النص المفهرس

صفحات 341-360

وم لم يقصدوا هذا التناقض ؛ ولكن أوقعتهم فيه قواعدم الفاسدة المنطقية
التى زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها ، ووجود الكليات المشتركة
فى أعيانها. فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التى جعلوها قوانين تمنع مراعاتها
الذهن أن يضل فى فكره، أوقعتهم فى هذا الضلال والتناقض.
ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه ؛ وذلك يدل على
تناقضهم وجهلهم ، فإنهم قد قرروا فى القوانين المنطقية : أن الكلي هو الذى
لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ؛ بخلاف الجزئي. وقرروا أيضاً أن
الكليات لا تكون كلية إلا فى الأذهان : دون الأعيان . وأن المطلق بشرط
الإطلاق لا يكون إلا فى الذهن ، وهذه قوانين صحيحة.
ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم أن الواجب الوجود هو الوجود المطلق
بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي .
أو كما يقوله طائفة منهم: إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر
ثبوتي وسلبى؛ كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية المنتسبين إلى التشيح
والمنتسبين إلى التصوف.
أو يقوله طائفة ثالثة : إنه الوجود المطلق لا بشرط كما تقوله طائفة منهم .
وهم متفقون على أن المطلق بشرط الإطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية
٣٤١

لا يكون فى الخارج موجوداً . فالمطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتى؛
أولى أن لا يكون موجوداً . فإن المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما
سواء، والمقيد بسلب الوجود يختص بالعدم دون الوجود، والمطلق لا بشرط
إنما يوجد مطلقاً فى الأذهان .
وإذا قيل : هو موجود فى الخارج ؛ فذلك بمعنى أنه يوجد فى الخارج
مقيداً ، لا أنه يوجد فى الخارج مطلقاً ، فإن هذا باطل ؛ وإن كانت طائفة تدعيه.
فمن تصور هذا تصوراً تاماً ؛ على بطلان قولهم، وهذا حق معلوم بالضرورة.
فهذا القانون الصحيح لم ينتفعوا به فى إثبات وجود الرب ؛ بل جعلوه مطلقاً
بشرط الإطلاق عن النقيضين، أو عن الأمور الوجودية؛ أو لا بشرط ، وذلك
لا يتصور إلا فى الأذهان .
والقوانين الفاسدة أوقعتهم فى ذلك التناقض والهذيان ، وهم يفرون من
التشبيه بوجه من الوجوه ؛ ثم يقولون: الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن فهما
مشتركان فى مسمى الوجود، وكذلك لفظ الماهية ، والحقيقة، والذات. ومهما
قيل : هو ينقسم إلى واجب وممكن. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام،
فقد اشتركت الأقسام فى المعنى العام الكلي الشامل لما تشابهت فيه، فهذا
لشبيه يقولون به ، وهم يزعمون أنهم ينفون كل ما يسمى تشبيهاً ، حتى نفوا
الأسماء ، فكان الغلاة من الجهمية والباطنية لا يسمونه شيئاً فراراً
من ذلك .
٣٤٢

وأي شيء أثبتوه؛ لزمهم فيه مثل ذلك ، وإلا لزم أن لا يكون وجود
واجب الوجود ممكناً ، وقديماً ومحدثاً، وأن المحدث والممكن لا بدله من قديم
ومن المعلوم بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن، وأن المحدث الممكن لابد
له من قديم واجب بنفسه ؛ فثبوت النوعين ضروري لابد منه .
وحقيقة الأمر أن لفظ المطلق قد يغنى به ما هو كلي لا يمنع تصور معناه
من وقوع الشركة فيه . ويمتنع أن يكون شيء موجود فى الخارج قائماً بنفسه أو
صفة لغيره بهذا الاعتبار ؛ فضلاً عن أن يكون رب العالمين الأحد
الصمد كذلك.
وقد يراد بالمطلق: المجرد عن الصفات الثبوتية، أو عن الثبوتية والسلبية جميعاً؛
والمطلق لا بشرط الإطلاق. وهذا إذا قدر جعل معيناً خاصاً لا كلياً ، فإنه يمتنع
وجوده فى الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط ، لكونها كلية .
فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة فى الخارج ، والكليات
مطابقة لها .
وأما وجودشيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية ؛ فهذا يمتنع
تحققه فى الخارج كلياً وجزئياً. وكذلك المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية، بل
هذا أولى بالامتناع منه . وإذا كان هذا قد شارك سائر الموجودات فى مسمى
الوجود ولم يميز عنها إلا بالقيود السلبية، وهي قد امتازت عنه بالقيود الوجودية؛
٣٤٣

