النص المفهرس

صفحات 281-300

وأيضاً : فهذا مبنى على أن أطفال الكفار الذين لم يكلفوا فى الدنيا يكلفون
فى الآخرة ، كما وردت بذلك أحاديث متعددة ، وهو القول الذى حكاه
أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة ، فإن النصوص عن الأئمة كالإمام
أحمد وغيره : الوقف فى أطفال المشركين، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنهم فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
وثبت فى صحيح البخارى من حديث سمرة أن منهم من يدخل الجنة. وثبت
فى صحيح مسلم أن الغلام الذى قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، فإن كان الأطفال
وغيرهم فيهم شقى وسعيد: فإذا كان ذلك لا متحانهم فى الدنيا لم يمنع امتحانهم فى القبور؛
لكن هذا مبنى على أنه لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه فى الجنة ،
وإن شهد لهم مطلقا ، ولو شهد لهم مطلقاً . فالطفل الذى ولد بين المسلمين قد
يكون منافقا بين مؤمنين. والله أعلم.
٢٨١

سئل شيخ الإسلام :-
قدس الله روحه
وهو بمصر - عن ((عذاب القبر)). هل هو على النفس، والبدن أو على
النفس، دون البدن ؟ والميت يعذب فى قبره حياً أم ميتاً؟ وإن عادت الروح
إلى الجسد أم لم تعد، فهل يتشاركان فى العذاب والنعيم؟ أو يكون ذلك على أحدهما
دون الآخر ؟
فأجاب - رضى الله عنه:
وجعل جنة الفردوس منقلبه ومثواه آمين .
الحمد لله رب العالمين. بل العذاب والنعيم على النفس، والبدن جميعاً
باتفاق أهل السنة والجماعة ، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن ، وتعذب
متصلة بالبدن والبدن متصل بها ، فيكون النعيم والعذاب عليهما فى هذه الحال
مجتمعتین ، كما يكون للروح منفردة عن البدن .
وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران
٢٨٢

لأهل الحديث والسنة والكلام، وفى المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال
أهل السنة والحديث ؛ قول من يقول : إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على
الروح ؛ وأن البدن لا ينعم ولا يعذب. وهذا تقوله ((الفلاسفة)) المنكرون
المعاد الأبدان؛ وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
ويقوله كثير من «أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون:
لا يكون ذلك فى البرزخ ، وإنما يكون عند القيام من القبور.
وقول من يقول: إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هى
الحياة ، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة، وأصحاب أبى الحسن
الأشعرى ، كالقاضى أبى بكر ، وغيرهم ؛ وينكرون أن الروح تبقى بعد
فراق البدن. وهذا قول باطل ؛ خالفه الأستاذ أبو المعالى الجوينى وغيره؛ بل قد
ثبت فى الكتاب والسنة ، واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن،
وأنها منعمة أو معذبة .
(((والفلاسفة)) الإلهيون يقولون بهذا؛ لكن ينكرون معاد الأبدان ،
وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان ؛ لكن ينكرون معاد الأرواح ، ونعيمها وعذابها
بدون الأبدان ؛ وكلا القولين خطأ وضلال ، لكن قول الفلاسفة أبعد عن
أقوال أهل الإسلام ، وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين
الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف، والتحقيق والكلام.
٢٨٣

والقول الثالث: الشاذ . قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا
عذاب ، بل لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى ، كما يقول ذلك من يقوله
من المعتزلة ، ونحوهم ، الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه ، بناء على أن الروح
لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب.
جميع هؤلاء الطائفتين ضلال فى أمر البرزخ، لكنهم خير من الفلاسفة؛
لأنهم يقرون بالقيامة الكبرى .
فإذا عرفت هذه الأقوال الثلاثة الباطلة فليعلم أن مذهب ((سلف الأمة
وأثّتها)، أن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه
ولبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل
بالبدن أحياناً ، فيحصل له معها النعيم والعذاب.
ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها ، وقاموا
من قبورهم لرب العالمين .
ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين ، واليهود، والنصارى . وهذا
كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة .
وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب ؟ أثبت ذلك طائفة منهم،
وأنكره أكثرهم.
٢٨٤

