النص المفهرس
صفحات 261-280
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ ). ومن يتكلم فى الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين فى آيات الله بالباطل. وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه ؛ فينسبون إلى الشافعي، وأحمد بن حنبل ، ومالك، وأبي حنيفة: من الاعتقادات ما لم يقولوا. ويقولون لمن اتبعهم : هذا اعتقاد الإمام الفلاني ؛ فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم. وقال الشافعي : حكمي فى أهل الكلام : أن يضربوا بالجريد والتعال، ويطاف بهم فى القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام . قال أبو يوسف القاضي : من طلب الدين بالكلام تزندق . قال أحمد: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. قال بعض العلماء: المعطل يعبد عدماً ، والممثل يعبد صنما . المعطل أعمى، والممثل أعشى؛ ودين الله بين الغالي فيه والجافى عنه. وقد قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) والسنة فى الإسلام كالإسلام فى الملل . انتهى والحمد لله رب العالمين. ٢٦١ سئل شيخ الإسلام : عمن يعتقد ((الجهة)) هل هو مبتدع أو كافر أولا؟. فأجاب: أما من اعتقد الجهة ؛ فإن كان يعتقد أن الله فى داخل المخلوقات بحويه المصنوعات ، ونحصره السموات ، ويكون بعض المخلوقات فوقه ، وبعضها تحته ، فهذا مبتدع ضال. وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله - إلى العرش، أو غيره- فهو أيضاً مبتدع ضال . وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين ، فيقول : استواء الله كاستواء المخلوق ، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال ؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات فى شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غنى عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين للمخلوقات عال عليها . وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات ، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس فى مخلوقاته شيء من ذاته، ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته ؛ وأن الله غنى عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من ٢٦٢ المخلوقات؛ بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش، بقدرته ، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين؛ بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات ، وينفي عنه مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله ليس كمثله شىء: لا فى ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا أفعاله. فهذا مصيب فى اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها. فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا مثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم ، وعلى كل شىء قدير ، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ، وأنه كلم موسى تكليماً و نجلى للجبل فجعله دكا هشيما . ويعلمون أن الله ليس كمثله شىء فى جميع ما وصف به نفسه؛ وينزهون الله عن صفات النقص والعيب ، ويثبتون له صفات الكمال ، ویعلمون أنه ليس له كفواً أحد فى شىء من صفات الكمال، قال نعيم بن حماد الخزاعي : من شبه الله خلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً . والله أعلم. ٢٦٣ حكاية مناظرة في الجهة والتحيز صورة ماطلب من الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله ورضي عنه - حين جيء به من دمشق على البريد ، واعتقل بالجب بقلعة