النص المفهرس

صفحات 121-140

الصفات لبعض الملائكة ، وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم وأعدادهم
فى غاية القلة ، أقل ما يؤمن به السامرة من الأنبياء بالنسبة إلى الأنبياء ؛ إذهم
لا يؤمنون بنی بعد موسى ويوشع.
كيف؟ وهم لم يثبتوا للملائكة من الصفة إلا مجرد ما علموه من نفوسهم
مجرد العلم للعقول ، والحركة إلارادية للنفوس.
ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم ، والأحوال ، والإرادات ،
والأعمال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال ، ووصفهم فى القرآن بالتسبيح والعبادة
لله أكثر من أن يذكر هنا، كما ذكر تعالى فى خطابه للملائكة، وأمره لهم
بالسجود لآدم .
وقوله تعالى : (فَإِنِ آَسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ )، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَرَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَهُ يَسْجُدُونَ)، وقوله تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ
سُبْحَتَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ *
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ
* * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيِهِ جَهَنَّمٌّ كَذَلِكَ نَجْرِى الَّالِمِينَ)
وقوله تعالى : ( اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلَّا وَمِنَ النَّاسَِّ) ، وقوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ
١٢١

لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ). وقوله تعالى: (كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتَبِّكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ).
وقوله تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
اُلْمَلَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَّإِن تَصْبِرُ واْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُم
( إِذْيُوحِی
وقوله تعالى :
بِخَمْسَةِءَالَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ).
رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَِّتُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ ) . وقوله تعالى :
(ثُمََّلَ اللهُ
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّوْتَرَوْهَا).
وقال تعالى :
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَذْكُرُوَأْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَ تْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحًا وَحُنُودَّا لَّمْ تَرَوَهَا )
وقوله تعالى: (وَلَوْتَرَىّ إِذْيَتَوَىالَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ )
، وقوله تعالى :
( الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِِّينَ يَقُولُونَ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
قَالُواْرَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَمُوْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلََّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ
بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ)، وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا
وَهُمْ لَايُفَرِّطُونَ) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَنَوَقََّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ) :
وقوله تعالى: (فِ سُفِ تُكَرَّمَةٍ * تَرْفُوعَةِ مُطَهَّرَقِ * بِأَيَدِى سَفَرَةِ * كِرَامِبَ ) .
وقوله تعالى: ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْلَفِظِينَ * كِرَامًا كَئِينَ * يَعْلَمُونَ مَاتَفْعَلُونَ )
تعالى: ( أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّ لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ بَى وَرُسُنَالَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ)
وقوله
وقوله تعالى: (مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقوله تعالى: (وَالصَّفَّتِ صَفًّا *
(فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ الْبَنَاتُ
وقوله تعالى :
فَلَّجِرَتِ زَحْرًا * فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا )
١٢٢

وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَنَّاوَهُمْ شَهِدُونَ * أَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ
لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَلِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ - إلى قوله تعالى - وَإِنَّالَنَحْنُ الصَّافُونَ * وَإِنَّ ◌َنَحْنُ
الَُِّّْحُونَ ).
وفى الصحيحين عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا
تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قال: يتمون الصف الأول ، ويتراصون
فى الصف)) ، وفى الصحيحين عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة
فى حديث المعراج عن النبى صلى الله عليه وسلم - لما ذكر صعوده إلى السماء
السابعة - قال: ((فرفع لى البيت المعمور؛ فسألت جبريل؟ فقال: هذا
البيت المعمور ، يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك؛ إذا خرجوا لم يعودوا
آخر ما عليهم)) .
وقال البخارى : وقال همام عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أمن القارئ فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه
تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » ، وفى الرواية الأخرى فى الصحيحين
اذا قال: «آمين ، فإن الملائكة فى السماء تقول: آمين ».
وفى الصحيح أيضاً عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده ؛ فقولوا : اللهم ربنا
ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) ؛ وفى
١٢٣