ونحن نذكر ما يبين ما ذكرناه ، فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر
ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل ما فى الصحيحين
عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مَّ بقبرين فقال:
((إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير، أما أحدهما : فكان يمشي بالنميمة ، وأما
الآخر فكان لا يستتر من بوله )، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين ، ثم غرز
فى كل قبر واحدة. فقالوا يا رسول اللّه لم فعلت هذا ؟ قال: «لعله يخفف عنهما
ما لم يببسا)).
وفى صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى حائط لبنى النجار على بغلة - ونحن معه - إذ جالت به ، فكادت تلقيه ، فإذا
أقبر ستة أو خمسة، أو أربعة. فقال ((من يعرف هذه القبور)) ؟ فقال رجل
أنا. قال: ((فتى هؤلاء؟)) قال: ماتوا فى الإشراك. فقال: ((إن هذه الأمة تبتلى
فى قبورها ؛ فلو لا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى
أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر » قالوا :
نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: ((تعوذوا بالله من عذاب النار)) قالوا: نعوذ
بالله من عذاب النار. قال: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن))
قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: ((تعوذوا بالله من فتنة
الدجال )) قالوا : نعوذ بالله من فتنة الدجال.
وفى صحيح مسلم وسائر السنن عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى
٢٨٥

صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليقل: أعوذ بالله
من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والمات، ومن
فتنة المسيح الدجال ».
وفى صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن ((اللهم إنى
أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة
المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات)).
وفى صحيح البخارى ومسلم عن أبى أيوب الأنصارى قال : خرج النبي
صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس. فقال: ((يهود يعذبون فى قبورهم)).
وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخلت على عجوز من عجائز
يهود المدينة ، فقالت: إن أهل القبور يعذبون فى قبورهم. قالت: فكذبتها ولم
أنعم أن أصدقها ، قالت: فرجت فدخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقلت: يا رسول الله ! عجوز من عجائز أهل المدينة دخلت علىّ فزعمت أن أهل
القبور يعذبون فى قبورهم. فقال: ((صدقت . إنهم يعذبون عذاباً يسمعه البهائم
كلها ، ، فما رأيته بعد فى صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر.
وفى صحيح أبى حاتم البستى عن أم مبشر رضى الله عنها قالت : دخل علىّ
رسول الله صلىالله عليه وسلم وأنا فى حائط وهويقول: « تعوذوا بالله من عذاب
٢٨٦

القبر)) فقلت: يا رسول الله! للقبر عذاب؟ فقال: ((إنهم ليعذبون فى قبورهم
عذاباً تسمعه البهائم).
قال بعضهم : ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت إلى قبور
اليهود ، والنصارى والمنافقين ؛ كالإسماعيلية والنصيرية ، وسائر القرامطة :
من بنى عبيد وغيرهم ، الذين بأرض مصر والشام وغيرهما ؛ فإن أهل الخيل
يقصدون قبورهم لذلك ، كما يقصدون قبور اليهود والنصارى . والجهال تظن
أنهم من ذرية فاطمة ، وأنهم من أولياء الله ، وإنما هو من هذا القبيل . فقد
قيل : إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل.
والحديث فى هذا كثير لا يتسع له هذا السؤال.
وأحاديث المسألة كثيرة أيضاً ، كما فى الصحيحين والسنن عن البراء بن
عازب رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم إذا سئل
فى قبره شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول اللّه؛ فذلك قول الله تعالى:
(يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) وفى لفظ:
(( نزلت فى عذاب القبر يقال له من ربك؟ فيقول: ربى الله، ودينى الإسلام،
ونبي محمد. وذلك قول الله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ الشَّابِتِ فِىِ
الْخَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اَللّهُ مَا يَشَاءُ).
وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولا ، كما فى سنن أبى داود
٢٨٧

