النص المفهرس

صفحات 161-180

للإسكندر بن فيلبس المقدونى الذى تؤرخ به اليهود والنصارى التاريخ الرومى.
وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة .
وقد يظنون أن هذا هو ((ذوالقرنين)) المذكور فى القرآن، وأن أرسطو كان
وزيراً لذى القرنين المذكور فى القرآن وهذا جهل . فإن هذا الإسكندر بن فيلبس
لم يصل إلى بلاد الترك ولم يبن السد، وإنما وصل إلى بلاد الفرس.
وذو القرنين المذكور فى القرآن وصل إلى شرق الأرض وغربها وكان
متقدماً على هذا ، يقال : إن اسمه الإسكندر بن دارا، وكان موحداً مؤمناً ؛
وذاك مشركا : كان يعبد هو وقومه الكواكب والأصنام ، ويعانون السحر،
كما كان أرسطو وقومه من اليونان مشركين يعبدون الأصنام، ويعانون السحر،
ولهم فى ذلك مصنفات ، وأخبارهم مشهورة ، وآثارهم ظاهرة بذلك. فأين
هذا من هذا ؟ !.
والمقصود هنا : بيان ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء
به الرسول .
و (الفريق الثانى منهم) يقولون: إن الرسول كان يعلم الحق الثابت
فى نفس الأمر فى التوحيد والمعاد ، ويعرف أن الرب ليس له صفة ثبوتية ،
وأنه لا يرى ولا يتكلم، وأن الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وأن
الأبدان لا تقوم ، وأنه ليس لله ملائكة هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحى
١٦١

من عنده ويصعدون إليه ؛ ولكن يقول بما عليه هؤلاء الباطنية فى الباطن ،
لكن ما كان يمكنه إظهار ذلك للعامة . لأن هذا إذا ظهر لم تقبله عقولهم وقلوبهم
بل ينكرونه وينفرون منه. فأظهر لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به فى دينهم
وإن كان فى ذلك تلبيس عليهم وتجهيل لهم، واعتقادهم الأمر على خلاف ما هو
عليه ؛ لما فى ذلك من المصلحة لهم .
ويجعلون أئمة الباطنية - كبنى عبيد بن ميمون القداح الذين ادعوا أنهم
من ولد محمد بن إسمعيل بن جعفر ؛ ولم يكونوا من أولاده ؛ بل كان جدهم يهودياً
ريبياً لمجوسى وأظهروا التشيع. ولم يكونوا فى الحقيقة على دين واحد من الشيعة:
لا الإمامية، ولا الزيدية؛ بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية على ، أو نبوته؛
بل كانوا شراً من هؤلاء كلهم .
ولهذا كثر تصانيف علماء المسلمين فى كشف أسرارهم وهتك أستارهم،
وكثر غزو المسلمين لهم . وقصصهم معروفة . وابن سينا وأهل بيته كانوا من
أتباع هؤلاء على عهد حاكمهم المصرى. ولهذا دخل ابن سينا فى الفلسفة.
وهؤلاء يجعلون محمد بن إسمعيل هو الإمام المكتوم ، وأنه نسخ
شرع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويقولون: إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا
أئمة معصومين ؛ بل قد يقولون : إنهم أفضل من الأنبياء ، وقد يقولون :
إنهم آلهة يعبدون.
ولهذا أرسل الحاكم غلامه ((هشتكير) الدرزى إلى وادى تيم اللّه بن ثعلبة
١٦٢

