النص المفهرس

صفحات 201-220

قيل : الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن ؛ وكذلك إذا قيل فى
الاستواء : ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق ؛ وكذلك إذا قيل :
الإرادة والرحمة والمحبة تنقسم إلى إرادة الله ومحبته ورحمته ، وإرادة العبد
ومحبته ورحمته .
فمن ظن أن ((الحقيقة)) إنما تتناول صفة العبد المخلوقة المحدثة دون صفة
الخالق كان فى غاية الجهل؛ فإن صفة الله أكمل وأتم وأحق بهذه الأسماء الحسنى،
فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب كما لا نسبة بين ذاته وذاته ، فكيف يكون
العبد مستحقاً للأسماء الحسنى حقيقة: فيستحق أن يقال له: عالم قادر سميع بصير ؛
والرب لا يستحق ذلك إلا مجازاً ؟! ومعلوم أن كل كمال حصل للمخلوق فهو من
الرب سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى ؛ فكل كمال حصل للمخلوق فالخالق أحق
به؛ وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه عنه ؛ ولهذا كان لله
((المثل الأعلى)) فإنه لا يقاس بخلقه ولا يمثل بهم ، ولا تضرب له الأمثال . فلا
يشترك هو والمخلوق فى قياس تمثيل بمثل؛ ولا فى قياس شمول تستوى أفراده ،
بل (وَلَهُ الْعَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ ).
ومن الناس من يسمى هذه الأسماء ((المشككة)) لكون المعنى فى أحد المحلين
أكمل منه فى الآخر ، فإن الوجود بالواجب أحق منه بالممكن ، والبياض بالثلج
أحق منه بالعاج، وأسماؤه وصفاته من هذا الباب ؛ فإن الله تعالى يوصف بها على
٢٠١

وجه لا يماثل أحداً من المخلوقين وإن كان بین كل قسمين قدراً مشتركا ، وذلك
القدر المشترك هو مسمى اللفظ عند الإطلاق ، فإذا قيد بأحد المحلين
تقید به .
فإذا قيل: وجود وماهية وذات كان هذا الاسم متناولاً للخالق والمخلوق وإن
كان الخالق أحق به من المخلوق، وهو حقيقة فيهما . فإذا قيل: وجود الله وماهيته
وذاته اختص هذا بالله ؛ ولم يبق للمخلوق دخول فى هذا المسمى ، وكان حقيقة
لله وحده . وكذلك إذا قيل وجود المخلوق وذاته اختص ذلك بالمخلوق وكان
حقيقة للمخلوق. فإذا قيل : وجود العبد وماهيته وحقيقته لم يدخل الخالق فى
هذا المسمى ، وكان حقيقة للمخلوق وحده .
والجاهل يظن أن اسم الحقيقة إنما يتناول المخلوق وحده ، وهذا ضلال
معلوم الفسادبالضرورة فى (العقول)) و((الشرائح))و (اللغات)) فإنه من المعلوم بالضرورة
أن بين كل موجودين قدراً مشتركا وقدراً مميزاً ، والدال على مابه الاشتراك
وحده لا يستلزم مابه الامتياز، ومعلوم بالضرورة من دين المسلمين أن الله
مستحق للأسماء الحسنى، وقد سمي بعض عباده ببعض تلك الأسماء، كما سمى العبد
سميعاً بصيراً، وحياً وعليماً، وحكيماً ورؤوفا رحيماً، وملكا وعزيزاً، ومؤمناً
وكريماً، وغير ذلك. مع العلم بأن الاتفاق فى الاسم لا يوجب مماثلة الخالق
بالمخلوق، وإنما يوجب الدلالة على أن بين المسميين قدراً مشتركا فقط ؛ مع أن
المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع .
٢٠٢