وغيره عن البراء بن عازب رضى الله عنه ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى جنازة رجل من الأنصار. فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، نجلس
النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأنما على رءوسنا الطير ، وفى يده عود
ينكت به الأرض؛ فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)» مرتين
أو ثلاثا. وذكر صفة قبض الروح وعر وجها إلى السماء ، ثم عودها إليه . إلى
أن قال: ((وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حین، يقال له يا هذا! من
ربك؟ وما دينك؟ ومن نيك؟ .
وفى لفظ: (( فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له : من ربك؟ فيقول:
ربى الله . فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: دينى الإسلام . فيقولان : ما هذا
الرجل الذى أرسل فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول اللّه. فيقولان: وما يدريك؟
فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به، وصدقت به، فذلك قول الله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِين
وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ ) قال: ((فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى ، فافرشوا
له فى الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة)) قال: «فيأتيه منروحها
وطيبها)، قال: ((ويفسح له مد بصره)) قال: ((وإن الكافر)) فذكر موته. وقال:
«وتعاد روحه إلى جسده فيأتيهملكان فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك؟ فيقول
هاه، هاه ، لاأدرى. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه. هاه، لا أدرى ؛فینادی
مناد من السماء أن كذب عبدى فافرشوا له من النار ، وألبسوه من النار ،
٢٨٨

وافتحوا له بابا إلى النار)) قال: ((ويأتيه من حرها وسمومها)) قال: ((ويضيق
عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، قال: ((ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة
من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا، قال: ((فيضربه بها ضربة يسمعها
ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا. ثم تعاد فيه الروح)).
فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد ، وباختلاف أضلاعه ،
وهذا بين فى أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين .
وقد روى مثل حديث البراء فى قبض الروح والمسألة، والنعيم والعذاب،
رواه أبو هريرة ، وحديثه فى المسند وغيره ، ورواه أبو حاتم بن حبان فى
صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه: عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن
الميت إذا وضع فى قبره يسمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين ، فإن كان
مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه ، وكان الصيام عن يمينه ، وكانت الصدقة عن
شماله ، وكان فعل الخير من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عندرجليه،
فيأتيه الملكان من قبل رأسه ، فتقول الصلاة: ما قبلى مدخل ، ثم يؤتىعن يمينه،
ويقول الصيام: ما قبلى مدخل. ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلى مدخل.
ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة ، والمعروف
والإحسان: ما قبلي مدخل !! فيقول له: إجلس. فيجلس قد مثلت له الشمس،
وقد أصغت للغروب . فيقول: دعونى حتى أصلى . فيقولون: إنك ستصلى.
أخبر نا عما نسألك عنه ، أرأ يتك هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقولون فيه؟ وماذا
٢٨٩

تشهد به عليه؟ فيقول: محمد نشهد أنه رسول الله، جاء بالحق من عند الله.
فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يفتح له باب إلى
الجنة. فيقال: هذا مقعدك، وما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة وسرورا؛
ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعا ، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدئ منه،
وتجعل روحه نسم طير يعلق فى شجر الجنة)) قال: «فذلك قوله تعال: (يُثَبِّتُ
اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اَللَّهُ
الظَّالِمِينْ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ).
وذكر فى الكافر ضد ذلك أنه قال : (( يضيق عليه قبره إلى أن تختلف فيه
أضلاعه، فتلك المعيشة الضنك، التى قال الله تعالى: ( لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ,
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) ، هذا الحديث أخصر.
وحديث البراء المتقدم أطول ما فى السنن ، فإنهم اختصروه لذكر ما فيه
من عذاب القبر ، وهو فى المسند وغيره بطوله. وهو حديث حسن ثابت يقول
النبى صلى الله عليه وسلم فيه: ((إن العبد المؤمن إذا كان فى إقبال من الآخرة،
وانقطاع من الدنيا : نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس،
معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، فيجلسون منه
مد البصر ؛ ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه . فيقول : أيتها النفس
الطيبة اخرجى إلى مغفرة ورضوان)) قال: ((فتخرج تسيل كما تسيل
القطرة من فى السقاء ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين
٢٩٠

