النص المفهرس
صفحات 281-300
((المعنى الأول)) ثابت باتفاق الناس ؛ فإنهم متفقون على أن الله تبارك وتعالى ليس له مثل من الموجودات، وأن مباينته للمخلوقين فى صفاتهم أعظم من مباينة كل مخلوق لمخلوق، وأنه أعظم وأكبر من أن يكون مماثلاً لشيء من المخلوقات أو مقارباله فى صفاته ؛ لكن هذا المعنى ليس هو الذي قصده الناظم ، ولا قصد أيضاً ((المعنى الثالث)) لأنه جعل نفى المباينة يستلزم الحلول والاتحاد ، وهذا إنما هو ((المعنى الثانى)) وإلا ((فالمعنى الثالث)) نفيه يستلزم الملاصقة والمماسة، والناظم لم يذكرذلك. وهذا المعنى ((الثالث)) يستلزم الثانى من غير عكس؛ فإن المباينة الخاصة المقابلة للملاصقة صفة تستلزم المباينة العامة المقابلة للمداخلة والمحايثة من غير عكس . وإذا عرف أن الناظم أراد هذه المباينة العامة وهى المباينة المشهورة فى اللغة وكلام الناس وكلام العلماء ، فإن المنازعين له يقولون: لا نسلم أنه إذا لم يكن مباينا لزم الحلول أو الاتحاد؛ فإن هذا مثل قول القائل: إذا لم يكن خارجاً عن العالم كان داخلاً فيه ، وقد على أن المخالف له يقول: لا هو داخل العالم ولا هو خارجه فكذلك يقول: لا مباين ولا محايث ، ولا مجامع ولا مفارق ، ويقول : إنما نفيت المباينة والمحادثة جميعاً ، والحلول والاتحاد يدخلان فى المحايثة، فلا أسلم إذا ٥ لم أكن مباينا للخالق أن يكون حالا فى أو متحدا بى. وهذا معلوم من قول النفاة؛ فإن ((النفاة)) الذين يقولون: إن الخالق ليس فوق العالم ولا خارجاً عنه مبايناً له ، منهم من يقول: إنه حال فيه أو متحد به، ٢٨١ وقد وافقهم على ذلك طائفة من الحنفية، والمالكية، والشافعية ، والحنبلية، ومتأخري أهل الحديث ، والصوفية. ثم هؤلاء الذين ينفون علوه بنفسه على العالم م فى رؤيته على قولين : منهم من يقول : إنه نجوز رؤيته وذلك واقع فى الآخرة، وهذا قول كل من انتسب إلى السنة والجماعة من طوائف أهل الكلام وغيرم، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية ، وقول أهل الحديث قاطبة ، وشيوخ الصوفية، وهو المشهور عند أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء، وعامة هؤلاء يثبتون الصفات ؛ كالعلم والقدرة ونحو ذلك. ومنهم طائفة ينفون الصفات مع دعوام أنهم يثبتون الرؤية : كابن حزم، وأبى حامد فى بعض أقواله. و(القول الثانى) قول من ينكر الرؤية كالمعتزلة وأمثالهم من الجهمية المحضة من المتفلسفة والقرامطة وغيرهم ، وكذلك ينفون الصفات ويقولون بإثبات ذات بلاصفات، وهل يوصف بالأحوال ؟ على قولين . أو يقولون بإثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق لا يوصف بشيء من الأمور الثبوتية، كما هو قول ابن سينا وأمثاله، مع قولهم فى أصولهم المنطقية: إن المطلق بشرط الإطلاق يوجد فى الخارج، لكنه هل هو نفس المعين أو كلي مقارب للمعين. ٢٨٢ فالصواب عندم هو الأول ، ولكن الثاني هو قول كثير من أهل المنطق مع تناقض أقوالهم فى ذلك، وبنوا على هذا من الجهالات مالا يحصيه إلا الله تعالى؛ كما قد بسط فى غير هذا الموضع، وعلى هذا فإذا جعل هو الوجود المطلق لا بشرط . وقيل : إن المطلق جزء من المعين ملازم له كان الوجود الواجب جزءاً من الموجودات الممكنة ، وإذا قيل : ليس فى الخارج مطلق مغاير للأعيان الموجودة وهو الصواب. إذ ليس فى هذا الإنسان جواهر بعدد ما يوصف ، فإذا قيل هو جسم حساس قائم متحرك