النص المفهرس

صفحات 61-80

مذنى الموحدين ، ويعذب من يشاء. كما قال تعالى: (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ
مَن يَشَآءُ ).
وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني - شيخ الصوفية فى حدود
المائة الرابعة فى بلاده - قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة،
وموعظة من الحكمة؛ وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف،
وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: (( وإن الله استوى
على عرشه بلا كيف ، ولا تشبيه، ولا تأويل ، والاستواء معقول والكيف فيه
مجهول ، وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ، والخلق منه بائنون . بلا
حلول ولا ممازجة ، ولا اختلاط ولا ملاصقة ؛ لأنه الفرد البائن من الخلق،
الواحد الغنى عن الخلق .
وإن اللهعز وجل سميع ، بصير ، عليم ، خبير، يتكلم ، ويرضى ، ويسخط،
ويضحك، ويعجب ، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا، وينزل كل ليلة إلى سماء
الدنيا كيف شاء: «فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر
له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى يطلع الفجر)» ونزول الرب إلى السماء بلا
كيف ولا تشبيه، ولا تأويل. فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال،
وسائر الصفوة من العارفين على هذا)) اهـ.
وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال فى ((كتاب
السنة)) ثنا أبو بكر الأثرم، تنا إبراهيم بن الحارث يعنى العبادي، حدثنا الليث
٦١

ابن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث- قال أبو بكر هو صاحب الفضل-
قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوم فى الله كيف هو؟ لأن
الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصََّمَدُ * لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ ) فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه .
وكل هذا النزول والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع؛ كما يشاء أن
ينزل ، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع. فليس
(لنا ) أن توم كيف وكيف؟. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن
مكانه . فقل : بل أومن برب يفعل ما يشاء .
ونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري فى ((أفعال العباد)).
ونقل شيخ الإسلام بإسناده فى كتابه ((الفاروق)) فقال: ثنا يحيى بن
عمار ثنا أبي ، ثنا يوسف بن يعقوب ، ثنا حرمى بن علي البخاري وهاتي بن
النظر عن الفضيل .
وقال عمرو بن عثمان المكي فى كتابه الذي سماه ((التعرف بأحوال العباد
والمتعبدين)) قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين) وذكر أنه يوقعهم فى
القنوط، ثم فى الغرور وطول الأمل، ثم فى التوحيد. فقال: ((من أعظم
ما يوسوس فى ((التوحيد)) بالتشكل أو فى صفات الرب بالتمثيل والتشبيه ، أو
بالجحد لها والتعطيل . فقال بعد ذكر حديث الوسوسة : -
٦٢

واعلى رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك، أو سنح فى مجاري فكرك، أو خطر
فى معارضات قلبك، من حسن أو بهاء ، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو سنح
مسائل أو شخص متمثل : فالله تعالى بغير ذلك ؛ بل هو تعالى أعظم وأجل ،
وأكبر ألا تسمع لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وقوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ)
أي لا شبيه ولا نظير ولامساوي ولا مثل، أو لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك
العظم هيبته؟ وشامخ سلطانه ؟ فكمالا يتجلى لشيء إلا اندك: كذلك لا يتوهمه
أحد إلا هلك. فرد بما بين الله فى كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل،
والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أناك من قبل التعطيل لصفات الرب
- تعالى وتقدس - فى كتابه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لك:
إذا كان موصوفاً بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما
يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك فى صفات الملحدين، الزائغين ، الجاحدين
لصفة الرب تعالى.
واعلم - رحمك الله تعالى - أن الله تعالى واحد، لا كالآحاد ، فرد صمد
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . إلى أن قال - خلصت له الأسماء السنية
فكانت واقعة فی قديم الأزل بصدق الحقائق ، لم یستحدث تعالی صفة كان منها
خلياً، واسماً كان منه بريا ، تبارك وتعالى ؛ فكان هادياً سيهدي ، وخالقاً
سيخلق ، ورازقاً سيرزق ، وغافراً سيغفر ، وفاعلاً سيفعل ، ولم يحدث له
٦٣