بالشام ؛ فأضل أهل تلك الناحية، وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون بالهية الحاكم
وقد أخرجهم عن دين الإسلام ، فلا يرون الصلوات الخمس ولا صيام شهر
رمضان ، ولا حج البيت الحرام ، ولا تحريم ما حرمه الله ورسوله ، من
الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك.
وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولا إلى التشيع، والتزام ماتوجبه الرافضة
وتحريم ما يحرمونه ؛ ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد درجة حتى ينقلونه فى
الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام ، وأن المقصود: هو معرفة أسرارهم، وهو
العلم الذى به تكمل النفس ، كما تقوله الفلاسفة الملاحدة. فمن حصل له هذا العلم
وصل إلى الغاية ، وسقطت عنه العبادات التى تجب على العامة ، كالصلوات
الخمس ، وصيام رمضان ، وحج البيت ، وحلت له المحرمات التى
لا تحل لغيره.
فهؤلاء يجعلون الرسول صلى الله عليه وسلم - إذا عظموه وقالوا : كان كاملا
فى العلم - من جنس رءوسهم الملاحدة ، وأنه كان يظهر للعامة خلاف ما يبطنه
للخاصة . وقد بينا من فساد أقوالهم فى غير هذا الموضع ما لا يناسبه هذا المقام.
فإن المقصود هنا : أن هؤلاء النفاة للعلو وللصفات الخبرية ، كصاحب
اللمعة وأمثاله يقولون فى الرسول من جنس قول هؤلاء : إن الذى أظهره ليس
هو الحق الثابت فى نفس الأمر ، لأن ذلك ما كان يمكنه إظهاره للعامة . فإذا
١٦٣

كانوا يقولون هذا فى الرسول نفسه فكيف قولهم فى أتباعه «من سلف الأمة» من
الصحابة والتابعين؟ .
ومن كان هذا أصل قوله فى الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار: كان مخالفا لهم لا موافقاً ، لا سيما إذا أظهر النفى الذى كان الرسول
وخواص أصحابه عنده ببطنونه ولا يظهرونه . فإنه يكون مخالفا لهم أيضا .
وهذا المسلك يراه عامة النفاة ، كابن رشد الحفيد وغيره . وفى كلام أبى
حامد الغزالى من هذا قطعة كبيرة. وابن عقيل وأمثاله قد يقولون أحيانا هذا ،
لكن ابن عقيل الغالب عليه إذا خرج عن السنة أن يميل إلى التجهم والاعتزال
فى أول أمره ؛ بخلاف آخر ما كان عليه . فقد خرج إلى السنة المحضة .
وأبو حامد يميل إلى الفلسفة ، لكنه أظهرها فى قالب التصوف والعبارات
الإسلامية، ولهذا رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربى،
فإنه قال: ((شيخنا أبو حامد دخل فى بطن الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج منهم
فما قدر ) ، وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك فى
كتبه ، ورد عليه العلماء المذكورون قبل .
١٦٤

فصل
ثم قال المعترض: قال أبو الفرج بن الجوزى فى الرد على الحنابلة: ((إنهم
أثبتوا لله سبحانه عيناً، وصورة، ويميناً، وشمالاً، ووجهاً زائداً على
الذات ، وجبهة ، وصدراً ، ويدين ، ورجلين ، وأصابع ، وخنصراً ،
ونخذاً ، وساقاً ، وقدماً، وجنباً، وحقواً، وخلفاً ، وأماماً ، وصعوداً،
ونزولا ، وهرولة، وعجباً؛ لقد كملوا هيئة البدن! وقالوا: يحمل على ظاهره ،
وليست بجوارح ، ومثل هؤلاء لا يحدثون ، فإنهم يكابرون العقول ، وكأنهم
يحدثون الأطفال » .
قلت : الكلام على هذا فيه أنواع :-
(الأول) : بيان ما فيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام فى المسألة
العلمية .
(الثانى): بيان أنه رد بلا حجة ولا دليل أصلا .
(الثالث ): بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل .
أما (( أولا)): فإن هذا المصنف الذى نقل منه كلام أبى الفرج لم يصنفه
١٦٥

فى الرد على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما رد به - فيما ادعاه - على بعضهم. وقصد أبى
عبد الله بن حامد والقاضى أبى يعلى وشيخه أبى الحسن بن الزاغونى ومن تبعهم؛
وإلا جنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكره؛
بل هو يحتج فى مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية ، كما يذكره من كلام
التميميين : مثل رزق الله التميمى، وأبى الوفابن عقيل. ورزق اللّه كان يميل إلى
طريقة سلفه ، كده أبى الحسن التميمى ، وعمه أبى الفضل التميمى، والشريف
أبى على بن أبى موسى هو صاحب أبى الحسن التميمى ، وقد ذكر عنه أنه قال:
(( لقد خرى القاضى أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء)) !
وسنتكلم على هذا بما ييسره الله ، متحرين للكلام بعلم وعدل. ولا حول
ولا قوة إلا بالله: فما زال فى الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذى
ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يمسك عن النفى والإثبات جميعاً.
ففيهم جنس التنازع الموجود فى سائر الطوائف ، لكن نزاعهم فى مسائل
الدّق؛ وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها ، ولهذا كانوا أقل الطوائف
تنازعاً وافتراقاً ، لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار ، لان للإمام أحمد فى باب
أصول الدين من الأقوال المبينة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره . وأقواله
مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل السلف الطيب . ولهذا كان جميع من ينتحل
السنة من طوائف الأمة - فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها - ينتحلونه .
١٦٦

