النص المفهرس

صفحات 181-200

معلوم ، والكيف مجهول، وفى لفظ: استواؤه معلوم - أو معقول - والكيف
غير معقول، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة. فقد أخبر رضي الله عنه
بأن نفس الاستواء معلوم ، وأن كيفية الاستواء مجهولة ، وهذا بعينه قول
أهل الإثبات .
وأما ((النفاة)) فما يثبتون استواء حتى نجهل كيفيته؛ بل عند هذا القائل
الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول : غير معلوم ، وإذا كان الاستواء مجهولاً لم
يحتج أن يقال : الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفياً، فالمنتفي
المعدوم لا كيفية له حتى يقال : هي مجهولة أو معلومة. وكلام مالك صريح فى
إثبات الاستواء ، وأنه معلوم ، وأن له كيفية ؛ لكن تلك الكيفية مجهولة لنا
لا نعلمها نحن .
ولهذا بدَّع السائلَ الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون
عن أمر معلوم لنا ، ونحن لا نعلم كيفية استواته ، وليس كل ما كان معلوماً وله
كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا ، يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية
نقلوا عن مالك أنه قال: الله فى السماء وعلمه فى كل مكان، حتى ذكر ذلك مكي
- خطيب قرطبة - فى ((كتاب التفسير)) الذي جمعه من كلام مالك، ونقله
أبو عمر والطلمنكى ، وأبو عمر بن عبد البر ، وابن أبي زيد فى المختصر ، وغير
واحد ونقله أيضاً عن مالك غير هؤلاء ممن لا يحصى عددم : مثل أحمد
ابن حنبل، وابنه عبدالله، والأثرم، والخلال، والآجري، وابن بطة، وطوائف
١٨١

غير هؤلاء من المصنفين فى السنة، ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل
هذا الإثبات.
والقول الذي قاله مالك: قاله قبله ربيعة بن أبي عبد الرحمن - شيخه - كما
رواه عنه سفيان بن عيينة .
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كلاماً طويلاً، يقرر
مذهب الإثبات ، ويرد على النفاة قد ذكرناه فى غير هذا الموضع .
وكلام المالكية فى ذم الجهمية النفاة مشهور فى كتبهم، وكلام أئمة المالكية
وقدمائهم فى الإثبات كثير مشهور ؛ حتى علماءم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة
على أن الله بذاته فوق عرشه، وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة
السلف، ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد فى هذا. وهو إنما
ذكر هذا فى مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين ؛ لأنه عند أئمة السنة من
الاعتقادات التى يلقنها كل أحد .
ولم يرد على ((ابن أبي زيد)) فى هذا إلا من كان من أتباع الجهمية النفاة،
لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة ، ولا أنه مخالف للكتاب والسنة ؛ ولكن زعم
من خالف ابن أبي زيد وأمثاله أن ما قاله مخالف للعقل . وقالوا : إن ابن ابي زيد
لم يكن يحسن فن الكلام الذي يعرف فيه ما يجوز على الله عز وجل
وما لا يجوز.
١٨٢

والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من المتأخرين تلقوا هذا الإنكار
عن متأخري الأشعرية - كأبي المعالى وأتباعه - وهؤلاء تلقوا هذا الإنكار
عن الأصول التي شاركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فالجهمية - من المعتزلة
ء
وغيرهم - م أصل هذا الإنكار .
وسلف الأمة وأئمتها متفقون على الإثبات ، رادون على الواقفة والنفاة ،
مثل ما رواه البيهقي وغيره عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون -
نقول : إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وقال أبو مطيع البلخي فى كتاب ((الفقه الأكبر)) المشهور: سألت أباحنيفة
عمن يقول لا أعرف ربي فى السماء أو فى الأرض . قال : قدكفر ؛ لأن الله عن
وجل يقول: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) وعرشه فوق سبع سمواته، فقلت
إنه يقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش فى السماء أو فى الأرض؛
فقال إذا أنكر أنه فى السماء كفر ؛ لأنه تعالى فى أعلى عليين ؛ وأنه يدعى من
أعلى لا من أسفل .
وقال عبد الله بن نافع كان مالك بن أنس يقول: الله فى السماء وعلمه فى
كل مكان. وقال معدان: سألت سفيان الثورى عن قوله تعالى: ( وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَ مَاكُمْ) قال علمه .
وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه ابن أبي حاتم والبخاري
١٨٣