الصحيح عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أنها سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الملائكة تنزل فى العنان
- وهو السحاب - فتذكر الأمر قضى فى السماء ، فتسترق الشياطين
السمع ، فتسمعه ؛ فتوحيه إلى الكهان ، فيكذبون معها مائة كذبة من
عند أنفسهم)).
وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله
ملائكة سيارة فضلاء ، يتبعون مجالس الذكر . فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر
قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم ، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء
الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله - وهو أعلم -
من أين جتم ؟ فيقولون : جئنا من عند عباد لك فى الأرض يسبحونك
ويكبرونك، ويهللونك ويحمدونك، ويسألونك. قال: وما يسألونى؟ قالوا:
يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتى؟ قالوا: لا، أى رب، قال: فكيف
لو رأوا جنتى؟ قالوا : ويستجيرونك . قال : ومم يستجيروننى ؟ قالوا : من
نارك . قال : وهل رأوا نارى ؟ قالوا : يا رب لا. قال: فكيف لو رأوا
نارى ؟ قالوا : ويستغفرونك . قال فيقول : قد غفرت لهم ، وأعطيتهم
ما سألوا ، وأجرتهم مما استجاروا ، قال : يقولون : رب فيهم فلان عبد
خطَّاء، إنما مر جلس معهم . قال : فيقول : وله قد غفرت ، هم القوم
لا يشقى بهم جليسهم» .
١٢٤

وفى الصحيحين عن عروة عن عائشة حدثته: أنها قالت للنبي صلى الله عليه
وسلم: ((هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك
ما لقيت : وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسى على ابن عبد
یالیل بن عبد کلال ، فلم يجنی إلی ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهی،
فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسى ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى ،
فنظرت فإذا فيها جبريل ، فنادانى ، فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما
ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فنادانى
ملك الجبال ، فسلم على ، ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فما شئت ، إن شئت
أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج
الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)).
وأمثال هذه الأحاديث الصحاح مما فيها ذكر الملائكة الذين فى السموات
وملائكة الهواء والجبال وغير ذلك كثيرة .
وكذلك الملائكة المتصرفون فى أمور بنى آدم ، مثل قوله صلى الله عليه
وسلم فى الحديث المتفق عليه - حديث الصادق المصدوق - إذ يقول: ((ثم
يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال: ١ كتب رزقه ، وأجله ، وشقى
أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح » وفى الصحيح حديث البراء بن عازب قال: قال
النبى صلى الله عليه وسلم لحسان: (اجهم - أوهاجهم - وجبريل معك))،
وفى الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((أجب عنى، اللهم أيده
١٢٥

بروح القدس))، وفى الصحيح عن أنس قال: «كأنى أنظر إلى غبار ساطع فى
سكة بنى غنم موكب جبريل » ، وفى الصحيحين عن عائشة: أن الحارث بن
هشام قال: (( يا رسول الله! كيف يأتيك الوحى؟ قال: أحيانا يأتينى مثل
صلصلة الجرس ، وهو أشده على ، فيفصم عنى وقد وعيت ما قال ، وأحيانا
يتمثل لى الملك رجلا ، فيكلمنى ، فأعى ما يقول)).
وإتيان جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم تارة فى صورة أعرابى، وتارة
فى صورة دحية الكلبى ، ومخاطبته وإفراؤه إياه كثيراً : أعظم من أن
يذكر هنا .
وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال النى صلى الله عليه وسلم: ((يتعاقبون
فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الفجر والعصر ، ثم
يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ، ربهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم
عبادى؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون)).
وفى الصحيحين عن عائشة قالت: ((حشوت للنبى صلى الله عليه وسلم
وسادة فيها تماثيل ، كأنها نمرقة ، فجاء فقام ، وجعل يتغير وجهه ، فقلت :
ما لنا يا رسول الله؟ قال: ما بال هذه الوسادة ؟ قالت : وسادة جعلتها لك
لتضطجع عليها، قال: ((أما علمت أن الملائكه لا تدخل بيتا فيه صورة ، إن
من صنع الصور يعذب يوم القيامة يقال: أحيوا ما خلقتم» ، وفى الصحيحين
١٢٦