وأما ((اللغات)) فإن جميع أهل اللغات - من العرب والروم، والفرس،
والترك، والبربر ، وغيرهم - يقع مثل هذا فى لغاتهم، وهو حقيقة فى لغات
جميع الأمم ؛ بل يعلمون أن الله أحق بأن يكون قادراً فاعلاً من العبد؛ وأن
استحقاق اسم الرب القادر له حقيقة أعظم من استحقاق العبد لذلك، وكذلك
غيره من الأسماء الحسنى .
وقول الناس : إن بين المسميين قدراً مشتركا ، لا يريدون بأن يكون
فى الخارج عن الأذهان أمراً مشتركابين الخالق والمخلوق ؛ فإنه ليس بين مخلوق
ومخلوق فى الخارج شيء مشترك بينهما فكيف بين الخالق والمخلوق؛ وإنما توم
هذا من توهمه من أهل ((المنطق اليونانى)) ومن اتبعهم، حتى ظنوا أن فى الخارج
ماهيات مطلقة مشتركة بين الأعيان المحسوسة ، ثم منهم من يجردها عن
الأعيان كأفلاطون ؛ ومنهم من يقول : لا تنفك عن الأعيان: كأرسطو ،
وابن سينا ، وأشباههما .
وقد بسطنا الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع ، وبينا ما دخل على
من اتبعهم من الضلال فى هذا الموضع فى ((المنطق والإلهيات)) حتى إن طوائف من
النظار قالوا: إنا إذا قلنا: إن وجود الرب عين ماهيته - كما هو قول أهل الإثبات ،
ومتكلمة أهل الصفات : كابن كلاب، والأشعري وغيرهما - يلزم من ذلك
أن يكون لفظ ((الوجود)) مقولا عليهما بالاشتراك اللفظي، كما ذكره أبو عبد الله
الرازي عن الأشعري، وأبى الحسين البصري وغيرم ؛ وليس هذا مذهبهم؛
٢٠٣

بل مذهبهم: أن لفظ ((الوجود)) مقول بالتواطؤ وأنه ينقسم إلى قديم ومحدث،
مع قولهم: إن وجود الرب عين ماهيته ؛ فإن لفظ الوجود عندم كلفظ الماهية .
وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة وماهية الرب عين ذاته
فكذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ووجود الرب عين ذاته ووجود
العبد عين ذاته ، وذات الشيء هي ماهيته .
فاللفظ من الألفاظ المتواطئة ولكن بالإضافة يخص أحد المسميين ،
والمسميان إذا اشتركافى مسمى الوجود والذات والماهية لم يكن بينهما فى الخارج
أمر مشترك يكون زائداً على خصوصية كل واحد كما يظنه أرسطو ، وابن سينا،
والرازي ، وأمثالهم ؛ بل ليس فى الخارج وجود مطلق، ولا ماهية مطلقة
ولا ذات مطلقة .
أما المطلق بشرط الإطلاق فقد اتفق هؤلاء وغيرم على أنه ليس
بموجود فى الخارج وأن على تقدير ثبوته عن أفلاطون وأتباعه ، هو قول
باطل ضرورة .
وأما المطلق لا بشرط فقد يظن أنه فى الخارج وأنه جزء من المعين ، وهذا
غلط ؛ بل ليس فى الخارج إلا المعينات ، وليس فى الخارج مطلق يكون جزء
معين، لكن هؤلاء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف ؛ بناء على أن
٢٠٤

الموصوف مركب من تلك الصفات التى يسمونها الأجزاء الذاتية. كما يقولون:
الإنسان مركب من الحيوان والناطق ؛ أو من الحيوانية والناطقية ؛ وهذا
التركيب تركيب ذهنى ؛ فالماهية المركبة فى الذهن مركبة من هذه الأمور وهي
أجزاء تلك الماهية .
وأما الحقيقة الموجودة فى الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات؛ ولكن كثيراً
من هؤلاء اشتبه عليه الوجود الذهنى بالخارجي ، وهذا الغلط وقع كثيراً فى
أقوال المتفلسفة؛ فأوائلهم كأصحاب فنياغورس كانوا يقولون بوجود أعداد
مجردة عن المعدودات فى الخارج ، وأصحاب أفلاطون يقولون: بوجود المثل
الأفلاطونية ، وهي الحقائق المطلقة عن المعينات فى الخارج . وهذه الحقائق
مقارنة للمعينات فى الخارج كما أثبتوا جواهر عقلية ؛ وهي المجردات: كلمادة ،
والهيولى؛ والعقول والنفوس على قول بعضهم .
ومن هذا الباب تفريقهم بين الصفات الذاتية المتقدمة للماهية التى تتركب
منها الأنواع ويسمونها الأجناس والفصول ؛ وبين الصفات العارضة اللازمة
للماهية التى يسمونها خواصَ وأعراضاً عامة ؛ وهذه الخمسة هي الكليات ، وهي
الجنس ، والفصل ، والنوع، والعرض العام، والخاصة، وقد وقع بسبب ذلك
من الغلط فى ((منطقهم)) وفى ((الإلهيات)» ما ضل به كثير من الخلق ؛ وقد نبهنا
على ذلك فى غير هذا الموضع بما لا يتسع له هذا الموضع؛ ولهذا كان لفظ المركب
٢٠٥