بالإرادة ناطق لم يكن فى الإنسان المعين جواهر قائمة بأنفسها غير ذلك المعين ، وهذا المعلوم بالضرورة . وعلى هذا فإذا قيل إن الحق هو الوجود المطلق لا بشرط كان الوجود الواجب هو عين وجود الممكنات ، فلا يكون هناك موجودان أحدهما واجب والآخر ممكن ، وهذا قول أهل الوحدة ، وهو تصريح بنفي واجب الوجود المبدع للموجودات الممكنة، وتصريح بأن الوجود الواجب يقبل العدم والحدوث كما نشاهده من حدوث الحوادث وعدمها ، وهذا مع أنه كفر صريح فهو من اعظم الجهل القبيح، وكل من قال: إن الرب وجود مطلق لزمته هذه الأقوال ونحوها التى مضمونها نفي وجوده ؛ وكذلك إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات أمر يقدره الذهن وإلا فوجوده فى الخارج ممتنع ، ولفظ ذات يقتضي ذلك؛ فإن ذات هي فى الأصل تأنيث ذو ، وأصل الكلمة ذات الصفات أي : النفس ذات الصفات ، فلفظ الذات معناه الصاحبة والمستلزمة للصفات ، هذا من جهة اللفظ . ٢٨٣ وأما من جهة المعنى فلأن كل موجود لا بد له من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه، وكل من الموجودات يقال له : ذات ، فكلها مشتركة فى مسمى الذات كما هي مشتركة فى مسمى الوجود ، فلا بد أن يكون لكل من الذاتين ما تختص به عن الأخرى، كما أنه لا بد لكل من الموجودين ما يميزه عن الآخر فاذا قدر ذات مطلقة لا اختصاص لها كان ذلك ممتنعاً ، كوجود مطلق لا اختصاص له . فلا بد أن تختص كل ذات بما يخصها ، وذلك الذي يخصها ما توصف به من الخصائص ، فذات لا حقيقة لها توصف بها محال . والكلام على هذا مبسوط فى غير هذا الموضع . والمقصود : التنبيه على مجامع مقالات الناس فى هذا المقام ، وإن جميع الناس يلزمهم القول بهذه القضية الضرورية التى ذكرها أهل الاثبات ، وهو امتناع وجود موجودين ليس أحدهما داخلا فى الآخر ولا خارجاً عنه ، ولا مبايناً له ولا محايثاً له، وامتناع وجود موجود لا يشار إليه ولا إلى محله، وإن من أنكر هذه القضية لزمه احد أمرين : إما الإقرار بقضايا ضرورية هذه أبين منها . وإما جحد عامة القضايا الضرورية الحسية . وذكرت مقالات الناس ليتبين مناظرة بعضهم لبعض فى هذا المقام . فيقول المثبتون لمباينة الله : مستو على عرشه ليس بجسم ولا متحيز، فاستواؤه على عرشه ثابت بالسمع ، وعلوه ومباينته معلوم بالعقل مع السمع . ٢٨٤ وإذا لم يكن متحيزاً بطلت دلائل النفاة لكونه على العرش: كقولهم؛ إما أن يكون أكبر من العرش ، وإما أن يكون أصغر ، وإما أن يكون مساوياً للعرش. وكقولهم: إذا كان كذلك كان لهمقدار مخصوص فيستدعى مخصصاً، ونحو ذلك؛ فإن المثبتة تقول لهم: هذا إنما يلزم إذا كان جسما متحيزاً؛ فأما إذا كان فوق العرش ولم يكن جسما متحيزا لم يلزم شيء من هذه اللوازم. وحينئذ فنفاة العلوم بين أمرين: إن سلموا أنه على العرش مع أنه ليس بجسم ولا متحيز بطل كل دليل لهم على نفي علوه على عرشه؛ فإنهم إنما بنوا ذلك على أن علوه على العرش مستلزم لكونه جسما متحيزاً ، واللازم منتف فينتفى الملزوم؛ فإذا لم تثبت الملازمة لم يكن لهم دليل على النفي، ولا يبقى للنصوص الواردة فى الكتاب والسنة - بإثبات علوه على العالم ما يعارضها ، وهذا هو المطلوب . وإن قالوا : متى قلتم: على العرش، لزم أن يكون متحيزاً أو جوهراً منفرداً وإثبات العلو على العرش مع نفي التحيز معلوم الفساد بالضرورة. قيل لهم : لا ريب أن هذا القول أقرب