كان كل ممكن فى الوجود أكمل من هذا الذى زعموا أنه واجب الوجود، فإن
الوجود الكلي مشترك بينه وبينها، ولم يميزعنها إلا بعدم، وامتازت عنه بوجود،
فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها ، إذ الوجود أكمل
من العدم .
وأما إذا قيل : هو الوجود لا بشرط ؛ فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي
المطابق لكل موجود، وهذا لا يكون كلياً إلا فى الذهن. وأما فى الخارج؛ فلا
يوجد إلا معيناً . ومن الناس من قال: إن هذا الكلى جزء من المعينات .
فإن كان الأول هو الصواب ؛ لزم أن يكون الموجود الواجب معدوماً فى
الخارج أو أن يكون عين الواجب عين الممكن ، كما يقوله من يقوله من القائلين
بوحدة الوجود، وإن كان الثاني هو الصواب ؛ لزم أن يكون وجوده جزءاً من
كل موجود؛ فيكون الواجب الوجود جزءاً من وجود الممكنات.
ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشىء لا يكون هو الخالق له كله ، بل
يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه فضلاً عن أن يكون خالقاً لما هو بعضه ، إذ الكل
أعظم من الجزء ، فإذا امتنع أن يكون خالقاً للجزء ؛ فامتناع كونه خالقاً للكل
أظهر وأظهر .
فصحيح المنطق لم ينتفعوا به فى معرفة الله ، وباطل المنطق أوقعهم فى غاية
الكذب والجهل بالله، (وَمَنْ لَيَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُنُورًا فَمَالَهُ مِن نُورٍ )، و(اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
٣٤٤

ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ ). وهو القائل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌّ
شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ، إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ)
وهو القائل: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ
مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ
مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ
بِإِذِنِهِ، وَاللهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُإلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ما رواه مسلم فى
صحيحه : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض
عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ؛ اهدني لما
اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).
٣٤٥

فصل
وتمام الكلام فى هذا الباب أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة
ما شهدناه، فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن ، وتلك معرفة معينة
مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى فى أذهاننا قضايا عامة كلية
ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا .
فلو لا أنا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً ، وشبعاً ورياً وحباً وبغضاً،
ولذة وألماً ورضى وسخطاً ، لم نعرف حقيقة ما تخاطب به إذا وصف لنا ذلك،
وأخبرنا به عن غيرنا.
وكذلك لو لم نعلم ما فى الشاهد : حياة وقدرة ، وعلماً وكلاماً، لم نفهم
ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك . وكذلك لو لم نشهد موجوداً ،
لم نعرف وجود الغائب عنا ، فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك
هو مسمى اللفظ المتواطئ . فيهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم
الغائب ونثبته ، وهذا خاصة العقل .
ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أموراً عامة ولا أموراً غائبة عن
إحساسنا الظاهرة والباطنة، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته.
٣٤٦

ثم إن الله تعالي أخبرنا بما وعدنا به فى الدار الآخرة من النعيم والعذاب ،
وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك . فلولا معرفتنا بما يشبه
ذلك فى الدنيا؛ لم نفهم ما وعدنا به ؛ ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست
مثل هذه ؛ حتى قال ابن عباس رضي الله عنه : ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا
الأسماء، وهذا تفسير قوله (وَأَتُوابِهِ، مُتَشَبِهًا) على أحد الأقوال.
فبين هذه الموجودات فى الدنيا وتلك الموجودات فى الآخرة مشابهة
وموافقة واشتراك من بعض الوجوه ، وبه فهمنا المراد وأحيبناه ورغبنا فيه،
أو أبغضناه ونفرنا عنه ، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها فى الدنيا . وهذا
من التأويل الذي لا نعلمه نحن ، بل يعلمه اللّه تعالى؛ ولهذا كان قول من قال:
((إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله)) حقاً، وقول من قال: ((إن الراسخين فى
العلم يعلمون تأويله)) حقاً . وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة
والتابعين لهم بإحسان .
فالذين قالوا إنهم يعلمون تأويله، مرادم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه،
وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف
معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث؟ ! ! بل كان يتكلم بألفاظ لها معان
لا يعرف معانيها ؟ !!
ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله؛ أرادوا به الكيفية الثابتة التى اختص
٣٤٧

