النص المفهرس

صفحات 221-240

التكلم والقدرة على النفع والضر، وإن كان كل منهما ؛ فمعلوم أنهم إنما ضلوا
بجواره ونحو ذلك. والله تعالى إنما احتج عليهم بعدم التكلم والقدرة على
النفع والضر .
( الوجه الخامس ): أنه ليس فى القرآن دلالة على أن كونه جسداً وکونه له
خوار صفة نقص ؛ وإنما الذي دل عليه القرآن أن كونه لا يكلمهم ولا يقدر على
نفعهم وضرم نقص ، يبين ذلك: أن الخوار هو الصوت والإنسان الذي يصوت؛
ويقال : خار يخور الثور، وهو يكلم غيره، وقد يهديه السبيل.
والله سبحانه بين أن صفات العجل ناقصة عن صفات الإنسان ، الذي يكلم
غيره ويهديه ؛ فالعابد أكمل من المعبود ، يبين هذا أنه لو كلهم لكان أيضاً
مصوتاً فلو كان ذكر الصوت لبيان نقصه لبطل الاستدلال بقوله تعالى:
(أَلَمْيَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ ) فإن تكليمه لهم لو كلمهم إنما كان يكون بصوت
يسمعونه منه .
فعلم أن ذكر التصويت لم يكن لكونه صفة نقص ، فكذلك ذكر
الجسد .
وبالجملة: من ذكر أن القرآن دل على هذا وهذا هو العيب الذي عابه
به ، وجعله دليلا على نفي إلهيته؛ فقد قال على القرآن ما لا يدل عليه؛ بل هو
على نقيضه أدل .
٢٢١

( الوجه السادس ) : أن الله تعالى ذكر عن الخليل صلى الله عليه وسلم أنه
وقال تعالى :
قال: ( يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا)
(قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يِنَفَعُونَكُمْ أَوْيَضُرُونَ * قَالُواْبَلْ وَجَدْنَاءَبََّنَا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) فاحتج على نفي إلهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تتفع
ولا تضر؛ مع كون كل منهما له بدن وجسم ، سواء كان حجراً أو غيره.
فلو كان مجرد هذا الاحتجاج كافياً لذكره إبرهيم الخليل وغيره من
الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام ؛ بل إنما احتجوا بمثل ما احتج الله به من تفي
صفات الكمال منها: كالتكلم والقدرة، والحركة وغير ذلك.
( الوجه السابع ) : أن يقال: ما ذكره الله تعالى إما أن يكون دالا على
أن الإله سبحانه موصوف ببعض هذه الصفات؛ وإما أن لا يدل . فإن لم يدل
بطل ما ذكروه : وإن دل فهو يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى ، وهو
التكليم للعباد، والسمع والبصر والقدرة، والنفع والضر.
وهذا يقتضي أن تكون الآيات دليلا على إثبات الصفات ؛ لا على نفيها ،
ونفاة الصفات إنما نفوها لزعمهم أن إثباتها يقتضي التجسيم ، والتجسيد.
فالآيات التى احتجوا بها هي عليهم لا لهم .
وهذا أمر قد وجدناه مطرداً فى عامة ما يحتج به نفاة الصفات من الآيات
فإنما تدل على نقيض مطلوبهم ، لا على مطلوبهم.
٢٢٢

( الوجه الثامن ): أنه إذا كان كل جسم جسدا ، وكل ماعبد من دون الله
تعالى من الشمس والقمر ، والكواكب والأوثان وغير ذلك: أجساما، وهي
أجساد، فإن كان الله ذكر هذا فى العجل لينفى به عنه الإلهية : لزم أن يطرد
هذا الدليل فى جميع المعبودات.
ومعلوم أن الله لم يذكر هذا فى غير العجل : أنه ذكر كونه جسداً لبيان
سبب افتانهم به ، لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم ؛ بل احتج عليهم بكونه
لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا.
( الوجه التاسع ): أنه سبحانه قال فى الأعراف: ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاّ
أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِها)
وللناس فى هذه الآية قولان :
(أحدهما ) أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل من المعبود.
( الثاني) أنه ذكر ذلك لأن المعبود يجب أن يكون موصوفاً بنقيض هذه
الصفات، فإن قيل بالقول الأول أمكن أن يقال بمثله فى آبة العجل ؛ فلا يكون
فيه تعرض لصفات الإله ؛ وإن قيل بالثاني : وجب أن يتصف الرب تعالى بما
نفاه عن الأصنام.
وحينئذ : فإن كانت هذه الأمور أجساماً كانت هذه الدلالة معارضة
٢٢٣