إلى المعقول من إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ؛ فإنا إذا عرضنا على عقول العقلاء قول قائلين: أحدهما يقول بوجود موجود خارج لا داخل العالم ولا خارجه ، وآخر يقول بوجود موجود خارج العالم وليس بجسم، كان القول الأول أبعد عن المعقول ، ٢٨٥ وكانت الفطرة والضرورة للأول أعظم إنكاراً ، فإن كان حكم هذه الفطرة والضرورة مقبولا لزم بطلان الأول ، وإن لم يكن مقبولاً لم يجز إنكارم للقول الثاني ، وعلى التقديرين لا يبقى لهم حجة على أنه ليس بخارج العالم ، وهو المطلوب . وهذا تقرير لا حيلة لهم فيه يبين به تناقض أصولهم ، وأنهم يقبلون حكم الفطرة ويردونه بالتشهي والتحكم؛ بل يردون من أحكام الفطرة والضرورة ماهو أقوى وأبين وأبده للعقول مما يقبلونه. والمقصود هنا بيان أنه مباين للعالم خارج عنه ، وم إنما ينفون ذلك بأنه يستلزم أن يكون متحيزاً: إما جسماً، وإما جوهراً منفرداً، وذلك أنه إن كان ما يحاذي هذا الجانب من العرش غير ما يحاذي هذا الجانب كان منقسما وكان جسما، وإن لم يكن غيره كان فى الصغر بمنزلة الجوهر الفرد، وهذا لا يقوله عاقل . فإذا قال لهم طوائف من المثبتة : يمكن أن يكون فوق العرش ولا يقبل إثبات هذه المحاذاة ولا نفيها؛ لأن ذلك إنما يكون أن لو كان متحيزاً ؛ فإذا لم يكن متحيزاً أمكن أن يكون فوق العالم ولا يوصف بإثبات ذلك ولا بنفيه ، وقالوا : إثبات العلو مع عدم المحاذاة والمسامتة غير معقول ، أو معلوم الفساد. ٢٨٦ فيقال لهم : إثبات الوجود مع عدم المباينة والمحادثة والدخول والخروج أبعد عن العقل ، وأبين فساداً فى المعقول ، وكل عاقل سليم الفطرة إذا عرضت عليه وجود موجود خارج العالم غير محايث للعالم ، ووجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ، تكون نفرة فطرته عن الثاني أعظم ، وإن قدر أن فطرته تقبل الثاني فقبولها للأول أعظم. وحينئذفهما يذكره النفاة من إمكان وجود موجود لاداخل العالم ولا خارجه : إما أن يكون مقبولا ، وإما أن لا يكون . فإن لم يكن مقبولاً بطل أصل قولهم ، وإن كان مقبولاً فكلما دل على ذلك كانت دلالته على إمكان وجود موجود خارج العالم ليس متحيز أقوى وأظهر ؛ فإنه إذا ثبت أن هذا ممكن فى العقل فذاك أولى بالامكان ، وإذا كان ذلك ممكناً لم يكن ما يذكرونه من الأدلة على نفي التحيز نافياً لعلوه على العالم وارتفاعه على عرشه ، فلا يكون لهم دليل على نفي ذلك ، وهذا هو المطلوب. فإذا بطل ما ينفون به ذلك- فمعلوم أن السمعيات تدل على ذلك ، إما دلالة قطعية وإما ظاهرة، والظواهر التى لا معارض لها لا يجوز صرفها عن ظواهرها ؛ فكيف إذا قيل : إن العلو والمباينة معلوم بالفطرة والضرورة والأدلة العقلية النظرية كما هو مبسوط فى موضعه ؟ !. ومما يوضح هذا أن النفاة إذا أثبتوا موجوداً لاداخل العالم ولا خارجه فإنهم لا يثبتونه بضرورة - لا وجوده ولا إمكان وجوده - بل كلاهما يثبتونه ٢٨٧ بالنظر ؛ بخلاف المثبتة فإنهم يقولون : امتناع هذا معلوم بالضرورة. وقد يقولون: علو الخالق معلوم أيضاً بالفطرة التي فطر الناس عليها ، التى هي من أقوى العلوم الضرورية ؛ فإن ما فطر الناس عليه من المعارف أقوى من كونهم مضطرين إليه من المعارف التى لا يضطرون إليها إلا بعد تصور طرفيها ؛ أو بعد نوع من التأمل. والضروري قد يفسر بما يلزم نفس المخلوق لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه وقد يفسر بما يحصل للعبد بدون كسبه واختياره. والمقصود أن القول بوجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل أحد من العقلاء أنه معلوم بالضرورة ، وكذلك سائر لوازم هذا القول : مثل كونه ليس بجسم ولا متحيز ونحو ذلك؛ لم يقل أحد من العقلاء: إن هذا النفي معلوم بالضرورة ؛ بل عامة ما يدعى فى ذلك أنه من العلوم النظرية ، والعلوم النظرية لابد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية؛ والألزم ((الدور القبلى)) و((التسلسل)» فيما له مبدأ حادث ، وكل هذين معلوم الفساد بالضرورة، متفق على فساده بين العقلاء . وإذا كان كذلك؛ فما من مقدمة ضرورية ينى عليها الإمكان أو الإثبات : كوجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه؛ إلا وانتفاء هذه النتيجة أقوى فى العقل من تلك المقدمة ، والجزم بكونها ضرورية أقوى من الجزم بكون مقدمة الدليل المعارض ضرورية ، ٢٨٨ يوضح ذلك: أن المعارض غايته أن يقول: لو كان خارج العالم لكان جسم) أو لكان متحيزاً ، وذلك منتف فلا يكون خارج العالم؛ والدليل الذي ينفون به ذلك: مقدماته فيها من الخفاء والاشتباه ما لا يخفى على من نظر فى ذلك. وبسبب ما فيها من الخفاء والاشتباه أحسن الظن بها كثير من الناس ، وحسن ظنهم بها مستند إلى تقليد من قالها ؛ لا إلى جزم عقولهم بها ؛ فهم ينهون العامة عن تقليد الرسل فيما أخبرت به من صفات الله تعالى؛ لزعمهم أن العقل عارضها؛ مع الجزم بأن الرسل لا تقول إلا حقاً. ولم يقلدون رؤوسهم فى معارضة ذلك بمقدمات يزعمونها عقليات ، وأتباعهم لم تجزم بها عقولهم لكنهم يقلدون رؤوسهم فيها . ولهذا تجدهم إذا حققوا الأمر فيها ونوزعوا فيها وبين لهم مستند المنع فيها لجأوا إلى الجهل الصريح، فإما أن يحيلوا بالجواب على من مات وغاب - وهو عند التحقيق أوغل منهم فى الارتياب والاضطراب - وإما أن يخرجوا عما يجب فى المناظرة والجدال إلى حال أهل الظلم وسفهاء الرجال . وإما أن يتوهموا أن هذا كفر يخالف الدين . وم فى قولهم قد خالفوا الكتاب والرسول واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، وقالوا ما لم يقله أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من أئمة المسلمين . ومما يوضح الأمر فى ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على ٢٨٩ مقدماته ؛ بل كل طائفة تقدح فى دليل الأخرى . فالفلاسفة تقدح فی دلیل المعتزلة على نفي الصفات ؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل المعتزلة مبنى على أن القديم لا يكون محلاً للصفات والحركات فلا يكون جسماً ولا متحيزاً ؛ لأن الصفات أعراض ، وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات وأن الجسم لا يخلو منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث . بل الأشعرى نفسه ذكر فى رسالته إلى أهل الثغر: أن هذا الدليل الذى استدلوا به على حدوث العالم - وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها - هو دليل محرم فى شرائح الأنبياء، لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم ، وذكر فى مصنف له آخربيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم ، وأبو حامد الغزالى وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التى نفوا بها الصفات، وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم ؛ بل وحجزم عن إقامة دليل على التوحيد ، وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر. فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح فى مقدمات دليل الفريق الآخر الذى يزعم أنه بنى عليه النفي، كان فى هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها، وإن قيل: إن هؤلاء ٢٩٠ قدحوا فى هذه المقدمات الضرورية . قيل : فإذا جوزتم على أئمة النفاة أن يقدحوا بالباطل فى المقدمات الضرورية [فا] لتى يستدل بها أهل الإثبات أولى وأحرى . وقد بسط فى غير هذا الموضع الكلام على أدلة النفاة ومقدمات تلك الأدلة على وجه التفصيل، بحيث يبين لكل ذي عقل خروج أصحابها عن سواء السبيل ، وأنهم قوم سفسطوا فى العقليات وقرمطوا فى السمعيات ، ليس معهم على نفيهم لا عقل ولا سمع، ولا رأي سديد ولا شرع ؛ بل معهم شبهات يظنها من يتأملها بينات (كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْئَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَاجَاءَ هُ لَمْيَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُفَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). ولهذا تغلب عليهم الخيرة والارتياب، والشك والاضطراب. وقد صارت تلك الشبهات عندم مقدمات مسلمة ، يظنونها عقليات أو برهانيات، وإنما هي مسلمات لما فيها من الاشتراك والاشتباه، فلا تجد لهم مقدمة إلا وفيها ألفاظ مشتبهة ، فيها من الإجمال والالتباس ما يضل بها من يضل من الناس ، وكيف تكون النتيجة المثبتة بمثل هذه المقدمات دافعة لتلك القضايا الضروريات؟ وهذا الذي قد نبه عليه فى هذا المقام: كما أمعن الناظر فيه ، وفيما تكلم أهل النفي فيه : ازداد بصيرة ومعرفة بما فيه؛ فإنه لا يتصور أن بنى النفي على مقدمات ضرورية تساوي فى جزم العقل بها مقدمات أهل الإثبات الجازمة ٢٩١ الفساد نتيجتهم ، وهو قولهم : إنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه ، جزماً لا يساويه فيه جزم العقل بالمقدمات التى تبنى عليها هذه النتيجة الثابتة ؛ امتنع أن يزول ذلك الجزم العقلى الضروري بنتيجة مقدمات ليست مثله فى الجزم. وهذا الكلام قبل النظر فى تلك المقدمات المعارضة لهذا الجزم هل هي صحيحة أو فاسدة ، وإنما المقصود هنا أنه لا يصلح للمناظرة ولا يقبل فى المناظرة أن يعارض هذا الجزم المستقر فى الفطرة بما يزعمه من الأدلة النظرية، وهذا المقام كاف فى دفعه؛ وإن لم تحل شبهاته ، كما يكفي فى دفع السوفسطائي أن يقال : إنما تنفيه قضايا ضرورية فلا يقبل نفيها بما يذكر من الشبه النظرية. ( وأما الجواب الثاني التفصيلى): فهو بيان فساد حجج النفاة على إمكان ما ادعوه . قالت المثبتة: ما ذكرتموه من الحجج على إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه حجج سوفسطائي . أما الإنسانية المشتركة بين الأناسي ونحوها من ((الكليات)) فهذه لايقال إنها موجودة خارج الذهن لا داخل العالم ولا خارجه ؛ فإنها أمور ثابتة فى الذهن والتصور ، وإذا قيل إنها موجودة فى الخارج فلا بد أن تكون عينا قائمة بنفسها أو صفة قائمة بالعين ، ولا ريب أنها لا توجد فى الخارج كلية مطلقة بشرط ما هو معقول بشرط إلاطلاق ، وإنما توجد فى الخارج معينة مشخصة . ٢٩٢ فقول القائل : إن التفتيش يخرج من المحسوس ما هو معقول: إن أراد به أنه معقول ثابت فى العقل فما هو ثابت فى العقل