الاستواء إلا وقد كان فى صفة أنه سيكون ذلك الفعل ، فهو يسمى به فى
حملة فعله .
كذلك قال الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفََّصَفًّا ) بمعنى أنه سيجيء؛ فلم
يستحدث الاسم بالمجيء ، وتخلف الفعل لوقت المجيء ، فهو جاء سيجيء،
ويكون المجيء منه موجوداً بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه ، لأن ذلك فعل
الربوبية فيستحسر العقل ، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول فى تحصيل كيفية
المعبود، فلا تذهب فى أحد الجانبين؛ لا معطلا ولا مشبهاً ، وارض لله بما رضي
به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلماً ، مستسلماً ، مصدقاً ؛ بلا مباحثة
التنفير ولا مناسبة التنقير .
إلى أن قال: ((فهو تبارك وتعالى القائل : أنا الله لا الشجرة، الجائي قبل
أن يكون جائياً؛ لا أمره ، المتجلى لأوليائه فى المعاد؛ فتبيض به وجوههم، وتفلح
به على الجاحدين حجتهم ، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان -
تبارك وتعالى-الذي كلم موسى تكليما. وأراه من آياته، فسمح موسى كلام الله؟
لأنه قربه نجيا. تقدس أن يكون كلامه مخلوقاً أو محدثاً أو مريوباً، الوارث بخلقه
لخلقه، السميع لأصواتهم ، الناظر بعينه إلى أجسامهم ، يداه مبسوطتان، وهما
غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه - وهو أمره - تعالى وتقدس أن
يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق به ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، الشائي، له
المشيئة، العالم، له العلم الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب.
٦٤

إليه خلقه بالعبادة ، وليرغبوا إليه بالوسيلة ، القريب فى قربه من حبل الوريد،
البعيد فی علوه من كل مكان بعيد ، ولا يشبه بالناس .
إلى أن قال: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ ) . القائل:
(َأَمِنْثُم ◌َّنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ * أَمْأَمِنْتُ مَّنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
حَاصِبًا ) تعالى وتقدس أن يكون فى الأرض كما هو فى السماء، جل عن
ذلك علوا كبيرا» اهـ.
وقال الإمام أبو عبدالله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبى، فى كتابه
المسمى ((فهم القرآن)) قال فى كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز
فى الأخبار قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته، ولا أسماءه يجوز
أن ينسخ منها شيء.
إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك
أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم
بالغيب ، وأنه لا يبصر ماقد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم،
ولا كلام كان منه، وأنه تحت الأرض ، لا على العرش ، جل وعلا عن ذلك.
فإذا عرفت ذلك واستيقنته : علمت ما يجوز عليه النسخ ومالا يجوز ، فإن
تلوت آية فى ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن
فرعون: (حَتََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ) الآيات وقال: (حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَِهِدِينَ مِنْكُمْ
وَالصَّبِينَ):
٦٥

وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار ، لأنه آمن عند
الغرق، وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: (فَأَوْرَدَهُمُ
النَّارَ)، وقال: ( وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّءُ الْعَذَابِ )، ولم يقل بفرعون. قال:
وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: (فَأَخَذَهُ اللهُبِكَالْآَخِرَةِ وَالْأُولَ)
) فأفرّ التلاوة على استئناف
كذلك قوله: ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ
العلم من الله، عز وجل عن أن يستأنف علماً بشىء، لأنه من ليس له علم بما
يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه - نجده ضرورة قال: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَلَّطِيفُ
اْخَيْرُ) قال: وإنما قوله (حَّ نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ) إنما يريد حتى نراه،
فيكون معلوماً موجوداً ؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن
يكون ؛ ويعلمه موجوداً كان قد كان ؛ فيعلم فى وقت واحد معدوما موجوداً وإن
لم يكن ، وهذا محال .
وذكر كلاماً فى هذا فى الإرادة .
إلى أن قال: وكذلك قوله: (إِنَّ مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ ) ليس معناه أن يحدث
له سمعاً، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من ((أهل السنة))
أن لله استماعاً فى ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم على سمع لما كان
من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت.
) لا يتحدث بصراً
وكذلك قوله: ( وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَ اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
محدثا فى ذاته ، وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً ، كما لم يزل يعلمه قبل كونه .
٦٦