ثم قد يتنازع هؤلاء فى بعض المسائل . فإن هذا أمر لا بد منه فى العالم ،
والنبى صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لابد من وقوعه ، وأنه لما سأل ربه
أن لا يلقى بأسهم بينهم منع ذلك. فلا بد فى الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة
من نوع تنازع ، لكن لابد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة ، كما أنه
لابد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف ، لكنه لا يزال فى هذه الأمة
طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة .
ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعرى وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة :
كان منتحلا للإمام أحمد، ذاكراً أنه مقتد به متبع سبيله . وكان بين أعيان
أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ماهو معروف، حتى
إن أبا بكر عبد العزيز يذكر من حجج أبى الحسن فى كلامه مثل ما يذكر من
حجج أصحابه ، لأنه كان عنده من متكلمة أصحابه .
وكان من أعظم الماتلين إليهم التميميون : أبو الحسن التميمى ، وابنه ، وابن
ابنه ، ونحوهم؛ وكان بين أبى الحسن التميمى وبين القاضى أبى بكر بن الباقلانى من
المودة والصحبة ما هو معروف مشهور. ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقى فى
كتابه الذى صنفه فى مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمد على ما نقله
من كلام أبى الفضل عبد الواحد بن أبى الحسن التميمى . وله فى هذا الباب مصنف
ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه ، ولم يذكر فيه ألفاظه ، وإنما ذكر جمل الاعتقاد
بلفظ نفسه، وجعل يقول: ((وكان أبو عبد الله)). وهو بمنزلة من يصنف
١٦٧

كتاباً فى الفقه على رأى بعض الأئمة ، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه ،
وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده ؛ فإن الناس
فى نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم فى نقل الشريعة. ومن المعلوم : أن
أحدهم يقول: حكم الله كذا، أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب
الشريعة ، بحسب ما بلغه وفهمه ، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة
وأعماله وأفهم لمراده .
فهذا أيضاً من الأمور التى يكثر وجودها فى بنى آدم. ولهذا قد تختلف
الرواية فى النقل عن الأئمة، كما يختلف بعض [أهل] الحديث فى النقل عن النبى
صلى الله عليه وسلم، لكن النبى صلى الله عليه وسلم معصوم. فلا يجوزأن يصدر
عنه خبران متناقضان فى الحقيقة. ولا أمران متناقضان فى الحقيقة إلا وأحدهما
ناسخ والآخر منسوخ . وأما غير النبى صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم.
فيجوز أن يكون قدقال خبرين متناقضين. وأمرين متناقضين ولم يشعر بالتناقض.
لكن إذا كان فى المنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم ما يحتاج إلى تمييز
ومعرفة - وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض. والناقلون
لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير- لم يستنكر وقوع نحو من هذا فى غيره؛
بل هو أولى بذلك. لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذى أنزله على رسوله ، ولم
يضمن حفظ مايؤثر عن غيره. لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة
هو هدی الله الذى جاء من عند الله ، و به يعرف سبيله وهو حجته على عباده ؛
١٦٨

فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله فى ذلك ، وذهب هداه ، وعميت
سبيله ؛ إذ ليس بعد هذا النى فى آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه ؛ بل
هذا الرسول آخر الرسل . وأمته خير الأمم . ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة
على الحق بإذن الله. لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. حتى تقوم الساعة.
الوجه الثاني
أن أبا الفرج نفسه متناقض فى هذا الباب: لم يثبت على قدم النفى ولا على
قدم الإثبات ؛ بل له من الكلام فى الإثبات نظا ونثراً ما أثبت به كثيراً من
الصفات التى أنكرها فى هذا المصنف . فهو فى هذا الباب مثل كثير من
الخائضين فى هذا الباب من أنواع الناس يثبتون تارة، وينفون أخرى فى مواضع
كثيرة من الصفات ، كما هو حال أبى الوفاء بن عقيل وأبى حامد الغزالى.
الوجه الثالث
أن باب الإثبات ليس مختصاً بالحنبلية، ولا فيهم من الغلو ما ليس فى غيرهم؛
بل من استقرأ مذاهب الناس وجد فى كل طائفة من الغلاة فى النفى والإثبات
مالا يوجد مثله فى الحنبلية ، ووجد من مال منهم إلى نفى باطل أو إثبات باطل ،
١٦٩

فإنه لا يسرف إسراف غيرهم من المائلين إلى النفى والإثبات، بل تجد فى الطوائف
من زيادة النفى الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجد مثله فى الحنبلية . وإنما
وقع الاعتداء فى النفى والإثبات فيهم مما دب إليهم من غير هم الذين اعتدوا حدود
الله بزيادة فى النفى والإثبات، إذأصل السنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال
دون البغى والاعتداء .
وكان علم («الإمام أحمد، وأتباعه)) له من الكمال والتمام ، على الوجه المشهور
بين الخاص والعام، من له بالسنة وأهلها نوع إلمام، وأما أهل الجهل والضلال:
الذين لا يعرفون ما بعث الله به الرسول، ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح
المعقول ، وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة : فأولئك جاهلون قدر
الرسول ، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم
القرآن ، فهم بمقادير الأئمة المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين ، إذكانوا
أشبه بمن شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان، وهم فى
هذه الأحوال إلى الكفر أقرب منهم للإيمان:
تجد أحدهم يتكلم فى ((أصول الدين وفروعه)، بكلام من كأنه لم ينشأ فى
دار الإسلام ، ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان ، ولا عرف حال سلف
هذه الأمة، وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة ، ولا عرف
مما بعث الله به نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال، والغى والرشاد.
١٧٠

وتجد وقيعة هؤلاء فى ((أئمة السنة وهداة الأمة)) من جنس وقيعة الرافضة
ومن معهم من المنافقين فى أبى بكر ، وعمر ، وأعيان المهاجرين والأنصار ؛
ووقيعة اليهود والنصارى ومن تبعهم من منافقى هذه الأمة فى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ووقيعة الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم فى الأنبياء والمرسلين
وقد ذكر الله فى كتابه من كلام الكفار والمنافقين فى الأنبياء والمرسلين وأهل
العلم والإيمان ما فيه عبرة للمعتبر ، وبينة للمستبصر ؛ وموعظة للتهوك المتحير .
وتجد عامة أهل الكلام ومن أعرض عن جادة السلف - إلا من عصم الله -
يعظمون أئمة الاتحاد ، بعد تصريحهم فى كتبهم بعبارات الاتحاد ، ويتكلفون لها
محامل غير ما قصدوه. ولهم فى قلوبهم من الإجلال والتعظيم ، والشهادة بالإمامة
والولاية لهم ، وأنهم أهل الحقائق: ما الله به عليم.
هذا ابن عربى يصرح فى فصوصه: أن الولاية أعظم من النبوة ؛ بل أكمل
من الرسالة! ومن كلامه :
مقام النبوة فى برزخ فويق الرسول ودون الولى
وبعض أصحابه يتأول ذلك بأن ولاية النبى أفضل من نبوته ، وكذلك
ولاية الرسول أفضل من رسالته، أو يجعلون ولايته حاله مع الله ، ورسالته
حاله مع الخلق وهذا من بليغ الجهل .
فإن الرسول إذا خاطب الخلق وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية ، بل هو ولى
١٧١