ليس هو الموجود فى الخارج بعينه. وإن أراد أن فى المحسوس الموجود فى الخارج أمراً معقولاً ليس هو فى الذهن ، فهذا باطل ؛ فليس فى الإنسان المعين إلا ما هو معين ، وهو هذا الإنسان المعين - بدنه، وروحه، وصفاته - وهذا كله أمر معين، مقيد مشخص ، ليس هو كلياً ولا مطلقاً . وما ذكره من إثبات المتباينين - عقولاً ونفوساً - لا داخل العالم ولا خارجه ليس بحجة ، بل هم مخصومون بهذه الحجة وغيرها ، كما يخصم بها نظراؤم؛ لا سيما وقولهم بذلك أبين فساداً وأدحض حجة من أقوال نفاة الصفات والعلو ، فكيف يستدل على القول بما هو أضعف منه وأبعد عن الحق؟! وقد على أن عامة العقلاء من أهل الملل وغيرهم يردون هذا عليهم. وأما قوله: إنهم لم يكونوا بذلك قائلين ما يعلم فساده بالضرورة ؛ فليس الأمر كذلك ؛ بل المثبتة الذين يقولون: إن الموجودين لا بد أن يكونا متباينين أو متحايثين يقولون : إن ما ادعاه هؤلاء مما يخالف هذا معلوم الفساد بالضرورة . بل أئمة ((أهل الكلام)) النافون للعلو يدعون العلم الضرورى : بأن الممكن إما جسم أو قائم بجسم ، وإنما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ٢٩٣ ممكنة ليست أجساماً ولا أعراضاً قائمة بالأجسام: كالعقل والنفس، والهيولى، والصورة، التى يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ، ليست أجساماً ولا أعراضاً لأجسام؛ فإن أئمة (( أهل النظر)) يقولون : إن فساد هذا معلوم بالضرورة. كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام. ومن لم يهتد لهذا كالشهر ستاني، والرازي، والآمدي ، ونحوم، فهم ناظروا الفلاسفة مناظرة ضعيفة ، ولم يثبتوا فساد أصولهم كما بين ذلك أئمة النظر الذين م أجل منهم ، وسلم هؤلاء للفلاسفة مناظرة ضعيفة، ولم يبينوا فساد أصولهم؛ إلى مقدمات باطلة استزلوم بها عن أشياء من الحق، بخلاف أئمة أهل النظر كالقاضي أبي بكر ، وأبي المعالي الجوينى ، وأبي حامد الغزالي ، وأبي الحسين البصري، وأبي عبد الله بن الهيصم الكرامي، وأبي الوفاء علي ابن عقيل . ومن قبل هؤلاء : مثل أبي على الجبائي، وابنه أبي هاشم، وأبي الحسن الأشعري، والحسن بن يحيى النوبختي. ومن قبل هؤلاء: كأبي عبد الله محمد بن كرام، وابن كلاب، وجعفر ابن مبشر ، وجعفر بن حرب ، وأبي إسحاق النظام، وأبي الهذيل العلاف، وعمرو بن بحر الجاحظ ؛ وهشام الجواليقي، وهشام بن الحكم، وحسين ابن محمد النجار ، وضرار بن عمرو الكوفى ، وأبي عيسى محمد بن عيسى ٢٩٤ برغوث ، وحفص الفرد، وغير هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله من أئمة أهل النظر والكلام ؛ فإن مناظرة هؤلاء للمتفلسفة خير من مناظرة أولئك. وهؤلاء وغيرهم لا يسلمون للفلاسفة إمكان وجود ممكن لا هو جسم ولا قائم بجسم؛ بل قد صرح آتمتهم بأن بطلان هذا (القسم الثالث)) معلوم بالضرورة بل قد بين أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الصفاتية: كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، وأبى عبد الله بن مجاهد، وغيرهم من الحصار الموجودات فى المباين والمحايث ، وأن قول من أثبت موجوداً غير مباين ولا محايث معلوم الفساد بالضرورة ، مثل مابين أولئك انحصار الممكنات فى الأجسام وأعراضها وأبلغ . وطوائف من النظار قالوا ؛ ما ثم موجود إلا جسم أو قائم بجسم - إذا فسر الجسم بالمعنى الاصطلاحي؛ لا اللغوي، كما هو مستقر