حتى يأخذونها ، فيجعلونها فى ذلك الكفن وذلك الحنوط ، فيخرج منها
كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: ((فيصعدون بها ، فلا
يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟! فيقولون: فلان
ابن فلان ،بأحسن أسمائه التى كانوا يسمونه بها فى الدنيا، فينتهون به إلى السماء
الدنيا ، فيستفتحون له فيفتح له قال : فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التى
تليها ، حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة. فيقول: اكتبوا كتاب عبدى فى عليين،
وأعیدوه إلى الأرض ، فإنىمنها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى،
قال: ((فتعاد روحه فى جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه)) وذكر المسألة كما تقدم،
قال: ((ويأتيه رجل حسن الوجه ، طيب الريح، فيقول له : أبشر بالذى يسرك
فهذا يومك الذى قد كنت توعد ، فيقول له : من أنت فوجهك الوجه الذى يجىء
بالخير؟! فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب! أقم الساعة ، رب! أقم
الساعة، رب! أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلى ومالى)) قال: ((وإن العبد
الكافر إذا كان فى إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا : نزل إليه من السماء
ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجىء ملك
الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول أيتها النفس الخبيثة ، اخرجى إلى سخط
الله وغضبه، فتفرق فى أعضائه كلها ، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف
المبلول؛ فتتقطع معها العروق والعصب)) قال: ((فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها
فى يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلونها فى تلك المسوح)) قال: ((فيخرج
منها كأنتن ما يكون من جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها ،
٢٩١

فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون:
فلان بن فلان ؛ بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها فى الدنيا؛ حتى ينتهوا إلى السماء
الدنيا ، فيستفتحون لها فلا يفتح لها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿ لَنُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّالْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ
) ثم يقول الله تعالى: اكتبوا کتابه فى سمين - فى الأرض
نَجْزِى اُلْمُجْرِمِينَ
السفلى - قال: ((فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( أَوْتَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ) قال: ((فتعاد روحه فى جسده ؛ فيأتيه
ملکان فيجلسانه ؛ فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه؛ لا أدرى، وساق
الحديث كما تقدم إلى أن قال: ((ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح؛ فيقول:
أبشر بالذى يسوؤك ، هذا عملك الذى قد كنت توعد ؛ فيقول : من أنت
فوجهك الوجه الذى لا يأتى بالخير؟ قال: أنا عملك السوء. فيقول: رب لا تقم
الساعة ثلاث مرات )».
ففى هذا الحديث أنواع من العلم:
منها: أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن؛ خلافا لضلال المتكلمين ؛ وأنها
تصعد وتنزل خلافا لضلال الفلاسفة ؛ وأنها تعاد إلى البدن ، وأن الميت يسأل،
فينعم أو يعذب ، كما سأل عنه أهل السؤال، وفيه أن عمله الصالح أو السىء يأتيه
فى صورة حسنة أو قبيحة .
وفى الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي صلى الله
٢٩٢

عليه وسلم قال: ((إن العبد إذا وضع فى قبره، وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع
خفق نعالهم ، أتاه ملكان فيقررانه . فيقولان: ما كنت تقول فى هذا الرجل
محمد ؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه محمد عبد الله ورسوله)) قال: ((فيقول انظر
إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((فيراهما كليهما ، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له فى قبره سبعون
ذراعا، ويملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون، . ثم نرجع إلى حديث أنس،
ويأتيان الكافر والمنافق فيقولان: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى
كنت أقول كما يقول الناس. فيقول: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطارق
من حديد بين أذنيه ، فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين )) .
وروى الترمذى وأبو حاتم فى صحيحه - وأكثر اللفظ له - عن أبى هريرة
- رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذا قبر أحدكم
الإنسان: أتاه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لهما منكر والآخر نكير.
فيقولان له : ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد؟ فهو قائل : ما كان يقول ، فإن
كان مؤمناً قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله. فيقولان: إنا كنا لنعلم أنك تقول ذلك.
ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعاً، وينور له فيه. ويقال له: نم. فيقول:
أرجع إلى أهلى فأخبرهم. فيقولان له: نم . كنومة العروس : الذى لا يوقظه
إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال:
٢٩٣