إلى أن قال: «وكذلك قوله تعالى: (وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) ، وقوله :
( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وقوله: (ءَأَمِنْتُمْ مَّن فِ السَّمَاءِ)، وقوله: (إِلَيْهِ
(
يَصْعَدُ الْكَلِمُالطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ
وقال: ( يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّيَعْرُجُ إِلَيْهِ ) وقال: (تَعْرُجُ
اُلْمَلَبِ كَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) وقال لعيسى: (إِنَّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ) الآية وقال: (بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) وقال: (إِنَّالَّذِينَ عِندَرَبِّكَ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ) .
وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا ، حيث هو ،
) أی
قُل لَوْكَانَ مَعَدُرْ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّا بَنَغَوْ إِلَى ذِى الْعِرْنِسَبِيلًا
فقال: (
طلبه وقال: ( سَبِجَ أَسْمَرَّكَ الْأَعْلَى ).
قال أبو عبدالله: فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً.
كذلك قوله: ( وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَ فِ الْأَرْضِ إِلَهٌ) وقوله: (وَنَحْنُ
وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِ آلْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
) وقوله :(
أَقْرَبُ إِلَیْهِمِنْ حبْلِ آلوریدِ
وَجَهْرَّكُمْ ) وقوله: ( مَايَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلََّّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) الآية فليس
هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته، فيكون فى أسفل
الأشياء، أوينتقل فيها لانتقالها ، ويتبعض فيها على أقدارها ، ويزول عنها عند
فنائها، جل وعز عن ذلك ، وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال ؛ فزعموا أن الله
٦٧

تعالى فى كل مكان بنفسه كائناً ، كما هو على العرش؛ لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا
فى النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه فى قولهم ما نفوه ؛ لأن كل من يثبت شيئاً فى
المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه ، واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى
فى كل شيء بنفسه كائناً، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء فى الشيء.
قال: ((أبو عبد الله لنا قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ) (فَسَيَرَىَ اللَّهُ) (إِنَّا مَعَكُمْ
◌ُسْتَمِعُونَ ) فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجوداً، ويسمعه مسموعا ،
ويبصره مبصراً، لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.
وأما قوله: ( وَإِذَا أَرَوْنَاً ) : إذا جاء وقت كون المراد فيه.
وإن قوله: (عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى) ( وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) الآية.
(ءَأَمِنْثُ مَّنْ فِ السَّمَاءِ) ( إِذَا لَّا بَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا ) فهذا وغيره مثل
قوله: ( تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ ) هذا منقطع
يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها ، منزه عن الدخول فى خلقه ، لا يخفى
عليه منهم خافية ؛ لأنه أبان فى هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده ؛ لأنه
قال: (ءَأَمِنْثُ مَّن ◌ِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ) يعنى فوق العرش، والعرش
على السماء ؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء، فى السماء ، وقد قال مثل
ذلك فى قوله: ( فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ ) يعنى على الأرض ؛ لا يريد الدخول فى
جوفها، وكذلك قوله: (يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ) يعنى على الأرض ؛ لا يريد الدخول
فى جوفها وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ ) يعنى فوقها عليها .
٦٨