عندهم يقال على خمسة معانٍ : على المركب من الوجود والماهية ، والمركب من
الذات والصفات ، والمركب من الخاص والعام، والمركب من المادة والصورة،
والقائلون بالجوهر الفرد يثبتون التركيب من الجواهر المفردة.
والمحققون من أهل العلم يعلمون أن تسمية مثل هذه المعاني تركيباً أمر
اصطلاحي، وهو إما أمر ذهنى لا وجود له فى الخارج، وإما أن يعود إلى صفات
متعددة قائمة بالموصوف ، وهذا حق .
فإن مذهب أهل السنة والجماعة : إثبات الصفات لله تعالى ؛ بل صفات
الكمال لازمة لذاته يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له ؛ بل يمتنع
تحقق ذات من الذوات عرية عن جميع الصفات ، وهذا كله مبسوط فى غير
هذا الموضع.
والمقصودهنا: أنه إذا قيل هذا إنسان فالمشار إليه بهذا المسمى بإنسان ؛
وليس الإنسان المطلق جزءاً من هذا، وليس الإنسان هنا إلا مقيدا وإنما يوجد
مطلقا فى الذهن ؛ لا فى الخارج. وإذا قيل هذا فى الإنسانية فالمعنى أن بينهما
تشابها فيها ؛ لا أن هناك شيئاً موجوداً فى الأعيان يشتركان فيه .
فليتدبر اللبيب هذا فإنه يحل شبهات كثيرة، ومن فهم هذا الموضع تبين
له غلط من جعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي لا المعنوي ، وغلط من
جعل أسماء الله تعالى أعلاما محضة لا تدل على معان، ومن زعم أن فى الخارج
٢٠٦

حقائق مطلقة يشترك فيها الأعيان ، وعلم أن ما يستحق الرب لنفسه لا يشركه
فيه غيره بوجه من الوجوه ، ولا يماثله شيء من المخلوقات فى شىء من الصفات.
وأما المخلوق فقد يماثله غيره فى صفاته لكن لا يشركه فى غير ما يستحقه
منها ، والأسماء المتواطئة المقولة على هذا وهذا حقيقة فى هذا وهذا ؛ فإذا كانت
عامة لهما تناولتهما ، وإن كانت مطلقة لم يمنح تصورهما من اشتراكهما فيها، وإن
كانت مقیدة اختصت بمحلها .
فإذا قال: وجود الله ، وذات الله، وعلى الله ، وقدرة الله، وسمع الله ، وبصر
الله، وإرادة الله، وكلام الله؛ ورحمة الله ، وغضب الله، واستواء الله، ونزول الله،
ومحبة الله، وإرادة الله، ونحو ذلك ، كانت هذه الأسماء كلها حقيقة لله تعالى
من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات، ومن غير أن يماثله فيها شىء من
المخلوقات. وإذا قال: وجود العبد وذاته، وماهيته، وعلمه، وقدرته، وسمعه،
وبصره، وكلامه، واستواؤه، ونزوله : كان هذا حقيقة للعبد مختصة به من غير
أن تماثل صفات الله تعالى.
بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن فى الجنة من المطاعم والمشارب والملابس
والمناكح ما ذكره فى كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلا، وخمراً، ولهما؛
وحريرا، وذهبا، وفضة، وحوراً، وقصورا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس:
ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء.
٢٠٧