لما ذكر فى تلك الآية ، وإن لم تكن أجساماً بطل نفيهم لها عن الله تعالى؛
ووجب أن يوصف الله عز وجل ، بما جاء به الكتاب والسنة ، من الأيدي
وغيرها ، ولا يجب أن تكون أجساماً ولا يكون ذلك تجسيماً ، وإذا لم يكن
هذا تجسيماً فإثبات العلو أولى أن لا يكون تجسيماً ، فدل على أنه لا يكون
تجسيماً فدل على أن الشرع مناقض لما ذكروه .
( الوجه العاشر ) : أن يقال : دلالة الكتاب والسنة على إثبات صفات
الكمال، وأنه نفسه فوق العرش أعظم من أن تحصر، كقوله: (إِلَيْهِيَصْعَدُ
اَلْكَلِمُ الطَّيِبُ )، وقوله: (بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) وقوله: (تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ
وَالرُّوحُ إِلَيْهِ )، وقوله: (إِنَّالَّذِينَ عِندَرَبِّكَ).
وقد قيل : إن ذلك يبلغ ثلاثمائة آية ، وهي دلائل جلية بينة، مفهومة: من
القرآن ، معقولة: من كلام الله تعالى.
فإن كان إثبات هذا يستلزم أن يكون الله جسمها ، وجسداً : لم يمكن دفع
موجب هذه النصوص بما ذكر فى قصة العجل ؛ لأنه ليس فيها أن مجردكونه
جسداً هو النقص - الذي عابه الله وجعله مانعاً من إلهيته - وإن كان إثبات
العلو والصفات لا يستلزم أن يكون جسماً وجسداً بطل أصل كلامهم ؛ فى
- أن عمدتهم - أن إثبات العلو يقتضى التجسيم والتجسد؛ فإذا سلموا أنه
لا يستلزم التجسيم والتجسد؛ لم يكن لهم دليل على نفي ذلك.
٢٢٤

وحينئذ فإذا دلت قصة العجل أو غيرهاعلى امتناع كون الرب تعالى جسداً
أو جسما؛ لم يكن بين النصوص منافاة ؛ بل يوصف بأنه نفسه فوق العرش ،
وينفي عنه ما يجب نفيه عنه سبحانه وتعالى.
والمقصود: أن الشرع ليس فيه ما يوافق النفاة للعلو وغيره من الصفات؛
بوجه من الوجوه .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
٢٢٥

قال شيخ الإسلام :
فصل
فى الجمع بين «علو الرب عز وجل، وبين قربه)) : من داعيه وعابديه.
فنقول: قد وصف الله نفسه فى كتابه ، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء
على العرش ، والفوقية فى كتابه فى آيات كثيرة، حتى قال بعض كبار أصحاب
الشافعى: فى القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله عال على الخلق ، وأنه
فوق عباده.
وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك ، مثل قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ عِندَ
رَبِّكَ )، (وَلَهُمَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ ) فلو كان المراد بأن معنى
((عنده)) فى قدرته كما يقول الجهمية لكان الخلق كلهم فى قدرته ومشيئته ؛ لم
يكن فرق بين من فى السموات، ومن فى الأرض، ومن عنده؛ كما أن الاستواء
لو كان المراد به الاستيلاء لكان مستوياً على جميع المخلوقات ؛ ولكان مستوياً
على العرش قبل أن يخلقه دائماً .
والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السموات والأرض، كما أخبر بذلك فى
٢٢٦
٠
1