وقال: ( أَمْ أَمِنْتُ مَّنْ فِ السَّمَاءِ) ثم فصل فقال: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اْأَرْضَ)
ولم يصل فلم يكن لذلك معنى - إذا فصل قوله: (مَنْ فِ السَّمَلِ ) ثم استأنف
التخويف بالخسف - إلا أنه على عرشه فوق السماء. وقال تعالى: (يُدَبِرُالْأَمْرَ
مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّيَعْرُ إِلَيْهِ )، وقال: (تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).
فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع
صاعدة إليه فقال: ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) فقال: صعودها إليه،
وفصله من قوله إليه ، كقول القائل : أصعد إلى فلان فى ليلة أو يوم، وذلك أنه
فى العلو وإن صعودك إليه فى يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز
وجل ، وإن كانوا لم يروه ولم يساووه فى الارتفاع فى علوه فيهم صعدوا من
الأرض، وعرجوا بالأمر إلى العلو قال تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) ولم
يقل عنده .
وقال فرعون: (يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ اُلْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى )، ثم استأنف الكلام فقال: ( وَإِ لَأَظُنُّهُ.
كَذِبًا ) فيما قال لي إن إلهه فوق السموات.
فبين الله سبحانه وتعالى أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال : وعمد
لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ، ولو أن موسى قال : إنه فى كل
مكان بذاته لطلبه فى بيته، أو فى بدنه، أو حشه. فتعالى الله عن ذلك، ولم يجهد
نفسه ببنيان الصرح .
٦٩

قال أبو عبد الله : وأما الآي التى يزعمون أنها قد وصلها - ولم يقطعها
كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه - فقال: (أَلَّثَنَّالَّهَيَعْلَمُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ )
فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج، ثم
ختم الآية بالعلم بقوله: ( إِنَّالََّ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمُ ).
فبدأ بالعلم، وختم بالعلم: فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا ؛ لا يخفون
عليه، ولا يخفى عليه مناجاتهم. ولو اجتمع القوم فى أسفل ، وناظر إليهم فى
العلو. فقال: إني لم أزل أراكم، وأعلم مناجاتكم لكان صادقاً - ولله المثل
الأعلى أن يشبه الخلق - فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى
خرجوا عن قولهم فى ظاهر التلاوة ؛ لأن من هو مع الاتين فأكثر ؛ هو معهم
لا فيهم، ومن كان مع شيء خلا جسمه، وهذا خروج من قولهم .
وكذلك قوله تعالى: ( وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) لأن ما قرب
من الشيء ليس هو فى الشيء ، ففي ظاهر التلاوة على دعوام أنه ليس فى حبل
الوريد. وكذلك قوله: (وَهُوَاُلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) لم يقل فى
السماء ثم قطع .. كما قال: (ءَأَمِنْثُم ◌َّنْ فِالسَّمَآءِ) ثم قطع فقال: (أَنْ يَخِْفَ
بِكُمُ الْأَرْضَ) - فقال: (وَهُوَالَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهُ) يغنى إله أهل السماء وإله
أهل الارض، وذلك موجود فى (( اللغة )) تقول : فلان أمیر فی خراسان، وأمير
فى بلغ، وأمير فى سمر قند؛ وإنما هو فى موضع واحد، ويخفى عليه ما وراءه
فكيف العالي فوق الأشياء، لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله فيهما
٧٠

إذ كان مديراً لهما، وهو على عرشه وفوق كل شىء، تعالى عن الأشباه والأمثال)) اهـ.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف فى كتابه الذي سماه «اعتقاد
التوحيد بإثبات الأسماء والصفات)) قال فى آخر خطبته : فاتفقت أقوال
المهاجرين والأنصار فى توحيد الله عز وجل ، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه،
قولا واحداً وشرعا ظاهراً، وهم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذلك حتى قال ((عليكم بسنتى)) وذكر الحديث. وحديث ((لعن الله من أحدث
حدثاً)) قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف ــ وهم الذين
أمرنا بالأخذ عنهم إذالم يختلفوا بحمد الله تعالى فى أحكام التوحيد، وأصول
الدين، من ((الأسماء والصفات)) كما اختلفوا فى الفروع ، ولو كان منهم فى ذلك
اختلاف لنقل إلينا ؛ كما نقل سائر الاختلاف - فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم
وعامتهم؛ حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان ، فاستقر صحة ذلك عند العلماء
المعروفين؛ حتى نقلوا ذلك قرناً بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عنده فى الأصل
كفر ، ولله المنة .
ثم إني قائل ـ وبالله أقول - إنه لما اختلفوا فى أحكام التوحيد وذكر
الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين ، من الصحابة والتابعين، فخاضوا
فى ذلك من لم يعرفوا بعلى الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار ، وصار معولهم
على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به، على مخالفة السنة
والتعلق منهم بآيات لم يسعدم فيها ما وافق النفوس ، فتأولوا على ما وافق هوام
٧١