فتلك الحقائق التى فى الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التى فى الدنيا وإن
كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة. ومعلوم أن الخالق
أبعد عن مشابهة المخلوق ، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه
وصفاته مماثلا لمخلوقاته؟ وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذه
الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض؟؟ !! مع أن مباينته
للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق.
والجاهل يضل بقول المتكلمين: إن العرب وضعوا لفظ الاستواء لاستواء
الإنسان على المنزل أو الفلك، أو استواء السفينة على الجودي ، ونحو ذلك
من استواء بعض المخلوقات ، فهذا كما يقول القائل : إنما وضعوا لفظ السمع
والبصر والكلام لما يكون محله حدقة وأجفانا وأصمخة وأذنا وشفتين ، وهذا
خلال فى الشرع وكذب، وإنما وضعوا لفظ الرحمة والعلم والإرادة لما يكون محله
مضغة لحم وفؤاد، وهذا كله جهل منه .
فإن العرب إنما وضعت للإنسان ما أضافته إليه ، فإذا قالت : سمع العبد،
وبصره ، وكلامه ، وعلمه، وإرادته، ورحمته ، فما يخص به يتناول ذلك خصائص
العبد. وإذا قيل : سمع الله وبصره ، وكلامه وعمله، وإرادته ورحمته ، كان هذا
متناولا لما يخص به الرب ، لا يدخل فى ذلك شيء من خصائص المخلوقين ، فمن
ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئاً من صفات المخلوقين مع كون
النص قد خصه بالله ، كان جاهلا جداً بدلالات اللغات ، ومعرفة الحقيقة والمجاز.
٢٠٨

وهؤلاء الجهال يمثلون فى ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق :
ثم ينفون ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق، وينفون
مضمون ذلك، ویکونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته ،
والحدوا فى أسماء الله وآياته، وخرجوا عن القياس العقلى والنص الشرعي ، فلا
يبقى بأيديهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح، ثم لا بد لهم من إثبات بعض
ما يثبته أهل الإثبات من الأسماء والصفات ، فإذا أثبتوا البعض ونفوا البعض قيل
لهم : ما الفرق بين ما أنتموه ونفيتموه؟ ولم كان هذا حقيقة ولم يكن هذا
حقيقة؟ لم يكن لهم جواب أصلا، وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعاً وقدراً.
وقد تدبرت كلام عامة من ينفي شيئاً مما أثبته الرسل من الأسماء والصفات
فوجدتهم كلهم متناقضين؛ فإنهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافى لما
أثبتوه ؛ فيلزمهم إما إثبات الأمرين وإما نفيها؛ فإذا نفوهما فلا بد لههم أن يقولوا
بالواجب الوجود وعدمه جميعاً ، وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة الغلاة من
القرامطة وغلاة المتفلسفة ؛ فإنهم إذا أخذوا ينفون النقيضين جميعاً؛ فالنقيضان
كما أنهما لا يجتمعان ؛ فلا يرتفعان.
ومن جهة إن ما يسلبون عنه النقيضين لابد أن يتصوروه وأن يعبرواعنه ؛ فإن
التصديق مسبوق بالتصور ، ومتى تصوروه وعبروا عنه كقولهم الثابت والواجب
أو أي شيء قالوه، لزمهم فيه من إثبات القدر المشترك نظير ما يلزمهم فيما نفوه،
٢٠٩

ولا يمكن أن يتصور شيء من ذلك مع قولههم: أسماء الله مقولة بالاشتراك
اللفظي فقط .
فإن المشتركين اشتراكا لفظياً لا معنوياً كلفظ المشترى المقول على
الكوكب والمبتاع ، وسهيل المقول على الكوكب وعلى ابن عمرو ، فإنه إذا سمع
المستمع قائلاً يقول له: جاءني سهيل بن عمرو، وهذا هو المشتري لهذه السلعة، لم
يفهم من هذا اللفظ كوكبا أصلا، إلا أن يعرف أن اللفظ موضوع له، فإذا لم
تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئاً أصلا، إلا أن يعرفوا ما يخص
ذاته، وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته فلم يعرفوا شيئاً.
ثم إن العلم بانقسام الوجود إلى قديم ومحدث وأمثال ذلك علم ضروري،
فالقادح سوفسطائى.
وكذلك العلم بأن بين الاسمين قدراً مشتر كا على ضرورى. وإذا قيل : إن
اللفظ حقيقة فيها لم يحتج ذلك إلى أن يكون أهل اللغة قد تكلموا باللفظ
مطلقاً فعبروا عن المعنى المطلق المشترك ؛ فإن المعاني التى لا تكون إلا مضافة
إلى غيرها : كالحياة والعلم، والقدرة والاستواء ؛ بل واليد وغير ذلك مما لا يكون
إلا صفة قائمة بغيره أو جسما قائماً بغيره بحيث لا يوجد فى الخارج مجرداً عن محله .
ولكن أهل النظر لما أرادوا تجريد المعانى الكلية المطلقة عبروا عنها بالألفاظ
الكلية المطلقة ، وأهل اللغة فى ابتداء خطابهم يقولون - مثلا -: جاء زيد، وهذا
وجه زيد ؛ ويشيرون إلى ما قام به من المجيء والوجه، فيفهم المخاطب ذلك .
٢١٠