كتابه؛ فدل على أنه تارة كان مستوياً عليه، وتارة لم يكن مستوياً عليه؛ ولهذا
كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند أئمة المثبتة ، وأما الاستواء
على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع ، لا بالعقل.
والمقصود : أنه تعالى وصف نفسه أيضاً بالمعية والقرب.
والمعية معيتان : عامة ، وخاصة .
فالأولى كقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنْتُمْ)، والثانيةَ كقوله: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ
أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ) ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأما ((القرب)) فهو كقوله: (فَإِ قَرِيبٌ).
وقوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ).
وقد افترق الناس فى هذا المقام (أربع فرق)».
((فالجهمية النفاة)) الذين يقولون: ليس داخل العالم ، ولا خارج العالم،
ولا فوق، ولا تحت، لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندم متأول
أو مفوض.
وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص : كالخوارج، والشيعة، والقدرية،
والرافضة ، والمرجئة ، وغيرهم؛ إلا الجهمية فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة
واحدة توافق ما يقولونه من النفي ؛ ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط :
٢٢٧

أن الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة، وهذا أحد الوجهين لأصحاب
أحمد ذكرها أبو عبد الله بن حامد وغيره .
((وقسم ثان)) يقولون : إنه بذاته فى كل مكان، كما يقوله النجارية ، وكثير
من الجهمية- عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم - يقولون: إنه عين وجود المخلوقات،
كما يقوله ((أهل الوحدة)) القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركباً
من الحلول والاتحاد؛ وهم يحتجون بنصوص ((المعية والقرب))؛ ويتأولون
نصوص ((العلو، والاستواء)) .. وكل نص يحتجون به حجة عليهم ؛ فإن المعية
أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه، وعندهم أنه فى كل مكان .
وفى النصوص ما يبين نقيض قولهم؛ فإنه قال: (سَبَّعَ لِلَّهِمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )؛
فكل من فى السموات والأرض يسبح والمسبح
غير المسبح، ثم قال: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ) ؛ فبين أن الملك له. ثم قال: (هُوَ
اُلْأَوَّلُ وَاْأَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاِنٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) .
وفى الصحيح: ((أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ؛ فإذا
كان هو الأول كان هناك ما يكون بعده، وإذا كان آخراً كان هناك ما الرب
بعده، وإذا كان ظاهراً ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه ، وإذا
كان باطناً ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفي عنها أن تكون دونه.
٢٢٨

ولهذا قال ((ابن عربى)): من أسمائه الحسنى ((العلىّ)) على من يكون علياً،
وما ثم إلا هو، وعلى ماذا يكون علياً، وما يكون إلا هو ؛ فعلوه لنفسه، وهو
من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست
إلا هو. ثم قال : قال الخراز : وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته
ينطق عن نفسه بأن الله يعرف بجمعه بين الأضداد؛ فهو عين ما ظهر ، وهو عين
ما بطن فى حال ظهوره وما ثم من تراه غيره، وما ثم من بطن عنه سواه ؛ فهو
ظاهر لنفسه، وهو باطن عن نفسه، وهو المسمى ((أبو سعيد الخراز)).
((والمعية)) لا تدل على الممازجة والمخالطة، وكذلك لفظ القرب؛ فإن عند
الحلولية أنه فى حبل الوريد، كما هو عندم فى سائر الأعيان، وكل هذا كفر
وجهل بالقرآن.
((والقسم الثالث)) من يقول: هو فوق العرش، وهو فى كل مكان . ويقول:
أنا أقر بهذه النصوص، وهذه لا أصرف واحداً منها عن ظاهره. وهذا قول
طوائف ذكرهم الأشعري فى (المقالات الإسلامية)) وهو موجود فى كلام طائفة
من السالمية والصوفية .
ويشبه هذا ما فى كلام أبي طالب المكي ، وابن برجان وغيرهما ، مع
ما فى كلام أكثرهما من التناقض؛ ولهذالما كان أبو على الأهوازي- الذي صنف
((مثالب ابن أبي بشر)) ورد على أبي القاسم بن عساكر - هو من السالمية، وكذلك
ذكر «الخطيب البغدادي)): أن جماعة أنكروا على أبى طالب كلامه فى الصفات.
٢٢٩

