النص المفهرس

صفحات 241-260

ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص، فهذا اللفظ فيه تقديم كتابة السعادة
والشقاوة ؛ ولكن يشعر بأن ذلك يكتب بحيث مضت الأربعون.
ولكن هذا اللفظ لم يحفظه رواته كما حفظ غيره .
ولهذا شك أبعد الأربعين؛ أو خمس وأربعين؟ وغيره إنما ذكر أربعين،
أواثنين وأربعين. وهو الصواب؛ لأن من ذكر اثنين وأربعين ذکر طرفى الزمان،
ومن قال أربعين حذفهما ، ومثل هذا كثير فى ذكر الأوقات ، فقدم المؤخر
وأخر المقدم. أو يقال : إنه لم يذكر ذلك بحرف (ثم) فلا تقتضى ترتيبا ،
وإنما قصد أن هذه الأشياء تكون بعد الأربعين.
وحينئذ فيقال: أحد الأمرين لازم؛ إما أن تكون هذه الأمور عقيب
الأربعين ، ثم تكون عقب المائة والعشرين ؛ ولا محذور فى الكتابة مرتين ؛
ويكون المكتوب (أولا ) فيه كتابة الذكر والأنثى. أو يقال: إن ألفاظ هذا
الحديث لم تضبط حق الضبط .
ولهذا اختلفت رواته فى ألفاظه، ولهذا أعرض البخارى عن روايته، وقد
يكون أصل الحديث صحيحاً ، ويقع فى بعض ألفاظه اضطراب ، فلا يصلح
حينئذ أن يعارض بها ما ثبت فى الحديث الصحيح المتفق عليه ؛ الذى لم تختلف
ألفاظه ؛ بل قد صدقه غيره من الحديث الصحيح ؛ فقد تلخص الجواب أنما
عارض الحديث المتفق عليه: إما أن يكون موافقا له فى الحقيقة ، وإما أن يكون
٢٤١

غير محفوظ ، فلا معارضة ، ولا ريب أن ألفاظه لم تضبط ، كما تقدم ذكر
الاختلاف فيها ؛ وأقر بها اللفظ الذى فيه تقدم التصوير على تقدير الأجل
والعمل ، والشقاوة والسعادة ، وغاية ما يقال فيه إنه يقتضى أنه قد يخلق فى
الأربعين الثانية ، قبل دخوله فى الأربعين الثالثة ، وهذا لا يخالف الحديث
الصحيح، ولا نعلم أنه باطل ، بل قد ذكر النساء: أن الجنين يخلق بعد الأربعين ،
وأن الذكر يخلق قبل الأنثى.
وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء : إن الجنين لا يخلق فى أقل من
واحد وثمانين يوما، فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة ،
ولا یکون مضغة إلا بعد الثمانين ؛ والتخلیق ممکن قبل ذلك ، وقد أخبر به من
أخبر من النساء ، ونفس العلقة يمكن تخليقها. والله أعلم وصلى الله على محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.
٢٤٢

قال شيخ الإسلام رحمه الله :-
رداً لقول من قال: كل مولود على ما سبق له فى علم اللّه أنه سائر
إليه (١) :-
معلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة ؛ جميع البهائم هى مولودة على ما
سبق فى علم اللّه لها؛ وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقا على الفطرة.
وأيضا: فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه
ويمجسانه معنى: فإنهما فعلا به ماهو الفطرة التى ولد عليها ، فلا فرق بين التهويد
والتنصير. ثم قال: فتمثيله صلى الله عليه وسلم بالبهيمة التى ولدت جمعاء؛ ثم
جدعت : یبین أن أبويهغیرا ما ولد عليه .
ثم يقال : وقولكم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار ، من غير أن
تكون الفطرة تقتضى واحداً منهما ؛ بل يكون القلب كاللوح الذى يقبل
كتابة الإيمان والكفر ، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر ، فهذا قول
فاسد جداً .
(١) لم نجدها إلا مختصرة.
٢٤٣

فحينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار ، والتهويد
والتنصير، والإسلام؛ وإنما ذلك بحسب الأسباب، فكان ينبغى أن يقال:
فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ؛ فلما ذكر أن أبويه يكفرانه، وذكر الملل
الفاسدة دون الإسلام: علم أن حكمه فى حصول سبب مفصل غير حكم الكفر.
ثم قال: ففى الجملة كل ما كان قابلا للمدح والذم على السواء ، لا يستحق
مدحا ولا ذما ، واللّه تعالى يقول: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِ فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا).
وأيضا: فالنبي صلى اللّه عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق ، وشبه ما
يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف، ومعلوم أن كمالها محمود ، ونقصها مذموم،
فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟ والله أعلم.
٢٤٤

سئل عن قود صلى الله عليه وسلم :-
((كل مولود يولد على الفطرة » ما معناه؟: أراد فطرة الخلق أم فطرة
الإسلام؟. وفى قوله: ((الشقى من شقى فى بطن أمه)) الحديث. هل ذلك خاص
أو عام. وفى البهائم والوحوش هل يحيها الله يوم القيامة أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله. أما قوله صلى الله عليه وسلم: (( كل مولود يولد على
الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)): فالصواب أنها فطرة الله التى
فطر الناس عليها ، وهى فطرة الإسلام ، وهى الفطرة التى فطرهم عليها يوم
قال: ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْبَلَى ). وهى السلامة من الاعتقادات الباطلة ، والقبول
للعقائد الصحيحة .
فإن حقيقة ((الإسلام)) أن يستسلم للّه؛ لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا الله،
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال: (( كما تنتج البهيمة
بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)) : بين أن سلامة القلب من النقص
کسلامة البدن، وأن العیب حادث طارئ .
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيما يروى عن الله: ((إنى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت.
٢٤٥

عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» . ولهذا
ذهب الإمام أحمد رضى الله عنه فى المشهور عنه : إلى أن الطفل متى مات أحد
أبويه الكافرين حكم بإسلامه ؛ لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة . وقد
روى عنه؛ وعن ابن المبارك، وعنهما: أنهم قالوا «يولد على ما فطر عليه من
من شقاوة وسعادة )) وهذا القول لا ينافى الأول، فإن الطفل يولد سليما ، وقد
علم اللّه أنه سيكفر ، فلا بد أن يصير إلى ما سبق له فى أم الكتاب ، كما تولد
البهيمة جمعاء وقد على اللّه أنها ستجدع.
وهذا معنى ما جاء فى صحيح مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغلام الذى قتله الخضر: ((طبع يوم طبع
كافراً؛ ولو ترك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً، يعنى طبعه الله فى أم الكتاب ،
أى كتبه وأثبته كافراً؛ أى أنه إن عاش كفر بالفعل .
ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يموت من أطفال
المشركين وهو صغير قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) أى الله يعلم من يؤمن
منهم ومن یکفر لو بلغوا. ثم إنه قد جاء فى حديث إسناده مقارب عن أبى هريرة
رضى الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة فإن الله
يمتحنهم ويبعث إليهم رسولافى عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنة ومن عصاه
أدخله النار )) فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه ، ويجزيهم على ما ظهر من
العلم وهو إيمانهم وكفرهم؛ لا على مجرد العلم.
٢٤٦

وهذا أجود ما قيل فى أطفال المشركين ، وعليه تتنزل جميع الأحاديث.
ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس ، وكل ذى عين لوترك
بغير حجاب لرأى الشمس ، والاعتقادات الباطلة العارضة من تهود وتنصر
وتمجس : مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس . وكذلك أيضاً كل ذى
حس سليم يحب الحلو ، إلا أن يعرض فى الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو
فى فمه مراً .
ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين
للإسلام بالفعل ، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، ولكن سلامة
القلب وقبوله وإرادته للحق : الذى هو الإسلام، بحيث لو ترك من غير مغير،
لما كان إلا مسلماً .
وهذه القوة العلمية العملية التى تقتضى بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع :
هی فطرة الله التی فطر الناس عليها .
وأما الحديث المذكور: فقد صح عن ابن مسعود أنه كان يقول: ((الشقى
من شقى فى بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغيره، وفى الصحيحين عن عبد الله
بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق-
((إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك،
٢٤٧

ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال:
اكتب رزقه وأجله ، وعمله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح)).
وهذا عام فى كل نفس منفوسة ، قد علم الله سبحانه - بعلبه الذى هو
صفة له - الشقى من عباده والسعيد، وكتب سبحانه ذلك فى اللوح المحفوظ ،
ويأمر الملك أن یکتب حال كل مولود ، ما بين خلق جسده ونفخ الروح فيه ،
إلى كتب أُخر يكتبها الله ليس هذا موضعها . ومن أنكر العلم القديم فى ذلك
فهو كافر .
وأما البهائم جميعها يحشرها الله سبحانه، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَ طَيٍِّ يَطِيرٌ بِجَنَا حَيْدٍ إِلَّ أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى
اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ) وقال تعالى: (وَإِذَا الْوُجُوشُ خُشِرَتْ)
وقال تعالى: ( وَمِنْءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَتَّ فِيهِمَا مِن دَآبَةٍ وَهُوَ عَلَى
جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ) وحرف (إذا) إنما يكون لما يأتى لا محالة.
والأحاديث فى ذلك مشهورة ، فإن الله عز وجل يوم القيامة يحشر البهائم
ويقتص لبعضها من بعض ، ثم يقول لها : كونى تراباً . فتصير تراباً . فيقول
الكافر حينئذ ( يَلَقَنِ كُتُّ تُرَبَا ) ومن قال إنها لا تحيا فهو مخطئ فى ذلك
أقبح خطأ ؛ بل هو ضال أو كافر والله أعلم.
٢٤٨

وقال أيضاً رحمه الله :-
((كل مولود يولد على الفطرة» ؛ فإنه سبحانه فطر القلوب على أن ليس
فى محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه، وتنتهى إليه إلا اللّه؛ وإلا فكلما أحبه
المحب يجد من نفسه أن قلبه يطلب سواه ، ويحب أمراً غيره يتألهه ويصمد
إليه، ويطمئن إليه ويرى ما يشبه من أجناسه؛ ولهذا قال: ( أَ بِذِكْرٍ
اللَّهِ تَطْحَبِنُّ الْقُلُوبُ ).
٢٤٩

قال شيخ الإسلام قدس اللّهروج:
فصل
ذكر الله الحفظة الموكلين ببنى آدم، الذين يحفظونهم ويكتبون أعمالهم:
فى مواضع من كتابه. قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُم
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىّ أَجَلٌ مُسَمَّىٌ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ) ( وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ
عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ).
وقال تعالى: ( سَوَآءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَبِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُمُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ).
وقال تعالى: (كَلَّابَلْ تُكَذِّبُونَ بِاَلِدِينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ ◌َفِظِينَ * كِرَامًا كَئِينَ * يَعْلَمُونَ
مَا تَفْعَلُونَ ).
وقال تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَارِقِ * وَمَا أَذَرَئِكَ مَالطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِذَكُلُّ
نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُّوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ،وَنَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَلَقَّ الْمُتَلِفِيَنِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِالشِّمَالِ فَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) وقال تعالى: (وَكُلَّ إِنسَنِ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ
٢٥٠

لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ).
وقال تعالى: ( وَتَرَى كُلّأُمَِّجَائِيَةٌ كُلُّأُمَِّتُدْعَإلَى كِتَبِهَا الْيَوْم ◌ُجْزَوْنَ مَكُمْ تَعْمَلُونَ *
هَذَا كِتَبُنَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال تعالى: ( وَيَقُولُونَ
يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَأَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَأْ وَوَجَدُ واْمَا عَمِلُواْ
حَاضِرَأُوَلاَ يَظْلِهُ رَبُّكَ أَحَدًاً) وقال تعالى: (وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ * وَكُلُّ
صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ ) ه وقال تعالى (١)
(١) بياض بالأصل.
٢٥١

سئل شيخ الإسلام:
هل الملائكة الموكلون بالعبدهم الموكلون دائما ، أم كل يوم ينزل الله إليه
ملكين غير أولئك ؟ وهل هو موكل بالعيد ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ؟
وقوله عز وجل: (وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُّرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَاجَاءَ أَحَدَكُمُ
اُلْمَوْثُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) فما معنى الآية؟!
فأجاب :-
الحمد لله: الملائكة أصناف؛ منهم من هو موكل بالعبد دائما . ومنهم
ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار ، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر؛
فيسألهم - وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون،
وتركناهم وهم يصلون ، ومنهم ملائكة فضل عن كتاب الناس يتبعون
مجالس الذكر .
(وأعمال العباد ) تجمع جملة وتفصيلا، فترفع أعمال الليل قبل أعمال النهار،
وأعمال النهار قبل أعمال الليل ، تعرض الأعمال على الله فى كل يوم اثنين
وخميس ، فهذا كله ما جاءت به الأحاديث الصحيحة ، وأما أنه كل يوم تبدل
عليه الملكان : فهذا لم يبلغنا فيه شىء. والله أعلم.
٢٥٢

سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم :-
(((إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة)) الحديث. فإذا كان الهم
سراً بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه ؟ .
فأجاب :-
الحمد لله : قد روى عن سفيان بن عيينة فى جواب هذه المسألة قال: (( إنه
إذا هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة ، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة)).
والتحقيق: أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما فى نفس العبد كيف شاء،
كما هو قادر على أن يطلع بعض البشر على ما فى الإنسان.
فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يعلم به أحياناً ما فى
قلب الإنسان : فالملك الموكل بالعبد أولى بأن يعرفه الله ذلك.
) أن المراد
وقد قيل فى قوله تعالى: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوِيدِ
به الملائکة : والله قد جعل الملائكة تلقی فی نفس العبد الخواطر ، كما قال عبد الله
ابن مسعود: ((إن للملك لمة [وللشيطان لمة ] فلة الملك تصديق بالحق ووعد
٢٥٣

بالخير، ولمة الشيطان تكذيب بالحق وإيعاد بالشر، . وقد ثبت عنه فى الصحيح
أنه قال: « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة ، وقرينه من
الجن)، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وأنا، إلا أن الله قد أعاننى عليه،
فلا يأمر نى إلا بخير )) .
فالسيئة التى يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان : علم بها الشيطان.
والحسنة التى يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك : علم بها الملك أيضاً
بطريق الأولى ، وإذا علم بها هذا الملك : أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال
بنى آدم.
٢٥٤

سئل عن عرض الأديان عند الموت :-
هل لذلك أصل فى الكتاب والسنة أم لا ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم :
((إنكم لتفتنون فى قبوركم)) ما المراد بالفتنة؟ وإذا ارتد العبد - والعياذ بالله -
هل يجازى بأعماله الصالحة قبل الردة أم لا؟ أفتونا مأجورين !!.
فأجاب :-
الحمد لله رب العالمين:
أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرا عاما لكل أحد
ولا هو أيضاً منتفياً عن كل أحد ، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل
موته ؛ ومنهم من لا تعرض عليه ، وقد وقع ذلك لأقوام . وهذا كله من فتنة
المحيا والمات التى أمرنا أن نستعيذ منها فى صلاتنا:
منها: ما فى الحديث الصحيح («أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ
فى صلاتنا من أربع : من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا
والمات ، ومن فتنة المسيح الدجال)) . ولكن وقت الموت أحرص ما يكون
الشيطان على إغواء بنى آدم ؛ لانه وقت الحاجة.
٢٥٥

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((الأعمال
بخواتيمها، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى
ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ؛ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار
فيدخلها ، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ؛
فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )) .
ولهذا روى: ((أن الشيطان أشد ما يكون على ابن آدم حين الموت ، يقول
لأعوانه: دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبداً ».
وحكاية عبد الله بن أحمد بن حنبل مع أبيه وهو يقول: لا ، بعد. لا ،
بعد : مشهورة .
ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك ، لما روى أنس بن مالك
رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من ملك زاداً أو راحلة تبلغه
إلى بيت الله الحرام ولم يحج: فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)).
قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ) قال عكرمة لما نزلت هذه الآية: (وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَئِ
دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ) قالت اليهود والنصارى نحن
) فقالوا لا نحجه ،
مسلمون . فقال اللّه لهم: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِحُِ اُلْبَيْتِ
فقال الله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ).
٢٥٦