ثم يقولون تارة أخرى: جاء عمرو ورأيت وجه عمرو، وجاء الفرس
ورأيت وجه الفرس، فيفهم المستمع أن بين هذه قدراً مشتركا وقدراً مميزاً،
وأن لعمرو مجيباً ووجها نسبته إليه كنسبة مجيء زيد ووجه إليه، فإذا علم أن عمراً
مثل زيد علم أن مجيئه مثل مجيئه ووجهه مثل وجهه، وإن علم أن الفرس ليست
مثل زيد بل تشابهه من بعض الوجوه علم أن مجيئها ووجهها ليس مجيء زيد
ووجهه، بل تشبهه فى بعض الوجوه .
وكذلك إذا قيل : جاءت الملائكة ورأت الأنبياء وجوه الملائكة على أن
للملائكة مجيئاً ووجوهاً نسبتها إليها كنسبة مجيء الإنسان ووجهه إليه، ثم
معرفته بحقيقة ذلك تبع معرفته بحقيقة الملائكة ؛ فإن كان لا يعرف الملائكة:
إلا من جهة الجملة ولا يتصور كيفيتهم كان ذلك فى مجيئهم ووجوههم لا يعرفها إلا
من حيث الجملة ولا يتصور كيفيتها.
وكذلك إذا قيل : جاءت الجن ، فاللفظ فى جميع هذه المواضع يدل على
معانيها بطريق الحقيقة ، بل إذا قيل : حقيقة الملك وماهيته ليست مثل حقيقة
الجنى وماهيته كان لفظ الحقيقة والماهية مستعملاً فيهما على سبيل الحقيقة، وكان
من الأسماء المتواطئة مع أن المسميات قد صرح فيها بنفي التماثل . وكذلك إذا قيل
خمر الدنيا ليس كمثل خمر الآخرة ولا ذهبها مثل ذهبها، ولا لنها مثل لبنها ولا
٢١١

عسلها مثل عسلها ، كان قد صرح فى ذلك بنفي التماثل مع أن الاسم مستعمل
فيها على سبيل الحقيقة .
ونظائر هذا كثيرة ؛ فإنه لو قال القائل : هذا المخلوق ما هو مثل هذا
المخلوق، وهذا الحيوان الذي هو الناطق ليس مثل الحيوان الذي هو الصامت،
أو هذا اللون الذي هو الأبيض ليس مثل الأسود ، أو الموجود الذي هو
الخالق ليس هو مثل الموجود الذي هو المخلوق، ونحو ذلك، كانت هذه
الأسماء مستعملة على سبيل الحقيقة فى المسميين اللذين صرح بنفي التماثل بينهما،
فالأسماء المتواطئة إنما تقتضى أن يكون بين المسميين قدراً مشتركا، وإن كان
المسميان مختلفين أو متضادين.
فمن ظن أن أسماء الله تعالى وصفاته إذا كانت حقيقة لزم أن يكون مماثلاً
للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم كان من أجهل الناس ، وكان أول كلامه
سفسطة ، وآخره زندقة ، لأنه يقتضي نفي جميع أسماء الله تعالى وصفاته ، وهذا
هو غاية الزندقة والإلحاد.
ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما فى أسباب الحقيقة والمجاز: كان
متناقضاً فى قوله ، متهافتاً فى مذهبه ، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب
وكفر ببعض.
وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة
ما
٢١٢