وهذا الصنف الثالث وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن
مخالفتها من الصنفين الأولين .
فإن الأول لم يتبح شيئاً من النصوص ؛ بل خالفها كلها.
والثاني ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت
عليه معانيها .
وأما هذا الصنف فيقول : أنا اتبعت النصوص كلها ، لكنه غالط أيضاً .
فكل من قال: إن الله بذاته فى كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة
وإجماع سلف الأمة وأئمتها ، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول
وللأدلة الكثيرة . وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة، يقولون : إنه فوق العرش.
ويقولون: نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف ، كما يذكر مثل ذلك
أبو طالب وغيره. ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع
ذلك ، فإن قالوا : إن العرش كذلك نقضوا قولهم : إنه نفسه فوق العرش. وإن
قالوا بحلوله بذاته فى قلوب العارفين كان هذا قولاً بالحلول الخالص.
وقد وقع فى ذلك طائفة من ((الصوفية)) حتى صاحب ((منازل السائرين))
فى توحيده المذكور فى آخر المنازل فى مثل هذا الحلول ؛ ولهذا كان أئمة القوم
يحذرون من مثل هذا. سئل ((الجنيد)) عن التوحيد فقال: هو إفراد الحدوث
عن القدم. فبين أنه لا بد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق
٢٣٠

فلا يختلط أحدهما بالآخر ، وهؤلاء يقولون فى أهل المعرفة ما قالته النصارى
فى المسيح والشيعة فى أتمتها؛ وكثير من الحلولية والإباحية ينكر على الجنيد وأمثاله
من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما قالوه من نفي الحلول، وما
قالوه فى إثبات الأمر والنهى ، ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها هو وأمثاله
من الحلولية والإباحية .
وأما ((القسم الرابع)) فهم سلف الأمة وأئمتها: أئمة العلم والدين من شيوخ
العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير
تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه
وثم منه باتون، وهو أيضاً مع العباد عموماً بعلمه ، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر
والتأييد والكفاية ، وهو أيضاً قريب مجيب؛ ففي آية النجوى دلالة على أنه
عالم بهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم أنت الصاحب فى السفر
والخليفة فى الأهل)»، فهو سبحانه مع المسافر فى سفره ومع أهله فى وطنه،
ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، كما قال: ( تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِوَالَّذِينَ
مَعَهُ ): أى (معه) على الإيمان ، لا أن ذاتهم فى ذاته بل هم مصاحبون له.
وقوله : (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) يدل على موافقتهم فى الإيمان وموالاتهم ،
فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية؛ كما قالت
المرأة: زوجي طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد: فهذا كله
٢٣١

حقيقة، ومقصودها : أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم بكثرة
الطعام وقرب البيت من موضع الأضياف.
وفى القرآن: (أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّ لَا نَسْمَعُ بِرَّهُمْ ) الآية، فإنه يراد برؤيته وسمعه
إثبات علمه بذلك؛ وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر فينيب على الحسنات ويعاقب
على السيئات.
وكذلك إثبات القدرة على الخلق كقوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِرِينَ فِ
الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ )، وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا
والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من
سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ)
العقوبة والانتقام .
وهكذا كثيرا ما يصف الرب نفسه بالعلم ، وبالأعمال: تحذيراً، وتخويفاً،
وترغيباً للنفوس فى الخير.
ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ مراد
منه، وقد أريد أيضاً لازم ذلك المعنى ؛ فقد أريد ما يدل عليه اللفظ فى أصل
اللغة بالمطابقة وبالالتزام ؛ فليس اللفظ مستعملا فى اللازم فقط ، بل أريد به
مدلوله الملزوم وذلك حقيقة .
وأما لفظ ((القرب)) فقد ذكره تارة بصيغة المفرد وتارة بصيغة الجمع؛
٢٣٢