وأما الفتنة فى القبور فهى الامتحان والاختبار للميت ، حين يسأله
الملكان ، فيقولان له: ما كنت تقول فى هذا الرجل الذى بعث فيكم ((محمد))؟
فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: الله ربى، والإسلام
دينى ومحمد نبى . ويقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به
واتبعناه . فيتهرانه انتهارة شديدة - وهى آخر فتنه التى يفتن بها المؤمن -
فيقولان له: كما قالا أولا .
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذه الفتنة من
حديث البراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، وأبى هريرة وغيرهم رضى الله
عنهم ؛ وهى عامة للمكلفين ؛ إلا النبيين فقد اختلف فيهم . وكذلك اختلف
فى غير المكلفين ، كالصبيان والمجانين. فقيل : لا يفتنون ، لأن المحنة إنما تكون
للمكلفين ، وهذا قول القاضى وابن عقيل .
وعلى هذا فلا يلقنون بعد الموت . وقيل يلقنون ويفتنون أيضاً ، وهذا
قول أبى حكيم ، وأبى الحسن بن عبدوس ، ونقله عن أصحابه ، وهو
مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة ، كما هو قول أكثر أهل العلم،
وأهل السنة ، من أهل الحديث والكلام. وهو الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى
رضى الله عنه عن أهل السنة، واختاره ، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد.
وأما «الردة عن الإسلام، بأن يصير الرجل كافراً مشركا، أو كتابياً،
٢٥٧
1
٠
!
!
.-
أ

فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء ، كما نطق بذلك القرآن فى
غير موضع. كقوله: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ ) وقوله: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ
حَبِطَ عَمَلُهُ ) وقوله: ( وَلَوْ أَشْرَكُوْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّاكَانُوا يَعْمَلُونَ ) وقوله :
( لَِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ).
ولكن تنازعوا فيما : إذا ارتد؛ ثم عاد إلى الإسلام . هل تحبط الأعمال التى عملها
قبل الردة أم لا تحبط إلا إِذا مات مرتداً ؟ على قولين مشهورين ؛ مما قولان
فى مذهب الإمام أحمد ، والحبوط : مذهب أبى حنيفة ومالك . والوقوف:
مذهب الشافعى .
وتنازع الناس أيضاً فى ((المرتد» . هل يقال كان له إيمان صحيح يحبط بالردة؟
أم يقال بل بالردة تبينا أن إيمانه كان فاسداً ؟ وأن الإيمان الصحيح لا يزول
ألبتة؟ على قولين لطوائف الناس ، وعلى ذلك يبنى قول المستثنى : أنا مؤمن
- إن شاء الله - هل يعود الاستثناء إلى كمال الإيمان؟ أو يعود إلى الموافاة
فى المآل والله أعلم .
٢٥٨
1

وسئل :-
هل جميع الخلق حتى - الملائكة - يموتون؟
فأجاب : -
الذى عليه أكثر الناس : أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة ، وحتى
عزرائيل ملك الموت. وروى فى ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه؛ وإنما
يخالف فى ذلك طوائف من المتفلسفة، أتباع ((أرسطو)، وأمثالهم، ومن
دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام ، أو اليهود ، والنصارى: كأصحاب
(( رسائل إخوان الصفا، وأمثالهم، من زعم أن ((الملائكة)) هى العقول
والنفوس ، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هى عندهم آلهة وأرباب لهذا العالم.
والقرآن وسائر الكتب : تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون ، كما قال
سبحانه : (لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْقَرَّبُونَ وَمَن
يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا). وقال تعالى: (وَقَالُواْ
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَنَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمِنْ أَرْقَضَى)
٢٥٩

وقال: (وَكَمَ مِّن مَّلَكٍ فِى السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ
وَبَرْضَّ).
والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم، كما هو قادر على إماتة البشر
والجن ثم إحيائهم. وقد قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِى يَبْدَ ؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ،وَهُوَ
أَهْوَبُ عَلَيْهِ ).
وقد ثبت فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه
وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: ((إن اللّه إذا تكلم بالوحى أخذ الملائكة
مثل الغشى)، وفى رواية ((إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا)، وفى رواية «سمعت
الملائكة كبر السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم ، أى أزيل
الفزع عن قلوبهم ((قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق فينا دون: الحوا الحق !)، فقد
أخبر فى هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغشى ؛ فإذا جاز عليهم
صعق الغشى جاز صعق الموت ؛ وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا ولا هذا؛
وصعق الغشى هو مثل صعق موسى عليه السلام، قال تعالى: ( فَلَمَّا تَجَلَّى
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا).
والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات :
نفخة الفزع ذكرها فى سورة النمل فى قوله: ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ
مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللّهُ ).
٢٦٠