الله بعلمها : ولهذا كان السلف: كربيعة ، ومالك بن أنس وغيرهما يقولون:
الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون،
والإمام أحمد بن حنبل ، وغيرهم. وفى غير ذلك من الصفات. فمعنى الاستواء
معلوم وهو التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون ، والكيفية هي التأويل
المجهول لبنى آدم وغيرم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وكذلك ما وعد به فى الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به، وأما كيفيته
فقد قال تعالى: (فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((يقول الله تعالى:
أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على
قلب بشر)).
فما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين: نعلم تفسيره ومعناه ، ونفهم الكلام
الذي خوطبنا به ، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن، والحرير والذهب والفضة،
ونفرق بين مسميات هذه الأسماء وأما حقائقها على ماهي عليه ، فلا يمكن أن نعلمها
نحن ، ولا نعلم متى تكون الساعة. وتفصيل ما أعد الله عز وجل لعباده
لا يعلمه ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ؛ بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه
إلا الله تبارك وتعالى.
فإذا كان هذا فى هذين المخلوقين ، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم ؛
٣٤٨

فإن مباينة الله لخلقه وعظمته ، وكبرياءه وفضله: أعظم وأكبر مما بين
مخلوق ومخلوق.
فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق : بينهما
من التفاضل والتباين ما لا نعلمه فى الدنيا - ولا يمكن أن نعلمه ؛ بل هو من
التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى - فصفات الخالق عز وجل أولى أن
يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل مالا يعلمه إلا الله تبارك
وتعالى، وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه كل أحد ، بل منه ما يعلمه
الراسخون، ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة ، ومنه ما لا يعلمه إلا الله .
كما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إن التفسير على أربعة
أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير
تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، من ادعى علمه فهو كاذب .
ولفظ ((التأويل)) فى كلام السلف لا يراد به إلا التفسير، أو الحقيقة الموجودة
فى الخارج التى يؤول إليها: كما فى قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةً يَوْمَ يَأْتِى
تَأْوِيلُهُ ) الآية .
وأما استعمال التأويل : بمعنى أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح
إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو المطلق الدليل ؛ فهذا اصطلاح
٣٤٩

بعض المتأخرين؛ ولم يكن فى لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل
هذا المعني .
ثم لما شاع هذا بين المتأخرين: صاروا يظنون أن هذا هو التأويل فى قوله
تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ).
ثم طائفة تقول : لا يعلمه إلا الله، وقالت طائفة: بل يعلمه الراسخون.
وكلتا الطائفتين غالطة ؛ فإن هذا لا حقيقة له، بل هو باطل ، والله يعلم انتفاءه
وأنه لم يرده. وهذا مثل تأويلات القرامطة الباطنية، والجهمية، وغيرم، من أهل
الإلحاد والبدع.
وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها بكلامه، وما لم يرده، لا نقول إنه يعلم
أنه مراده ، فإن هذا كذب على الله عز وجل ، والراسخون فى العلم لا يقولون
على الله تبارك وتعالى الكذب، وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله عز
وجل عن نفسه - بل وبطريق الاعتبار أن لله المثل الأعلى - أن اللّه يوصف بصفات
الكمال: موصوف بالحياة، والعلم، والقدرة، وهذه صفات كمال. والخالق أحق
بها من المخلوق ؛ فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق.
ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي : يقتضى من
المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعانى لله ؛ لم نكن قد عرفنا
عن الله شيئاً، ولا صار فى قلوبنا إيمان به، ولا على، ولا معرفة، ولا محبة،
٣٥٠

ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه . فإن جميع هذه الأمور لاتكون
إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات ((تلك المعانى)) التى فيها من الموافقة والمواطأة
ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا .
ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة ؛ حصل له من العلم
والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان ، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة
ما يصير به فى هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم
ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان، وتبين له أن القول فى بعض
((صفات الله)) كالقول فى سائرها، وأن القول فى صفاته كالقول فى ((ذاته))، وأن
من أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشاركة
أحدهما الأخرى فيما به نفاها ؛ كان متناقضا .
فمن نفي النزول والاستواء، أو الرضى والغضب، أو العلم والقدرة، أو اسم
العليم أو القدير ، أو اسم الموجود، فراراً بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم؛
فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت .
فكل ما يستدل به على نفى النزول والاستواء والرضى والغضب : يمكن
منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة، والسمع والبصر، والقدرة والعلم.
وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر: يمكن منازعه أن يستدل
بنظيره على نفي العليم والقدير، والسميع والبصير . وكل ما يستدل به على نفي
هذه الأسماء : يمكن منازعه أن يستدل به على نفي الموجود والواجب.
٣٥١

ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه ، يمتنع عليه
العدم؛ فإن الموجود: إما ممكن ومحدث؛ وإما واجب وقديم . والممكن
المحدث لا يوجد إلا بواجب قديم ، فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات
الثابتة يستلزم نفي الموجود الواجب القديم ، ونفى ذلك يستلزم نفى الموجود
مطلقاً ؛ على أن من عطل شيئاً من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله
مستلزماً تعطيل الموجود المشهود.
ومثال ذلك : أنه إذا قال : النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات
الأجسام، فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله سبحانه منزه
عن هذه اللوازم؛ فيلزم تنزيهه عن الملزوم. أو قال؛ هذه حادثة، والحوادث
لا تقوم إلا بجسم مركب ، وكذلك إذا قال : الرضا والغضب والفرح والمحبة
ونحو ذلك هو من صفات الأجسام .
فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر ، والعلم والقدرة: من
صفات الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوى ويغضب ويرضى إلا جسما؛
لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسما.
فإذا قيل : سمعه ليس كسمعنا ، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست
کإرادتنا ، وکذلك علىه وقدرته:
قيل له: وکذلك رضاه لیس کرضانا ، وغضبه لیس کغضنا، وفرحه ليس
کفرحنا ، ونزوله واستواؤه لیس کنزولنا واستواتنا .
٣٥٢

فإذا قال : لا يعقل فى الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام
ولا يعقل نزول إلا الانتقال، والانتقال يقتضى تفريغ حيز وشغل آخر ، فلو
كان ينزل ؛ لم يبق فوق العرش رب .
قيل: ولا يعقل فى الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه
وينفعه، ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره، والله سبحانه وتعالى كما أخبر
عن نفسه المقدسة فى حديثه الإلهى: « ياعبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ،
ولن تبلغوا ضري فتضرونى))؛ فهو منزه عن الإرادة التى لا يعقل فى الشاهد.
إلا هي .
وكذلك السمع لا يعقل فى الشاهد إلا بدخول صوت فى الصماخ، وذلك
لا يكون إلا فى أجوف؛ والله سبحانه أحد صمد منزه عن مثل ذلك، بل
وكذلك البصر والكلام لا يعقل فى الشاهد إلا فى محل أجوف ؛ والله سبحانه
أحد صمد منزه عن ذلك.
قال ابن مسعود، وابن عباس ، والحسن، وسعيد بن جبير، وخلق من
السلف: ((الصمد)) الذي لا جوف له. وقال آخرون: هو السيد الذى كمل فى
سؤدده، وكلا القولين حق؛ فإن لفظ ((الصمد)) فى اللغة يتناول هذا وهذا،
والصمد فى اللغة السيد؛ ((والصمد)) أيضاً المصمد، والمصمد المصمت، وكلاهما
معروف فى اللغة .
٣٥٣

ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صمد، والآدميون جوف. وهذا
أيضاً دليل آخر ؛ فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت فى
صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
(( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار؛ وخلق آدم مما وصف لكم))
فإذا كانوا مخلوقين من نور ،وم لاياً كلون ولا يشربون ؛ بل هم صمد ليسوا
جوفاً كالإنسان ، وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون كما
ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة ، وم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات
الإنسان وفعله ؛ فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميين؛
فإن كليهما مخلوق. والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق
سبحانه و تعالى .
وكذلك ((روح ابن آدم)» تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد كما ثبت ذلك
بالنصوص الصحيحة ، والمعقولات الصريحة ، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها
كصفات البدن وأفعاله.
فإذا لم يجز أن يقال : إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي
هو الجسد وهي مقرونة به وهما جميعاً الإنسان، فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلاً
للجسم الذي هو بدنه؛ فكيف يجوز أن يجعل الرب تبارك وتعالى وصفاته
وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله؟ !!
فإن أراد النافى التزام أصله ؛ وقال : أنا أقول ليس له كلام يقوم به ؛ بل
٣٥٤