وصححوا بذلك مذهبهم : احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ، ومأخذ
المؤمنين ، ومنهاج الأولين ؛ خوفاً من الوقوع فى جملة أقاويلهم التى حذر رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.
ثم ذكر: ((أبو عبد الله)) خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون
فى القدر وغضبه، وحديث ((لا ألفين أحدكم)) وحديث «ستفترق أمتى على ثلاث
وسبعين فرقة)) فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه؛ ثم قال: فلزم الأمة
قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين
لهم بإحسان؛ المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة ؛ فيتصل ذلك
قرناً بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة مالهم وما عليهم
من إثبات السنة . إلى أن قال :
فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر ((أسماء الله
عز وجل)) فى كتابه ، وما بين صلى الله عليه وسلم من «صفاته)» فى سنته، وما
وصف به عز وجل مما سنذكر قول القائلين بذلك ، مما لا يجوز لنا فى ذلك
أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ، ومما قد أمرنا بالاستسلام له
- إلى أن قال :-
ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية : أن ذكر
تعالى فى كتابه بعد التحقيق ، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكد عليه السلام بقوله
٧٢

فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله . إلى أن قال
بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل . فقال: لموسى عليه السلام: ( وَأَصْطَنَعْتُكَ
لِنَفْسِى) وقال: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ).
ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح عليه السلام فقال: ( تَعْلَمُ مَا
فِي نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكَ )، وقال عز وجل: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ ).
وأكد عليه السلام صحة إثبات ذلك فى سنته فقال: « يقول الله عز وجل :
من ذكرني فى نفسه ذكرته فى نفسي)) وقال: ((كتب كتاباً بيده على نفسه :
إن رحمتى غلبت غضى)) وقال: ((سبحان الله رضا نفسه)) وقال فى محاجة آدم
لموسى: (( أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه)): فقد صرح بظاهر قوله:
أنه أثبت لنفسه نفساً ، وأثبت له الرسول ذلك ؛ فعلى من صدق الله ورسوله
اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: ( لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ).
ثم قال: ((فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ماورد عنه عليه السلام،
بنقل العدل عن العدل ، حتى يتصل به صلى الله عليه وسلم، وإن مما قضى الله
علينا فى كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: ( اَللَّهُنُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) ثم قال عقيب ذلك: (ثُعلى نُورٍ ) وبذلك دعاه صلى الله
٧٣

عليه وسلم: ((أنت نور السموات والأرض)) ثم ذكر حديث أبى موسى :
« حجابه النور - أو النار - لو کشفهلأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره
من خلقه)) وقال : سبحات وجهه جلاله ونوره ، نقاله عن الخليل وأبى عبيد، وقال:
قال عبد الله بن مسعود: نوّر السموات نور وجهه .
ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي وذكر قوله تعالى: (اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ
اُلْحَىُّ الْقَيُّومُ). والحديث: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)). قال: وما تعرف
الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام فأثبت
لنفسه وجها - وذكر الآيات.
ثم ذكر حديث أبى موسى المتقدم، فقال فى هذا الحديث من أوصاف الله
عز وجل لا ينام، موافق لظاهر الكتاب: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) وأن له
((وجهاً)) موصوفاً بالأنوار، وأن له (( بصراً)) كما علمنا فى كتابه أنه سميع بصير .
ثم ذكر الأحاديث فى إثبات الوجه ، وفى إثبات السمع والبصر، والآيات
الدالة على ذلك .
ثم قال : ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين ، أن قال : له
بدان قد بسطهما بالرحمة ، وذكر الأحاديث فى ذلك ، ثم ذكر شعر أمية
ابن أبي الصلت.
٧٤