فالأول إنما جاء فى إجابة الداعى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ)؛ وكذلك فى الحديث: («أربعوا على أنفسكم ؛ فإنكم لا تدعون
أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من
عنق راحلته))، وجاء بصيغة الجمع فى قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )
وهذا مثل قوله: (نَتْلُواْ عَلَيْكَ)، (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ)، (فَإِذَا قَرَأْتَهُ )
و( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ, )، و(عَلَيْنَابَيَانَهُ). فالقرآن هنا حين يسمعه من
جبريل ، والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن .
ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع
القرآن من جبريل ، وجبريل سمعه من الله عز وجل .
وأما قوله؛ (نَتْلُوأ) و(نَقُصُ) (فَإِذَاقَرَأْنَهُ ) فهذه الصيغة فى كلام
العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلاً بأمره قال :
نحن فعلنا: كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد وهزمنا هذا الجيش ، ونحو
ذلك ؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه ، والله تعالى رب الملائكة، وهم لا يسبقونه بالقول
وهم بأمره يعملون ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع
هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم وهو غنى عنهم ؛ وليس هو كالملك الذي
يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه، فكان قوله لما فعله ملائكته :
نحن فعلنا ، أحق وأولى من قول بعض الملوك.
٢٣٣

وهذا اللفظ هو من ((المتشابه)» الذي ذكر أن النصارى احتجوا به
على النبي صلى الله عليه وسلم على التثليث لما وجدوا فى القرآن ( إِنَّفَتَحْنَالَكَ)
ونحو ذلك ؛ فذمهم الله حيث تركوا المحكم من القرآن : أن الإله واحد،
وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره : والذي معه أعوانه
الذين هم عبيده وخلقه واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة وهي فتنة القلوب
بتوم آلهة متعددة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم
فإنهما قولان للسلف وكلاهما حق .
فمن قال: إن الراسخين فى العلم لا يعلمون تأويله قال:إن تأويله ما يؤول إليه
وهو ما أخبر القرآن عنه فى قوله: (إنا)، ونحن ـــ م الملائكة الذين هم عباد الرحمن
الذين يدبر بهم أحر السماء والأرض ، وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله، ولا يعلم
صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: (وَمَايَعْلَمُ جُنُودَ
رَبِّكَ إِلَّهُوَ ) وكل من الملائكة وإن على حال نفسه وغيره ؛ فلا يعلم جميع الملائكة
ولا جميع ما خلق الله من ذلك .
ومن قال: إن الراسخين يعلمون تأويله قال: ((التأويل)) هو التفسير،
وهو إعلام الناس بالخطاب.
فالراسخون فى العلم يعلمون تفسير القرآن كله، وما بين الله من معانيه ، كما
استفاضت بذلك الآثار عن السلف . فالراسخون فى العلم يعلمون أن قوله :
٢٣٤

(نحن ) إن الله فعل ذلك ملائكته، وإن كانوا لا يعرفون عدد الملائكة ولا
أسماءهم ولا صفاتهم وحقائق ذواتهم ؛ ليس الراسخون كالجهال الذين
لا يعرفون (إنا) و (نحن ) ؛ بل يقولون : ألفاظاً لا يعرفون معانيها،
أو يجوزون أن تكون الآلهة ثلاثة متعددة، أو واحداً لا أعوان له .
ومن هذا قول الله تعالى: (اُللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنفُسَ) ؛ فإنه سبحانه يتوفاها برسله
كما قال: (تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا)، (يَنَوَفَّنَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ) ؛ فإنه يتوفاها برسله الذين
مقدمهم ملك الموت .
وقوله: ( فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَيَعْ قُزْءَانَهُ ) هو قراءة جبريل له عليه والله قرأه
بواسطة جبريل كما قال: (أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَآءُ ) فهو مكلم
لمحمد بلسان جبريل وإرساله إليه، وهذا ثابت للمؤمنين كما قال تعالى (قَدْ نَبَّأَنَا
اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ) وإنباء الله لهم إنما كان بواسطة محمد إليهم.
وكذلك قوله: (قُولُوَأْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا)، (وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ
اُلْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ ) فهو أنزل على المؤمنين بواسطة محمد .
وكذلك ذوات الملائكة تقرب من ذات المحتضر ، وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْحَبْلِآلْوَرِيدِ ) فإنه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس
العبد كما ثبت فى الصحيحين: ((إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال الله لملائكته:
اكتبوها له حسنة، فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات، وإذاهم بسيئة)»
٢٣٥