وعبد الله بن أحمد وغيرم: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا ليس فى
السماء شيء
وقال على بن الحسن بن شقيق قلت لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟
قال : بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. قلت بحد ؟ قال : بحد لا يعلمه
غيره، وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه ؛ وهو أيضاً صحيح
ثابت عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغير واحد من الأئمة .
وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة
ما أدعو على الجهمية . قال : لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذى فى السماء
ليس بشيء.
وقال جرير بن عبد الحميد؛ كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم ، وإنما
يحاولون أن يقولوا ليس فى السماء إلى رواه ابن أبي حاتم . ورواه هو وغيره
بأسانيد ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن
يكون الله عز وجل كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن
يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون : من زعم أن
الله على العرش استوى على خلاف ما يقر فى قلوب العامة فهو جهمى . وقال
سعيد بن عامر الضبعى - وذكر عنده الجهمية فقال ـــ م أشر قولا من
اليهود والنصارى ، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش
وقالوا م ليس عليه شيء .
١٨٤

وقال عباد بن العوام الواسطى: كلمت بشراً المريسى وأصحابه فرأيت آخر
كلامهم ينتهى إلى أن يقولوا ليس فى السماء شيء ، أرى والله أن لا يناكحوا
ولا یوارثوا . وهذا کثیر فی کلامهم.
وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس («مقالة أهل السنة
وأهل الحديث )) كما ذكره أبو الحسن الأشعري فى كتابه الذى صنفه فى
((اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين)) فذكر فيه أقوال الخوارج
والروافض والمعتزلة والمرجئة وغيرهم .
ثم قال : ذكر ((مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث)) وجملة قولهم: الإقرار
بالله عز وجل وملائكته ، وكتبه ورسله، وبما جاء من عند الله، وبما رواه
الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئاً - إلى أن
قال - وأن الله على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى )، وأن له
يدين بلا كيف كما قال تعالى (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ)
وأقروا أن الله علما كما قال: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ
إِلَّابِعِلْمِهِ) وأثبتوا السمع والبصر ؛ ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا:
إنه لا يكون فى الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله ، وإن الأشياء تكون
بمشيئة الله، كما قال (وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) إلى أن قال: ويقولون إن
القرآن كلام الله غير مخلوق ؛ ويصدقون بالأحاديث التى جاءت عن رسول الله
١٨٥

صلى الله عليه وسلم، مثل: ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر
فأغفر له ؟)» كما جاء فى الحديث.
ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا )
(
وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوِيدِ
وذكر أشياء كثيرة ، إلى أن قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه،
وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب .
قال الأشعري أيضا فى ((مسئلة الاستواء)) قال أهل السنة وأصحاب الحديث
ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
آسْتَوی) ولا تتقدم بین یدی الله ورسوله فى القول، بل نقول استوى بلا كيف،
وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدََّ).
وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء فى الحديث.
قال: وقالت المعتزلة استوى على عرشه بمعنى استولى. وقال الأشعري أيضا
فى كتابه ((الإبانة فى أصول الديانة)) فى (باب الاستواء) إن قال قائل: ما تقولون
فى الاستواء؟ قيل: نقول له إن الله مستو على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
أُسْتَوَى) وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وقال: (بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
وقال حكاية عن فرعون: (يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِي لَأَظُنُّهُكَذِبًا) كذب فرعون موسى فى قوله :
١٨٦

إن الله فوق السموات. وقال الله تعالى: (ءَأَمِثُم مَّن ◌ِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
) فالسموات فوقها العرش وكل ما علا فهو سماء وليس إذا
فَإِذَا هِى تَمُورُ
قال : (َأَمِنْثُ مَّن فِ السَّمَآءِ ) يعنى جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى
السموات، ألا ترى أنه ذكر السموات فقال: (وَجَعَلَ الْقَمَرَفِنَّ نُورًا) ولم
يرد أنه يملأ السموات جميعاً؟
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستو
على العرش الذي هو فوق السموات ، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم
نحو العرش.
وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية والحرورية: أن معنى استوى استولى
وملك وقهر ، وأن الله فى كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال
أهل الحق وذهبوا فى الاستواء إلى القدرة ، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين
العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها
وعلى الحشوش والأخلية، فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن
يقال: هو مستوعلى الأشياء كلها ، ولما لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال:
إن الله مستو على الأشياء كلها، وعلى الحشوش والأخلية ، بطل أن يكون معنى
الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام فى الأشياء كلها .
وقد نقل هذا عن الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه، كابن فورك
والحافظ بن عساكر فى كتابه الذي جمعه فى «تبيين كذب المفتري ، فیما ينسب
١٨٧

إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري)) وذكر اعتقاده الذي ذكره فى أول («الإبانة))
وقوله فيه: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية والجهمية، والحرورية
والرافضة ، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون ، ودیاتكم التى بها تدينون
قيل له : قولنا الذي به نقول ، وديانتنا التى ندين (بها) التمسك بكتاب الله تعالى،
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما روى عن الصحابة والتابعين، وأمة الحديث،
ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه -
قائلون، ولما خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل ، والرئيس الكامل،
الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال ، وأوضح المنهاج به وقمع به بدع
المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم،
وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
((وجملة قولنا)): إنا نقر بالله وملائكته، وكتبه ورسله ، وما جاء من عندالله ،
وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ما تقدم وغيره من جمل
كثيرة أوردت فى غير هذا الموضع، وقال أبو بكر الآجري فى ((كتاب الشريعة)»
الذي يذهب إليه أهل العلم : أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط
بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق فى السموات العلى، وجميع ما فى سبع
أرضين، يرفع إليه أفعال العباد.
فإن قال قائل: أى شيء معنى قوله: ( مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ
رَبِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) الآية قيل له علمه، والله على عرشه وعلمه محيط
١٨٨

بهم؛ كذا فسره أهل العلم . والآية يدل أولها وآخرها أنه العلم، وهو على عرشه
هذا قول المسلمين .
والقول الذي قاله الشيخ ((محمد بن أبي زيد)) وأنه فوق عرشه المجيد
بذاته، وهو فى كل مكان بعلمه، قد تأوله بعض المبطلين بأن رفع المجيد. ومراده
أن الله هو المجيد بذاته، وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة أن يقال: الرحمن
بذاته والرحيم بذاته، والعزيز بذاته.
وقد قال ابن أبي زيد فى خطبة ((الرسالة) أيضاً على العرش استوى ، وعلى
الملك احتوى ، ففرق بين الاستواء والاستيلاء على قاعدة الأئمة المتبوعين ، ومع
هذا فقد صرح ابن أبي زيد فى ((المختصر)) بأن الله فى سمائه دون أرضه،
هذا لفظه والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من
جميع الطوائف .
وقد ذكر أبو عمرو الطلمنكي الإمام فى كتابه الذي سماه «الوصول إلى
معرفة الأصول)): أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على
عرشه . وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حافظ الكوفة فى طبقة
البخاري ونحوه ، ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة .
وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام ، فى رسالته المشهورة
فى السنة التى كتبها إلى ملك بلاده.
١٨٩

وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ فى كتاب «الإبانة)» له. قال: وأمتنا
كالثورى ، ومالك ، وابن عيينة، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ، وابن المبارك
وفضيل بن عياض ، وأحمد، وإسحاق: متفقون على أن الله فوق العرش بذاته؛
وأن علمه بكل مكان ، وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصارى ، وأبو العباس
الطرقي ، والشيخ عبد القادر الجيلى، ومن لا يحصى عدده إلا الله من أمّة
الإسلام وشيوخه .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني- صاحب ((حلية الأولياء)) وغير ذلك من
المصنفات المشهورة فى الاعتقاد الذى جمعه : - طريقنا طريق السلف المتبعين
الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال: ومما اعتقدوه أن اللّه لم يزل كاملاً بجميع
صفاته القديمة لايزول ولا يحول ؛ لم يزل عالماً بعلم، بصيراً بيصر، سميعاً بسمع،
متكلماً بكلام، وأحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله. وكذلك
سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق ، وأن القرآن من جميع الجهات مقروءاً
ومتلوا ، ومحفوظاً ، ومسموعا، ومكتوبا، وملفوظاً ، كلام الله حقيقة
لا حكاية ولا ترجمة ، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق ، وأن الواقفة
واللفظية من الجهمية ، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق
كلام الله فهو عندم من الجهمية، وأن الجهمي عندم كافر. وذكر أشياء
إلى أن قال :
١٩٠