ثم ذكر حديث: ((يلقى فى النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها
رجله)» وهي رواية البخاري ، وفى رواية آخری يضع عليها قدمه .
ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسى موضع القدمين وأن
العرش لا يقدر قدره إلا الله ، وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدى،
وقول وهب بن منبه ، وأبى مالك وبعضهم يقول : موضع قدميه، وبعضهم
يقول واضع رجليه عليه .
ثم قال : ((فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة
موافقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم متداولة فى الأقوال ، ومحفوظة فى الصدر ،
ولا ينكر خلف عن السلف ، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم ، نقلتها الخاصة
والعامة مدونة فى كتبهم ، إلى أن حدث فى آخر الأمة من قلل الله عددهم ، ممن
حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود
حرضاهم، ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه،
وعمدوا إلى الأخبار فعملوا فى دفعها إلى أحكام المقاييس، وكفّروا المتقدمين،
وأنكروا على الصحابة والتابعين ؛ وردوا على الائمة الراشدين ، فضلوا وأضلوا
عن سواء السبيل.
ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس، وجوابه لنجدة الحروري؛ ثم حديث
((الصورة)) وذكر أنه صنف فيه كتاباً مفرداً ، واختلاف الناس فى تأويله.
٧٥

ثم قال: ((وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده مما
خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة - إن شاء الله -.
ثم ذكر الخلاف فى الإمامة واحتج عليها ، وذكر اتفاق المهاجرين
والأنصار على تقديم ((الصديق)) وأنه أفضل الأمة .
ثم قال: وكان الاختلاف فى ((خلق الأفعال)) هل هي مقدرة أم لا ؟ قال:
وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة ، وذكر إثبات القدر. ثم ذكر
الخلاف فى أهل ((الكبائر)) ومسألة ((الأسماء والأحكام)) وقال: قولنا فيها إنهم
مؤمنون على الإطلاق وأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم.
وقال: أصل ((الإيمان)) موهبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل
التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف فى زيادة الإيمان ونقصانه. وقال:
قولنا إنه يزيد وينقص. قال: ثم كان الاختلاف فى القرآن مخلوقا وغير مخلوق،
فقولنا وقول أمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنه صفة الله ، منه بدأ قولاً
وإليه يعود حكماً . ثم ذكر الخلاف فى الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما
نعتقد أن الله يرى فى القيامة، وذكر الحجة.
ثم قال : اعلم رحمك الله أنى ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من
ترتيب المحدثين فى كل الأزمنة ، وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود.
فنقول: ونعتقد: أن الله عز وجل له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سمواته
٧٦

بكل أسمائه وصفاته؛ كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) (يُدَبِرُ اُلْأَمْرَمِنَ
السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ) ولا نقول إنه فى الأرض كما هو فى السماء على عرشه لأنه عالم
بما يجري على عباده (ثُمََّعْرُ إِلَيْهِ).
إلى أن قال: (( ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار ، وأنهما مخلوقتان
للبقاء ؛ لا للفناء . إلى أن قال: ونعتقد أن النبى صلى الله عليه وسلم عرج بنفسه
إلى سدرة المنتهى. إلى أن قال: ((ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: ((هؤلاء
للجنة وهؤلاء للنار)).
ونعتقد أن للرسول صلى الله عليه وسلم ((حوضاً)) ونعتقد أنه أول شافع
وأول مشفع وذكر ((الصراط)) و((الميزان)) و ((الموت)) وأن المقتول قتل
بأجله واستوفى رزقه .
إلى أن قال: (( ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فى ثلث الليل
الآخر؛ فيبسط يده فيقول: ((ألاهل من سائل)) الحديث، وليلة النصف من شعبان،
وعشية عرفة، وذكر الحديث فى ذلك. قال: ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى
تكليماً . واتخذ إبراهيم خليلا، وأن الخلة غير الفقر؛ لا كما قال أهل البدع.
ونعتقد أن الله تعالى خص محمداً صلى الله عليه وسلم بالرؤية . واتخذه
خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا . ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من
الغيب لا يعلمها إلا الله (إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) الآية.
٧٧