إلى آخر الحديث. فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة، و((الهم)) إنما
يكون فى النفس قبل العمل . وأبلغ من ذلك أن الشيطان يجري من ابن آدم
مجرى الدم، وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه.
فقوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) هو قرب ذوات الملائكة
وقرب على الله منه، وهو رب الملائكة والروح، وهم لا يعلمون شيئاً إلا بأمره؛
فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد، فيجوز أن يكون بعضهم أقرب
إليه من بعض ؛ ولهذا قال فى تمام الآية: ( إِذْيَلَقَّ الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ
* مَايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌّ عَتِيدٌ)، وهذا كقوله: ( أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَانُهُمْ بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيِهِمْ يَكْثُبُونَ)، فقوله ( إذ) ظرف، فأخبر أنهم (أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) حين يتلقى المتلقيان، ما يقول (عَنِ الْيَمِينِ) قعيد (وَعَنِالشِّمَالِ فَعِيدٌ)
ثم قال (مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عِيدٌ): أى شاهد لا يغيب.
فهذا كله خبر عن الملائكة، فقوله: (فَإِنِّي قَرِيبٌ)، و((هو أقرب إلى أحدكم
من عنق راحلته))، فهذا إنما جاء فى الدعاء لم يذكر أنه قريب من العبادفى كل حال،
وإنما ذكر ذلك فى بعض الأحوال، وقد قال فى الحديث: ((أقرب ما يكون العبد
من ربه وهو ساجد)).
وقال تعالى: ( وَأَسْجُدْ وَأَقْتَب )، والمراد القرب من الداعي فى سجوده،
كما قال: (( وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)) ،فأمر
٢٣٦

بالاجتهاد فى الدعاء فى السجود مع قرب العبد من ربه وهو ساجد. وقد أمر
المصلي أن يقول فى سجوده: ((سبحان ربي الأعلى)) رواه أهل السنن.
وكذلك حديث ابن مسعود: ((إذا سجد العبد فقال فى سجوده : سبحان
ربى الأعلى ثلاثاً فقد تم سجوده، وذلك أدناه)) رواه أبو داود . وفى حديث
حذيفة الذي رواه مسلم: ((أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل صلاة قرأ فيها
بالبقرة، والنساء، وآل عمران، ثم ركع، ثم سجد نحو قراءته، يقول فى ركوعه:
سبحان ربي العظيم، وفى سجوده: سبحان ربي الأعلى)) وذلك أن السجود غاية
الخضوع والذل من العبد، وغاية تسفيله، وتواضعه: بأشرف شىء فيه الله -
وهو وجهه - بأن يضعه على التراب ، فناسب فى غاية سفوله أن يصف ربه بأنه
الأعلى، والأعلى أبلغ من العلى؛ فإن العبد ليس له من نفسه شيء ؛ هو باعتبار
نفسه عدم محض ، وليس له من الكبرياء والعظمة نصيب .
وکذلك فی «العلو فىالأرض» ليس للعبد فیه حق؛ فإنه سبحانهذم من يريد
العلو فى الأرض : كفرعون، وإبليس. وأما المؤمن فيحصل له العلو بالإيمان ؛
لا بإرادته له، كما قال تعالى: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنُم
مُؤْمِنِينَ ).
فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى، فهو
سبحانه الأعلى، والعبد الأسفل ، كما أنه الرب، والعبد العبد، وهو الغنى ، والعبد
٢٣٧