فى فطر العامة. وهذا قول كثير من الفلاسفة أو أكثرم، وكذلك أيضاً الأمة الكبار كالإمام أحمد فى رده على الجهمية ، وعبد العزيز المكي فى رده على الجهمية ، وغيرها، بينوا أن ما ادعاه النفاة من إثبات قسم ثالث ليس بمباين ولا محايث معلوم الفساد بصريح العقل ، وأن هذه من القضايا البينة التى يعلمها العقلاء بعقولهم ، وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة؛ كما لم يثبتوا ٢٩٥ لفظ التحيز ولا نفوه، ولا لفظ الجهة ولا نفوه، ولكن أثبتوا الصفات التى جاء بها الكتاب والسنة، ونفوا مماثلة المخلوقات. ومن نظر فى كلام الناس فى هذا الباب وجد عامة المشهورين بالعقل والعلم يصرحون بأن إثبات وجود موجود لا محايث للآخر ولا مباين ونحو ذلك معلوم بصريح العقل وضرورته . (وأما الحجة الثالثة ) فقوله : إن العقل يقسم المعلوم إلى مباين ومحايث، وما ليس بمباين ولا محايث ونظائره . فيقال له : التقسيم المعلوم إلى واجب وممكن، وما ليس بواجب ولا ممكن ، وإلى قديم ومحدث ، وما ليس بقديم ولا محدث، وإلى قائم بنفسه وقائم بغيره، وما ليس بقائم بنفسه ولا بغيره ، وأمثال ذلك من تقديرات الذهن . ومعلوم أن مثل ذلك لا يدل على إمكان ذلك فى الخارج ، فليس كل ما فرضه الذهن من الأقسام والتقديرات فى الأذهان يكون ممكناً أو موجوداً فى الأعيان، بل الذهن يقسم ما يخطر له إلى واجب وممتنع وممكن، وإلى موجود ومعدوم؛ فالذهن يقدركل ما يخطر بالبال، ومعلوم أن فى ذلك من الممتنعات ما لا يجوز وجوده خارج الذهن. وأما قوله: إن التقسيم إلى مباين ومحايث لا يعلم فساده كما لا يعلم فساد أن الواحد نصف الاثنين . فنقول : إن القضايا الضرورية ليس من شرطها أن ٢٩٦ تكون مفرداتها بينة لكل أحد ؛ بل شرطها أن تكون مفرداتها إذا تصورت جزم العقل بها، وتصور الواحد نصف الاثنين بين لكل أحد ؛ فلهذا كان التصديق التابع له أبين من غيره؛ ولهذا لم يكن هذا فى العقل كبيان أن خمسة وخمسين وربعاً ويمناً : نصف مائة وعشرة ونصف وربع ، وكلاهما ضروري . ونظائر هذا كثيرة، ومعنى المباين والمحايث ليس بيناً ابتداء إذ اللفظ فيه إجمال كما تقدم، ولكن إذا بين معناه لأهل العقل جزموا بانتفاء ((قسم ثالث)) كما أن معنى القديم، والمحدث، والواجب، والممكن، والجوهر ، والعرض، ونحو ذلك ؛ لما لم يكن بيناً بنفسه لعامة العقلاء، لم يجزموا بانحصار الموجود فى هذين القسمين ؛ فإذا بين لهم المعنى جزموا بذلك. فإذا قيل للعقلاء : موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون هذا خارجاً عن الآخر مبايناً له ولا داخلا فيه، ولا بعيداً ولا قريباً منه، ولا بعيداً عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا أمامه ولا وراءه، ولا يتصور أن يشير أحدهما إلى الآخر ولا يذهب إليه ، ولا يقرب منه ولا يبعد عنه ، ولا يتحرك إليه ولا عنه ولا يقبل إليه ولا يعرض عنه ، ولا يحتجب عنه ولا يتجلى له ولا يظهر لعينه ولا يستتر عنه . وأمثال هذه المعاني التى يقولها النفاة، على العقلاء بالاضطرار امتناع وجود مثل هذین . ٢٩٧ وأما قول المعارض : إن هذا إنما يعقل فيما هو جسم متحيز ، فإذا قدر ما ليس بجسم ولا متحيز خلا عن هذين القسمين ، ولم تنحصر القسمة حينئذ فی أحدها . فيقال: أولاً لفظ ((الجسم)) و((الحيز)) و ((الجهة)) ألفاظ فيها إجمال وإيهام وهي ألفاظ ((اصطلاحية)) وقد يراد بها معان متنوعة، ولم