لا أدرى، كنت أسمع الناس يقولون شيئاً فقلته . فيقولان : إنا كنا نعلم أنك
تقول ذلك. ثم يقال للأرض : التشمى عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه
فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)) وهذا الحديث فيه اختلاف
أضلاعه وغير ذلك مما يبين أن البدن نفسه يعذب .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
احتضر الميت أتته الملائكة بحريرة بيضاء . فيقولون : اخرجى كأطيب ريح
المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتوا به باب السماء . فيقولون :
ما أطيب هذا الريح متى جاءتكم من الأرض؟ فيأتون به أرواح المؤمنين ، فلهم
أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه ، يسألونه ماذا فعل فلان فيقولون دعوه
فإنه فى غم الدنيا ، فإذا قال إنه أتاكم قالوا ذهب إلى أمه الهاوية. وأن الكافر
إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح. فيقولون: اخرجى مسخوطا عليك إلى
عذاب الله ، فتخرجکانتن جیفة ، حتی یاتوا به أرواح الكفار » رواه النسائى
والبزار ، ورواه مسلم مختصراً عن أبى هريرة رضى الله عنه. وعند الكافر
ونتن رائحة روحه ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على
أنفه هكذا. والريطة : ثوب رقيق لين مثل الملاءة.
وأخرجه أبو حاتم فى صحيحه وقال: ((إن المؤمن إذا حضره الموت
حضرت ملائكة الرحمة ، فإذا قبضت نفسه جعلت فى حريرة بيضاء، فتنطلق بها
إلى باب السماء، فيقولون ما وجدنا ريحاً أطيب من هذه الرائحة ، فيقال: دعوه
٢٩٤

يستريح، فإنه كان فى غم الدنيا . فيقال: ما فعل فلان ، ما فعلت فلانة؟ وأما
الكافر إذا قبضت روحه ذهب بها إلى الأرض تقول خزنة الأرض: ما وجدنا
ريحاً أنتن من هذه، فيبلغ بها فى الأرض السفلى ، ففى هذه الأحاديث ونحوها
اجتماع الروح والبدن فى نعيم القبر وعذابه ، وأما انفراد الروح وحدها فقد
تقدم بعض ذلك .
وعن كعب بن مالك رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتی یر جعه إلى جسده يوم يبعثه»
رواه النسائي ورواه مالك والشافعى كلاهما. وقوله ((يعلق)) بالضم أى يأكل
وقد نقل هذا فى غير هذا الحديث .
فقد أخبرت هذه النصوص أن الروح تنعم مع البدن الذی فی القبر - إذا
شاء الله - وأنها تنعم فى الجنة وحدها، وكلاهما حق.
وقد روى ابن أبى الدنيا فى كتاب ذكر الموت عن مالك بن أنس قال :
((بلغنى أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت)) وهذا يوافق ماروى: ((أن
الروح قد تكون على أفنية القبور ، كما قال مجاهد: إن الأرواح تدوم على القبور
سبعة أیام یوم یدفن الميت لا تفارق ذلك ، وقد تعاد الروح إلى البدن فی غیر
وقت المسألة ، كما فى الحديث الذى صححه ابن عبد البر عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( ما من رجل يمر بقبر الرجل الذى كان يعرفه فى الدنيا فيسلم
عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام)).
٢٩٥

وفى سنن أبى داود وغيره عن أوس بن أوس الثقفى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((إن خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علىَّ من الصلاة يوم
الجمعة ، وليلة الجمعة ؛ فإن صلاتكم معروضة على . قالوا : يا رسول الله ! كيف
تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! فقال: ((إن الله حرم على الأرض أن
تأكل أجساد الأنبياء)).
وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه
ما يبين أن الأبدان التى فى القبور تنعم وتعذب - إذا شاء اللّه ذلك - كما يشاء،
وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ، ومنعمة ومعذبة .
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام على الموتى، كما ثبت فى الصحيح
والسنن ((أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل
الديار من المؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا
ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا
تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم)) .
وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين
فى قبورهم ، ورأوهم بعيونهم يعذبون فى قبورهم فى آثار كثيرة معروفة، ولكن
لا يحب ذلك أن یکون دائما على البدن فى كل وقت ، بل يجوز أن يكون فى حال
دون حال .
٢٩٦

وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه: أن النبى صلى الله عليه
وسلم ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: « يا أبا جهل بن هشام!
يا أمية بن خلف ! يا عتبة بن ربيعة ! يا شيبة بن ربيعة ! أليس قد وجدتم
ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإنى وجدت ما وعدنی ربی حقاً ، فسمع عمر رضى اللهعنه
قول النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله ! كيف يسمعون وقد
جيفوا؟ فقال: ((والذي نفسي بيده ما أتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم
لا يقدرون أن يجيبوا ، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا فى قليب بدر.
وقد أخرجاه فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى اللّه
عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟،
وقال «إنهم ليسمعون الآن ما أقول)) فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر.
إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنهم ليعلمون الآن أن الذى قلت لهم
هو الحق ، ثم قرأت قوله تعالى ( إِنَّكَ لَ تُشِْعُ الْمَوْنَ) حتى قرأت الآية.
وأهل العلم بالحديث والسنة : اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر
وإن كانا لم يشهدا بدراً ، فإن أنساً روى ذلك عن أبى طلحة ، وأبو طلحة شهد
بدراً . كماروى أبو حاتم فى صحيحه عن أنس عن أبى طلحة رضى الله عنه،
أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد
قريش ، فقذفوا فى طوى من أطواء بدر ، وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم
فی عرصتهم ثلاث ليال :
٢٩٧

فلما كان اليوم الثالث : أمر براحلته فشد عليها حركها ، ثم مشى وتبعه
أصحابه . وقالوا : ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته ؛ حتى قام على شفاء الركى؛
فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله
ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً . فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ؟
قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله! ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسى بيده؛ ما أتم بأسمع لما
أقول منهم» .
قال قتادة : أحياهم الله حتى سمعهم توبيخاً وتصغيراً ، ونقمة وحسرة
وتنديماً . وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك.
والنص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على تأويل من تأول
من أصحابه وغيره ، وليس فى القرآن ما ينفى ذلك فإن قوله: ( إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ
اُلْمَوْقَى) إنما أراد به السماع المعتاد، الذى ينفع صاحبه ، فإن هذا مثل ضرب
للكفار ، والكفار تسمع الصوت ، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه
واتباع ، كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلََّّدُعَاءَ
وَنِدَآءَ ).
فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل، لا يجب أن ينفى عنهم جميعُ السماع
المعتاد أنواعَ السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار ؛ بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد
الذى ينتفعون به ، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم.
٢٩٨

وقد ثبت فى الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم ، إذا ولوا
مدبرين ، فهذا موافق لهذا ، فكيف يدفع ذلك؟ ومن العلماء من قال : إن الميت
فى قبره لا يسمع ما دام ميتاً ، كما قالت عائشة. واستدلت به من القرآن، وأما
إذا أحياه اللّه فإنه يسمع كما قال قتادة: أحياهم الله له . وإن كانت تلك الحياة
لا يسمعون بها ، كما نحن لا نرى الملائكة والجن ، ولا نعلم ما يحس به الميت
فى منامه ، وكما لا يعلم الإنسان ما فى قلب الآخر ، وإن كان قد يعلم ذلك من
أطلعه الله عليه .
[ وهذه] جملة يحصل بها مقصود السائل، وإن كان لها من الشرح
والتفصيل ما ليس هذا موضعه ، فإن ما ذكرناه من الأدلة البينة على ما سأل
عنه ما لا يكاد مجموعاً . والله أعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٢٩٩

قال شيخ الإسلام
قدس الله روحه
سأل سائل : بماذا يخاطب الناس يوم البعث ؟ وهل يخاطبهم الله تعالى
بلسان العرب ؟ وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية وأن لسان أهل
الجنة العربية ؟!
فأجبته بعد («الحمد لله رب العالمين)»: لا يعلم بأى لغة يتكلم الناس يومئذ،
ولا بأى لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا ؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بشىء
من ذلك، ولارسوله عليه الصلاة والسلام، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين
ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدى ، ولا نعلم نزاعا فى ذلك بين الصحابة
رضی الله عنهم ، بل كلهم يكفون عن ذلك، لأن الكلام فى مثل هذا من فضول
القول ، ولا قال الله تعالى لأصحاب الثرى ، ولكن حدث فى ذلك خلاف
بين المتأخرين .
فقال ناس: يتخاطبون بالعربية . وقال آخرون إلا أهل النار فإنهم يجيبون
بالفارسية، وهی لغتهم فى النار .
٣٠٠