النص المفهرس

صفحات 241-260

وكل هذه النصوص حجة عليهم؛ فإذا فصل تبين ذلك؛ فالداعى والساجد
يوجه روحه إلى الله، والروح لها عروج يناسبها، فتقرب من الله تعالى بلاريب
بحسب نخلصها من الشوائب، فيكون الله عز وجل منها قريباً قرباً يلزم من قربها،
ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة، وفى جوف الليل ، وإلى من تقرب منه
شبراً تقرب منه ذراعاً ، وفى الزهد لأحمد عن عمران القصير أن موسى عليه
السلام قال: ((يارب! أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، إنى أدنو
منهم كل يوم باعاً، لولا ذلك لانهدموا، فقد يشبه هذا قوله: ((قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفین )» إلى آخره .
وظاهر قوله : ( فَإِنِ قَرِيبٌ ) يدل على أن القرب نعته ، ليس هو مجرد
ما يلزم من قرب الداعى والساجد ودنوه عشية عرفة، هو لما يفعله الحاج ليلتئذ
من الدعاء، والذكر ، والتوبة؛ وإلافلو قدر أن أحداً لم يقف بعرفة لم يحصل منه
سبحانه ذلك الدنو إليهم؛ فإنه يباهي الملائكة بأهل عرفة فإذا قدر أنه ليس هناك
أحد لم يحصل ؛ فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم منهم كما دل عليه الحديث
الآخر .
والناس فى آخر الليل يكون فى قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة مالا
يوجد فى غير ذلك الوقت، وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا، وقوله: ((هل
من داع؟ هل من سائل ؟ هل من تائب)).
ثم إن هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال؟ فإن فى بلاد
٢٤١

الكفرليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول، كما أن دنوه عشية عرفة
لا يحصل لغير الحجاج فى سائر البلاد ؛ إذليس لها وقوف مشروع، ولا مباهاة
الملائكة، وكما أن تفتيح أبواب الجنة ، وتغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين
إذا دخل شهر رمضان - إنما هو للمسلمين الذين يصومونه لا الكفار الذين
لا یرون له حرمة .
وكذلك اطلاعه يوم بدر وقوله لهم: ((اعملوا ما شئتم)) كان مختصاً
بأولئك أم هو عام؟ فيه كلام ليس هذا موضعه .
والكلام فى هذا ((القرب)) من جنس الكلام فى نزوله كل ليلة ودنوه
عشية عرفة، وتكليمه لموسى من الشجرة، وقوله (أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا )
وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع، وذكرنا ما قاله السلف
فى ذلك: كماد بن زيد، وإسحاق ، وغيرهما، من أنه ينزل إلى السماء الدنيا
ولا يخلو منه العرش ، وبينا أن هذا هو الصواب ، وإن كان طائفة ممن يدعي
السنة يظن خلو العرش منه، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة فى ذلك
مصنفاً ، وزيف قول من قال : إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، وضعف ما نقل
فى ذلك عن أحمد فى رسالة مسدد وقال: إنها مكذوبة على أحمد ، وتكلم على
راويها البردعى أحمد بن محمد وقال: إنه مجهول لا يعرف فى أصحاب أحمد .
((وطائفة)) تقف لا تقول يخلو، ولا لا يخلو، وتنكر على من يقول ذلك،
٢٤٢

منهم الحافظ عبد الغنى المقدسى. وأما من يتوم أن السموات تتفرج ثم تلتحم
فهذا من أعظم الجهل ؛ وإن وقع فيه طائفة من الرجال .
وأما من لا يعتقد أن الله فوق العرش ، فهو لا يعتقد نزوله :
لا يخلو ولا بغير خلو ، وقال بعض أكبرهم لبعض المثبتين : ينزل أمره.
فقال : من عند من ينزل ؟ أنت ليس عندك هناك أحد ؛ أثبت أنه هناك
ثم قل : ينزل أمره . وهذا نظير قول إسحاق بن راهويه بحضرة الأمير
عبد الله بن طاهر .
والصواب قول السلف: أنه ينزل ، ولا يخلو منه العرش، وروح العبد
فى بدنه لا تزال ليلاً ونهاراً إلى أن يموت ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت
العرش وهي لم تفارق جسده، وكذلك ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد))
وروحه فى بدنه، وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان ؛ فكيف بالملائكة؟
فكيف برب العالمين؟ .
والليل يختلف فيكون - ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه بالمغرب ؛
ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء فى ثلث ليلهم، وإلى سماء هؤلاء
فى ثلث ليلهم، لا يشغله شأن عن شأن ، وكذلك قربه من الداعي المتقرب إليه
والساجد لكل واحد بحسبه حيث كان وأين كان، والرجلان يسجدان فى
موضع واحد ولكل واحد قرب يخصه لا يشركه فيه الآخر .
٢٤٣

والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء ، والذي بلغها بلاغا مبيناً ، هو
أعلم الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم بياناً؛ وأعظمهم بلاغاً ؛ فلا يمكن أحدا
أن يعلم ويقول: مثل ما علمه الرسول ؛ وقاله. وكل مَن منّ الله عليه بصيرة فى
قلبه تكون معه معرفة بهذا ؛ ثم قال تعالى: ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِىَ أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) وقال فى ضدهم: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ
◌ِثَايَتِنَاصُفُ وَبُكُمْ فِ الظُّلُمَتِّ مَن يَشَِاللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله تعالى: (وَاَلَّهِرُ ) ضمن معنى العالى، كما قال: (فَمَا أَسْطَعُوْاْ
أَنْ يَظْهَرُوهُ )، ويقال: ظهر الخطيب على المنبر، وظاهر الثوب أعلاه،
بخلاف بطانته . وكذلك ظاهر البيت أعلاه ، وظاهر القول ما ظهر منه
وبان ، وظاهر الإنسان خلاف باطنه ، فكلما علا الشيء ظهر ؛ ولهذا قال:
((أنت الظاهر فليس فوقك شيء))، فأثبت الظهور وجعل موجب الظهور
أنه ليس فوقه شيء، ولم يقل ليس شيء أبين منك ولا أعرف.
وبهذا تبين خطأ من فسر (الظاهر ) بأنه المعروف كما يقوله من يقول
الظاهر بالدليل ، الباطن بالحجاب ، كما فى كلام أبي الفرج وغيره ، فلم يذكر
مراد الله ورسوله وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح، وقال: ((أنت الباطن
فليس دونك شيء)) فيهما معنى الإضافة لا بد أن يكون البطون والظهور لمن
٢٤٤

يظهر ويبطن، وإن كان فيهما معنى التجلى ، والخفاء ، ومعنى آخر كالعلو فى
الظهور فإنه سبحانه لا يوصف بالسفول.
وقد بسطنا هذا فى الإحاطة ، لكن إنما يظهر من الجهة العالية علينا، فهو
يظهر علماً بالقلوب وقصداً له ومعاينة إذا رؤي يوم القيامة وهو بادٍ عالٍ ليس
فوقه شيء، ومن جهة أخرى يبطن فلا يقصد منها ولا يشهد وإن لم يكن شيء
أدنى منه ؛ فإنه من ورائهم محيط فلا شيء دونه سبحانه .
٢٤٥

فصل
فى تمام الكلام فى القرب
والرب سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ، بل هو سبحانه
يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم، لا يشغله هذا عن هذا .
قيل لابن عباس : كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم فى ساعة واحدة ؟ قال :
كما يرزقهم فى ساعة واحدة وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد
إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر)).
والله سبحانه فى الدنيا يسمع دعاء الداعين ، ويجيب السائلين ؛ مع
اختلاف اللغات ، وفنون الحاجات.
والواحد منا قد يكون له قوة سمع يسمع كلام عدد كثير من المتكلمين،
كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة ؛ لكن لا يكون إلا عدداً قليلا قريباً
منه ، والواحد منا يجد فى نفسه قرباً ودنواً وميلا إلى بعض الناس الحاضرين
والغائبين ؛ دون بعض ، ويجد تفاوت ذلك الدنو والقرب. والرب تعالى واسع
عليم، وسع سمعه الأصوات كلها، وعطاؤه الحاجات كلها.
٢٤٦

ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الإنسان إذا مال
إلى جهة انصرف عن الأخرى ، وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه ، فيجد
نفسه تقرب من نفوس كثير من الناس ؛ من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن
قربها إلى هذا. وكذلك يجد فى نفسه خضوعاً لبعض الناس ومحبة ويجد فيها
نأياً وبعداً عن آخرين ، وارتفاعاً وإقبالاً على قوم ، وإعراضاً عن قوم غير
ما هو قائم بالبدن .
ففى الجملة : ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عايديه وداعيه
هو مقيد مخصوص ؛ لا مطلق عام لجميع الخلق، فبطل قول الحلولية، كما قال:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِىعَنِى فَإِ قَرِيبٌ) فهذا قربه من داعيه .
وأما قربه من عابديه ففي مثل قوله: (أُؤْلَئِكَ الَّيْنَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ
اٌلْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ ).
وقوله: ((ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه)) وقال:
((من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً)) فهذا قربه إلى عبده وقرب عبده
إليه ؛ ودنوه عشية عرفة إلى السماء الدنيا لا يخرج عن القسمين ؛ فإنه صلى الله
عليه وسلم قال: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة)) فدنوه لدعائهم.
وأما نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ؛ فإن كان لمن يدعوه ويسأله ويستغفره
فإن ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرب إلى عابديه ما لا يحصل فى غيره
٢٤٧

فهو من هذا ، وإن كان مطلقاً فيكون بسبب الزمان لكونه يصلح لهذا
وإن لم يقع فيه .
ونظيره ((ساعة الإجابة)) يوم الجمعة روى أنها مقيدة بفعل الجمعة، وهي
من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضى الصلاة ؛ ولهذا تكون مقيدة
بفعل الجمعة ، فمن لم يصل الجمعة لغير عذر ويعتقد وجوبها لم يكن له فيها نصيب،
وأما من كانت عادته الجمعة ثم مرض أو سافر فإنه يكتب له ما كان يعمل وهو
صحيح مقيم ، وكذلك المحبوس ونحوه ، فهؤلاء لهم مثل أجر من شهد الجمعة،
فيكون دعاؤم كدعاء من شهدها :
وقد تكون الرحمة التى تنزل على الحجاج عشية عرفة وعلى من شهد الجمعة
تنتشر بركاتها إلى غيرم من أهل الأعذار ، فيكون لهم نصيب من إجابة الدعاء
وحظ مع من شهد ذلك كما فى شهر رمضان، فهذا موجود لمن يحبهم ويحب
مام فيه من العبادة فيحصل لقلبه تقرب إلى الله ويود لو كان معهم.
وأما الكافر والمنافق الذي لا يرى الحج براً ولا الجمعة فرضاً وبراً بل هو
معرض عن محبة ذلك وإرادته فهذا قلبه بعيد عن رحمة الله ؛ فإن رحمة الله قريب
من المحسنين، وهذا ليس منهم.
وروى فى ساعة الجمعة أنها آخر النهار فيكون سبيها الوقت .
وقد ثبت فى الصحيح أن فى الليل ساعة يستجاب الدعاء فيها كما فى يوم
الجمعة ، وذلك كل ليلة ، وأقرب ما يكون العبد من ربه فى جوف الليل الآخر .
٢٤٨

فصل
وأما قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه : فهذا أمر معروف
لا يجهل ؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة، والذكر
والخشية والتوكل ، وهذا متفق عليه بين الناس كلهم، بخلاف القرب الذي قبله ؛
فإن هذا ينكره الجهمي الذي يقول: ليس فوق السموات رب يعبد ولا إله
يصلى له ويسجد، وهذا كفر وفند.
والأول تنكره الكلابية ومن يقول: لا تقوم الأمور الاختيارية به.
ومن أتباع ((الأشعري)) من أصحاب أحمد وغيره من يجعل الرضا،
والغضب ، والفرح، والمحبة: هي الإرادة. وتارة يجعلونها صفات أخرى قديمة
غير الإرادة، وهذا القرب الذي فى القلب المتفق عليه هو قرب المثال العلمي
فى الحقيقة ، وذلك مستلزم لمحبته؛ فإن من أحب شخصاً تمثل فى قلبه ، ووجده
قريباً إلى قلبه، وإذا ذكره حضر فى قلبه ، وقد يحصل للإنسان بمحبوبه المخلوق
فناء عن نفسه كما قال القائل : غبت بك عنى فظننت أنك أني .
٢٤٩

ومنه قول القائل :
حاضر فى القلب أبصره
لست أنساه فأذكره
وقول الآخر :
مثالك فى عينى وذكرك فى في
ومثواك فى قلبى فأين تغيب ؟
وهذا هو ((المثل الأعلى)) الذي قال الله فيه: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى )،
وَكقوله: ( وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَ فِ الْأَرْضِ إِلَهٌ)، (وَهُوَ الَهُ فِي السَّمَوَتِ
وَفِي الْأَرْضِ) وهو ((المثل)) فى قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ)؛ فإنه سبحانه لا يماثله
شيء اصلاً، فنفسه المقدسة لايماثلها شيء من الموجودات، وصفاتها لا يماثلها شيء
من الصفات ، وما فى القلوب من معرفته لا يماثله شيء من المعارف ، ومحبته
لا يماثلها شيء، فله «اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى)» كما أنه فى نفسه الأعلى.
وقد قال تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَنَارًا )، (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَتَّبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِبِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ) وغير ذلك.
٢٥٠