الجبل ، بعد عقد المجلس بدار النيابة ، وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان، وعقد المجلس يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة، وفيه اعتقل رحمة الله عليه ! . وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفى الجهة عن الله، والتحيز ؛ وأن لا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به؛ بل هو معنى قائم بذاته؛ وأنه سبحانه وتعالى لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية ، ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ، ولا يكتب بها إلى البلاد ، ولا فى الفتاوى المتعلقة بها . فأجاب عن ذلك : أما قول القائل: يطلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز: فليس فى كلامي إثبات هذا اللفظ، لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا بدعة وأنا لم أقل إلا ما جاء به الكتاب والسنة ، واتفق عليه الأمة . فإن أراد قائل هذا القول: أنه ليس فوق السموات رب، ولا فوق العرش ٢٦٤ إله، وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض ؛ فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة . وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته، ولا يكون فى جوف الموجودات فهذا مذ کور مصرح به فی کلامي ؛ فإني قاتله فما الفائدة فى تجديده؟ . وأما قول القائل : لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به؛ بل هو معنى قائم بذاته: فليس فى كلامى هذا أيضاً ، ولا قلته قط ؛ بل قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة ، وقوله معنى قائم بذاته : بدعة، لم يقل أحد من السلف، لا هذا ولا هذا، وأنا ليس فى كلامى شىء من البدع ؛ بل فى كلامى ما أجمع عليه السلف إن القرآن كلام الله غير مخلوق . وأما قول القائل : لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية فليس هذا اللفظ فى كلامى ؛ بل فى كلامى إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية، مثل قوله إنه لا يشار إليه ، فإن هذا النفي أيضاً بدعة . فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه من أن الله ليس محصوراً فى المخلوقات ، وغير ذلك من المعاني الصحيحة: فهذا حق ؛ وإن أراد أن من دعا الله لا يرفع إليه يديه ؛ فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله فى الدعاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً)). ٢٦٥ وإذا سمى المسمى ذلك إشارة حسية ، وقال : إنه لا يجوز . لم يقبل ذلك منه . وأما قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام: فأنا ما فاتحت عامياً فى شيء من ذلك قط. وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدي ؛ فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن على يعلمه فكتمه ألمه الله يوم القيامة بلجام من نار)). وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ). ولا يؤمر العالم بما يوجب لعنة اللّه عليه، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. ٢٦٦ سئل شيخ الإسلام: رحمه الله عن هذه الأبيات :- يشفي الغليل فماء صبري آسن يا سادة العلماء: أفتونا بما فی حق حق الحق ليس يداهن عن قول ناظم عقد أصل عقيدة للخلق يامفتون بل يا فاتن! يا منكراً أن الإله مباين هب قد ضللت فأين أنت ؟ فإن تكن أنت المباين فهو أيضاً بائن أو قلت : لست مبايناً . قلنا : إذن فبالاتحاد أو الحلول تشاحن أو قلت : يلزم منه شيء دا خلا قلنا : نعم ما الرب فينا ساكن أو صار فى جهة فعقلك واهن إن قلت : يلزم أنه فی حیز إلامكان وهو منه بائن فلقد كذبت فإنه لا حيز فى حقه والحق فى ذا بائن وكذا الجهات فإنها عدمية ٢٦٧ حتى تقدر وهو فيها قاطن إذ ليس فوق الحق ذات غيره أو قلت : ماهو داخل أو خارج هذا يدل بأن ما هو كائن إذ قد جمعت نقائضاً ووصفته عدماً بها هل أنت عنها ظاعن لكنه هو ظاهر هو باطن ما قال : ما هو ظاهر أو باطن لمعطل والكفر فيه كامن فارجع وتب من قال مثلك إنه هل صادق فيما ادعى أو ماين وتفضلوا بجوابه من نظمكم مفتى المصيب بخير آخر ضامن فصلاً بفصل ظاهر فالله لـ فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين. جواب المنازعين عن مثل هذا الكلام أنهم يقولون هذا الكلام يتضمن شيئين : (أحدهما ) : الاستدلال على أن الرب تعالى مباين للعالم خارج عنه . ( والثاني ): الجواب عن حجة من نفى ذلك واستدل بأن ذلك يستلزم القول بالتحيز والجهة وهما باطلان، وبطلان اللازم يقتضي بطلان الملزوم . فأما استدلاله فإن مضمونه أنك إما أن تكون مبايناً للخالق وإما أن لا تكون مبايناً ، فإن قلت: إنك مباين لزم أيضاً أن يكون مبايناً لك؛ لأن ٢٦٨ المباينة من باب المفاعلة التى يلزم من ثبوتها من أحد الجانبين ثبوتها فى الجانب الآخر عقلاً، وكذلك هو فى اللغة إلا فى مواضع قيل إنها مستثناه، بل متأولة: مثل قولهم : عاقبت اللص، وداققت النعل ، وعافاك الله ونحو ذلك. فإن قلت : لست مبايناً له لزمك القول بالحلول أو الاتحاد؛ فإنه ما لم يكن مبايناً لغيره متميزاً عنه كان مجامعاً له مداخلاً له ، بحيث هو يحايثه ويجامعه ويداخله كما تحايث الصفة محلها الذي قامت به والصفة المشاركة لها بالقيام به ؛ فإن التفاحة مثلاً طعمها ولونها ليس هو بمباين لها ، بل هو محايث لها ومجامع لها، وذلك الطعم محايث اللون، والمباينة هي المفارقة وهي ضد المجامعة ، فلما كانت الصفة التى تسمى العرض تحايث محلها - الذى يسمى الجسم - وتحايث عرضاً آخر، كان من المعلوم أن مثل هذا منتف عن الله سبحانه وتعالى ؛ فإنه ليس بعرض ولا صفة من الصفات ؛ بل هو قائم بنفسه مستغن عن محل يقوم به ، فلا يجوز عليه محايثة المخلوقات والحلول ؛ إذ القول بنفي الجسم مع إثبات هذا التقسيم تناقض بين . وإذا كان هذا القول مستلزماً للتجسيم لزمه ما يلزم القائلين بالتجسيم، وقد خاطب نفاة ذلك بأنهم مفتونون وفاتنون ، وادعى أن من قال ذلك فإنه معطل، وأن ((الكفر فى قوله كامن)). وهذا يستلزم تكفير من نفى التجسيم وقد علم ما فى القول من الوبال العظيم . قالت المثبتة نحن نجيبكم بجوابين : إجمالي وتفصيلي. ٢٦٩ (أما الجواب الإجمالي) فإنا نقول: قولكم: ((لا نسلم أن هذه القضية ضرورية)) منع غير مقبول ؛ فإن المقدمات الضرورية لا يجوز منعها ، ولو جاز منح الضروريات لم يمكن الاستدلال ولا إقامة حجة على منكر ؛ فإن المستدل غايته أن يستدل بدليل مؤلف من مقدمات ضرورية ؛ فلو جاز منح الضرورية لم يصح الاستدلال؛ وكذلك ماذكره من الاستدلال على أنها ليست بضرورية ، أو ليست بصحيحة لا يقبل أيضاً ؛ فإن الضروريات هي الأصل للنظريات ؛ فلو جاز القدح فى الضروريات بالنظريات لكان ذلك قدحاً فى الأصل بفرعه، وذلك يستلزم بطلان الفرع والأصل جميعاً؛ فإن الفرع إذا كان فاسداً لم تجز المعارضة به ، وإن كان صحيحاً لزم أن يكون أصله صحيحاً، فلا يجوز أن يكون قادها فى الأصل . فثبت أنه على التقديرين لا يجوز معارضة الضروريات بالنظريات . فإن قيل : فهب أنه لا يجوز فى المقدمات الضرورية أن تمانع ، ولا أن تعارض بالنظريات ؛ فإذا ادعى المستدل على أن المقدمة ضرورية فهل يكون قوله حجة على مناظره. قيل : ليس مجرد دعواه الضرورية حجة على خصمه ، لكن من على أن القضية