يرد الكتاب والسنة فى هذه الألفاظ لا بنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيها نفى ولا إثبات أصلاً؛ فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية ؛ لامن كتاب ولامن سنة ولا إجماع؛ بل ولا أثر لا عن صاحب أوتابع، ولا إمام من المسلمين بل الأئمة الكبار أنكروا على المتكلمين بها ، وجعلوهم من أهل الكلام الباطل المبتدع؛ وقالوا فيهم أقوالاً غليظة معروفة عن الأئمة؛ كقول ((الشافعي)) رحمه الله: حكمي فى أهل الكلام : أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم فى القبائل والعشائر ؛ ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام . وبالجملة فمعلوم أن الألفاظ ((نوعان)): لفظ ورد فى الكتاب والسنة أو الإجماع ؛ فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقاً والأمة لا تجتمع على ضلالة . ٢٩٨ (والثاني): لفظ لم يرد به دليل شرعي ، کهذه الألفاظ التى تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة ، هذا يقول : هو متحيز . وهذا يقول : ليس بمتحيز ، وهذا يقول : هو فى جهة. وهذا يقول : ليس هو فى جهة . وهذا يقول : هو جسم أو جوهر . وهذا يقول : ليس بجسم ولا جوهر . فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفى ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك ، فإن بين أنه أثبت حقاً أثبته، وإن أثبت باطلاً رده، وإن نفى باطلاً نفاه، وإن نفى حقاً لم ينفه، وكثير من هؤلاء يجمعون فى هذه الأسماء بين الحق والباطل : فى النفي والإثبات . فمن قال: إنه فى جهة، وأراد بذلك أنه داخل محصور فى شىء من المخلوقات - كائناً من كان - لم يسلم إليه هذا الإثبات وهذا قول الحلولية. وإن قال : إنه مباين للمخلوقات فوقها لم يمانع فى هذا الإثبات ؛ بل هذا ضد قول الحلولية. ومن قال: ليس فى جهة ، فإن أراد أنه ليس مبايناً للعالم ولا فوقه لم يسلم له هذا النفي . وكذلك لفظ المتحيز يراد به ما أحاط به شيء موجود، كقوله تعالى ( أَوْ مُتَحَيِزَّا إِلَى فِئَةٍ) ويراد به ما انحاز عن غيره وباينه. فمن قال: إن الله متحيز ٢٩٩ بالمعنى الأول لم يسلم له ، ومن أراد أنه مباين للمخلوقات سلم له المغنى ، وإن لم يطلق اللفظ . إذا تبين هذا : فإذا قال هذا القائل : هذا التقسيم معلوم بالاضطرار ، فقيل له : هذا إنما يعقل فى متحيز أو ذي جهة ولم يكن هذا قادحاً فى ما علم بالاضطرار ، بل يقول: إما أن يكون هذا لازماً وإما أن لا يكون. فإن لم يكن لازماً بطل السؤال ، وإن كان لازماً فلازم الضروري حق ؛ فإن القضايا الضرورية إذا كانت مستلزمة لأمور دل ذلك على صحة تلك اللوازم ، ولم يكن الاستدلال على بطلانها بنفي تلك اللوازم؛ لأن نفيها نظري والنظري لا يقدح فى الضروري . وقوله: إذا قدر موجود ليس بمتحيز ولا فى جهة يصح فيه هذا التقسيم، فيقال له: ثبوته على هذا التقدير لا يقتضى ثبوته فى نفس الأمر إلا أن يكون التقدير ثابتاً فى نفس الأمر، وهذا التقسيم ينفي ثبوت هذا التقدير فى نفس الأمر ، وإذا كان التقسيم معلوماً بالاضطرار كان من لوازم ذلك انتفاء هذا التقدير ، فلا يقبل إثبات هذا التقدير بالنظر ؛ لأن ذلك يتضمن القدح فى الضروري بالنظري . وإذا لم يكن إلى إثبات هذا التقدير سبيل لم يضر فساد التقسيم بتقدير ثبوته ؛ لأن ذلك يتضمن فساد التقسيم بتقدير ثبوت ما لم يثبت ولا يمكن إثباته ٣٠٠