ويشبه مثل هذا بمثل هذا، وذلك يتضمن تشبيه ذات هذا بذات هذا؛
فان الخبر عن الأشياء إنما يكون بعد معرفتها ، وهو سبحانه أخبر أولا عن
((المثل العلمي)) الذي يسمى الصورة الذهنية ، ثم إذا كان الخبر صادقاً فإنه
يستدل به على أن الحقيقة مطابقة لما تصوره ؛ ولهذا كان الناس إنما يعبرون
عن الشيء ويصفونه بما يعرفونه ، وتتنوع أسماؤه عندم لتنوع ما يعرفونه
من صفاته .
ومن رأى الله عز وجل فى المنام فإنه يراه فى صورة من الصور بحسب
حال الرائي ، إن كان صالحاً رآه فى صورة حسنة؛ ولهذا رآه النبى صلى الله عليه
وسلم فى أحسن صورة.
و ((المشاهدات)» التى قد تحصل لبعض العارفين فى اليقظة كقول ابن عمر
لابن الزبير لما خطب إليه ابنته فى الطواف : أتحدثى فى النساء ونحن نتراءى
الله عز وجل فى طوافنا ؟ ! وأمثال ذلك ، إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود،
لكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه فيها كلام ليس هذا موضعه ؛ فإن
ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين. فالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بما لم
يشركه فيهغيره.
وهذا المثال العلمي يتنوع فى القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعا
لا ينحصر؛ بل الخلق فى إيمانهم ((بالله)) و((كتابه)) و((رسوله)) متنوعون؛
٢٥١

فلكل منهم فى قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته مع اشتراكهم
فى الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله - فهم متنوعون فى ذلك متفاضلون .
وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر
به الناس بعضهم بعضاً من أمور الغيب هو كذلك ، بل يشاهدون الأمور
ويسمعون الأصوات، وهم متنوعون فى الرؤية والسماع، فالواحد منهم يتبين له من
حال المشهود ما لم يتبين للآخر، حتى قد يختلفون فيثبت هذا ما لا يثبت الآخر ،
فكيف فيما أخبروا به من الغيب؟ !!.
والنبى صلى الله عليه وسلم أخبرهم عن الغيب بأحاديث كثيرة وليس كلهم
سمعها مفصلة ، والذين سمعوا ما سمعوا ليس كلهم فهم مراده، بل هم متفاضلون
فى السمع والفهم كنفاضل معرفتهم ، وإيمانهم بحسب ذلك حتى يثبت أحدهم
اموراً كثيرة والآخر لا يثبتها ، لا سيما من علق بقلبه شبه النفاة ؛ فهو ينفي
ما أثبته الكتاب والسنة وما عليه أهل الحق .
وهذا يبين لك أن هؤلاء كلهم مؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر
- وان كانوا متفاضلين فى الإيمان - إلا من شاق الرسول من بعد ما تبين له
الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين .
ثم ثم يتفاضلون فى العلم والإرادة، فإذا كان أحدم أكثر محبة لله وذكراً،
وعبادة كان الإيمان عنده أقوى وأرسخ من حيث المحبة والعبادة لله، وإن كان
لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له .
٢٥٢