عن ابن عباس قال : سمعت أبا طلحة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل)).
وكذلك فى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: ((وعد النبى صلى الله عليه
وسلم جبريل ، فقال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة)) . وفى الصحيحين
عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الملائكة تصلى على أحدكم
ما دام فى مصلاه الذى صلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث)).
وأمثال هذه النصوص ، التى يذكر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم
وأفعالهم: ما يمنع أن تكون على مايذكرونه من ((العقول، والنفوس، أو أن يكون
جبريل هو ((العقل الفعال)) وتكون ملائكة الآدميين هى القوى الصالحة ،
والشياطين هى القوى الفاسدة ، كما يزعم هؤلاء.
وأيضاً فزعمهم أن العقول والنفوس - التى جعلوها الملائكة ، وزعموا
أنها معلولة عن اللّه صادرة عن ذاته صدور المعلول عن علته - هو قول بتولدها
عن اللّه. وأن اللّه ولد الملائكة. وهذا مما رده الله ونزه نفسه عنه، وكذب
قائله ، وبين كذبه بقوله: ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ)،
وقال تعالى : (أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَلِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ
عَلَى الْبَنِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ * أَفَلَاتَذَّكَُّونَ * أَمْ لَكُرْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأَنُواْبِكِنَبِّكُمْ إِنَ كُمْ
صَدِقِينَ )، وبقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَّهُمْ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَنَكَتٍ بِغَيْرِ عِلٍّ
١٢٧

سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ)،
وقوله تعالى: (وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أْسُبْحَتَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ.
◌ِاَلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلََّ لِمَنْ
(لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ )، وقال تعالى:
أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ)، وقال تعالى: (وَقَالُواْ أَمَّخَذَ الرَّحْمَنُ
وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ اَلِبَالُ
هَذَّا * أَنْ دَعَوْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَايَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَوَلَدًّا * إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ إِلَّ مَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَنُهُ وَعَذَّهُمْ عَدَّا * وَكُلَّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).
فأخبر أنهم معبدون . أى مذللون مصرفون ، مدينون مقهورون ، ليسوا
كالمعلول المتولد تولدا لازما لا يتصور أن يتغير عن ذلك. وأخبر أنهم عباد الله،
لا يشبهون به كما يشبه المعلول بالعلة، والولد بالوالد، كما يزعمه هؤلاء الصابون.
وقال تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَّةٌ بَل لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ.
قَائِنُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَى أَخْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
، فأخبر أنه يقتضى كل شىء بقوله ((كن)) لا بتولد المعلول عنه.
وكذلك قال سبحانه: (وَجَعَلُو ◌ْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمِّ وَخَقُواْلَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ
عِلٍَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْتَكُن
لَُّ صَِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ).
١٢٨