الله فى تلك الحال، كما هو ولى الله فى سائر أحواله ، فإنه ولى الله ليس عدواً له
فى شىء من أحواله . وليس حاله فى تبليغ الرسالة دون حاله اذا صلى
ودعا الله وناجاه .
وأيضاً: فما يقول هذا المتكلف فى قول هذا المعظم: إن النبى صلى الله
عليه وسلم لبنة من فضة ، وهو لبنتان من ذهب وفضة ، ويزعم أن لبنة محمد
صلى الله عليه وسلم هى العلم الظاهر، ولبنتاه: الذهب علم الباطن ،
والفضة علم الظاهر ، وأنه يتلقى ذلك بلا واسطة ؛ ويصرح فى نصوصه :
أن رتبة الولاية أعظم من رتبة النبوة ، لأن الولى يأخذ بلا واسطة والنبى
بواسطة ، فالفضيلة التى زعم أنه امتاز بها على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم
عنده مما شاركه فيه .
وبالجملة : فهو لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فى شىء، فإنه أخذ بزعمه
عن اللّه ما هو متابعه فيه فى الظاهر، كما يوافق المجتهد المجتهد والرسول الرسول
فليس عنده من اتباع الرسول والتلقى عنه شىء أصلا، لا فى الحقائق الخبرية ،
ولا فى الحقائق الشرعية .
وأيضاً : فإنه لم يرض أن يكون معه كموسى مع عيسى ، وكالعالم مع العالم
فى الشرع الذى وافقه فيه، بل ادعى أنه يأخذ ما أقره عليه من الشرع من الله فى
الباطن ، فيكون أخذه للشرع عن اللّه أعظم من أخذ الرسول.
١٧٢

وأما ما ادعى امتيازه به عنه وافتقار الرسول إليه - وهو موضع اللبنة
الذهبية - فزعم أنه يأخذه عن المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به
إلى الرسول.
فهذا كما ترى فى حال هذا الرجل ، وتعظيم بعض المتأخرين له.
وصرح الغزالى بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة
أحب إليه من قتل مائة كافر ، لأن ضرر هذا فى الدين أعظم .
ولا نطيل الكلام فى هذا المقام لأنه ليس المقصود هنا.
وأيضاً فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم شرعية سمعية ، لا تطلق بمجرد
الرأى ، فهم فى الامتناع من هذه الأسماء أحق بالعذر من امتنع من تسمية
صفاته أعراضاً .
وذلك أن الصفات التى لنا : منها ما هو عرض كالعلم والقدرة ، ومنها
ماهو جسم وجوهر قائم بنفسه ، كالوجه واليد ، وتسمية هذه جوارح وأعضاء
أخص من تسميتها أجساماً ، لما فى ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع
والتصرف ، وجواز التفريق والبعضية .
١٧٣

الوجه الرابع
أن هذا السؤال لا يختص بهؤلاء ، بل إثبات جنس هذه الصفات قد اتفق
عليه سلف الأمة وأئمتها ، من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة ، وأئمة
أهل الكلام من الكلابية والكرامية والأشعرية ، كل هؤلاء يثبتون لله صفة
الوجه واليد ونحو ذلك.
وقدذكر الأشعرى فى كتاب المقالات أن هذا مذهب أهل الحديث،
وقال : إنه به يقول .
فقال فى (جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث): ((جملة مقالة أهل
السنة وأصحاب الحديث : الإقرار بكذا وكذا ، وأن الله على عرشه استوى،
وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ( خَلَقْتُ بِيَدََّ)، وكما قال: (بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ )، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ( تَجْرِى بِأَعْيُذِنَا)، وأن له
وجهاً، كما قال: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ).
وقد قدمنا فيما تقدم أن جميع أئمة الطوائف هم من أهل الإثبات ، وما من
شىء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود فى الحنبلية - سواء كان الصواب فيه
مع المثبت أو مع النافى ، أو كان فيه تفصيل - إلا وذلك موجود فيما شاء الله
١٧٤