وأن الأحاديث التى ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى «العرش واستواء
الله عليه)) يقولون بها ويثبتونها، من غير تكيف، ولا تمثيل، وأن اللهبائن من
خلقه ، والخلق بائنون منه ؛ لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه
فى سمائه دون أرضه. وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك .
وقال يحيى بن عثمان فى ((رسالته)): لا نقول كما قالت الجهمية إنه بداخل
الأمكنة، وممازج كل شيء ، ولا نعلم أين هو ؛ بل نقول هو بذاته على عرشه
وعلمه محيط بكل شيء ، وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء ، وهو معنى
قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُنُّهُمْ ).
وقال الشيخ العارف ((معمر بن أحمد)) شيخ الصوفية: فى هذا العصر
أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة ، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث
وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين ؛ فذكر أشياء من الوصية إلى
أن قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل والاستواء
معلوم والكيف مجهول ، وإنه مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق باتنون
منه ، بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وإنه عن وجل سميع، بصير، عليم،
خبير ، يتكلم ، ويرضى ، ويسخط ، ويضحك ، ويعجب ، ويتجلى لعباده يوم
القيامة ضاحكا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل،
ومن أنكر النزول ، أو تأول فهو مبتدع ضال.
١٩١

وقال الإمام ((أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني)) النيسابورى
فى كتاب (( الرسالة فى السنة)) له: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله
فوق سبع سمواته على عرشه، كما نطق به كتابه ، وعلماء الأمة وأعيان سلف
الأمة ؛ لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته .
قال: وإمامنا أبو عبدالله الشافعي احتج فى كتابه (المبسوط)) فى مسألة إعتاق
الرقبة المؤمنة فى الكفارة ، وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها ، يخبر
معاوية بن الحكم ، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة؛ وسأل
النبى صلى الله عليه وسلم عن إعتاقه إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا!فقال
لها: ((أين ربك))؟ فأشارت إلى السماء، فقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) فحكم
بإيمانها لما أقرت أن ربها فى السماء ، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: «باب القول فى الاستواء)):
قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) (ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
) (
(وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ
الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ ) (،َ أَمِنْتُمْ مَن فِ السَّمَآءِ ) وأراد من فوق السماء ؛
كما قال: (وَلَأُ صَلَِّنَّكُمْ فِ جُدُوع النَّخْلِ ) بمعنى على جذوع النخل. وقال
(فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ ) أى على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى
السموات. فمعنى الآية أأمنتم من على العرش، كما صرح به فى سائر الآيات. قال:
١٩٢

وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية: أن الله بذاته
فى كل مكان ، وقوله: ( وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ ) : إنما أراد بعلمه لا بذاته .
وقال أبو عمر بن عبد البرفى ((شرح الموطأ)) لما تكلم على حديث
النزول قال : هذا حديث لم يختلف أهل الحديث فى صحته ، وفيه دليل أن الله
فى السماء على العرش من فوق سبع سموات ؛ كما قالت الجماعة ؛ وهو من حجتهم
على المعتزلة قال : وهذا أشهر عند الخاصة والعامة، وأعرف من أن
يحتاج إلى أكثر من حكايته ؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ؛ ولا أنكره
عليهم مسلم.
وقال أبو عمر أيضاً : أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم
التأويل قالوا فى تأويل قوله: (مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّهُوَرَابِعُهُمْ)
هو على العرش وعلمه فى كل مكان ؛ وما خالفهم فى ذلك أحد
يحتج بقوله.
فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف ؛ إذ لم ينقل عنهم غير ذلك ؛ إذ هو الحق
الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ؛ فنسأل الله العظيم
أن يختم لنا بخير ولسائر المسلمين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ بمنه وكرمه
إنه أرحم الراحمين والحمد لله وحده.
١٩٣