فأخبر أن التولد لا يكون إلا عن أصلين، كما تكون النتيجة عن مقدمتين،
وكذلك سائر المعلولات المعلومة لا يحدث المعلول إلا باقتران ما تتم به العلة.
فأما الشىء الواحد وحده فلا يكون علة ولا والداً قط ، لا يكون شىء فى هذا
العالم إلا عن أصلين ، ولو أنهما الفاعل والقابل ، كالنار والحطب ، والشمس
والأرض ، فأما الواحد وحده فلا يصدر عنه شىء ولا يتولد .
فبين القرآن أنهم أخطأوا طريق القياس فى العلة والتولد ، حيث جعلوا
العالم يصدر عنه بالتعليل والتولد. وكذلك قال: ( وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ
نَذَكَّرُونَ )؟ خلاف قولهم: إن الصادر عنه واحد. وهذا وفاء بما ذكره
الله تعالى من قوله: (وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْتَكَ بِآلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا)،
اذ قد تكفل بذلك فى حق كل من خرج عن اتباع الرسول ، فقال تعالى :
، [فذكر] الوحدانية
(تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا)
والرسالة إلى قوله: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *
يَوَيَِّ لَيْنِى لَمْ أَمَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا * لَّقَدْأَ ضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَفِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ) ، فكل من خرج عن اتباع الرسول فهو ظالم بحسب
ذلك . والمبتدع ظالم بقدر ما خالف من سنته (وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّقَوْمِى أَتَّخَذُواْ
هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينُ وَكَفَى بِرَبِكَ هَادِیًا
وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِتُنَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَفٌ
١٢٩

وَرَثََّْهُ تَرْئِيلًاً وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَِّثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا).
وهؤلاء الصابتة قد أتوا بمثل، وهو قولهم: «الواحد لا يصدر عنه ويتولد
عنه إلا واحد ، والرب واحدفلا يصدر عنه إلا واحد يتولد عنه» فأتى الله بالحق
وأحسن تفسيراً، وبين أن الواحد لا يصدر عنه شىء، ولا يتولد عنه شىء أصلا،
وأنه لم يتولد عنه شىء ، ولم يصدر عنه شىء ، ولكن خلق كل شىء خلقا ،
وأنه خلق من كل شىء زوجين اثنين . ولهذا قال مجاهد - وذكره البخارى
فى صحيحه - فى الشفع والوتر: ((أن الشفع هو الخلق، فكل مخلوق
له نظير، والوتر هو اللّه الذى لا شبيه له)) فقال: (أَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ
الَُّ صَحِبَةٌ).
العلل والمتولدات فى الموجودات
وذلك أن الآثار الصادرة عن
لا بد فيها من شيئين (أحدهما): يكون كالأب. (والآخر): يكون كالأم
القابلة . وقد يسمون ذلك الفاعل والقابل كالشمس مع الأرض ، والنار
مع الخطب ، فأما صدور شىء واحد عن شىء واحد ، فهذا لا وجود له فى
الوجود أصلا.
وأما تشبيههم ذلك بالشعاع مع الشمس، وبالصوت - كالطنين - مع الحركة
والنقر ، فهو أيضاً حجة لله ورسوله والمؤمنين عليهم. وذلك: أن الشعاع إن
١٣٠

أريد به نفس ما يقوم بالشمس : فذلك صفة من صفاتها ، وصفات الخالق
ليست مخلوقة ، ولا هى من العالم الذى فيه الكلام.
وإن أريد بالشعاع ما ينعكس على الأرض : فذلك لا بد فيه من شيئين وهو
الشمس التى تجرى مجرى الأب الفاعل ، والأرض التى تجرى مجرى الأم
القابلة. وهى الصاحبة للشمس .
وكذلك الصوت لا يتولد إلا عن جسمين يقرع أحدهما الآخر، أو يقلع
عنه، فيتولد الصوت الموجود فى أجسام العالم عن أصلين يقرع أحدهما الآخر،
أو يقلع عنه .
فهما احتجوا به من القياس، فالذى جاء الله به هو الحق وأحسن تفسيراً،
وأحسن بيانا وإيضاحا للحق وكشفا له .
وأيضا جعلها علة تامة لما تحتها ، ومؤكدة له، وموجبة له حتى يجعلونها
مبادئنا، ويجعلونها لنا كالآباء والا مهات، وربما جعلوا العقل هو الاب،
والنفس هى الام. وربما قال بعضهم: ((الوالدان) العقل والطبيعة، كما قال
صاحب الفصوص فی قول نوح( آغْفِرْلی وَلِولِدى ) أی من کنت نتيجة عنهما،
وهما العقل والطبيعة . وحتى يسمونها الأرباب والآلهة الصغرى ، ويعبدونها.
وهو كفر مخالف لما جاءت به الرسل.
١٣١