ونعتقد المسح على الخفين : ثلاثاً للمسافر ، ويوماً وليلة للمقيم ، ونعتقد
الصبر على السلطان من قريش؛ ما كان من جور أو عدل ؛ ما أقام الصلاة
من الجمع والأعياد . والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة . والصلاة فى الجماعة
حيث ينادي لها واجب ؛ إذا لم يكن عذر أو مانع ، والتراويح سنة؛ ونشهد
أن من ترك الصلاة عمداً فهو كافر ، والشهادة والبراءة بدعة ، والصلاة على
من مات من أهل القبلة سنة؛ ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً حتى يكون الله
ينزلهم؛ والمراء والجدال فى الدين بدعة .
ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم إلى
الله ؛ ونترحم على عائشة ونترضى عنها؛ والقول فى اللفظ والملفوظ ؛ وكذلك
فى الاسم والمسمى بدعة، والقول فى الإيمان مخلوق ، أو غير مخلوق بدعة .
واعلم أنى ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة
والتابعين مجملا من غير استقصاء ؛ إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل
الإبانة والديانة إلا أنى أحببت أن أذكر ((عقود أصحابنا المتصوفة)) فيما أحدثته
طائفة نسبوا إليهم ما قد خرصوا من القول بمانزه اللّه تعالى المذهب وأهله
منذلك.
إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري فى كتاب سماه ((التبصير))،
كتب بذلك إلى أهل طبرستان فى اختلاف عنده، وسألوه أن يصنف لهم
٧٨

ما يعتقده ويذهب إليه ؛ فذكر فى كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛
فذكر عن طائفة إثبات الرؤية فى الدنيا والآخرة.
ونسب هذه المقالة إلى ((الصوفية)) قاطبة لم يخص طائفة. فبين أن ذلك
على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم ؛ وكان من نسب إليه ذلك القول - بعد أن
ادعى على الطائفة - ابن أخت عبد الواحد بن زيد ، والله أعلم محله عند
المخلصين؛ فكيف بابن أخته. وليس إذا أحدث الزائغ فى بحلته قولا نسب إلى
الجملة؛ كذلك فى الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولا فى الفقه؛ وليس فيه
حديث يناسب ذلك ؛ ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين.
واعلم أن لفظ ((الصوفية)) وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على
موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات ، يجري فيما بينهم فمن لم يداخلهم على
التحقيق ، ونازل ما هم عليه رجع عنهم وهو خاسئ وحسير .
ثم ذكر إطلاقهم لفظ ((الرؤية)) بالتقيد. فقال : كثيراً ما يقولون رأيت
الله يقول. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟
قال رأيت الله ثم عبدته . فقال السائل كيف رأيته ؟ فقال: لم تره الأبصار
بتحديد الأعيان؛ ولكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان، ثم قال: (( وإنه تعالى
يُرى فى الآخرة كما أخبر فی کتابه، وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم.
هذا قولنا وقول أمتنا ، دون الجهال من أهل الغباوة فينا.
٧٩

وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر
ذلك فى حجة الوداع ، فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر
على المؤمنين - إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ من
العلم والعبادات - فذلك كفر بالله، وقائل ذلك قائل بالإباحة، وم المنسلخون
من الديانة .
وإن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية ((العشق)) على الله تعالى، وبين أن ذلك
لا يجوز لاشتقاقه ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه إنه بدعة وضلالة،
وفيما نص الله من ذكر المحبة كفاية.
وإن مما تعتقده : أن الله لا يحل فى المرئيات ، وأنه المتفردبكمال أسمائه وصفاته،
بائن من خلقه مستوعلىعرشه ، وأن القرآن كلامه غیر مخلوق-حیث ما تلیودرس
وحفظ - ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا محمداً صلى الله عليه
وسلم خليلا وحبيبا، والخلة لهما منه ، على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الحملة الفقر
والحاجة. إلى أن قال :
((والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ، ولا تدخل أو صافه تحت
التكييف والتشبيه ، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ فأما
صفاته تعالى فمعلومة فى العلم ، وموجودة فى التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه ،
فالايمان به واجب ، واسم الكيفية عن ذلك ساقط.
٨٠