ضرورية فقد حصل له العلم بذلك ، وهو لا يكابر نفسه؛ وسواء علمها غيره أو لم يعلمها ؛ وسواء سلمها له أو نازعه فيها . فما علمه هو ضرورة لا يمكنه أن يشك فيه. ٢٧٠ وأما طريق إلزامه لمنازعه فإنه يستشهد على ذلك بتسليم أرباب العقول السليمة التى لم يعارضها عقد ولا قصد يخالف فطرتها ، فإذا كان أهل العقول السليمة التى لا هوى لها ولا اعتقاد يخالف ذلك تقر بأن هذه القضية معلومة عندم بالضرورة على أن الأمر كذلك ، وأن المنازع فيها قد تغيرت فطرته التى فطر عليها لاعتقاد أو هوى ، فإن الحس كما قد يعرض له ما يوجب غلطه فكذلك العقل يعرض له ما يوجب غلطه. ومما يبين أن هذه القضية حق أن جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع الأنبياء جاؤوا بما يوافقها لا بما يخالفها، وكذلك ((سلف هذه الأمة)) من الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها؛ لا يخالفونها . ولم يخالف هذه القضية الضرورية من له فى الأمة لسان صدق ؛ بل أكثر أهل الكلام والفلسفة يقولون بموجبها ، وإنما خالفها طائفة من المتفلسفة ، وطائفة من المتكلمين : كالمعتزلة ومن اتبعهم، والذين خالفوها- عقلاؤم وعلماؤهم - تناقضوا فى ذلك، وادعوا الضرورة فى قضايا من جنسها وهي أبين منها ، ومن أنكر منهم ذلك أدى به الأمر إلى جحد عامة الضروريات، والحسيات. فالمنكر لهذه القضية الضرورية هو بين أمرين : إما أن يستلزم جحد عامة الضروريات، وإما أن يقر بقضايا - من جنسها ضرورية ــ دون هذه فى القوة والجلاء، يبين ذلك أن الذين قالوا : إن الخالق سبحانه ليس هو جسم ولا متحيز تنازعوا بعد ذلك: هل هو فوق العالم، أم ليس فوق العالم؟ فقال طوائف ٢٧١ كثيرة: هو فوق العالم ، بل هو فوق العرش، وهو مع هذا ليس بجسم ، ولا متحيز . وهذا يقوله طوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية ، وطوائف من أتباع الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث والصوفية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث والسنة. وقال طوائف منهم: ليس فوق العالم ولا فوق العالم شيء أصلاً ، ولا فوق العرش شيء. وهذا قول الجهمية والمعتزلة، وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة ؛ والقرامطة الباطنية، أو أنه فى كل مكان بذاته، كما يقول ذلك طوائف من عباده ومتكلميهم، وصوفيتهم وعامتهم. ومنهم من يقول : ليس هو داخلاً فیه ولاخارجا عنه، ولا حالاً فیه ، ولیس فى مكان من الأمكنة ؛ فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعاً ، وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم. و (الأول) هو الغالب على عامتهم وعبادم وأهل المعرفة والتحقيق منهم، و(الثاني) هو الغالب على نظارم ومتكلميهم وأهل البحث منهم والقياس فيهم. وكثير منهم يجمع بين القولين ؛ ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما ، فيقول : لا هو داخل العالم ولا خارجه . وفى حال تعبده وتألهه يقول بأنه فى كل مكان ولا يخلو منه شيء، حتى يصرحون ٢٧٢ بالحلول فى كل موجود - من البهائم وغيرها - بل ((بالاتحاد)) بكل شيء ؛ بل يقولون (( بالوحدة)» التى معناها أنه عين وجود الموجودات . وسبب ذلك : أن الدعاء والعبادة والقصد والإرادة والتوجه يطلب موجوداً؛ بخلاف النظر والبحث والكلام ؛ فإن العلم والكلام والبحث والقياس والنظر يتعلق بالموجود والمعدوم ، فإذا لم يكن القلب فى عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه النفي والسلب ، وأعرض عن الإثبات، بخلاف ما إذا كان فى حال الدعاء والعبادة فإنه يطلب موجوداً يقصده ، ويسأله ويعبده، والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم ، فلا ينفى فى السلب ما يكون مقصوداً أو معبوداً. فالمخالف لهذا النظم إذا كان من النفاة للمتقابلين يقول : أنا أقول: لا هو مباين ولا أقول بالحلول والاتحاد، فلم قلت: إني إذا لم أقل بالمباينة يلزمنى القول بالحلول أو الاتحاد؟ هذا هو الذي يقوله أئمة النفاة لمثل هذا الناظم ؛ وحينئذ فيقول المثبتة القائلون بالمباينة والخروج - ومن قال من النفاة إنه فى كل مكان - وهو الظاهر من قولهم وقول محققيهم وعارفيهم - نحن نعلم بالضرورة أن الموجود إما أن يكون مبايناً لغيره. وإما أن يكون محايناً، ونعلم بالضرورة أن من أثبت موجودين ليس أحدهما داخلاً فى الآخر - محايثاً له .- ولا خارجاً عنه - مبايناً له - فقد خالف ضرورة العقل؛ وهذا العلم مركوز فى فطر جميع الناس إلا من يقلد قول النفاة . ٢٧٣ ونفي هذين جميعاً هو من أقوال القرامطة الباطنية الذين م أئمة الجهمية؛ فإن جهما مع القرامطة وغلاة المتفلسفة يقولون: لا نقول: هو شيء ولا ليس بشيء ، كما يقولون : لا نقول : هو موجود ولا معدوم ، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل ، ولا قديم، ولا محدث. وأمثال ذلك. وهذه المقالات فسادها معلوم بالضرورة العقلية وإن كان قد تواطأ عليها جماعة كثيرة؛ فإن الجماعة الذين يقلدون مذهباً تلقاه بعضهم عن بعض - يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات كما يجوز الاتفاق على الكذب مع المواطئة والاتفاق؛ ولهذا يوجد فى أهل المذاهب الباطلة كالنصارى والرافضة والفلاسفة من يصر على القول الذي يعلم فساده بالضرورة . وإنما الممتنع ما يمتنع على ((أهل التواتر)) وهو اتفاق الجماعة العظيمة على الكذب من غير مواطأة ولااتفاق ، فيمتنع عليهم جحد ما يعلم ثبوته بالاضطرار وإثبات ما يعلم نفيه بالاضطرار ؛ لأن هذا اتفاق على الكذب. وأهل التواتر لا يتصور منهم الكذب؛ فأما إذا لقنوا قولاً بشبهة وحجج واعتقدوا صحته جاز أن يصروا على اعتقاده، وإن كان مخالفاً لضرورة العقل ، وإن كانوا جماعة عظيمة ؛ ولهذا يطبع الله على قلوب الكفار فلا يعرفون الحق ، قال الله تعالى: ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ )، وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) ، وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرِ جَبَّارٍ )، ٢٧٤ وإنما تؤخذ الضروريات من القلوب السليمة، والعقول المستقيمة: التى لم تمرض بما تقلدته من العقائد وتعودته من المقاصد. والمثبتة يقولون : من ذكر له قول النفاة - من أجناس بنى آدم السليمة الفطر - علم بالضرورة فساده ؛ وكما كان أذكى واحد ذهناً كان علمه بفساده أشد ؛ بل هم يقولون: إن العلم بالقضية المعينة المطلوب إثباتها ((وهو على الله تعالى على العالم)) معلوم بالفطرة والضرورة ، ويعلمون بطلان نقيضها بالفطرة والضرورة ؛ فيعلمون بالضرورة القضية العامة والقضية الخاصة ، فيعلمون أن الخالق فوق العالم ، ويعلمون امتناع وجود موجودين ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا مداخلا له ، ويعلمون أنه إذا لم يكن مبايناً كان مداخلاً محايثاً فيلزم الحلول والاتحاد . ولا ريب أن هذا هو الذي عليه جماهير الأمم من بنى آدم ، أما من يثبت العلو والمباينة فقوله ظاهر ، وأما الذين لا يقرون بالعلو والمباينة فجمهورم لا يعلمون ضد ذلك إلا أنه فى كل مكان، ولو عرض عليهم نفي هذا وهذا لم يتصوروه ولم يعقلوه ، وبهذا احتج أهل الحلول والاتحاد - من محققيهم - كالصدر القونوى وأمثاله على نفاة ذلك منهم، فقال : قد سلمتم لنا أنه ليس خارج العالم ولا