النص المفهرس
صفحات 421-440
سئل :- عن قول الشيخ ((أبى محمد عبد الله بن أبى زيد)) فى آخر (عقيدته) وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وأفضل ((الصحابة، الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ، وعمر ، وعثمان، وعلى . فما الدليل على تفضیل أبى بكرعلى عمر؟ وتفضيل عمر على عثمان، وعثمان على على؟ فإذا تبين ذلك فهل تجب عقوبة من يفضل المفضول على الفاضل أم لا؟ . بينوا لنا ذلك : بيانا مبسوطاً مأجورين إن شاء الله تعالى. فأجاب :- الحمد لله رب العالمين . أما تفضيل أبى بكر ، ثم عمر على عثمان وعلى . فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة فى العلم والدين. من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم ؛ وهو مذهب مالك وأهل المدينة ، والليث بن سعد ، وأهل مصر، والأوزاعى، وأهل الشام ، وسفيان الثورى، وأبى حنيفة، وحماد ابن زيد، وحماد بن سلمة ، وأمثالهم من أهل العراق . وهو مذهب الشافعى وأحمد ، وإسحق، وأبى عبيد ، وغير هؤلاء : من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق فى الأمة. وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال ما أدركت أحدا من أقتدى به يشك فى تقديم أبى بكر وعمر . ٤٢١ وهذا مستفيض عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب. وفى صحيح البخارى عن محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه على بن أبى طالب : يا أبت! من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يابنى! أو ما تعرف؟! قلت: لا. قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. ويروى هذا عن على بن أبى طالب من نحو ثمانين وجها ، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة ؛ بل قال : لا أوتى بأحد يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى . فمن فضله على أبى بكر وعمر جلد بمقتضى قوله - رضى الله عنه - ثمانين سوطا. وكان سفیان یقول من فضل علیا على أبى بكر فقد أزری بالمهاجرين ؛ وما أرى أنه يصعد له إلى اللّه عمل - وهو مقيم على ذلك. وفی الترمذى ، وغیرهروی هذا التفضيل: عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنه قال: ((يا على هذان سيدا كمول أهل الجنة من الأولين والآخرين ؛ إلا النبيين والمرسلين ، وقد استفاض فى الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه : من حديث أبى سعيد ، وابن عباس ، وجندب بن عبد الله، وابن الزبير، وغيرهم: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لا تخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله)) : يعنى نفسه. وفى الصحيح أنه قال على المنبر: ((إن أمن الناس علىفی صحبته، وذات بده. أبو بكر؛ ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله. ألا لا يبقين فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة ٤٢٢ أبى بكر . وهذا صريح فى أنه لم يكن عنده من أهل الأرض من يستحق المخالة لو كانت ممكنة من المخلوقين إلا أبا بكر . فعلم أنه لم يكن عنده أفضل منه ، ولا أحب إليه منه ، و کذلك فى الصحيح أنه قال عمرو بن العاص : أى الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال : فمن الرجال؟ قال : أبوها وكذلك فى الصحيح أنه قال لعائشة: ((ادعى لى أباك وأخاك حتى أكتب لأنى بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدى ، ثم قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). وفى الصحيح عنه أن امرأة قالت يا رسول الله: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تعنى الموت - قال: فأتى أبا بكر . وفى السنن عنه أنه قال : اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر . وفى الصحيح عنه أنه كان فى سفر فقال: إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا. وفى السنن عنه أنه قال: «رأيت كأنى وضعت فى كفة والأمة فى كفة فرجحت بالأمة ، ثم وضع أبو بكر فى كفة والأمة فى كفة فرجح أبو بكر ، ثم وضع عمر فى كفة والأمة فى كفة فرجح عمر » . وفى الصحيح أنه كان بين أبى بكر وعمر كلام ، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فلم يفعل. بهاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فذكر ذلك. فقال: ((جلس يا أبا بكر! يغفر الله لك)) وندم عمر بنجاء إلى منزل أبى بكر فلم يجده، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: أيها الناس! إنى جئت إليكم فقلت : إنى رسول الله فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر صدقت. فهل أنتم تاركوالى صاحبى ؟ فهل أنتم تاركوالى صاحبى ؟ فهل أنتم تاركوالى ٤٢٣ صاحبى؟ فما أوذى بعدها. وقد تواتر فى الصحيح والسنن أن النبى صلى الله عليه وسلم لما مرض قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس: مرتين، أو ثلاثا)، حتى قال: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر أن يصلى بالناس. فهذا التخصيص، والتكرير، والتوكيد : فى تقديمه فى الإمامة على سائر الصحابة مع حضور عمر وعثمان وعلى وغيرهم ما بین للأمة تقدمه عنده - صلى الله عليه وسلم - على غيره. وفى الصحيح أن جنازة عمر لما وضعت جاء على بن أبى طالب يتخلل الصفوف، ثم قال: لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك فإنى كثيرا ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)). فهذا يبين ملازمتهما للنبي صلى الله عليه وسلم: فى مدخله، ومخرجه، وذهابه. ولذلك قال ((مالك)) للرشيد: لما قال له : يا أبا عبد الله أخبرنى عن منزلة أبى بكر ، وعمر من النبى صلى اللّه عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! منزلتهما منه فى حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته ، فقال شفيتنى يا مالك؟ وهذا يبين أنه كان لها من اختصاصهما بصحبته، وموازرتهما له على أمره، ومباطنتهما: مما يعلمه بالاضطرار كل من كان عالما بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقواله، وأفعاله، وسير ته مع أصحابه . ولهذا لم يتنازع فى هذا أحد من أهل العلم بسيرته وسنته وأخلاقه ؛ وإنما ٤٢٤ ينفى هذا أو يقف فيه من لا يكون عالماً بحقيقة أمور النبى صلى الله عليه وسلم - وإن كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب أو غير ذلك - أو من يكون قد سمع أحاديث مكذوبة: تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل العلم، فتوقف فى الأمر ، أو رجح غیر أبى بكر . وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها: كالأحاديث المتواترة عندهم فى شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار ، والأحاديث المتواترة عندهم: فى الصفات ، والقدر، والعلو ، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته ، كما تواترت عندهم عنه؛ وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك ، كما تواتر عند الخاصة - من أهل العلم عنه - الحكم بالشفعة، وتحليف المدعى عليه ، ورجم الزانى المحصن ، واعتبار النصاب فى السرقة ، وأمثال ذلك من الأحكام التى ينازعهم فيها بعض أهل البدع . ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف فى مثل هذه الأصول؛ بخلاف من نازع فى مسائل الاجتهاد التى لم تبلغ هذا المبلغ فى تواتر السنن عنه: كالتنازع بينهم فى الحكم بشاهد ويمين ، وفى القامة ، والقرعة ، وغير ذلك من الأمور التى لم تبلغ هذا المبلغ . وأما (( عثمان، وعلى)) : فهذه دون تلك . فإن هذه كان قد حصل فيها نزاع ٤٢٥ فإن سفيان الثورى، وطائفة من أهل الكوفة رجحوا علياً على عثمان ، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره . وبعض أهل المدينة توقف فى عثمان وعلى ، وهی إحدى الروايتين عن مالك؛ لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على على ، كما هو مذهب سائر الأئمة : کالشافعی ، وأبى حنيفة وأصحابه ، وأحمد بن حنبل، وأصحابه؛ وغير هؤلاء من أئمة الإسلام. حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم علياً على عثمان هل يعد من أهل البدعة؟ على قولین هما روایتان عن أحمد . وقد قال أيوب السختيانی ، وأحمد بن حنبل والدار قطنى: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار . وأيوب هذا إمام أهل السنة ، وإمام أهل البصرة ، روى عنه مالك فى الموطأ ؛ وكان لا يروى عن أهل العراق. وروى أنه سئل عن الرواية عنه فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وذكره أبو حنيفة فقال: لقد رأيته قعد مقعداً فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرته إلا اقشعر جسمى. والحجة لهذا ما أخرجاه فى الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر أنه قال: (( كنا تفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كنا نقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان)). وفى بعض الطرق (( يبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فلا ينكره)». وأيضاً فقد ثبت بالنقل الصحيح فى صحيح البخارى وغير البخارى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شورى فى ستة أنفس: عثمان، وعلى، ٤٢٦ وطلحة ، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف - ولم يدخل معهم سعيد ابن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بنى عدى - قبيلة عمر - وقال عن ابنه عبد الله: يحضركم عبد الله وليس له فى الأمر شىء ووصى أن یصلی صهيب بعد موته حتى يتفقوا على واحد . فلما توفى عمر واجتمعوا عند المنبر . قال طلحة : ما كان لى من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير : ما كان لى من هذا الأمر فهو لعلى. وقال سعد ما كان لى من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف. فرج ثلاثة وبقى ثلاثة . فاجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولى واحداً ، فسكت عثمان، وعلى . فقال عبد الرحمن: أنا أخرج. وروى أنه قال عليه عهد الله وميثاقه أن يولى أفضلهما. ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين ؛ ويشاور أمراء الأمصار - فإنهم كانوا فى المدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته - حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لى ثلاثاً ما اغتمضت بنوم. فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت علياً لقسمعن ولتطيعن ؟ قال : نعم. وقال لعلى: عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن ولیت عثمان لنسمعن ولتطیعن ؟ قال : نعم . فقال : إنى رأيت الناس لا يعدلون بعثمان. فبايعه على، وعبد الرحمن ، وسائر المسلمين بيعة رضى، واختيار من غير رغبة أعطاهم إياها ، ولا رهبة خوفهم بها. ٤٢٧ وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علىّ. فلهذا قال أيوب ، وأحمد ابن حنبل والدارقطنى (( من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فإنه وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم ، وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح دينى. ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم. ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان لضغن كان فى نفس بعضهم على علىّ، وأن أهل الضغن كانوا ذوى شوكة ، ونحوذلك مما يقوله أهل الأهواء فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق ، وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق . هذا وهم فى أعز ما كانوا، وأقوى ما كانوا. فإنه حين مات عمر كان (الإسلام ) من القوة ، والعز ، والظهور ، والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا فى مثله قط. وكان (عمر) أعز أهل الإيمان ، وأذل أهل الكفر والنفاق إلى حد بلغ فى القوة والظهور مبلغاً ، لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور . فمن جعلهم فى مثل هذه الحال جاهلين أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم وجعل خير أمة أخرجت للناس على خلاف ما شهد الله به لهم. وهذا هو أصل (( مذهب الرافضة)) فإن الذى ابتدع الرفض كان يهودياً أظهر الإسلام نفاقا ، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها فى أصل الإيمان. ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة. فإنه يكون الرجل واقفاً ، ثم يصير ٤٢٨ مفضلا، ثم يصير سبابا، ثم يصير غاليا، ثم يصير جاحداً معطلا. ولهذا انضمت إلى الرافضة ((أثمة الزنادقة)) من الإسماعيلية والنصيرية، وأنواعهم من القرامطة والباطنية ، والدرزية، وأمثالهم من طوائف الزندقة، والنفاق. فإن القدح فى خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح فى الرسول عليه السلام، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طعنوا فى أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحاً لكان أصحا به صالحين. وأيضاً فهؤلاء الذين نقلوا القرآن ، والإسلام ، وشرائع النبى صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نقلوا فضائل على وغيره فالقدح فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ فلا تثبت فضيلة؛ لا لعلى، ولا لغيره، و(«الرافضة)) جهال ليس لهم عقل ، ولا نقل ولا دين ، ولا دنيا منصورة . فإنه لو طلب منهم الناصبى - الذى يبغض عليا؛ ويعتقد فسقه أوكفره كالخوارج وغيرهم أن يثبتوا إيمان على،وفضله لم يقدروا على ذلك. بل تغلبهم الخوارج. فإن فضائل على إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم الرافضة . فلا يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم . فإذا طعنوا فى بعض الخلفاء - بما يفترونه عليهم من أنهم طلبوا الرياسة وقاتلوا على ذلك - كان طعن الخوارج فى على بمثل ذلك وإضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال . ولكن الرافضة جهال متبعون الزنادقة. ٤٢٩ (والقرآن» قد أثنى على ((الصحابة)) فى غير موضع كقوله تعالى: ( وَالسَّبِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ). وقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلْ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ اُلَّذِينَ أَنْفَقُوْ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). وقال تعالى ( ◌ُحَمَّدُ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أَشِدَآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُ حَمَاءُبَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَاْسِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ آلْإِنِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْنَهُ فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأُسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وقال تعالى: (لَّقَدْرَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا). وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ». وفى الصحيحين عن أبى سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » . وقد ثبت عنه فى الصحيح من غير وجه أنه قال: (( خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» . وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة فى فضائل الصحابة ، والثناء عليهم ، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون. فالقدح فيهم قدح فى القرآن ، والسنة . ولهذا تكلم الناس فى تكفير الرافضة بما قد بسطناه فى غير هذا الموضع. واللّه سبحانه وتعالى أعلم. ٤٣٠ وسئل :- رضى الله عنه عما شجر بين الصحابة : - على، ومعاوية ، وطلحة ، وعائشة - هل يطالبون به أم لا ؟ فأجاب : قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعلياً ، وطلحة والزبير ، وعائشة، من أهل الجنة. بل قد ثبت فى الصحيح ((أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» . وأبو موسى الأشعرى ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبى سفيان، هم من الصحابة ، ولهم فضائل ومحاسن. وما يحكى عنهم كثير منه كذب ؛ والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين: فالمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر ، وخطأه يغفر له. ٤٣١ وإن قدر أن لهم ذنوباً فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقاً ، إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك وهى عشرة. منها :-- التوبة ، ومنها الاستغفار ، ومنها الحسنات المساحية ، ومنها المصائب المكفرة ، ومنها شفاعة النى صلى اللّه عليه وسلم ، ومنها شفاعة غيره ، ومنها دعاء المؤمنين ، ومنها ما يهدى للبيت من الثواب والصدقة والعتق ، ومنها فتنة القبر ، ومنها أهوال القيامة . وقد ثبت فى الصحيحين عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( خير القرون القرن الذى بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). وحينئذ فمن جزم فى واحد من هؤلاء بأن له ذنباً يدخل به النار قطعاً فهو كاذب مفتر. فإنه لو قال ما لاعلم له به لكان مبطلا ، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تكلم فيما شجر بينهم - وقد نهى الله عنه: من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل - فهو ظالم معتد . وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق )) ، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال عن الحسن : ((إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )) . ٤٣٢ وفى الصحيحين عن عمار أنه قال: ((تقتله الفئة الباغية))، وقد قال تعالى فى القرآن: (وَإِن طَ يِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى آلْأُخْرَى فَقَائِلُواْالَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ). فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون ، وأن علىَّ بن أبى طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له ، والله أعلم. ٤٣٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فائدة وما ينبغى أن يعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعاً وموالاتهم ؛ فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهداً متأولا كالعلماء ، بل فيهم المذنب والمسيء ، وفيهم المقصر فى الاجتهاد لنوع من الهوى ، لكن إذا كانت السيئة فى حسنات كثيرة كانت مرجوحة مغفورة . (((وأهل السنة)) تحسن القول فيهم وتترحم عليهم ، وتستغفر لهم ، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب ، وعلى الخطأ فى الاجتهاد ، إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن سواه، فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ، لكن هم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ) الآية. وفضائل الأعمال إنما هى بنتائجها وعواقبها لا بصورها. ٤٣٤ فصل فى أعداء ((الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين)) ) (الخلفاء الراشدون الأربعة) ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم ، فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف ؛ ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضى؟ قال : الذی یسب أبا بكر وعمر . وبهذا سميت الرافضة ، فإنهم رفضوا زید بن علی لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر، لبغضهم لهما ، فالمبغض لهما هو الرافضى ، وقيل : إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر . ((وأصل الرفض) من المنافقين الزنادقة ، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلوّ فى علىّ بدَعوَى الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له ، ولهذا لما كان مبدأه من النفاق قال بعض السلف: حب أبى بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق ، وحب بنى هاشم إيمان وبغضهم نفاق . وقال عبد الله بن مسعود: حب أبى بكر وعمر ، ومعرفة فضلهما من السنة، أى من شريعة النبى صلى الله عليه وسلم التى أمر بها، فإنه قال: ((اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ، ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجباً لا يجوز التوقف فيه ، بخلاف عثمان وعلى ففي جواز التوقف فيهما قولان: وكذلك هل يسوغ الاجتهاد فى تفضيل علىّ على عثمان؟ فيه روايتان: (إحداهما) : لا يسوغ ذلك ، فمن فضل علياً على عثمان خرج من السنة إلى البدعة ، لمخالفته لإجماع الصحابة، ولهذا قيل : من قدّم علياً على عثمان فقد ٤٣٥ أزرى بالمهاجرين والأنصار. يروى ذلك عن غير واحد منهم أيوب السختيانى وأحمد بن حنبل ، والدار قطنى . ( والثانية): لا يبدع من قدم علياً لتقارب حال عثمان وعلىّ، إذ السنة حى الشريعة وهى ما شرعه الله ورسوله من الدين ، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك ، لكن يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد ترك استحبابه ؛ ومعرفة استحبابه فرض على الكفاية ؛ لئلا يضيع شىء من الدين. فلما قامت ((الأدلة الشرعية)» على وجوب اتباع أبى بكر وعمر وتقديمهما لم يجز ترك ذلك. وأما (عثمان) فأبغضه أو سبه أو كفره أيضاً - مع الرافضة - طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج . وأما (على) فأبغضه وسبه أو كفره الخوارج، وكثير من بنى أمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبوه. فالخوارج تكفر عثمان وعلياً وسائر أهل الجماعة. وأما ((شيعة على، الذين شايعوه بعد التحكيم و((شيعة معاوية)» التى شايعته بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل، وتلا عن بعضهم ، وتكافر بعضهم ما كان، ولم تکن الشيعة التی کانت مع على يظهر منها تنقص لابی بکر وعمر ، ولا فيها من يقدم علياً على أبى بكر وعمر ، ولا كان سب عثمان شائعاً فيها ، وإنما کان یتكلم به بعضهم فیرد عليه آخر . وكذلك تفضيل علىّ عليه لم يكن مشهوراً فيها ، بخلاف سبّ على فإنه كان ٤٣٦ شائعاً فى أتباع معاوية ؛ ولهذا كان على وأصحابه أولى بالحق وأقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، كما فى الصحيحين عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق)). وروى فى الصحيح أيضاً: ((أدنى الطائفتين إلى الحق)). وكان سب على ولعنه من البغى الذى استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية : كما رواه البخارى فى صحيحه عن خالد الحذاء عن عكرمة قال : قال لى ابن عباس ولابنه على: انطلقا إلى أبى سعيد واسمعا من حديثه !فانطلقنا ، فإذا هو فى حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتى به ثم أنشأ يحدثنا، حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال : كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبى صلى الله عليه وسلم تجعل ينفض التراب عنه ويقول: ((ويح عمار! تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن . ورواه مسلم عن أبى سعيد أيضاً قال : أخبرنى من هو خير من أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار - حين جعل يحفر الخندق - جعل يمسح رأسه ويقول: ((بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية)). ورواه مسلم أيضاً عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)). وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة على، ووجوب طاعته، وأن الداعى إلى طاعته داع إلى الجنة والداعى إلى مقاتلته داع إلى النار - وإن كان متأولا - وهو ٤٣٧ دليل على أنه لم يكن يجوز قتال على، وعلى هذا فقاتله مخطئ وإن كان متأولا أو باغ بلا تأويل، وهو أصح (القولين) لأصحابنا، وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين . وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعى استدلاله بسيرة على فى قتال البغاة المتأولين ، قال : أيجعل طلحة والزبير بغاة ؟ رد عليه الإمام أحمد فقال ويحك ، وأى شىء يسعه أن يضع فى هذا المقام : يعنى إن لم يقتد بسيرة على فى ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين فى قتال البغاة . والقول الثانى: أن كلا منهما مصيب ، وهذا بناء على قول من يقول : كل مجتهد مصيب. وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية. وفيها قول ثالث: أن المصيب واحد لا بعينه ، ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد، والقاضى ، وغيرهما . وهذا القول يشبه قول المتوقفين فى خلافة على من أهل البصرة ، وأهل الحديث ، وأهل الكلام : كالكرامية الذين يقولون: كلاهما كان إماما ، ويجوزون عقد الخلافة لاثنين. لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف فى خلافة على ، وقال : هو أضل من حمار أهله ، وأمر بهجرانه ، ونهى عن منا كته ، ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة فى أنه ليس غير على أولى بالحق منه ، ولا شكوا فى ذلك . فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير على أولى منه بالحق ، وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال فيه نوع من النصب وإن كان متأولا ؛ لكن قد ٤٣٨ يسكت بعضهم عن تخطئة أحد كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه إمساكا عما شجر بينهم ، وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين . ولم يسترب أئمة السنة ، وعلماء الحديث: أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه كما دل عليه النص؛ وإن استرابوا فى وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغى؛ ومن وصفها بالظلم والبغی ۔ لما جاء من حديث عمار - جعل المجتهد فى ذلك من أهل التأويل . يبقى أن يقال: فاللّه تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية فيكون قتالها كان واجبا مع على ، والذين قعدوا عن القتال هم جملة أعيان الصحابة : كسعد ، وزيد ، وابن عمر ، وأسامة ، ومحمد بن مسلمة ، وأبى بكرة ، وهم يروون النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم فى القعود عن القتال فى الفتنة ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعى، والساعى فيها خير من الموضع)، وقوله: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ، وأمره لصاحب السيف عند الفتنة ((أن يتخذ سيفاً من خشب)) وبحديث أبى بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن يذهب ليقاتل مع على وهو قوله: صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)) الحديث . والاحتجاج على ذلك بقوله : ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة، حتى قال: لا يختلف أصحابنا أن قعود على عن القتال كان أفضل ٤٣٩ له لو قعد، وهذا ظاهر من حاله فى تلومه فى القتال وتبرمه به، ومراجعة الحسن ابنه له فى ذلك ، وقوله له: ألم أنهك يا أبت؟ وقوله : لله درمقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر إن كان برا إن أجره العظيم ، وإن كان إنما إن خطأه ليسير. وهذا يعارض وجوب طاعته ، وبهذا احتجوا على الإمام أحمد فى ترك التربيع بخلافته ، فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم : إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ففى ذلك طعن على طلحة والزبير حيث لم يطيعاه بل قاتلاه ، فقال لهم: أحمد: إنى لست من حربهم فى شىء: يعنى أن ما تنازع فيه على وإخوانه لا أدخل بينهم فيه ؛ لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذى هم أعلم به منى ، وليس ذلك من مسائل العلم التى تعنينى حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم ، وأنا مأمور بالإستغفار لهم وأن يكون قلبى لهم سليما، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم ، ولهم من السوابق والفضائل ما لا يهدر ؛ ولكن اعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص وما ثبت بالنص وجب اتباعه وإن كان بعض الأكابر تركه ، كما أن إمامة ((عثمان)) وخلافته ثابتة إلى حين انقراض أيامه، وإن كان فى تخلف بعضهم عن طاعته أو نصر ته؛ وفى مخالفة بعضهم له: من التأويل ما فيه إذ كان أهون ما جرى فى خلافة على . وهذا الموضع هو الذى تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف ، فمن قوم يقولون : بوجوب القتال مع على ، كما فعله من قاتل معه ، وكما يقول كثير ٤٤٠