النص المفهرس
صفحات 301-320
وقال آخرون : يتخاطبون بالسريانية ، لأنها لغة آدم ، وعنها تفرعت اللغات . وقال آخرون : إلا أهل الجنة فإنهم يتكلمون بالعربية. وكل هذه الأقوال لاحجة لأربابها ، لا من طريق عقل ولا نقل ، بل هى دعاوى عارية عن الأدلة والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم . ٣٠١ سئل عن (الميزان): هل هو عبارة عن العدل ؟ أم له كفتان ؟ فأجاب: ((الميزان)) هو ما يوزن به الأعمال ، وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ( فَمَن تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ)، (وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ ) وقوله: ( وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِالْقِيَامَةِ). وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم)) وقال عن ساقى عبد الله بن مسعود: ((لهما فى الميزان أنقل من أحد )) وفى الترمذى وغيره حديث البطاقة ، وصححه الترمذى، والحاكم، وغيرهما فى الرجل الذى يؤتى به فینشر له تسعة وتسعون سملا ، كل سجل منها مد البصر، فيوضع فى كفة ، ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)). وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس ، فهو ما به تبين العدل . والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا . وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. ٣٠٢ قال الشيخ : و (أطفال الكفار) أصح الأقوال فيهم: ((الله أعلم بما كانوا عاملين» كما أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح، وطائفة من أهل الحديث وغيرهم قالوا : إنهم كلهم فى النار. وذكر أنه من نصوص أحمد وهو غلط على أحمد . وطائفة جزموا بأنهم كلهم فى الجنة ، واختار ذلك أبو الفرج ابن الجوزى وغيره ، واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين ، قيل يا رسول اللّه، وأطفال المشركين؟ قال: (( وأطفال المشركين)). والصواب أن يقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)، ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء فى عدة أحاديث: ((أنهم يوم القيامة فى عرصات القيامة يؤمرون وينهون ، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار )). وهذا هو الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى عن (أهل السنة والجماعة). والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء، وهى الجنة والنار. ٣٠٣ وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون فى البرزخ. فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: ( يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الآية . وقد ثبت فى الصحاح من غير وجه حديث تجلى الله لعباده فى الموقف ، إذا قيل: ((ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون؛ فيتبع المشركون آلهتهم ، ويبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب فى غير الصورة التى يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم فى الصورة التى يعرفونها، فيسجد له المؤمنون ، وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون)). وذكر قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الآية. والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع والله أعلم. ٣٠٤ سئل عن (الكفار): هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟ فأجاب : هذه ((المسألة)) تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد، وغيرهم، فممن قال إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمى، والقاضى أبو يعلى ، وغيرهم ، وممن قال : إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكى من أصحاب أحمد ، وأبو سليمان الدمشقى ، وأبو طالب المكى. و ( فصل الخطاب ) أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها ، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات . فإن أريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أريد المعنى الثانى فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر. وإن أريد أنهم يتفاوتون فى العقاب ؛ فعقاب من كثرت سيآته أعظم من ٣٠٥ عقاب من قلت سيآته ، ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب ، كما أن أبا طالب أخف عذاباً من أبى لهب. وقال تعالى: ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) ، وقال تعالى: ( إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ ) ، والنار دركات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذاباً من بعض- لكثرة سيئاته وقلة حسناته- كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة . ٣٠٦ سئل شيخ الإسلام: أبو العباس تلی الدین بن تیمیة۔ قدس اللهروحه عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا؟ فأجاب : لا يكفر بمجرد الذنب، فإنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزانى غير المحصن يجلد ولا يقتل ، والشارب يجلد ، والقاذف يجلد ، والسارق يقطع. ولو كانوا کفاراً لکانوا مرتدین ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف. ٣٠٧ سئل :- عن رجل مسلم یعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر فى الجنة ، ویغرس له غراس باسمه. ثم يعمل ذنوباً يستوجب بها النار، فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه فى الجنة وهو فى النار ؟ !. فأجاب : إن تاب عن ذنوبه توبة نصوحاً: فإن الله يغفر له، ولا يحرمه ما كان وعده ؛ بل يعطيه ذلك. وإن لم يتب وزنت حسناته وسيئاته ، فإن رجحت حسناته على سيئاته كان من أهل الثواب ، وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب . وما أعد له من الثواب يحبط حينئذ بالسيئات ، التى زادت على حسناته، كما أنه إذا عمل سيئات استحق بها النار، ثم عمل بعدها حسنات: تذهب السيئات والله أعلم. ٣٠٨ وسئل :- عن الشفاعة فى (( أهل الكبائر)) من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وهل يدخلون الجنة أم لا؟ . فأجاب : إن أحاديث الشفاعة فى «أهل الكبائر)) ثابتة متواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ وقد اتفق عليها السلف من الصحابة ، وتابعيهم بإحسان، وأئمة المسلمين؛ وإنما نازع فى ذلك أهل البدع من الخوارج، والمعتزلة، ونحوهم. ولا يبقى فى النار أحد فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، بل كلهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ، ويبقى فى الجنة فضل . فينشئ اللّه لها خلقاً آخر يدخلهم الجنة ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ٣٠٩ وسئل : - عن ((أطفال المؤمنين)) هل يدومون على حالتهم التى ماتوا عليها ؟ أم يكبرون ویتزوجون؟ و کذلك البنات هل يتزوجن؟. الجواب: الحمد لله . إذا دخلوا الجنة دخلوها كما يدخلها الكبار، على صورة أيهم آدم ، طوله ستون ذراعاً فی عرض سبعة أذرع، ويتزوجون کما یتزوج الكبار. ومن مات من النساء ولم يتزوجن ، فإنها تزوج فى الآخرة. وكذلك من مات من الرجال فإنه يتزوج فى الآخرة. والله تعالى أعلم. ٣١٠ سئل الشيخ رحمه الله :- هل يتناسل أهل الجنة؟. ((والولدان)) هل هم ولدان أهل الجنة؟ وما حكم الأولاد وأرواح أهل الجنة والنار إذا خرجت من الجسد، هل تكون فى الجنة تنعم؟ أم تكون فى مكان مخصوص إلى حيث يبعث الله الجسد ؟ وما حكم ولد الزنا إذا مات يكون من أهل الأعراف، أو فى الجنة؟ وما الصحيح فى أولاد المشركين هل هم من أهل النار أو من أهل الجنة؟ وهل تسمى الأيام فى الآخرة كما تسمى فى الدنيا مثل السبت والأحد؟ !. فأجاب : - (الولدان)) الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة؛ ليسوا بأبناء أهل الدنيا ، بل أبناء أهل الدنيا اذا دخلو الجنة يكمل خلقهم كأهل الجنة ، على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة ، فى طول ستين ذراعاً. وقد روى أيضاً أن العرض سبعة أذرع. وأرواح المؤمنين فى الجنة، وأرواح الكافرين فى النار؛ تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين ، إلى أن تعاد إلى الأبدان. ٣١١ و((ولد الزنا)» إن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة، وإلا جوزى بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال؛ لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خييثاً، كما يقع كثيراً. كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير ؛ فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه ، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم. وأما « أولاد المشركين، فأصح الأجوبة فيهم جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما فى الصحيحين (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة)) الحديث قيل يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)، فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار. ويروى ( أنهم يوم القيامة يمتحنون فى عرصات القيامة، فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار )) . ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم فى الجنة ، وبعضهم فى النار. والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قبل العرش، والله أعلم. ٣١٢ وسئل رحمه الله: عن رجل قيل له: إنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إن أهل الجنة يأكلون ويشربون، ويتمتعون ، ولا يبولون ولا يتغوطون » فقال: من أكل وشرب بال وتغوط . ثم قيل له: إن فى الجنة طيوراً إذا اشتهى صار قدامه على أى صورة أراد من الأطعمة وغيرها ، فقال : هذا فشار . هل يجحده هذا يكفر ويجب قتله أم لا ؟ فأجاب :- الأكل والشرب فى الجنة ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع المسلمين. وهو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، وكذلك الطيور والقصور فى الجنة بلا ريب ، كما وصف ذلك فى الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون، لم يخالف من المؤمنين بالله ورسوله أحد، وإنما المخالف فى ذلك أحد رجلين : إما كافر ، وإما منافق. أما الكافر فإن اليهود والنصارى ينكرون الأكل والشرب والنكاح فى ٣١٣ الجنة ، يزعمون أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة والأرواح الطبية مع نعيم الأرواح ، وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمها وعذابها . وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون بحشر الأرواح فقط ، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط . وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية ، فلا يقرون لا بمعاد الأرواح؛ ولا الأجساد. وقد بين اللّه تعالى فى كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح، والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشىء من ذلك بياناً فى غاية التمام ، والكمال. وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحانى، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلف من قول المجوس والصابئة ، ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام ، وطائفة ممن ضاهوهم من كاتب ، أو متطبب ، أو متكلم ، أو متصوف كأصحاب «رسائلإخوان الصفاء وغيرهم، أو منافق. وهؤلاء كلهم کفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان ؛ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك بياناً شافياً قاطعاً للعذر، ٣١٤ وتواتر ذلك عند أمته خاصها وعامها ، وقد ناظره بعض اليهود فى جنس هذه المسألة وقال: يا محمد! أنت تقول: إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ومن يأكل ويشرب لابد له من خلاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رشح کرشح المسك». ويجب على ولى الأمر قتل من أنكر ذلك ولو أظهر التصديق بألفاظه، فكيف بمن ينكر الجميع؟ والله أعلم. ٣١٥ سئل رحمه الله :- هل أهل الجنة يأكلون ويشربون وینکحون بتلذذ کالدنيا؟ وهل تبعث هذه الأجسام بعينها؟ وهل عیسی حی ام میت ؟ وهل إذا نزل يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أم بشريعته الأولى أم تحدث له شريعة؟ فأجاب رضى الله عنه: أما أهل الجنة فيأكلون، ويشربون ، وينكحون، متنعمين بذلك بإجماع المسلمين كما نطق به الكتاب والسنة وإنما ينكر ذلك من ينكره من اليهود والنصارى . وهذه الأجساد هى التى تبعث كما نطق به الكتاب والسنة. وعيسى حى فى السماء لم يمت بعد. وإذا نزل من السماء لم يحكم إلا بالكتاب والسنة؛ لا بشىء يخالف ذلك والله أعلم . ٣١٦ قال شيخ الإسلام - قدس اللهروحه- فصل وأفضل ((الأنبياء)) بعد محمد صلى الله عليه وسلم ((إبراهيم الخليل ))، كما ثبت فى صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه خير البرية)). وكذلك قال العلماء: منهم الربيع بن خيثم قال: لا أفضل على نينا أحداً، ولا أفضل على إبراهيم بعد نينا أحداً. ٣١٧ سئل رحمه اللّه تعالى: فيمن يقول: إن غير الأنبياء يبلغ درجتهم بحيث يأمنون مكر اللّه هل يأثم بهذا الاعتقاد؟. فأجاب : من اعتقد أن فى أولياء الله من لا يجب عليه اتباع المرسلين وطاعتهم فهو كافر ، يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، مثل من يعتقد أن فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يستغنى عن متابعته كما استغنى الخضر عن متابعة موسى ، فإن موسى لم تكن دعوته عامة ، بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مبعوث إلى كل أحد، فيجب على كل أحد متابعة أمره، وإذا كان من اعتقد سقوط طاعته عنه كافراً؛ فكيف من اعتقد أنه أفضل منه؟ أو أنه يصير مثله. وأما من اعتقد أن من الأولياء من يعلم أنه من أهل الجنة كما بشر غير واحد من الصحابة بالجنة ، وكما قد يعرف الله بعض الأولياء أنه من أهل الجنة فهذا لا يكفر . ومع هذا فلا بد له من خشية الله تعالى ، والله أعلم. ٣١٨ سئل الشيخ رحمه الله: عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر، دون الصغائر ، فكفره رجل بهذه ، فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب؟ وهل قال أحد منهم بعصمة الأنبياء مطلقا؟ وما الصواب فى ذلك؟. فأجاب : الحمد لله رب العالمين . ليس هو كافرا باتفاق أهل الدين ، ولا هذا من مسائل السب المتنازع فى استتابة قائله بلا نزاع ، كما صرح بذلك القاضى عياض وأمثاله مع مبالغتهم فى القول بالعصمة ، وفى عقوبة الساب ؛ ومع هذا فهم متفقون على أن القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة ، فضلا أن يكون قائل ذلك كافراً، أو فاسقاً، فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف ، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر «أبو الحسن الآمدى)) أن هذا قول أكثر الأشعرية ، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ، ولم ينقل عنهم ما يوافق القول (١). (١) بياض قدر ستة أسطر . ٣١٩ وإنما نقل ذلك القول فى العصر المتقدم عن الرافضة ، ثم عن بعض المعتزلة ، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ، ولا يقولون إنها لا تقع بحال ، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك: الرافضة ؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته ، وقالوا بعصمة على ، والاثنى عشر ، ثم ((الإسماعيلية)) الذين كانوا ملوك القاهرة، وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون ، وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح ، كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم ونحوهم ، مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالى - فى كتابه الذى صنفه فى الرد عليهم - قال: ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض . وقد صنف « القاضى أبو يعلى ، وصف مذاهبهم فی کتبه ، وكذلك غیر هؤلاء من علماء المسلمين ، فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة ، وقد يكفرون من ينكر القول بها ، وهؤلاء الغالية هم كفار باتفاق المسلمين ، فمن كفر القائلين بتجويز الصغائر عليهم كان مضاهياً لهؤلاء الإسماعيلية، والنصيرية، والرافضة ، والاثنى عشرية ؛ ليس هو قول أحد من أصحاب أبى حنيفة ، ولا مالك ، ولا الشافعى، ولا المتكلمين - المنتسبين إلى السنة المشهورين - كأصحاب ٣٢٠