فى غاية الاستقامة والسداد ، والصحة والاطراد ، وأنه مقتضى المعقول الصريح
والمنقول الصحيح ، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك
عنه من أفك خارجاً عن موجب العقل والسمع ، مخالفاً للفطرة والسمع، والله
يتم نعمته علينا وعلى سائر إخواننا المسلمين المؤمنين ، ويجمع لنا ولهم خير
الدنيا والآخرة(١).
وهذا لا تعلق له بصفات الله تعالى قال بعضهم: قد قال الله تعالى: ( وَأَتَّخَذَ
ج
قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلَا جَسَدً ا لَّهُ خُوَارَ أَلَمْيَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ
فقد ذم الله من اتخذ إلهاً جسداً؛ و((الجسد) هو الجسم؛
فيكون الله قدذم من اتخذ إلهاً هو جسم. وإثبات هذه الصفات يستلزم أن يكون
جسما، وهذا منتف بهذا الدليل الشرعي . فهذا خلاصة ما يقوله من يزعم أنه
يعتمد فى ذلك على الشرع ، فيقال له : هذا باطل من وجوه :
سَبِيلًا )
(أحدها ) أن هذا إذا دل إنما يدل على نفي أن يكون جسداً ؛ لا على نفي
أن يكون جسمها، والجسم فى اصطلاح هؤلاء - نفاة الصفات - أعم من الجسد.
فإن الجسم ينقسم عندم إلى كثيف ولطيف ؛ بخلاف الجسد.
فإن أردت بقولك الجسم اللغوي - وهو الذي قال أهل اللغة إنه هو
(١) وجد قوله: وهذا لا تعلق له بصفات الله إلى آخر الرسالة فى إحدى النسختين بعد قوله
والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة وماهية الرب غير ذاته: أى صفحة (٢٠٤) سطر (٣)
٢١٣

الجسد - قيل لك: لا يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون جسداً ،
وهو الجسم اللغوى. فإنا نعلم بالضرورة أن الهواء يعلو على الأرض وليس هو
يجسد ؛ والجسد هو الجسم اللغوي.
فقول القائل : لو كان مستوياً على العرش لكان جسمها. والجسم هو الجسد
والجسد منتف بالشرع : كلام ملبس.
فإنه إن عنى بالجسم الجسد : كانت المقدمة الأولى ممنوعة ؛ فإن عاقلاً لا يقول
إنه لو كان فوق العرش لكان جسداً ؛ ولا يقول عاقل إنه لو كان له علم وقدرة :
لكان جسداً ولا يقول عاقل: إنه لو كان يرى ويتكلم لكان جسداً وبدناً .
فإن الملائكة لهم علم وقدرة وترى وتتكلم ، وكذلك الجن ، وكذلك
الهواء يعلو على غيره وليس بجسد .
وإن عنى بالجسم ما يعنيه أهل الكلام ؛ من أنه الذي يشار إليه ، وجعلوا
كل ما يشار إليه جسمها ، وكل ما يرى جسما أو كل ما يمكن أنه يرى أو يوصف
بالصفات فهو جسم ، أو كل ما يعلو على غيره ويكون فوقه فهو جسم .
فيقال له : فالجسد والجسم بهذا التفسير الكلامي ليس هو جسداً فى
لغة العرب ؛ بل هو منقسم إلى غليظ ورقيق ، إلى ما هو جسد وإلى
ما ليس بجسد.
٢١٤

ولذا يقول الفقهاء: النجاسة إن كانت متجسدة كالميتة فحكمها كذا، وإن
كانت غير متجسدة كالبول فحكمها كذا.
وإذا قدر أن الدليل دل على أنه ليس بجسد لم يلزم أن لا يكون جسماً
بهذا الاصطلاح ؛ لأن الجسم أعم عندهم من الجسد، ولا يلزم من نفي الخاص
نفي العام ؛ كما إذا قلت ليس هو بإنسان فإنه لا يلزم أنه ليس بحيوان.
فلفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه فى اللغة ومعناه فى عرف أهل الكلام؛
فإذا كان معناه فى اللغة هو معنى الجسد - وهذا منتف بما ذكر من الدليل -
بطل قول من نفى الاستواء بالذات؛ أو غيره من الصفات . بأنه لو كان موصوفاً
بذلك: لكان جسما، فإن التلازم حينئذ منتف فإحدى المقدمتين باطلة ؛ إما
الأولى وإما الثانية .
ونظير هذا أن يقول : لو كان له علم وقدرة لكان محلاً للأعراض ، وما
كان محلا للأعراض فهو محل الآفات والعيوب، فلا يكون قد وسا، ولا سلاماً
لأن أهل اللغة قالوا : العرض بالتحريك ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه،
فلو جاز أن تقوم به هذه لكان تعالى وتقدس معيباً ناقصاً ، وهو سبحانه مقدس
عن ذلك؛ إذ هو السلام القدوس.
فيقال : لفظ العرض مشترك بين ما ذكر من معناه فى اللغة ، وبين معناه
فى عرف أهل الكلام ، فإن معناه - عند من يسمى العلم والقدرة
٢١٥