سئل شيخ الإسلام :-
ركن الشريعة ((أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية))
- قدس الله روحه ونور ضريحه :-
عن قول الله عز وجل: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى)، وقوله صلى الله
عليه وسلم: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)) هل الاستواء والنزول حقيقة
أم لا ؟ وما معنى كونه حقيقة ؟ وهل الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له كما
يقوله الأصوليون أم لا؟ وما يلزم من كون آيات الصفات حقيقة؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. القول فى الاستواء والنزول، كالقول
فى سائر الصفات التى وصف الله بها نفسه فى كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه
وسلم؛ فإن الله تعالى ((سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات)) سمى نفسه:
حيا، عليماً، حكيما، قديرا، سميعاً، بصيراً، غفوراً، رحيماً ، إِلى
سائر أسمائه الحسنى .
قال الله تعالى: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّوَأَخْفَى )، وقال:
( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّ بِمَا شَآَةً وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)،
١٩٤

وقال: ( إِنَّاُللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَةِ الْمَتِينُ ) وقال: ( وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَثِيْدٍ )
أي بقوة ، وقال: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلّ شَىْءٍ) .
وقال عن ملائكته : (رَبَّنَاوَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)، وقال :
( رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ)، وقال: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، وقال:
( وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ) وقال: (سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا)، وقال تعالى: (وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وقال: (مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ)
وقال: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) وقال: (إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى)،
وقال: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، وقال: ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدََّّ)
وقال تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وقال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِى
ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ) وقال تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا).
وأمثال ذلك ؛ فالقول فى بعض هذه الصفات كالقول فى بعض.
ومذهب سلف الأمة وأمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه
به رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ، ولا تعطيل ؛ ولا تكييف
ولا تمثيل.
فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التى وصف بها نفسه؛ ولا يجوز تمثيلها
بصفات المخلوقين؛ بل هو سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
ليس كمثله شيء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله .
١٩٥

وقال نعيم بن حماد الخزاعي : من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن
جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه
ورسوله تشبيهاً .
ومذهب السلف بين مذهبين ، وهدى بين ضلالتين : إثبات الصفات
ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) رد على أهل التشبيه
والتمثيل. وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) - رد على أهل النفي والتعطيل،
فالممثل أعشى ، والمعطل أعمى : الممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما.
وقد اتفق جميع أهل الإثبات على ان الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير
حقيقة ، سميع حقيقة، بصير حقيقة ، مريد حقيقة ، متكلم حقيقة ؛ حتى المعتزلة
النفاة للصفات قالوا: إن الله متكلم حقيقة؛ كما قالوا - مع سائر المسلمين - إن
الله عليم حقيقة، قدير حقيقة؛ بل ذهب طائفة منهم كأبي العباس الناشي إلى أن
هذه الأسماء حقيقة لله مجاز للخلق .
وأما جمهور المعتزلة مع المتكلمة الصفاتية ــ من الأشعرية الكلابية،
والكرامية، والسالمية، وأتباع الأئمة الأربعة من الحنفية، والمالكية والشافعية
والحنبلية، وأهل الحديث، والصوفية .. فإنهم يقولون: إن هذه الأسماء حقيقة
الخالق سبحانه وتعالى؛ وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة أيضاً. ويقولون: إن
له علماً حقيقة، وقدرة حقيقة، وسمعاً حقيقة، وبصراً حقيقة.
١٩٦

وإنما ينكر أن تكون هذه الأسماء حقيقة النفاة من القرامطة الإسماعيلية
الباطنية ، ونحوم من المتفلسفة الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى ، ويقولون:
ليس بحي ولا عالم ولا جاهل ، ولا قادر ولا عاجز، ولا موجود، ولا معدوم؛
فهؤلاء ومن ضاهام ينفون أن تكون له حقيقة! ثم يقول بعضهم : إن هذه
الأسماء لبعض المخلوقات ، وأنها ليست له حقيقة ولا مجازاً.
وهؤلاء الذين يسميهم المسلمون الملاحدة ؛ لأنهم ألحدوا فى أسماء الله وآياته
(وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْ عُوهُ بِهَا وَذَرُواْاُلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ
وقد قال الله تعالی:
أَسْمَتِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىِّءَايَِنَا
لَا يَخْفَونَ عَلَيْنَآ)، وهؤلاء شر من المشركين الذين أخبر الله عنهم بقوله:
(وَإِذَاقِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُ واْلِلَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًا )
وقال تعالى: (كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبِهَا أُمٌَّ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِّ قُلْ هُوَرَبِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِتَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ ).
فإن أولئك المشركين إنما أنكروا اسم الرحمن فقط، وم لا ينكرون
أسماء الله وصفاته؛ ولهذا كانوا عند المسلمين أكفر من اليهود والنصارى.
ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازاً يصح نفيها عند الإطلاق ؛ لكان يجوز
أن الله ليس بحي ولا عليم، ولا قدير ولا سميع ولا بصير، ولا يحبهم ولا يحبونه
ولا استوى على العرش؛ ونحو ذلك.
ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفى على ما أثبته
١٩٧

الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات ؛ بل هذا جحد للخالق وتمثيل له
بالمعدومات وقد قال أبو عمر بن عبد البر : أهل السنة مجمعون على الإقرار
بالصفات الواردة كلها فى القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على
المجاز ؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك . ولا يحدون فيه صفة محصورة ،
وأما ((أهل البدع) من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونها على
الحقيقة ، ويزعمون أن من أقربها مشبه ، وم عند من أقربها نافون
للمعبود لا مثبتون . والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة ،
وهم أئمة الجماعة.
وهذا الذي حكاه ابن عبد البر عن المعتزلة ونحوم هو فى بعض ما ينفونه
من الصفات وأما فيما يثبتونه من الأسماء والصفات كالحي والعليم والقدير
والمتكلم فهم يقولون: إن ذلك حقيقة ، ومن أنكر أن يكون شيء من هذه
الأسماء والصفات حقيقة إنما أنكره لجهله مسمى الحقيقة ، أو لكفره
وتعطيله لما يستحقه رب العالمين ، وذلك أنه قد يظن أن إطلاق ذلك يقتضي
أن يكون المخلوق مماثلاً للخالق ؛ فيقال له : هذا باطل ؛ فإن الله موجود
حقيقة والعبد موجود حقيقة ؛ وليس هذا مثل هذا ، والله تعالى له ذات حقيقة
والعبد له ذات حقيقة وليس ذاته كذوات المخلوقات.
وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة ، وللعبد علم وسمع وبصر حقيقة؛ وليس
١٩٨

علمه وسمعه وبصره مثل علم الله وسمعه وبصره، ولله كلام حقيقة، وللعبد كلام
حقيقة؛ وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين.
ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة وللعبد استواء على الفلك حقيقة؛ وليس
استواء الخالق كاستواء المخلوقين ؛ فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء
بل هو الغنى عن كل شيء.
والله تعالى يحمل العرش وحملته بقدرته ، ويمسك السموات والأرض
أن تزولا . فمن ظن أن قول الأئمة : إن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي
أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون قولهم:
إن الله له علم حقيقة، وسمع حقيقة ، وبصر حقيقة ، وكلام حقيقة ، يقتضى أن
يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم.
١٩٩

ـل
وأما قول السائل: ما معنى كون ذلك حقيقة؟ ((فالحقيقة) هو اللفظ المستعمل
فيما وضع له، وقد يراد بها المعنى الموضوع للفظ الذي يستعمل اللفظ فيه . فالحقيقة
أو المجاز هي من عوارض الألفاظ فى اصطلاح أهل الأصول، وقد يجعلونه من
عوارض المعاني لكن الأول أشهر ، وهذه الأسماء والصفات لم توضع لخصائص
المخلوقين عند الإطلاق ، ولا عند الإضافة إلى الله تعالى ولكن عند
الإضافة إليهم .
فاسم العلم يستعمل مطلقاً ويستعمل مضافاً إلى العبد كقوله: (شَهِدَ اللهُ
أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ )، ويستعمل مضافا إلى الله
كقوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ )، فإذا أضيف العلم إلى المخلوق
لم يصلح أن يدخل فيه على الخالق سبحانه، ولم يكن على المخلوق كعلم الخالق، وإذا
أضيف إلى الخالق كقوله: ( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) لم يصلح أن يدخل فيه علم
المخلوقين ولم يكن علمه كعلمهم.
وإذا قيل: العلم مطلقاً أمكن تقسيمه، فيقال: العلم ينقسم إلى العلم القديم
والعلى المحدث ، فلفظ العلم عام فيهما متناول لهما بطريق الحقيقة ، وكذلك إذا
٢٠٠