مبايناً له ؛ وما لم يكن كذلك لم يعقل إلا أن يكون وجود الممكنات ، أو فى وجود الممكنات؛ إذ لا يعقل إلا هذا ؛ أو هذا . ثم هذا وأمثاله يقولون: هو الوجود المطلق ، وإن فرق مابينه وبين الأشياء فرق مابين ٢٧٥ المطلق والمعين، وهذا يشبه الفرق بين جنس الإنسان وأعيان الناس ، وجنس الحيوان وأعيان الحيوان ، فيكون الرب مثل الجنس أو العرض العام لسائر الموجودات. ومعلوم أن هذا لا يكون له وجود متميز بنفسه مباين للمخلوقات؛ إذ الكليات - كالجنس ، والنوع والفصل، والخاصة والعرض العام - لا توجد فى الخارج منفصلة عن الأعيان الموجودة . وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلاء، وإنما يحكي الخلاف فى ذلك عن شيعة ((أفلاطون)) ونحوه: الذين يقولون باثبات ((المثل الأفلاطونية)) وهي الكليات المجردة عن الأعيان خارج الذهن، وعن شيعة((فيثا غورس)) فى إثبات العدد المطلق خارج الذهن. والمعلم الأول ((أرسطو)) وأتباعه متفقون على بطلان قول هؤلاء وهؤلاء، فلوظنوا أن الباري تعالى هو الوجود المطلق بهذا الاعتبار لوقعوا فيما فروا منه؛ فإن هذا يستلزم مباينته لوجود المخلوقات وانفصاله عنها ؛ مع أن عاقلاً لا يقول : إن صفة تكون مبدعة للموصوف، ولا إن ((الكليات)) هي المبدعة لمعيناتها. والمقصود هنا أن جماهير الخلائق من مثبتة على الله على خلقه ومن نفاة ذلك على اختلاف أصنافهم يقولون باثبات هذا التقسيم والحصر، وهو أن الشيء إما أن يكون مبايناً لغيره وإما أن يكون محايثاً مداخلاً ؛ فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر . ويقولون: إن هذا معلوم بالضرورة، قال النفاة : لا نسلم أن هذه القضية ٢٧٦ ضرورية ؛ بدليل أنا نعقل الإنسانية المشتركة بين الأناسى وغيرها من الكليات المعقولة وغيرها وليست داخل العالم ولا خارجه ، وأيضاً فإن أرسطو وأتباعه من الفلاسفة. وطائفة من أهل الكلام أثبتوا أن النفس الناطقة كذلك والعقول والنفوس ، ولم يكونوا قائلين بما يعلم فساده بالضرورة. وأيضاً فإن العقل الصريح يعلم تقسيم الشيء إلى مباين ومحايث ، وما ليس يمباين ولا محايث ، وتقسيمه إلى داخل وخارج، وما ليس بداخل ولا خارج، وتقسيمه إلى متحيز وقائم بالمتحيز ، وما ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز. ولا يعلم فساد هذا التقسيم بالاضطرار ، كما يعلم أن الواحد نصف الاثنين . وأيضاً فهذا الذي ذكر تموه من لزوم المباينة والمحايثة والدخول والخروج إنما يعقل فيما هو جسم متحيز فإذا قدرنا متحيزين لزم أن يكون أحدهما إما داخلاً فى الآخر أو خارجا منه، فأما إذا قدرنا موجوداً ليس بجسم ولا متحيز لم يمنع أن يكون مبايناً لغيره ولا محايثاً له، ولاداخلاً فيه ولا خارجا عنه بل ينفي عن القسمين، وحينئذ فهذا التقسيم والحصر يستلزم كون الباري جسما متحيزاً فى جهة وذلك باطل . ولا نريد بالتحيز أن يكون قد أحاط به ((حيز)» وجودي كما أجاب عنه الناظم، ولا بالجهة أن يكون فى ((أين)) موجود كما أجاب الناظم أيضاً ، بل تزيد بالتحيز الذي فى الجهة أن يكون بحيث يشار إليه بالحس أنه هاهنا، أوهناك ٢٧٧ ولا ريب أنما كان فوق العالم فلابد أن يشار إليه بأنه هناك، وهذا هو القول بالتحيز والجهة عندنا . وإذا كان هذا التقسيم مستلزماً لإثبات الجهة والتحيز لم يكن هذا التقسيم صحيحاً إلا أن يكون القول بالجهة والتحيز صحيحاً، والناظم لم يذكر دليلاً على صحة القول بالتحيز والجهة والجسم. ثم نقول الأدلة النظرية الدالة على نفي التحيز والجهة والجسم تنفي صحة هذا التقسيم والحصر ؛ فإنه إذا قدر موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا فى