من أهل الحديث والصوفية ، والمالكية والشافعية ، والحنفية ونحوهم ؛ بل
هو موجود فى الطوائف التى لا تنتحل السنة والجماعة ، والحديث، ولا مذهب
السلف مثل الشيعة وغيرهم ، ففيهم فى طرفى الإثبات والنفى ما لا يوجد
فى هذه الطوائف.
وكذلك فى أهل الكتابين - أهل التوراة والإنجيل - توجد هذه المذاهب
المتقابلة فى النفي والإثبات ، وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل
فى النفى والإثبات، حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة الصفاتية،
ولكن جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب : من الذين آمنوا واليهود
والنصارى والصابئة المهتدين ، وجنس النفى على غير المتبعين للرسل أغلب :
من المشركين والصابئة المبتدعة .
وقد ذكرنا فى غير هذا الجواب ، مذهب سلف الأمة وأمتها بألفاظها
وألفاظ من نقل ذلك من جميع الطوائف: بحيث لا يبقى لأحد من الطوائف
اختصاص بالإثبات .
ومن ذلك : ما ذكره شيخ الحرمين : أبو الحسن محمد بن عبد الملك
الكرجى فى كتابه الذى سماه ((الفصول فى الأصول عن الائمة الفحول، إلزاماً
لذوى البدع والفضول ، وكان من أئمة الشافعية - ذكر فيه من كلام الشافعى،
ومالك ، والثورى ، وأحمد بن حنبل ، والبخارى - صاحب الصحيح -
١٧٥

وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعى ، والليث بن سعد ،
وإسحق بن راهوية فى أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم.
وذكر فى تراجهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم فى الإسلام ، وذكر
(« أنه اقتصر فى النقل عنهم - دون غيرهم - لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقاً
وغرباً إلى مذاهبهم ، ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم ،
وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها : من جودة الحفظ والبصيرة ، والفطنة
والمعرفة بالكتاب، والسنة، والإجماع والسند والرجال، والأحوال، ولغات
العرب، ومواضعها، والتاريخ ، والناسخ ، والمنسوخ ، والمنقول،
والمعقول، والصحيح، والمدخول فى الصدق ، والصلابة ، وظهور الأمانة ،
والديانة: ممن سواهم)) .
قال: ((وإن قصر واحد منهم فى سبب منها جبر تقصيره قرب عصره
من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم
من الأئمة - وإن كانوا فى منصب الإمامة - لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه
مجملا من شرائطها، إذ ليس هذا موضعاً لبيانها)).
قال: ((ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه ، فنقول : إن فى النقل عن
هؤلاء إلزاماً للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه فى العقيدة ، فإن أحدهما
لا محالة يضلل صاحبه ، أو يبدعه، أو يكفره ، فانتحال مذهبه - مع مخالفته
١٧٦

له فى العقيدة - مستنكر والله شرعا وطبعاً، فمن قال: أنا شافعى الشرع ، أشعرى
الاعتقاد ، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد ، إذ لم يكن الشافعى
أشعرى الاعتقاد . ومن قال : أنا حنبلى فى الفروع ، معتزلى فى الأصول ،
قلنا : قد ضللت إذاً عن سواء السبيل فيما تزعمه ، إذ لم يكن أحمد معتزلى الدين
والاجتهاد )).
قال: ((وقد افتتن أيضاً خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه والله
سبة وعار ، وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار ، على منتحل مذاهب
هؤلاء الأئمة الكبار ، فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم: الجهمية ، والمعتزلة
والقدرية والواقعية ، وتكفيرهم اللفظية )).
وبسط الكلام فى مسألة اللفظ، إلى أن قال -: ((فأما غير ما ذكر ناه من
الأئمة: فلم ينتحل أحد مذهبهم ، فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم).
قال: ((فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذاً على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل
اختياره من أصحاب الحديث ، وهم الأئمة : الشافعى ، ومالك ، والثورى ،
وأحمد، إذلا نرى أحداً ينتحل مذهب الأوزاعى والليث وسائرهم؟.
- قلنا: لأن من ذكرناه من الأئمة - سوى هؤلاء - أرباب المذاهب فى
الجملة ، إذ كانوا قدوة فى عصرهم ، ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت
مذاهب الأئمة المعتبرة . وذلك أن ابن عيينة كان قدوة ، ولكن لم يصنف فى
١٧٧

