرسول حق ، ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح. ومما يبين ذلك: أن هذا المعترض إما أن يقر بأن الله فوق العرش ، وإما أن لا يكون مقراً بذلك. فإن لم يكن مقراً بذلك؛ كان قوله: هل يخلو العرش منه أم لا يخلو ؟ كلاماً باطلاً ، لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش . وإن قال المعترض: أنا ذكرت هذا التقسيم لأنفي نزوله وأنفي العلو - لأنه إن قال: يخلو منه العرش ، لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه ، وأن لا يكون وقت النزول هو العلى الأعلى، بل يكون فى جوف العالم والعالم محيط به . وإن قال: إن العرش لا يخلو منه ، قيل له: فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل ، فإن نزوله بدون خلو العرش منه لا يعقل - فيقال لهذا المعترض: ٣٦٦ هذا الاعتراض باطل لا ينفعك ، لأن الخالق سبحانه وتعالى موجود بالضرورة والشرع والعقل والانفاق. فهو إما أن يكون مبايناً للعالم فوقه، وإما أن يكون مداخلاً للعالم محايثاً ، وإما أن يكون لا هذا ولا هذا. فإن قلت : إنه محايث للعالم بطل قولك، فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته فى كل مكان؛ لم يمتنع عندك خلو ما فوق العرش منه بل هو دائماً خال منه، لأنه هناك ليس عندك شيء، ثم يقال لك: وهل يعقل مع هذا أن يكون فى كل مكان وأنه مع هذا ينزل إلى السماء الدنيا؟ فإن قلت: نعم ؛ قيل لك : فإذا نزل هل يخلو منه بعض الأمكنة أو لا يخلو ؟ فإن قلت : يخلو منه بعض الأمكنة ؛ كان هذا نظير خلو العرش منه . فإن قلت : لا يخلو منه مكان ؛ كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه. فان جوزت هذا؛ كان لخصمك أن يجوز هذا . فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك، بل قولك أبعد عن المعقول ، لأن نزول من هو فوق العالم أقرب إلى المعقول من نزول من هو حال فى جميع العالم فإن نزول هذا لا يعقل بحال ، وما فررت منه من الحلول وقعت فى نظيره ، بل منازعك الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم أشد تعظيمالله منك ، ويقال له : هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما محايث للآخر؟ فان قال : لا ؛ بطل قوله. وإن قال: نعم ؛ قيل له : فليعقل أنه فوق العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ، فإن هذا أقرب إلى العقل مما إذا قلت : إنه حال فى العالم. ٣٦٧ وإن قلت ؛ إنه لا مباين للعالم ولا مداخل له ؛ قيل لك : فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا محايثاً له ؟ فإن جمهور العقلاء يقولون : إن فساد هذا معلوم بالضرورة فإذا قال: نعم يعقل ذلك، فيقال له : فإن جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مبايناً للعالم ولا محايثاً له، فوجود مباين للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق العالم أقرب إلى المعقول ؛ فإنك إن كنت لا تثبت من الوجود إلا ما تعقل له حقيقة فى الخارج ، فأنت لا تعقل فى الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخلاً فى الآخر ولا محايثاً له، وإن كنت تثبت مالا تعقل حقيقته فى الخارج، فوجود موجودين أحدهما مباين للآخر أقرب إلى المعقول؛ ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش منه أقرب إلى المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل العالم، فإن حكمت بالقياس ؛ فالقياس عليك لا لك، وإن لم تحكم به؛ لم يصح استدلالك على منازعك به. وأما قول السائل : ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب : فيقال له : الجواب على ((وجهين)) جواب معترض ناف لنزوله وعلوه وجواب مثبت نزوله وعلوه، وأنت لم تسأل سؤال مستفت ، بل سألت سؤال معترض ناف . وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ساقط لا ينفعك ، فإنه سواء قيل : إنه يخلو منه العرش أو قيل لا يخلو منه العرش، ليس فى ذلك ما يصحح قولك أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا قولك إنه بذاته فى كل مكان . وإذا ٣٦٨ بطل هذان القولان تعين ((الثالث)) وهو: أنه سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ، وإذا كان كذلك ؛ بطل قول المعترض . هذا إن كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو عن النزول فقال: ينزل أمره. فقال له السائل: فممن ينزل؟ ما عندك فوق العالم شيء هممن ينزل الأمر؟ من العدم المحضر !! فيهت. وإن كان المعترض من المثبتة للعلو ، ويقول : إن الله فوق العرش ؛ لكن لا يقر بنزوله؛ بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذي هو مأمور به ، وهو مخلوق من مخلوقاته؛ فيجعل النزول مفعولاً محدثاً يحدثه الله فى السماء كما يقال مثل ذلك فى استوائه على العرش ؛ فيقال له : هذا التقسيم يلزمك فإنك إن قلت : إذا نزل يخلو منه العرش ؛ لزم المحذور الأول ، وإن قلت : لا يخلو منه العرش ؛ أثبت نزولاً مع عدم خلو العرش منه ، وهذا لا يعقل على أملك . وإن قال : إنما أثبت ذلك فى بعض مخلوقاته؛ قيل له: أي شيء أثبته مع عدم فعل اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب؛ لا يمكن أن يراد به أصلاً، مع تحريف الكلم عن مواضعه؛ فجمعت بين شيئين: بين أن ما أثبته لا يمكن أن يعقل من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أنك حرفت كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قلت : الذي ينزل ملك. قيل : هذ باطل من وجوه : ٣٦٩ (منها) : أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض، كما قال تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) وقال تعالى: ( وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلََّ بِأَمْرِرَبِّكَ). وفى ((الصحيحين)) عن أبى هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتينام وهم يصلون ، وترکنام وم يصلون)). وكذلك ثبت فى الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين فضلا، يتتبعون مجالس الذكر. فإذا حروا على قوم يذكرون الله تعالى، ينادون : هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم -: ما يقول عبادي؟ قال فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك)). وفى رواية لمسلم: «إن لله ملائكة سيارة فضلاً عن كتاب الناس يتبعون مجالس الذكر ، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر ؛ قعدوا معهم ، وحف بعضهم بعضاً حتى يملأوا ما بينهم وبين سماء الدنيا ، فإذا تفرقوا، عرجوا أو صعدوا إلى السماء. قال: فيسألهم الله عز وجل - وهو أعلم بهم -: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا ٣٧٠ من عند عبادك فى الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ، ويسألونك)). الحديث بطوله. ( الوجه الثاني) أنه قال فيه: ((من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟)). وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله، بل الذي يقول الملك: ما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل، ثم ينادي فى السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه ؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض))، وذكر فى البغض مثل ذلك. فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب؛ بل يقول: إن الله أمر بكذ أو قال كذا. وهكذا إذا أمر السلطان منادياً ينادي فإنه يقول: يا معشر الناس ! أمر السلطان بكذا، ونهى عن كذا ، ورسم بكذا، لا يقول أمرت بكذا، ونهيت عن كذا ، بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته . وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى عليه السلام بأنه أمر ملكا فكلمه ، فقال لهم أهل السنة : لو كلمه ملك لم يقل ( إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَإِلَّا أَنَأْ فَاعْبُدُنِى) بل كان يقول كما قال المسيح عليه السلام: ( مَا قُلْتُ لَهُمْإِلَّمَا أَمَرْتَنِ بِ أَنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ ). فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول ٣٧١ لمحمد صلى الله عليه وسلم ( وَمَانَتَغَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرِرَبِكٌّ لَهُ مَابَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَاخَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ) ويقول: ان الله يأمرك بكذا ويقول كذا، لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة ( إِنَِّى أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى)، ولا يقول ((من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألنى فأعطيه ؟ من يستغفرنى فأغفر له؟))، ولا يقول لا يسأل عن عبادي غيري ، كما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما ، وسندهما صحيح أنه يقول : [لا أسأل عن عبادى غيرى] . وهذا أيضاً مما يبطل حجة بعض الناس ، فإنه احتج بما رواه النسائي فى بعض طرق الحديث أنه يأمر منادياً فينادي، فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الرب يقول ذلك، ويأمر منادياً بذلك؛ لا أن المنادي يقول ((من يدعونى فأستجيب له؟)) ومن روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك ، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفاً عن سلف - فاسد فى المعقول ، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم ينزل بالضم ، وكما قرأ بعضهم (وكلم الله موسى تكليماً)، ونحو ذلك من بحريفهم اللفظ والمعنى . وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك، قيل : الرحمة التى تثبتها إما أن تكون عيناً قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة فى غيرها . ٣٧٢ فإن كانت عيناً وقد نزلت إلى السماء الدنيا، لم يمكن أن تقول من يدعوني فأستجيب له؟ كمالا يمكن الملك أن يقول ذلك. وإن كانت صفة من الصفات، فهى لا تقوم بنفسها ؛ بل لا بدلها من محل. ثم لا يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها . ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا ، فأى منفعة لنا فى ذلك؟ وإن قال : بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوّام الليل فى تلك الساعة من حلاوة المناجاة والعبادة وطيب الدعاء والمعرفة ، وما يحصل فى القلوب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره ونجليه لقلوب أوليائه ، فإن هذا أمر معروف يعرفه قوام الليل ، قيل له : حصول هذا فى القلوب حق ، لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا ، ولا يصعد بعد نزوله ، وهذا الذى يوجد فى القلوب يبقى بعد طلوع الفجر ؛ لكن هذا النور والبركة والرحمة التى فى القلوب هي من آثار ما وصف به نفسهمن نزوله بذاته سبحانه وتعالى . كما وصف نفسه «بالنزول عشية عرفة)» فى عدة أحاديث صحيحة ، وبعضها فى ((صحيح مسلم)) عن عائشة رضي الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وأنه عن وجل ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء)»؟ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إذا كان يوم عرفة ان الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتونى شعثاً غبراً ٣٧٣ ضاحين من كل فج عميق)) وعن أم سلمة رضى الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول: انظروا إلى عبادي أتونى شعثاً غبراً)) فوصف أنه يدنوعشية عرفة إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول انظروا إلى عبادي أنونى شعئاً غبراً ما أراد هؤلاء؟ فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه ، لكن ليس هذا الذى فى قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا ، ويباهي الملائكة بالحجيج. والجهمية ونحوم من المعطلة: إنما يثبتون مخلوقا بلا خالق، وأثراً بلا مؤثر، ومفعولا بلا فاعل ، وهذا معروف من أصولهم، وهذا من فروع أقوال الجهمية. وأيضاً فيقال له : وصف نفسه بالنزول كوصفه فى القرآن بأنه ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةٍ أَّامٍثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعُرْشِ ) وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان ، وبأنه نادى موسى وناجاه فى البقعة المباركة من الشجرة ، وبالمجىء والإتيان فى قوله: (وَجَءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا) وقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْيَأْتِىَ بَعْضُءَايَتِ رَبِّكُ ). والأحاديث المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى إتيان الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة، وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث ، كما احتج به إسحاق ٣٧٤ ابن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر : أمير خراسان. قال أبو عبد الله الرباطى : حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحق بن راهويه ، فسئل عن حديث النزول أصحيح هو ؟ فقال: نعم، فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب! أزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال : نعم ، قال : کیف ینزل ؟ قال أثبته فوق ، حتى أصف لك النزول ، فقال له الرجل: أثبته فوق، فقال له إسحق: قال الله تعالى: (وَجَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا) فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة !! فقال إسحق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة ، من يمنعه اليوم؟ !. ثم بعد هذا، إذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ ((هذه مسألة أخرى)) تكلم فيها أهل الإثبات . فمنهم من قال: لا يخلو منه العرش ، ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل فى رسالته إلى مسدد ، وعن إسحق بن راهويه ، وحماد بن زيد وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم. ومنهم من أنكر ذلك، وطعن فى هذه الرسالة ، وقال: راويها عن أحمد ابن حنبل مجهول لا يعرف . والقول الأول معروف عند الأئمة ؛ كماد بن زيد، وإسحق بن راهويه ٣٧٥ وغيرهما، قال الحلال فى « کتاب السنة)): حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، تنا أحمد بن محمد المقدمي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السرى حماد ابن زيد فقال: يا أبا اسماعيل! الحديث الذى جاء: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)» یتحول من مكان إلى مكان ؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو فى مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. ورواه ابن بطة فى كتاب ((الإبانة)) فقال: حدثنى أبو القاسم حفص بن عمر الأردبيلي، حدثنا أبو حاتم الرازى ، حدثنا سليمان بن حرب، قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد فقال: يا أبا اسماعيل ! الحديث الذي جاء ((ينزل الله إلى سماء الدنيا)) أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال : هو فى مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. وقال ابن بطة : وحدثنا أبو بكر النجاد، ثنا أحمد بن على الأبار ، ثنا على بن خشرم، قال: قال إسحق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التى تروونها قلت: أي شىء ، أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا !! قلت : نعم ، رواها الثقات الذين يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه. قال: نعم. قلت: ولم تتكلم فى هذا ؟! وقد رواها اللالكائي أيضاً بإسناد منقطع، واللفظ مخالف لهذا. وهذا الإسناد أصح ، وهذه والتى قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما امة ثقات. فحماد ابن زيد يقول: هوفى مكانه يقرب من خلقه كيف شاء ، فأثبت قربه إلى خلقه مع ٣٧٦ كونه فوق عرشه، وعبد الله بن طاهر - وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش ، وأشكل عليه أنه ينزل لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحق على أنه فوق العرش ، وقال له : بقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم، فقال له إسحق : لم تتكلم فى هذا؟ يقول: فإذا كان قادراً على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه ، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول : ليس فوق العرش شىء، فينكر هذا وهذا. ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم فى ((السنة))، قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث يغنى العبادي، قال: حدثنى الليث بن يحيى ؛ قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول : سمعت الفضيل بن عياض يقول : إذا قال الجهمى أنا أ كفربرب يزول عن مكانه، فقل : أنا أومن برب يفعل مايشاء . أراد الفضيل بن عياض رحمه الله مخالفة الجهمي الذى يقول إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من الأفعال الاختيارية القائمة به . فقال الفضيل : إذا قال لك الجهمي : أنا أ كفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما شاء . فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الأفعال القائمة بذاته التى يشاؤها ، لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه. ومثل ذلك ما يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف أنهم قالوا فى حديث النزول يفعل الله ما يشاء . قال اللالكائي: حدثنا المسير بن عثمان، حدثنا ٣٧٧ أحمد بن الحسين: ثنا أحمد بن على الأبار ، قال : سمعت يحيى بن معين يقول: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل ؛ فقل : أنا أومن برب يفعل ما يريد: فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به ــ كالقاضي أبى بكر ، ومن اتبعه ، وابن عقيل، والقاضي عياض ، وغيرهم .- يحمل كلامهم على أن مرادم بقولهم: «يفعل ما يشاء)) أن يحدث شيئاً منفصلاً عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلاً . وهذا أوجبه أصلان لهم: (أحدهما ) أن الفعل عنده هو المفعول، والخلق هو المخلوق، فهم يفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله تعالى: ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ) وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته ، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء ، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي؛ لا وجودي، كما يقولون مثل ذلك فى كونه يسمع أصوات العباد، ويرى أعمالهم وفى كونه كلم موسى وغيره ، وكونه أنزل القرآن ، أو نسخ منه ما نسخ؛ وغیر ذلك، فإنه لم يتجدد عندهم إلا مجرد ((نسبة)) و ((إضافة)) بين الخالق والمخلوق، وهي أمر عدمي، لا وجودي. وهكذا يقولون : فى استوائه على العرش إذا قالوا : إنه فوق العرش ، وهذا قول ابن عقيل وغيره، وهو أول قولي القاضى أبى بعلى. ويسمى ابن عقيل هذه ((النسبة)) الأحوال؛ ولعله يشبها ((بالأحوال)) التى يثبتها من يثبتها من النظار، ٣٧٨ ويقولون هي لا موجودة ولا معدومة ، كما يقول ذلك أبو هاشم، والقاضيان : أبو بكر ، وأبو يعلى، وأبو المعالي الجويني فى أول قوليه. وأكثر الناس خالفوم فى هذا الأصل ، وأثبتوا له تعالى فعلاً قائماً بذاته، وخلقاً غير المخلوق - ويسمى التكوين - وهو الذي يقول به قدماء الكلابية، كماذكره الثقفي والضبعي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خزيمة فى العقيدة التى كتبوها وقرؤوها على أبى بكر محمد بن إسحق بن خزيمة لما وقع بينهم النزاع فى ((مسألة القرآن)). وهو آخر قولي القاضي أبى يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية ، وهو الذي ذكره البغوي فى ((شرح السنة)) عن أهل السنة، وذكره البخاري إجماع العلماء، كما بسط ذلك فى مواضع أخر. و ((الأصل الثانى)): نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيشه ، ويسمون ذلك ((حلول الحوادث)). فلما كانوا نفاة لهذا، امتنع عندم أن يقوم به فعل اختيارى ، يحصل بقدرته ومشيئته ؛ لا لازم ولا متعد ؛ لا نزول ولا مجيء، ولا استواء ولا إتيان ، ولا خلق، ولا إحياء ، ولا إماتة ، ولا غير ذلك. فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ما يشاء، على أن مراده حصول مخلوق منفصل ؛ لكن كلام السلف صريح فى أنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذى يقوم به . ٣٧٩ والفضيل بن عياض رحمه الله لم يرد أنه يخلو منه العرش ؛ بل أراد مخالفة الجهمية؛ فإن قوله: ((يفعل ما يشاء)) لا يتضمن أنه لابد أن يكون تحت العرش بل كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف : كالأوزاعي ، وحماد بن زيد، وغيرهما. ومنهم من أنكر ما روى عن أحمد فى رسالته إلى مسدد، وقال: راويها عن أحمد مجهول لا يعرف فى أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي. وأهل الحديث فى هذا على ((ثلاثة أقوال)): منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبدالغنى المقدسى وغيره . ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف أبو القاسم عبدالرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفاً فى الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، وسماه: ((الرد على من زعم أن الله فى كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول)». وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش فى ((أقوال أهل السنة))، عن أبى الحسن محمد بن على المروزي، عن محمد بن إبراهيم الدينورى، عن على بن أحمد بن محمد بن موسى ، عن أحمد بن محمد البردعي التميمي ، قال : لما أشكل على مسدد بن مسرهد أمر السنة، وما وقع فيه الناس من ((القدر)) ٣٨٠