الفقير ، وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كملها قرب العبد إليه؛
لأنه سبحانه بر، جواد محسن، يعطي العبد ما يناسبه ، فكلما عظم فقره إليه كان
أغنى؛ وكما عظم ذلهله كان أعز؛ فإن النفس - لما فيها من أهوائها المتنوعة وتسويل
الشيطان لها - تبعد عن الله حتى تصير ملعونة بعيدة من الرحمة. ((واللعنة)) هى
البعد ؛ ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو فى الأرض ؛ والسجود فيه غاية سفولها؛ قال
تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
وفى الصحيح: ((لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرةمن كبر))وقال لإبليس
( فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَفِيهَا )، وقال: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا)،
فهذا وصف لها ثابت. لكن من أراد أن يعلي غيرها جوهد، وقال: (( من
قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله)).
و(كلمة الله)) هى خبره، وأمره: فيكون أمره مطاعاً مقدماً على أمر غيره ،
وخبره مصدق مقدم على خبر غيره ، وقال: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ اللَّهِ)
((والدين)) هو العبادة والطاعة والذل، ونحو ذلك، يقال: دنته فدان: أى
ذللته فدل . كما قيل :
هو دان الرباب إذكرهوا الديـ
ن دراكا بغزوة وصيال
ثم دانت بعد الرباب وكانت
كعذاب عقوبة الأقوال
٢٣٨

فإذا كانت العبادة والطاعة والذل له تحقق أنه أعلى فى نفوس العباد
عندم كما هو الأعلى فى ذاته ، كما تصير كلمته هي العليا فى نفوسهم كما هي
العليا فى نفسها ، وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل
شيء ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم : يا عدى! ما يفرك ؟ أيفرك
أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم من إله إلا الله ؟ يا عدى ما يفرك ؟ أيفرك
أن يقال : الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟)) وهذا يبطل قول من جعل
أكبر بمعنى كبير.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد))
وهو الإسلام، وهو الاستسلام لله؛ لا لغيره، بأن تكون العبادة والطاعة له
والذل، وهو حقيقة لا إله إلا الله .
ولا ريب أن ما سوى هذا لا يقبل ، وهو سبحانه يطاع فى كل زمان بما
أمر به فى ذلك الزمان ؛ فلا إسلام بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا فيما
جاء به وطاعته وهي ملة إبراهيم التى لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه ، وهو
((الأمة)) الذي يؤتم به كما أن ((القدوة)) هو الذى يقتدى به، وهو ((الإمام))
كما فى قوله، (إِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، وهو ((القانت)) والقنوت دوام الطاعة
وهو الذي يطيع الله دائماً، والحنيف المستقيم إلى ربه دون ما سواه.
وقوله: (( من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً
٢٣٩

تقربت إليه باعاً، ومن أتانى يمشي أتيته هرولة))، فقرب الشيء من الشىء
مستلزم لقرب الآخر منه ، لكن قد يكون قرب الثانى هو اللازم من قرب
الأول ، ويكون منه أيضاً قرب بنفسه ، فالأول كمن تقرب إلى مكة أو حائط
الكعبة ، فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون منه فعل ، والثانى
كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم فى هذا الأثر الإلهى، فتقرب العبد
إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة، مثل قوله: (أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْأَقْرَبُ)، ( فَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، (عَيِّنًا
يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، (وَلَ الْمَلَبِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ، (وَمِنَ الْمُقَرِّينَ)، (( وما تقرب
إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه)) الحديث. وفى الحديث ((أقرب ما يكون
العبد من ربه فى جوف الليل الآخر)).
وقد بسطنا الكلام على هذه الأحاديث ومقالات الناس فى هذا المعنى فى
((جواب الأسئلة المصرية على الفتيا الحموية)) فهذا قرب الرب نفسه إلى عبده،
وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا. وفى الحديث الصحيح: ((إن الله يدنوعشية
عرفة)) الحديث ، فهذا القرب كله خاص ، وليس فى الكتاب والسنة قط قرب
ذاته من جميع المخلوقات فى كل حال ؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلولية ؛ فإنهم
عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاماً مطلقاً، كما جعل إخوانهم ((الاتحادية)) ذلك
فى مثل قوله: ((كنت سمعه))، وفى قوله: ((فيأتيهم فى صورة غير صورته)»،
وإن الله قال على لسان نبيه: ((سمع الله لمن حمده)).
٢٤٠