فصاحب المحبة والذكر والتآله يحصل له من حضور الرب فى قلبه وأنسه به
ما لا يحصل لمن ليس مثله.
وكذلك الإيمان بالرسول قد يكون أحد الشخصين أعلم بصفاته والآخر
أكثر محبة له، وكذلك الأشخاص - المشهورون - قد يكون الرجل أعلم بما
رأى والآخر أكثر محبة له، و ((الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها اتتلف،
وما تناكر منها اختلف))، وتعارفها تناسبها ، وتشابهها فيما تعلمه
و تحبه وتكرهه.
وكثير من هؤلاء العباد الذي يشهد قلبه الصورة المثالية ويفنى فيما شهده
يظن أنه رأى الله بعينه؛ لأنه لما استولى على قلبه سلطان الشهود ولم يبق له عقل
يميز به ، والمشاهد للأمور هو القلب، لكن تارة شاهدها بواسطة الحس الظاهر،
وتارة بنفسه فلا يبقى أيضاً يميز بين الشهودين ، فإن غاب عن الفرق بين
الشهودين ظن أنه رآه بعينه ؛ وإن غاب عن الفرق بين الشاهد والمشهود ظن
أنه هو، كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: ليس فى الجبة إلا الله. وكما قال الآخر:
غبت بك عنى ؛ فظننت أنك أبى ، وكان المحبوب قد ألقى نفسه فى الماء فألقى
المحب نفسه خلفه .
وهذا كله من قوة شهود القلب وضعف العقل ، بمنزلة ما يراه النائم ؛
فإنه لغيبة عقله بالنوم يظن أن ما يراه هو بعينه الظاهرة ، وما يسمعه يسمعه
٢٥٣

بأذنه الظاهرة ، وما يتكلم به يتكلم به بلسانه بالحسّ الظاهر : وعينه
مغمضة، ولسانه ساكت . وقد يقوى تصوره الخيالي فى النوم حتى
يتصل بالحس الظاهر ، فيبقى النائم يقرأ بلسانه ويتكلم بلسانه تبعاً لخياله.
ومع هذا فعقله غائب لا يشعر بذلك ، كما يحصل مثل ذلك للسكران
والمجنون وغيرهما.
ولهذا جاءت الشريعة بأن القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه،
ولم يختلفوا إلا فيمن زال عقله بسبب محرم .
وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك، ثم من لم
تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده ، وهذا يبين أن عامة أهل
الصلاة مؤمنون بالله ورسوله - وإن اختلفت اعتقاداتهم فى معبودهم
وصفاته - إلا من كان منافقاً - يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر
بالرسول - فهذا ليس بمؤمن ؛ وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقاً فهو
مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك ، وهو ممن يخرج من النار ولو
كان فى قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويدخل فى هذا جميع المتنازعين فى الصفات
والقدر على اختلاف عقائدم.
ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم
لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم - أو أكثرهم - لا يستطيعون هذه المعرفة؛ بل يدخلونها
٢٥٤

وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم ، وإذا كان الرجل قد
حصل له إيمان يعرف الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل
ما لا يطيق ، وإن كان يحصل له بذلك فتنة لم يحدث بحديث يكون له
فيه فتنة .
فهذا أصل عظيم فى تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التى
اشتركوا فى سماعها : كالقرآن والحديث المشهور وم مختلفون فى معنى ذلك.
والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه؟.
٢٥٥

سئل شيخ الإسلام
أبو العباس :
أحمد بن تيمية رحمه الله
عن رجلين اختلفا فى الاعتقاد . فقال أحدهما : من لا يعتقد أن الله سبحانه
وتعالى فى السماء فهو ضال. وقال الآخر: إن الله سبحانه لا ينحصر فى مكان ،
وهما شافعيان فبينوالنا ما نتبع من عقيدة ((الشافعي)) رضي الله عنه، وما
الصواب فى ذلك؟.
الجواب: الحمد لله، اعتقاد الشافعي - رضي الله عنه - واعتقاد ((سلف
الإسلام)) كمالك، والثوري ، والأوزاعى، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل ،
وإسحاق بن راهويه؛ وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض،
وأبي سليمان الدارانى، وسهل بن عبدالله التستري ، وغيرهم . فإنه ليس بين
هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع فى أصول الدين .
وكذلك أبو حنيفة - رحمة الله عليه - فإن الاعتقاد الثابت عنه فى التوحيد
والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه
الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وهو ما نطق به الكتاب والسنة .
٢٥٦

قال الشافعي فى أول خطبة «الرسالة)): الحمدلله الذي هو كما وصف بهنفسه،
وفوق ما يصفه به خلقه. فبين - رحمه الله - أن الله موصوف بما وصف به
نفسه فی کتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قال أحمد بن حنبل : لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه،
أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن
غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات
العليا ، ويعلمون أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ) : لا فى صفاته،
ولا فى ذاته ، ولا فى أفعاله .
إلى أن قال: وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام
ثم استوى على العرش؛ وهو الذى كلم موسى تكليماً ؛ وتجلى للجبل فجعله
دكا؛ ولا يماثله شىء من الأشياء فى شىء من صفاته، فليس كعامه على أحد،
ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد ، ولا كاستوائه استواء أحد.،
ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولاكتكليمه تكليم أحد ، ولا
کتجليه مجلى أحد.
والله سبحانه قد أخبرنا أن فى الجنة لهما ولبنا، وعسلا وماء، وحريرا
وذهباً .
وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما: ليس فى الدنيا مما فى الآخرة إلا الأسماء.
٢٥٧