جهة أمكن أن يعقل أنه ليس مبايناً لغيره ولا محايثاً له ، وإذا كان كذلك فكلما ينفي القول بالتجسيم يبطل هذا الاستدلال . وكذلك «الاتحاد » فإن الاتحاد إذا كان مع بقاء الاثنين على ما كانا عليه فلا اتحاد بل هما اثنان باقيان على صفاتهما كما كانا، وإن عنى به استحالة إلى نوع ثالث كما يتحد الماء واللبن والماء والخمر ، فيصيران نوعاً ثالثاً لا هو ماء محض ولا لبن محض ، فهذا لا يكون إلا بعد استحالة أحدهما وفساد يعرض لذاته ، والله تعالى منزه عن ذلك؛ فإنه هو واجب الوجود بنفسه قديم بذاته وصفاته لا يجوز عليه عدم شيء من صفاته ، فيمتنع فى حقه الاستحالة والفساد بمضمون الدليل أن المخلوق إما أن يكون مبايناً للخالق والخالق مباين ، وإما أن يلزم الحلول والاتحاد وهما باطلان فتعين الأول. ٢٧٨ واعتراض المنازع على هذا يكون بعد بيان معنى المباينة؛ فإن أهل الكلام والنظر يطلقون المباينة بإزاء ((ثلاثة)) معان؛ بل ((أربعة)). (أحدها) المباينة المقابلة للماثلة والمشابهة والمقاربة ( والثانى): المباينة المقابلة للمحايثة والمجامعة والمداخلة والمخارجة والمخالطة . (والثالث ) المباينة المقابلة للماسة والملاصقة؛ فهذه المباينة أخص من التى قبلها ؛ فإن ماباین الشىء فلم يداخله قد يكون مماسا له متصلاً به، وقد يكون منفصلا عنه غير مجاور له، هذه المباينة الثالثة ومقابلها تستعمل فيما يقوم بنفسه خاصة: كالأجسام ، فيقال: هذه العين إما أن تكون مماسة لهذه وإما أن تكون مباينة. وأما المباينة التى قبلها وما يقابلها فإنها تعم ما يقوم بنفسه وما يقوم بغيره، والعرض القائم بنفسه ليس مباينا له. ولا يقال: إنه مماس له ، فيقال: هذا اللون إما أن يكون مبايناً لهذه العين أو لهذا الطعم ، وإما أن يكون محائاً له مجامعاً مداخلا ونحو ذلك من العبارات؛ وإن استعمل مستعمل لفظ الماسة والملاصقة فى قيام الصفة بموصوفها كان ذلك نزاعاً لفظياً . (وأما النوع الأول) فكما يروى عن الحسن البصري أنه قال: رأينام متقاربين فى العافية فإذا جاء البلاء تباينوا تبايناً عظيماً أى تفاضلوا وتفاوتوا . ويقال : هذا قد بان عن نظرائه أي خرج عن مماثلتهم ومشابهتهم، ومقاربتهم بما امتاز به من الفضائل . ويقال : بين هذا وهذا بون بعيد وبين بعيد . ٢٧٩ (والنوع الثاني) كقول عبد الله بن المبارك لما قيل له : بماذا نعرف ربنا قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ههنا. وكذلك قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وابن خزيمة ، وعثمان بن سعيد، وخلق كثير من أئمة السلف- رضي الله عنهم - ولم ينقل عن أحد من السلف خلاف ذلك. وحبس هشام بن عبيد الله الرازى - صاحب محمد ابن الحسن - رجلا حتى يقول: الرحمن على العرش استوى، ثم أخرجه وقد أقر بذلك، فقال: أنقول إنه مباین ؟ فقال : لا . فقال : ردوه فإنه جہمی . فالمباينة فى كلام هؤلاء الأئمة وأمثالهم لم يريدوا بها عدم المماثلة فإن هذا لم ينازع فيه أحد ، ولا ألزموا الناس بأن يقروا بالمباينة الخاصة ، فإنهم قالوا : بائن من خلقه، ولم يقولوا: بائن من العرش وحده، فجعلوا المباينة بين المخلوقات عموماً، ودخل فى ذلك العرش وغيره فإنه من المخلوقات فعلم أنهم لم يتعرضوا فى هذه المباينة لاثبات ملاصقة، ولا نفيها . ولكن قد يقول بعض النفاة : أنا أريد بالمباينة عدم المحايثة والمداخلة فقط من غير أن أدخل فى ذلك معنى الخروج. وقد يوصف المعدوم بمثل هذه المباينة فيقول : إن المعدوم مباين للموجود بهذا الاعتبار، وهذا معنى ((رابع)) من معاني المباينة. وإذا عرف أن ((المباينة)) قد يريد بها الناس هذا وهذا ، فلا ريب أن ٢٨٠