مطلقاً عرضاً - ما قام بغيره كالحياة، والعلم، والقدرة والحركة، والسكون
ونحوذلك.
وآخرون يقولون : هو ما لا يبقى زمانين . ويقولون: إن صفات الخالق
باقية ، بخلاف ما يقوم بالمخلوقات من الصفات ؛ فإنها لا تبقى زمانين.
والمقصودهنا: أنه إذا قال لو قام به العلم والقدرة لكان عرضاً، وما قام
به العرض قامت به الآفات كلام فيه تلبيس ؛ فإن إحدى المقدمتين باطلة .
فإن لفظ العرض إن فسر بالصفة فالمقدمة الثانية باطلة ؛ وإن فسر بما يعرض
للإنسان من المرض ونحوه فالمقدمة الأولى باطلة .
ونظير ذلك أن يقول: لو كان قد استوى على العرش لكان قد أحدث
حدثاً، وقامت به الحوادث؛ لأن الاستواء فعل حادث.ــ كان بعد أن لم يكن -
فلو قام به الاستواء لقامت به الحوادث ، ومن قامت به الحوادث فقد أحدث
حدثاً، والله تعالى منزه عن ذلك لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله من
أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً)) ولقوله: ((وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل
بدعة ضلالة)).
فإنه يقال له : الحادث فى اللغة ما كان بعد أن لم يكن ، والله تعالى يفعل
ما يشاء ؛ فما من فعل يفعله إلا وقد حدث بعد أن لم يكن.
٢١٦

وأما المحدثات التى ذكرها النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فهي المحدثات فى
الدين، وهو أن يحدث الرجل بدعة فى الدين لم يشرعها الله، والإحداث فى الدين
مذموم من العباد، والله يحدث ما يشاء لا معقب لحكمه .
فاللفظ المشتبه المجمل إذا خص فى الاستدلال وقع فيه الضلال والإضلال.
وقد قيل إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء.
( الوجه الثانى) فى بيان بطلان ما ذكر من الاستدلال أن يقال: إن الله
سبحانه منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات: لا أجساد الآدميين ، ولا
أرواحهم ولا غير ذلك من المخلوقات ؛ فإنه لو كان من جنس شيء من ذلك بحيث
تكون حقيقته حقيقته للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر ،
ويجب له ما يجب له ، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ، وهذا ممتع ؛ لأنه يستلزم
أن يكون القديم الواجب الوجود بنفسه ؛ غير قديم واجب الوجود
بنفسه، وأن يكون المخلوق الذي يمتنع غناه غنياً يمتنع افتقاره إلى الخالق؛
وأمثال ذلك من الأمور المتناقضة، والله تعالى نزه نفسه أن يكون له كفؤأو مثل،
أو سمي، أو ند .
فهذه الأدلة الشرعية والعقلية يعلم بها تنزه الله تعالى أن يكون من جنس
أجساد الآدميين ، أو غيرها من المخلوقات ؛ لكن المستدل على ذلك بقوله :
٢١٧

(وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلَا جَسَدً ا لَّهُ خُوَارُ ) استدل بحجة،
ضعيفة فإن ((الجسد)) وإن كان قدقال الجوهري وغيره إن الجسدهو البدن
يقال منه تجسد كما يقال: من الجسم تجسم، والجسد أيضاً الزعفران ونحوه من
الصبغ ، وهو الدم أيضاً؛ كما قال النابغة :
وما أريق على الأصنام من جسد
فليس المراد بالجسد فى القرآن لا هذا ولا هذا، فليس المراد من العجل
أن له بدناً مثل بدن الآدميين ، ولابدنا كأبدان البقر ، فإن العجل لم يكن
كذلك ، والعرب تقول جسد به الدم يجسد جسداً إذا لصق به ، فهو
حاسد وجسد .
قال الشاعر :-
ساعد به جسد مورس من الدماء مائع ويبس
والجسد الأحمر والمجسد ما أشبع صبغه من الثياب ؛ لكال ما لصق به من
الصبغ، فاللفظ فيه معنى التكاثف والتلاصق ؛ ولهذا يقول الفقهاء نجاسة متجسدة
وغير متجسدة وهو فى القرآن يراد به الجسد المصمت المتلاصق المتكاثف،
أو الذي لا حياة فيه. وقد ذكر الله تعالى لفظة الجسد فى أربعة مواضع .
فقال تعالى: (وَمَاجَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) وقال تعالى:
٢١٨

(وَلْقَيْنَ عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًّا ثُمَّنَبَ) وقال: (وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ،
مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُخُوَارُ) وقال تعالى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدُ الَّهُ خُوَارٌ)
كأنه عجل مصمت لا جوف له. وقد يقال: إنه لاحياة فيه، خار خورة؛ ولم يقل
عجلاً له جسد ، له بدن، له جسم؛ لأنه من المعلوم ان کل عجل له جسد هو بدنه
وهو جسمه، والعجل المعروف جسدفيه روح.
والمقصود: أن ما أخرجه كان جسداً مصمتاً لا روح فيه حتی تبین نقصه ،
وأنه كان مسلوب الحياة والحركة .
وقد روى : أنه إنما خار خورة واحدة وقد يقال : إن أريد بالجسد
المصمت أو الغليظ ونحوه ، فلم قيل إن ذلك ذكر لبيان نقصه من هذا
الوجه؛ بل من هذا الوجه ضلوا به، وإنما كان النقص من جهة ( أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ
وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلاً) وقد يقال: إذا كان لا حياة فيه فالنقص كان فيه من
جهة عدم الحياة ، وغيرها من صفات الکال ؛ لا من جهة کونه له بدن ، أولیس
له بدن؛ فالآدمي له بدن.
ولو أخرج لهم عملاً كسائر العجول ، أو آدمياً كاملاً ، أو فرساً حياً،
أو جملاً أو غير ذلك من الحيوان : لكان أيضاً له بدن ، ولكان ذلك أعجوبة
عظيمة وكانت الفتنة به أشد ؛ ولكن الله سبحانه بين أن المخرج كان موصوفاً
بصفات النقص يحقق ذلك .
٢١٩

(الوجه الثالث): وهو أنه سبحانه قال: (أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا
يَهْدِيِمْ سَبِيلًا) فلم يذكر فيما عابه به كونه ذا جسد؛ ولكن ذكر فيما عابه
به ( أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيباً ونقصاً
لذكر ذلك .
فعلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها ، على أن كون الشيء
ذا بدن عيباً ونقصاً ، وهذه الحجة نظير احتجاجهم بالأفول ، فإنهم غيروا معناه
فى اللغة ، وجعلوه الحركة ، فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب
العالمين، ولو كان كما ذكروه : لكان حجة عليهم لا لهم.
( الوجه الرابع ): أن الله تعالى وصفه بكونه عجلاً جسداً له خوار ، ثم
قال: ( أَلَمْيَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) وقال فى السورة الأخرى:
(فَكَذَلِكَ أَلَّقَى السَّامُِ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ
مُؤْسَى فَنَسِىَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَا يَرَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا)
فلم يقتصر فى وصفه على مجرد كونه جسداً ؛ بل وصفه بأن له خواراً، وبين أنه
لا يكلمهم ، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
فالموجب لنقصه إما أن يكون مجموع الصفات أو بعضها، أو كل واحد منها ؛
فان كان المجموع لم يدل على أن نقصها واحدة نقص ، وإن كان بعضها فليس
كونه جسداً بأولى من كونه له خوار . وليس هذا وهذا بأولى من كونه مسلوب
٢٢٠