النص المفهرس
صفحات 401-420
ناساً فقراء؛ وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ، أو بسادس، وأن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق فى اللّه صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأن أبا بكر قعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم بجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله قالت امرأته ما حبسك عن أضيافك قال أو ماعشيتهم قالت أبوا حتى تجىء: عرضوا عليهم العشاء فغلبوهم. وذكر الحديث . وفى رواية: ((كان يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الليل)). وفى سفر الهجرة لم يصحبه غیر أبى بكر ؛ ويوم بدر لم يبق معه فى العريش غيره وقال: ((إن أمنَّ الناس علينا فى صحبته وذات يده أبو بكر؛ ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)). وهذا من أصح الأحاديث المستفيضة فى الصحاح من وجوه كثيرة. وفى الصحيحين عن أبى الدرداء قال: ((كنت جالساً عند النى صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ((أما صاحبكم فقد غامر)) فسلم، وقال: إنى كان بينى وبين ابن الخطاب شىء فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لى فأبى على فأتيتك فقال: ((يغفر الله لك ثلاثاً ، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبى بكر فلم يجده، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر وغضب حتى ٤٠١ أشفق أبو بكر، وقال أنا كنت أظلم يا رسول الله: مرتين، فقال النى صلى الله عليه وسلم (( إن الله بعثنى إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواسانى بنفسه وما له فهل أنتم تاركوا لى صاحبي فهل أنتم تاركوا لى صاحبى ، فما أوذى بعدها . قال البخارى : غامر سبق بالخير . وفى الصحيحين عن ابن عباس قال : وضع عمر على سريره فتکنفه الناس يدعون، ويثنون، ويصلون عليه قبل أن يرفع؛ وأنا فيهم فلم يرعنى إلا رجل قد أخذ بمنكى من ورائى! فالتفت فإذا هو على؛ وترحم على عمر ، وقال : ما خلفت أحداً أحب إلى أن ألقى الله عز وجل بعمله منك؛ وأيم الله! إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذلك أنى كنت كثيراً ما أسمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول ((جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فإن كنت أرجو، أو أظن أن يجعلك الله معهما . وفى الصحيحين وغيرهما أنه لما کان یوم أحد قال أبو سفيان لما أصيب المسلمون: أفى القوم محمد؟ أفى القوم محمد؟ أفى القوم محمد ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا تجيبوه)) فقال أفى القوم ابن أبى قحافة؟ أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ أفى القوم ابن أبى قحافة؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا تجيبوه)). فقال أفى القوم ابن الخطاب؟ أفى القوم ابن الخطاب؟ أفى القوم ابن الخطاب؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تجيبوه)). فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد ٤٠٢ كفيتموهم! فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت عدو الله! إن الذين عددت لأحياء، وقد بقى لك ما يسوءك الحديث . فهذا أمير الكفار فى تلك الحال إنما سأل عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأبى بكر وعمر؛ دون غيرهم: لعله بأنهم رؤوس المسلمين. النبي ووزيراه. ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته فقال : منزلتهما منه فى حياته كمنزلتهما منه بعد مماته . وكثرة الاختصاص، والصحبة - مع كمال المودة، والائتلاف، والمحبة ، والمشاركة فى العلم والدين : تقتضى أنهما أحق بذلك من غيرهما . وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم. أما الصدیق فإنه مع قيامه بآمور من العلم والفقه مجز عنها غيره- حتى بينها لهم - لم يحفظ له قول مخالف نصاً. هذا يدل على غاية البراعة. وأما غيره حفظت له أقوال كثيرة خالفت النص لكون تلك النصوص لم تبلغهم. والذى وجد من موافقة ((عمر)) للنصوص أكثر من موافقة على ، وهذا يعرفه من عرف مسائل العلم، وأقوال العلماء فيها . وذلك مثل نفقة المتوفى عنها زوجها : فإن قول عمر هو الذى وافق النص، دون القول الآخر. وكذلك ((مسئلة الحرام) قول عمر، وغيره فيها: هو الأشبه بالنصوص من القول الآخر وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد كان فى الأمم ٤٠٣ قبلكم محدثون فإن يكن فى أمتى أحد فعمر ، وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: « رأیت کانی أتیت بقدحلبن فشر بت حتى أنى لارى الرى يخرج من أظفارى ثم ناولت فضلى عمر، فقالوا ما أولته يا رسول الله قال: ((العلم)، وفى التر مذى وغيره أنه قال: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر)). وأيضاً فإن الصديق استخلفه النبى صلى الله عليه وسلم على ((الصلاة)) التى هى عمود الإسلام، وعلى إقامة ((المناسك)) التى ليس فى مسائل العبادات أشكل منها ، وأقام المناسك قبل أن يحج النبى صلى الله عليه وسلم . فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عریان ! فأردفه بعلى بن أبى طالب لينبذ العهد إلى المشركين ؛ فلما لحقه قال: أمير. أو مأمور . قال: بل مأمور ؛ فأمر أبا بكر على علىّ بن أبى طالب، وكان على من أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع ويطيع فى الحج وأحكام المسافرين وغير ذلك لإبى بكر ، وكان هذا بعد غزوة تبوك التى استخلف علياً فيها على المدينة، ولم يكن بقى بالمدينة من الرجال إلا منافق ، أو معذور ، أو مذنب؛ فلحقه على فقال : أتخلفنى مع النساء والصبيان فقال: ((أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى)): بين بذلك أن استخلاف على على المدينة لا يقتضى نقص المرتبة ، فإن موسى قد استخلف هارون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يستخلف رجالا ؛ لكن كان يكون بها رجال : وعام تبوك خرج النبى صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين ولم يأذن لأحد فى التخلف عن الغزاة: لأن العدو كان شديداً ، والسفر ٤٠٤ بعيداً ، وفيها أنزل الله سورة براءة وكتاب أبى بكر فى الصدقات [أجمع الكتب] وأوجزها ، ولهذا عمل به عامة الفقهاء ، وكتاب غيره فيه ما هو متقدم منسوخ فدل ذلك على أنه أعلم بالسنة الناسخة . وفى الصحيحين عن أبى سعيد قال : وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضاً فالصحابة فى زمن أبى بكر لم يكونوا يتنازعون فى مسئلة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع، فلا يعرف بينهم فى زمانه مسئلة واحدة تنازعوا فيها الا ارتفع النزاع بينهم بسببه ، كتنازعهم فى وفاته صلى الله عليه وسلم ، ومدفئه ، وفى ميراثه ، وفى تجهيز جيش أسامة ، وقتال مانعى الزكاة ؛ وغير ذلك من المسائل الكبار ؛ بل كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: يعلمهم؛ ويقومهم، وبين لهم ما تزول معه الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون. وبعده لم يبلغ علم أحد وكماله علم أبى بكر وكماله؛ فصاروا يتنازعون فى بعض المسائل . كما تنازعوا فى الجد والإخوة ؛ وفى الحرام ، وفى الطلاق الثلاث؛ وفى غير ذلك من المسائل المعروفة: مما لم يكونوا يتنازعون فيه على عهد أبى بكر وكانوا يخالفون عمر، وعثمان، وعلياً: فى كثير من أقوالهم ، ولم يعرف أنهم خالفوا أبا بكر فى شىء مما كان يفتى فيه ويقضى. وهذا يدل على غاية العلم. وقام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام الإسلام؛ فلم يخل بشىء منه ؛ بل أدخل الناس من الباب الذى خرجوا منه ؛ مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم ، وكثرة الخاذلين فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه ٤٠٥ أحد حتى قام الدين كما كان. وكانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم بعد هذا سموا عمر وغيره أمير المؤمنين . قال السهيلى وغيره من العلماء: ظهر قوله: ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فى أبى بكر: فى اللفظ، كما ظهر فى المعنى فكانوا يقولون: محمد رسول الله، وأبو بكر خليفة رسول الله؛ ثم انقطع هذا الاتصال اللفظى بموته فلم يقولوا لمن بعده خليفة رسول الله. وأيضاً ((فعلى بن أبى طالب)) تعلم من أبى بكر بعض السنة ؛ بخلاف أبى بكر فإنه لم يتعلم من على بن أبى طالب ، كما فى الحديث المشهور الذى فى السنن حديث صلاة التوبة عن على قال : كنت إذا سمعت من النبى صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعنى الله منه بما شاء أن ينفعنى ، فإذا حدثنى غيره استحلفته فإذا حلف لى صدقته ، وحدثنى أبو بكر - وصدق أبو بكر - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلى ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له)). ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا كعلقمة ، والأسود ، وشريح القاضى، وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول على. وأما تابعوا أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر ، وإنما الكوفة ظهر فيها فقه على وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته . وکل شیعة علی الذین صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبى بكر ٤٠٦ وعمر: لا فى فقه، ولا علم، ولا غيرهما ؛ بل كل ((شيعته)) الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر ؛ إلا من كان على ينكر عليه ويذمه مع قلتهم فى عهد على وخمولهم : كانوا ( ثلاث طوائف). طائفة غلت فيه كالتى ادعت فيه الإلهية ، وهؤلاء حرقهم على بالنار . وطائفة كانت تسب أبا بكر وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب منه. وطائفة كانت تفضله على أبى بكر وعمر قال : لا يبلغنى عن أحد منكم أنه فضلنی علی أبی بکر وعمر إلا جلدته حد المفترى . وقد روى عن على من نحو ثمانين وجها وأكثر أنه قال على منبر الكوفة : خير هذه الأمة بعد نيها أبو بكر وعمر . وقد ثبت فى صحيح البخاری وغيره من رواية رجال همدان خاصة ۔ التى يقول فيها على. ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلى بسلام من رواية سفيان الثورى عن منذر الثورى وكلاهما من همدان . رواه البخاری عن محمد بن کثیر. قال: حدثنا سفيان الثورى حدثنا : جامع بن شداد حدثنا : أبو يعلى منذر الثوری عن محمد بن الحنفية قال قلت لابی : يا أبت ! من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا بنى: أو ما تعرف؟! فقلت: لا . فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال : ثم عمر . ٤٠٧ وهذا يقوله لابنه: الذى لا يتقيه ، ولخاصته ؛ ويتقدم بعقوبة من يفضله عليهما . والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق ولا يجوز أن يسميه مفتريا. ورأس الفضائل العلم؛ وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم: فإنه أعلم منه. قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ، والدلائل على ذلك كثيرة ، وكلام العلماء فى ذلك كثير. وأما قوله ((أقضا كم على، فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة، ولا أهل المسانيد المشهورة ؛ لا أحمد ، ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف . وإنما يروى من طريق من هو معروف بالكذب ، ولكن قال عمر بن الخطاب : أبىّ أقرؤنا، وعلىُّ أقضانا ، وهذا قاله بعد موت أبى بكر . والذى فى الترمذى وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأعليها بالفرائض زيد بن ثابت ، وليس فيه ذكر على، والحديث الذى فيه ذكر على مع ضعفه: فيه أن معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام ، وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض . فلو قدر صحة هذا الحديث : لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علما من الأعلم بالقضاء، لأن الذى يختص بالقضاء إنما هو فصل الخصومات فى الظاهر مع جواز أن يكون الباطن بخلافه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحوما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيأ فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)). فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه ٤٠٨ لا يحل الحرام بل يحرم على المسلم أن يأخذ بقضائه ما قضى له به من حق الغير. وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن : فكان الأعلم به أعلم بالدين . وأيضاً فالقضاء نوعان: (أحدهما) الحكم عند تجاحد الخصمين مثل أن يدعى أحدهما أمراً يكذبه الآخر فيه فيحكم فيه بالبينة ونحوها. ( والثانى) ما لا يتجاحدان فيه - يتصادقان - ولكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما كتنازعهما : فى قسم فريضة، أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر ، أو فيما يستحقه كل من الشريكين ، ونحو ذلك. فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام . فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما ذلك ، ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما، وإنما يحتاجان إلى حاكم عند التجاحد، وذاك إنما يكون فى الأغلب مع الفجور . وقد يكون مع النسيان ؛ فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بر وفاجر ، وما يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار. ولهذا لما أمر أبو بكر عمر أن يقضى بين الناس مكث حولا لم يتحاكم اثنان فى شىء، ولو عدَّ مجموع ما قضى النبى صلى الله عليه وسلم من هذا النوع لم يبلغ عشر حكومات ، فأين هذا من كلامه فى الحلال والحرام ؟ ! الذى هو قوام دين الإسلام . يحتاج إليه الخاص والعام. ٤٠٩ وقوله: ((أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، أقرب إلى الصحة باتفاق علماء الحديث من قوله أقضاكم على لو كان مما يحتج به ، وإذا كان ذلك أصح إسناداً ، وأظهر دلالة : علم أن المحتج بذلك على أن علياً أعلم من معاذ ابن جبل جاهل. فكيف من أبى بكر وعمر اللذين هما أعلم من معاذ بن جبل؟! مع أن الحديث الذى فيه ذكر معاذ وزيد يضعفه بعضهم ، ويحسنه بعضهم . وأما الحديث الذى فيه ذكر على فإنه ضعيف . وأما حديث ((أنا مدينة العلم)) فأضعف وأوهى ، ولهذا إنما يعد فى الموضوعات المكذوبات ، وإن كان الترمذى قد رواه. ولهذا ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات، وبين أنه موضوع من سائر طرقه . والكذب يعرف من نفس متنه؛ لا يحتاج إلى النظر فى إسناده : فإن النبى صلى الله عليه وسلم إذا كان ((مدينة العلم)، لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحداً ، بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن ، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية ؛ وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس ، أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة ؛ بخلاف النقل المتواتر الذى يحصل به العلم الخاص والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق ، أو جاهل ، ظنه مدحا ؛ وهو مطرق الزنادقة إلى القدح فى علم الدين - إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة. ٤١٠ ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر : فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق على رضى الله عنه. أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر ، وكذلك أهل الشام والبصرة - فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن على إلا شيئاً قليلا ، وإنما غالب عليه كان فى أهل الكوفة، ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان ، فضلاعن خلافة على . وكان أفقه أهل المدينة، وأعليهم تعلموا الدين فى خلافة عمر ، وقبل ذلك لم يتعلم أحد منهم من على شيئاً إلا من تعلم منه لما كان باليمن، كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل. وكان مقام معاذ بن جبل فى أهل اليمن وتعليمه لهم أكثر من مقام على وتعليمه ، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ أكثر مما رووه عن على وشريح، وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ. ولما قدم على الكوفة كان شريح قاضياً فيها قبل ذلك . وعلى وجد على القضاء فى خلافته شريحاً وعبيدة السلمانى ، وكلاهما تفقه على غيره. فإذا كان على الإسلام انتشر فى (( مدائن الإسلام»: بالحجاز ، والشام، واليمن ، والعراق ، وخراسان ، ومصر، والمغرب قبل أن يقدم إلى الكوفة، ولما صار إلى الكوفة عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره من الصحابة ، ولم يختص على بتبليغ شىء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه . ٤١١ ((فالتبليغ العام، الحاصل بالولاية حصل لأبى بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعلى . ((وأما الخاص)): فابن عباس كان أكثر فتياً منه، وأبو هريرة أكثر رواية منه، وعلى أعلم منهما ؛ كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما أيضاً . فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه ما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص. وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص على بعلم انفرد به عن الصحابة فكله باطل ، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قيل له: «هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء فقال لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبداً فى كتابه وما فى هذه الصحيفة وكان فيها عقول الديات - أى: أسنان الإبل التى تجب فيه الدية - ، وفيها فكاك الأسير ، وفيها لا يقتل مسلم بكافر » . وفى لفظ: ((هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس فنفى ذلك، إلى غير ذلك من الأحاديث عنه التى تدل على أن كل من ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم خصه بعلم فقد كذب عليه. وما يقوله بعض الجهال أنه شرب من غسل النبى صلى الله عليه وسلم فأورثه علم الأولين والآخرين : من أقبح الكذب البارد ، فإن شرب غسل الميت ليس بمشروع ، ولا شرب على شيئاً ، ولو كان هذا يوجب العلم لشركه فى ذلك كل من حضر. ولم يرو هذا أحد من أهل العلم. ٤١٢ وكذلك ما یذ کر : أنه كانعنده علم باطن امتاز به عن أبى بكر ، وعمر ، وغيرهما: فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ، ونحوهم: الذين هم أكفر منهم، بل فيهم من الكفر ما ليس فى اليهود ، والنصارى ، كالذين يعتقدون إلهيته ، ونبوته، وأنه كان أعلم من النبى صلى الله عليه وسلم وأنه كان معلماً للنبي صلى الله عليه وسلم فى الباطن، ونحو هذه المقالات : التى إنما يقولها الغلاة فى الكفر ، والإلحاد والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤١٣ سئل شيخ الإسلام: رحمه الله تعالى: عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة فى تفضيل الثلاثة على ((على)) لقوله عليه الصلاة والسلام له: ((أنت منى وأنا منك))، وقوله:(( أنت منى بمنزلة هارون من موسى)، وقوله: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله .. إلخ)) وقوله : (( من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .. إلخ))، وقوله: ((أذكركم الله فى أهل بيتى))، وقوله سبحانه: (فَقُلْ تَعَالَوْنَدْعُ أَبْنَاءَ نَا ) الآية ؟ وقوله : وَأَبْنَآءَ كُمْ) الآية وقوله تعالى: ( هَلْ أَ عَلَى آلْإِنسَنِ ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ ) الآية. فأجاب : يجب أن يعلم (أولا) أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص مالا يوجدمثله للمفضول ، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل ، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره. وإذا كان كذلك ففضائل الصديق - رضى الله عنه - التى تميز بها لم يشركه ٤١٤ فيها غيره ، وفضائل على مشتركة، وذلك أن قوله: ((لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا))، وقوله: «لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت؛ إلا خوخة أبى بكر)) وقوله: (( إن أمن الناس على فی صحبته وذات يده أبو بكر »، وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد : (الأولى): أنه ليس لأحد منهم عليه فى صحبته وماله مثل ما لأبى بكر . (الثانية): قوله: ((لا يبقى فى المسجد .. إلخ)) وهذا تخصيص له دون سائرهم ؛ وأراد بعض الكذابين أن يروى لعلى مثل ذلك ، والصحيح لا يعارضه الموضوع (الثالثة): قوله: ((لو كنت متخذاً خليلاً)) نص فى أنه لا أحد من البشر استحق الخلة لو أمكنت إلا هو، ولو كان غيره أفضل منه لكان أحق بها لو تقع. وكذلك أمره له أن يصلى بالناس مدة مرضه من الخصائص ؛ وكذلك تأميره له فى المدينة على الحج ليقيم السنة ويمحق آثار الجاهلية فإنه من خصائصه، و کذلك قوله فى الحديث الصحيح « ادع أباك وأخاك حتی أ کتب لأبى بكر كتاباً ))، وأمثال هذه الأحاديث كثيرة تبين أنه لم يكن فى الصحابة من يساويه؛ وأما قوله: ((أنت منى وأنا منك)) فقد قالها لغيره وقالها لسلمان والأشعريين. وقال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِلهِإِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِنكُ) ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم: ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا )» يقتضى أن من يترك ٤١٥ هذه الكبائر يكون منا، فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبى والنبي منه، وقوله فى ابنة حمزة : (أنت منى وأنا منك) وقوله لزيد: (أنت أخونا ومولانا) لا يختص بزید، بل كل مواليه كذلك . وكذلك قوله: ((لأعطين الراية .. إلخ)، هو أصح حديث يروى فى فضله، وزاد فيه بعض الكذابين أنه أخذها أبو بكر وعمر فهربا ، وفى الصحيح أن عمر قال : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ، فهذا الحديث رد على الناصبة الواقعين فى على وليس هذا من خصائصه ، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال تعالى: (فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُبِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ، وهم الذين قاتلوا أهل الردة وإمامهم أبو بكر، وفى الصحيح (( أنه سأله: أى الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها))، وهذا من خصائصه. وأما قوله: « أما ترضى أن تكون منی بمنزلة هارون من موسى ، قاله فى غزوة تبوك لما استخلفه على المدينة ، فقيل استخلفه لبغضه إياه ، وكان النى صلى الله عليه وسلم إذا غزا استخلف رجلا من أمته ، وكان بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين ، وفى غزوة تبوك لم يأذن لأحد فلم يتخلف أحد إلا لعذر، أو عاص . فكان ذلك الاستخلاف ضعيفاً فطعن به المنافقون بهذا السبب ، فبین له أنى لم أستخلفك لنقص عندی ؛ فإن موسى استخلف هارون وهو شریکه فى الرسالة ، أنما ترضى بذلك ؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله وكانوا منه بهذه ٤١٦ المنزلة فلم يكن هذا من خصائصه ، ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على علىّ ولحقه یكی. ومما بين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع ، وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه ؛ لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته فأى شخص من عترته نبذها حصل المقصود ، ولكنه أفضل بنى هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحق الناس بالتقدم من سائرهم فلما أمر أبا بكر بعد قوله: ((أما ترضى .. إلخ)، علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من كل وجه، وإنما شبهه به فى الاستخلاف خاصة وذلك لیس من خصائصه. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإبراهيم وعيسى ، وشبه عمر بنوح وموسى - عليهم الصلاة والسلام - لما أشارا فى الأسرى ، وهذا أعظم من تشبيه على بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل، وتشبيه الشىء بالشىء لمشابهته فى بعض الوجوه كثير فى الكتاب والسنة وكلام العرب. وأما قوله: ((من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه .. إلخ)) فهذا ليس فى شىء من الأمهات؛ إلا فى الترمذى، وليس فيه إلا: (( من كنت مولاه فعلى مولاه))، وأما الزيادة فليست فى الحديث. وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية ، ولا ريب أنها كذب لوجوه: ٤١٧ (أحدها): أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه فى كل ماقال، ومعلوم أن علياً ينازعه الصحابة وأتباعه فى مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه كالمتوفى عنها زوجها وهى حامل . وقوله: ((اللهم انصر من نصره .. إلخ)) خلاف الواقع، قاتل معه أقوام يوم ((صفين)) فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا: ((كسعد)) الذى فتح العراق لم يقاتل معه ، وكذلك أصحاب معاوية وبنى أمية الذين قاتلوه فتحوا کثیراً من بلاد الكفار ونصر هم الله . وكذلك قوله: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)) مخالف لأصل الإسلام ؛ فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغى بعضهم على بعض وقوله: ((من كنت مولاه فعلى مولاه)) فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخارى وغيره ؛ ومنهم من حسنه ، فإن كان قاله فلم يرد به ولاية مختصاً بها؛ بل ولاية مشتركة، وهى ولاية الإيمان التى للمؤمنين، والموالاة ضد المعاداة، ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم ، ففيه رد على النواصب. وحديث ((التصدق بالخاتم فى الصلاة )) كذب باتفاق أهل المعرفة ، وذلك مبين بوجوه كثيرة مبسوطة فى غير هذا الموضع . وأما قوله: يوم غد يرخم: (أذكركم الله فى أهل بيتى) فليس من الخصائص ٤١٨ بل هو مساو لجميع أهل البيت ، وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة ؛ فإنهم يعادون العباس وذريته؛ بل يعادون جمهور أهل البيت ويعينون الكفار عليهم وأما آية (( المباهلة )) فليست من الخصائص ، بل دعا علياً وفاطمة وابنيهما، ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة بل لأنهم أخص أهل بيته ، كما فى حديث الكساء: ((اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)). فدعا لهم وخصهم. و ((الأنفس، يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرً )، وقال: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) أى يقتل بعضكم بعضاً، وقوله: ((أنت منى وأنا منك)) ليس المراد أنه من ذاته، ولاريب أنه أعظم الناس قدراً من الأقارب؛ فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد لبقية القرابة فدخل فى ذلك المباهلة ، وذلك لا يمنع أن يكون فى غير الأقارب من هو أفضل منه، لأن المباهلة وقعت فى الأقارب، وقوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ .. ) الآية ، فهى مشتركة بين على، وحمزة، وعبيدة ، بل وسائر البدريين يشاركونهم فيها. وأما سورة: (هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ ) فمن قال إنها نزلت فيه وفى فاطمة وابنيهما فهذا كذب ؛ لأنها مكية والحسن والحسين إنما ولدا فى المدينة، وبتقدير صحته فليس فيه أنه من أطعم مسكيناً ويتيما وأسيراً أفضل الصحابة ، بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل هذا ، وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل مع أن غيره من الأعمال من الإيمان بالله والصلاة فى وقتها والجهاد أفضل منه . ٤١٩ وسئل :- عمن يقول : لا أفضل علياً على غيره؛ وإذا ذكر ((على) صلى عليه مفرداً، هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره ؟ فأجاب : - ليس لأحد أن يخص أحداً بالصلاة عليه دون النبى صلى الله عليه وسلم، لا أبا بكر، ولا عمر ، ولا عثمان، ولا علیاً ، ومن فعل ذلك فهو مبتدع، بل إما أن يصلى عليهم كلهم أو يدع الصلاة عليهم كلهم . بل المشروع أن يقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمدوعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم فی العالمين إنك حميد مجيد» . ومن قال : لا أفضل علياً على غيره فهو مخطئ مخالف للأدلة الشرعية . والله أعلم. ٤٢٠