كلامه مخلوق؛ قيل له: فيلزمك فى السمع والبصر، فإن البصريين من المعتزلة يثبتون
الإدراك. فإن قال: أنا أقول بقول البغداديين منهم ـ فلا أثبت له سمعاً ولا
بصراً ولا كلاماً يقوم به ؛ بل أقول كلامه مخلوق من مخلوقاته لأن إثبات ذلك
تجسيم وتشبيه، بل ولا أثبت له إرادة كما لا يثبتها البغداديون ؛ بل أجعلها سلباً
أو إضافة فأقول: معنى كونه مريداً أنه غير مغلوب ولا مكره ، أو بمعنى كونه
خالقاً وآخراً -- قيل له: فيلزمك ذلك فى كونه حياً علماً قادراً، فإن المعتزلة
مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر ، وقيل له: أنت لا تعرف حياً علماً قادراً
إلا جسما؛ فإذا جعلته حياً عالمً قادراً ؛ لزمك التجسيم والتشبيه .
فإن زاد فى التعطيل وقال: أنا لا أقول بقول المعتزلة ؛ بل بقول الجهمية
المحضة، والباطنية من الفلاسفة، والقرامطة فأنفى الأسماء مع الصفات ، ولا أسميه
حياً ولا عالماً ولا قادراً ولا متكلماً إلا مجازاً بمعنى السلب والإضافة: أي هو
ليس بجاهل ولا عاجز ، وجعل غيره عالما قادراً - قيل له: فيلزمك ذلك فى
كونه موجوداً واجباً بنفسه قديماً فاعلاً ؛ فإن جهماً قد قيل : إنه كان يثبت
كونه فاعلاً قادراً ؛ لأن الإنسان عنده ليس بقادر ولا فاعل ، فلا تشبيه عنده
فى ذلك.
وإذا وصل إلى هذا المقام ؛ فلا بد له أن يقول بقول طائفة منهم، فيقول :
٣٥٥

أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم ، فلا أقول موجود ولا معدوم، أو لا موجود
ولا غير موجود، بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لابنفي ولا إثبات.
وإما أن يقول : أنا لا أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبى ؛ فلا أقول موجود
بل أقول ليس بمعدوم.
وإما أن يقال: بل هو معدوم؛ فالقسمة حاصرة. فإنه ؛ إما أن يصفه بأمر
ثبوتي فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم ، وإما أن يقول لا أصفه
بالثبوت بل بسلب العدم فلا أقول موجود بل ليس بمعدوم .
وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب ؛ فإن قال بالأول
وقال لا أثبت واحداً من النقيضين : لا الوجود ولا العدم.
قيل : هب أنك تتكلم بذلك بلسانك ، ولا تعتقد بقلبك واحداً من
الأمرين ، بل تلتزم الإعراض عن معرفة الله وعبادته وذكره، فلا تذكره قط
ولا تعبده ولا تدعوه ولا ترجوه ولا تخافه؛ فيكون جحدك له أعظم من جحد
إبليس الذى اعترف به ، فامتناعك من إثبات أحد النقيضين لا يستلزم رفع
النقيضين فى نفس الأمر ؛ فإن النقيضين لا يمكن رفعهما؛ بل فى نفس الأمر
لا بد أن يكون الشيء - أي شيء كان- إما موجوداً وإما معدوماً، إما أن
يكون، واما ألا يكون، وليس بين النفي والإثبات واسطة أصلاً.
ونحن نذكر ما فى نفس الأمر سواء جحدته أنت أو اعترفت به، وسواء
٣٥٦

ذكرته أو أعرضت عنه ؛ فإعراض الإنسان عن رؤية الشمس والقمر
والكواكب والسماء لا يدفع وجودها ، ولا يدفع ثبوت أحد النقيضين؛ بل
ے
بالضرورة ((الشمس)) إما موجودة، وإما معدومة ، فإعراض قلبك ولسانك عن
ذكر الله كيف يدفع وجوده ويوجب رفع النقيضين؟ ! فلابد أن يكون
إما موجوداً وإما معدوماً فى نفس الأمر .
وكذلك من قال : أنا لا أقول موجود ؛ بل أقول ليس بمعدوم ؛ فإنه يقال :
سلب أحد النقيضين إثبات للآخر، فأنت غيرت العبارة ؛ إذ قول القائل : ليس
بمعدوم، يستلزم أن يكون موجوداً ، فأما إذا لم يكن معدوماً ؛ إما أن يكون
موجوداً ؛ وإما ألا يكون لاموجوداً ولا معدوماً.
وهذا ((القسم الثالث)) يوجب رفع النقيضين وهو مما يعلم فساده بالضرورة،
فوجب أنه إذا لم يكن معدوماً أن يكون موجوداً .
وإن قال : بل ألتزم أنه معدوم ؛ قيل له : فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل
وجود موجودات ، ومن المعلوم أيضاً أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن
- كما نعلم نحن أنا حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث، والمطر والنبات
حادث ، والدواب حادثة ، وأمثال ذلك من الآيات التى نبه الله تعالى عليها بقوله:
(إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِى الْبَحْرِ
بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن قَآءٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَفِيهَا
٣٥٧

مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها ؛ فإن
ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه ، وهذه كانت معدومة ثم
وجدت ؛ فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها ،
فإن كليهما قد تحقق فيها ؛ فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود
محدث ممكن.
فنقول حينئذ : الموجود والمحدث الممكن لا بد له من موجد قديم واجب
بنفسه؛ فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا
من أظهر المعارف الضرورية؛ فإن الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد
فى ذاته عضواً ، ولا قدراً ، فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير ، ولا يجعل
رأسه أكبر مما هو ولا أصغر، وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك.
ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث، وهذه
قضية ضرورية معلومة بالفطرة، حتى للصبيان ؛ فإن الصبى لو ضربه ضارب وهو
غافل لا يبصره لقال: من ضربنى ؟ فلو قيل له : لم يضربك أحد ؛ لم يقبل عقله أن
تكون الضربة حدثت من غير محدث ؛ بل يعلم أنه لا بد للحادث من محدث ؛
فإذا قيل : فلان ضربك ؛ بكى حتى يضرب ضاربه ؛ فكان فى فطرته الإقرار
٣٥٨

بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ).
«وفى الصحیحین)» عن جبير بن مطعم أنه لما قدم فی فداء أساری بدر
قال: ((وجدت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب ((بالطور)) قال: فلما
سمعت هذه الآية ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ) ؟ أحسست بفؤادي
قد انصدع)).
وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن
هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها، يقول: ( أم خلقوا من غير
شيء؟!) أي: من غير خالق خلقهم ؛أم ثم خلقوا أنفسهم؟! وهم يعلمون أن كلا
النقيضين باطل ؛ فتعين أن لهم خالقاً خلقهم سبحانه وتعالى.
وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال: الوجود إما قديم وإما محدث ، والمحدث
لابد له من قديم، والموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب
ونحو ذلك. وعلى كل تقدير ، فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب
بنفسه، وموجود ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن . وهذان قد اشتركافى مسمى
الوجود، وهو لا يعقل موجودا فى الشاهد إلا جسما؛ فلزمه ما ألزمه لغيره من
التشبيه والتجسيم الذي ادعاه.
فعلم أن من نفى شيئاً من صفات الله بمثل هذه الطريقة ، فإن نفيه باطل ،
٣٥٩

ولو لم يرد الشرع بإثبات ذلك، ولا دل أيضاً عليه العقل. فكيف ينفى بمثل ذلك
مادل الشرع والعقل على ثبوته؟! فيتبين أن كل من نفى شيئاً من الصفات - لأن
ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم - لزمه ما ألزم به غيره، وحينئذ فيكون
الجواب مشاركا.
وأيضاً ، فإذا كان هذا لازما على كل تقدير ؛ على أن الاستدلال به على نفي
الملزوم باطل ، فإن الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال ؛ ولهذا لا يوجد
الاستدلال بمثل هذا فى كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها ، وإنما هو مما أحدثته
الجهمية والمعتزلة، وتلقاه عنهم كثير من الناس: ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن
الرب ، مثل أن ينفي عنه النقائص التى يجب تنزيه الرب عنها: كالجهل، والعجز،
والحاجة وغير ذلك. وهذا تنزيه صحيح ؛ ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم
التجسيم والتشبيه فيعارض بما أثبته ؛ فيلزمه التناقض.
ومن هنا دخلت ((الملاحدة الباطنية)) على المسلمين حتى ردوا عن الإسلام
خلقاً عظيما صاروا يقولون لمن نفى شيئاً عن الرب ــ مثل من ينفي بعض
الصفات، أو جميعها أو الأسماء الحسنى - ألم تنف هذا؟ لئلا يلزم التشبيه والتجسيم؟!
فيقول : بلى ! فيقول: وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته؛ فيحتاج أن يوافقهم على
النفي شيئاً بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه؛ ولا يذكره
بلسانه، ولا يعبده ، ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه ، بل يعطل نفسه عن
الإيمان به ، وقد عرف تناقض هؤلاء.
٣٦٠