الذى كان يختاره من الأحكام، وإنما صنف أصحابه ، وهم الشافعى ، وأحمد
وإسحق ، فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم.
وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه، قال الشافعى: « لم يرزق
الأصحاب )) إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثورى لا يخطئهما ؛ فاندرج
مذهبه تحت مذهبهما.
وأما الأوزاعى فلا نرى له فى أعم المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك،
أو قول الثورى أو قول الشافعى : فاندرج اختياره أيضاً تحت اختيار هؤلاء.
وكذلك اختيار إسحق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما .
قال: ((فإن قيل : فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان فى اندراج
مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة ؟ قلت : من التعليقة للشيخ أبى حامد
الإسفرائينى ، التى هى ديوان الشرائع ، وأم البدائع : فى بيان الأحكام،
ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحجج العظام؛ فى المختلف والمؤتلف .
قال: ((وأما اختيار أبى زرعة، وأبى حاتم فى الصلاة والأحكام - مما
قرأته وسمعته من مجموعيهما - فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور.
وأما البخارى فلم أر له اختياراً ، ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول :
استنبط البخارى فى الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحق.
فلهذه المعانى نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم ، دون غيرهم ، إذهم أرباب
١٧٨

المذاهب فى الجملة، ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط إلا مامة، وليس من
سواهم فى درجتهم ، وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرم .
ثم ذكر بعد ذلك ( الفصل الثانى عشر): فى ذكر خلاصة تحوى مناصيص
الأئمة بعد أن أفرد لكل منهم فصلا - قال: ((لما تتبعت أصول ما صح لى
روايته ، فعثرت فيها بما قد ذكرت من عقائد الأئمة ، فرتبتها عند ذلك على ترتيب
الفصول التى أثبتها، وافتتحت كل ((فصل)، بنيف من المحامد، يكون لإمامتهم
إحدى الشواهد، داعية إلى اتباعهم، ووجوب وفاقهم، وتحريم خلافهم وشقاقهم،
فإن اتباع من ذكر ناه من الأئمة فى الأصول فى زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذى
يبلغنا عن الصحابة والتابعين ، إذ لا يسع مسلما خلافه ، ولا يعذر فيه ، فإن الحق
لا يخرج عنهم، لأنهم الأدلاء، وأرباب مذاهب هذه الأمة، والصدور والسادة،
والعلماء القادة، أولوا الدين والديانة، والصدق والأمانة، والعلم الوافر، والاجتهاد
الظاهر ولهذا المعنى اقتدوا بهم فى الفروع، جعلوهم فيها وسائل بينهم وبين اللّه،
حتى صاروا أرباب المذاهب فى المشارق والمغارب ، فليرضوا كذلك بهم فى
الأصول فيما بينهم وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه)) .
قال: (( فإنا نعلم قطعاً أنهم أعرف قطعاً بما صح من معتقد رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم وأصحابه من بعده، لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة
ولقرب عصرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كما بيناه فى
أول الكتاب )) .
١٧٩

قال: ((ثم أردت - ووافق مرادى سؤال بعض الإخوان - أن أذكر
خلاصة مناصيصهم متضمنة بعض ألفاظهم . فإنها أقرب إلى الحفظ ، وهى اللباب
لما ينطوى عليه الكتاب ، فاستعنت بمن عليه التكلان ، وقلت: إن الذى آثرناه
من مناصيصهم يجمعه فصلان :- أحدهما: فى بيان السنة وفضلها . والثانى : فى
مجران البدعة وأهلها .
أما الفصل الأول: فاعلم أن ((السنة)) طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والتسنن بسلوكها وإصابتها، وهى ((أقسام ثلاثة)»: أقوال، وأعمال، وعقائد.
فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة . والأفعال: مثل سنن الصلاة
والصيام والصدقات المذكورة، ونحو السير المرضية، والآداب المحكية، فهذان
القسمان فى عداد التأكيد والاستحباب ، واكتساب الأجر والثواب. والقسم
الثالث : سنة العقائد، وهى من الإيمان إحدى القواعد ) .
قال: ((وها أناذا أذكر بعون الله خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا، وأضيف
إليه ما دون فى كتب الأصول مما لم يبلغنى عنهم مطلقا ، وأرتبها مرشحة . وببعض
مناصيصهم موشحة ، بأوجز لفظ على قدر وسعى ، ليسهل حفظه على من يريد
أن يعى ، فأقول :
ليعلم المستن أن سنة العقائد على «ثلاثة أضرب)»: ضرب يتعلق بأسماء الله،
وذاته ، وصفاته. وضرب يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته،
وضرب يتعلق بأهل الإسلام فى أولاهم وأخراهم .
١٨٠