فإذا كانت هذه المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة -
مع اتفاقها فى الأسماء - فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق
للمخلوق ، وإن اتفقت الأسماء.
وقد سمى نفسه حيا عليما ، سميعا بصيرا، وبعضها رؤوفا رحيما ؛ وليس
الحى كالحى ، ولا العليم كالعليم ، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا
الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وقال فى سياق حديث الجارية المعروف: ((أين الله؟ قالت: فى السماء)) لكن
ليس معنى ذلك أن الله فى جوف السماء، وأن السموات تحصره وتحويه ، فإن
هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها ؛ بل هم متفقون على أن الله فوق سمواته،
على عرشه ، بائن من خلقه ؛ ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ، ولا فى ذاته شىء
من مخلوقاته .
وقد قال مالك بن أنس: إن الله فوق السماء ، وعلمه فى كل مكان ، -
إلى أن قال -: فمن اعتقد أن اللّه فى جوف السماء محصور محاط به، وأنه مفتقر
إلى العرش، أو غير العرش - من المخلوقات - أو أن استواءه على عرشه كاستواء
المخلوق على كرسيه : فهو ضال مبتدع جاهل، ومن اعتقد أنه ليس فوق
السموات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ويسجد، وأن محمدا لم يعرج به
إلى ربه ؛ ولا نزل القرآن من عنده : فهو معطل فرعونى، ضال مبتدع - وقال-
بعد كلام طويل - والقائل الذي قال: من لم يعتقد أن الله فى السماء فهو ضال:
٢٥٨

إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله فى جوف السماء ، بحيث بحصره وتحيط به :
فقد أخطأ .
وإن أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة ، واتفق عليه سلف
الأمة وأئمتها ، من أن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه : فقد أصاب،
فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذبا للرسول صلى الله عليه وسلم ، متبعاً لغير سبيل
المؤمنين؛ بل يكون فى الحقيقة معطلا لربه نافياً له ؛ فلا يكون له فى الحقيقة إله
يعبده، ولا رب يسأله، ويقصده . وهذا قول الجهمية ونحوم من أتباع
فرعون المعطل .
والله قد فطر العباد - عربهم وعجمهم - على أنهم إذا دعوا الله توجهت
قلوبهم إلى العلو ، ولا يقصدونه تحت أرجلهم .
ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط: يا ألله !! إلا وجد فى قلبه
- قبل أن يتحرك لسانه - معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة.
وذكر من بعد كلام طويل - الحديث: (( كل مولود يولد
على الفطرة )).
ولأهل الحلول والتعطيل فى هذا الباب شبهات، يعارضون بها كتاب الله
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما أجمع سلف الأمة وأئمتها ؛ وما فطر الله
عليه عباده ، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة ؛ فإن هذه الأدلة كلها متفقة
٢٥٩

على أن الله فوق مخلوقاته ، عال عليها ، قد فطر الله على ذلك العجائز والصبيان
والأعراب فى الكتاب؛ كما فطرم على الإقرار بالخالق تعالى.
وقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((كل مولود يولد على
الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء
هل تحسون فيها من جدعاء؟)) ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (فِطْرَتَ
اللهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَ لَا نَبْدِيَ لِخَلْقِ اللَّهِ ).
وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز : عليك بدين الأعراب والصبيان فى
الكتاب، وعليك بما فطرم الله عليه ، فإن الله فطر عباده على الحق، والرسل
بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها ، لا بتحويل الفطرة وتغييرها .
وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوم : فيريدون أن يغيروا
فطرة الله، ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات، لا يفهم كثير من
الناس مقصوده بها ؛ ولا يحسن أن يجيبهم.
وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة ؛ لا أصل لها فى كتابه؛ ولا سنة
رسوله ؛ ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ التحيز والجسم ، والجهة
ونحو ذلك .
فمن كان عارفاً محل شبهاتهم بينها، ومن لم يكن عارفاً بذلك فليعرض عن
كلامهم، ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة، كما قال: (وَإِذَا
٢٦٠