وبهذا وصف بعض السلف الصابئة بأنهم يعبدون الملائكة . وكذلك فى
الكتب المعربة عن قدمائهم: أنهم كانوا يسمونها الآلهة والأرباب الصغرى ،
كما كانوا يعبدون الكواكب أيضاً .
والقرآن ينفى أن تكون أربابا ، أو أن تكون آلهة ، ويكون لها غير ما
للرسول الذى لا يفعل إلا بعد أمر مرسله ، ولا يشفع إلا بعد أن يؤذن له فى
الشفاعة . وقد رد اللّه ذلك على من زعمه من العرب والروم وغيرهم من الأمم،
فقال تعالى: ( وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْمَئِكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَأَبَا أَيَأْ مُرَّكُم بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نْتُمُ
*
تُسْلِمُونَ ) وقال تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُواْالَّذِينَ
زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِ كُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا
مِن ◌ِشِرَاءٍ وَمَالَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لَّهُ، حَتَّى إِذَا فُزَعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْقَالُواْمَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَالْعَلِىُّالْكَبِيرُ).
وقد تقدم بعض الأحاديث فى صعق الملائكة إذا قضى الله بالأمر الكونى
أو بالوحى الدينى .
وقال تعالى: (وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ
لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىّ)، وقال تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) الآية.
١٣٢

وقال تعالى : ( وَمَانَتَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِرَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينًا وَمَا خَلْفَنَا وَمَابَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ
رَبُّكَ نَسِيًّا)، وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )، نزلت الآية فى الذين يدعون
الملائكة والنيين .
واستقصاء القول فى ذلك ليس هذا موضعه .
فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ((بجوامع الكلم)). فالكلم التى
فى القرآن جامعة محيطة، كاية عامة لما كان متفرقاً منتشراً فى كلام غيره . ثم إنه
يسمى كل شىء بما يدل على صفته المناسبة للحكم المذكور المبين ، وما يبين
وجه دلالته .
فإن تنزيهه نفسه عن الولد والولادة واتخاذ الولد : أعم وأقوم من نفيه
بلفظ العلة. فإن العلة أصلها التغيير، كالمرض الذى يحيل البدن عن صحته، والعليل
عند الصحيح. وقد قيل: إنه لا يقال (( معلول )) إلا فى الشرب، يقال: شرب
الماء علا بعد نهل ، وعللته إذا سقيته مرة ثانية .
وأما استعمال اسم (( العلة)) فى الموجب للشىء أو المقتضى له فهو من عرف
أهل الكلام ، وهى - وإن كان بينهما وبين العلة اللغوية مناسبة من جهة التغير -
فالمناسبة فى لفظ ((التولد)) أظهر. ولهذا كان فى الخطاب أشهر. يقول الناس:
١٣٣

هذا الأمر يتولد عنه كذا، وهذا يولد كذا ، وقد تولد عن ذلك الأمر
كيت وكيت : لكل سبب اقتضى مسبياً من الأقوال والأعمال ، حتى
أهل الطبائع يقولون: ((الأركان والمولدات)) ، يريدون ما يتولد عن
الأصول الأربعة - التراب ، والماء ، والهواء ، والنار - من معدن ،
ونبات ، وحيوان.
فنفيه سبحانه عن نفسه أن يلد شيئا اقتضى أن لا يتولد عنه شىء ، ونفيه
أن يتخذ ولدا يقتضى أنه لم يفعل ذلك بشىء من خلقه على سبيل التكريم، وأن
العباد لا يصلح أن يتخذ شيئاً منهم بمنزلة الولد . وهذا يبطل دعوى من يدعى
مثل ذلك فى المسيح وغيره ، ومن يقول: ( غَحْنُ أَبْنَؤُ اللَّهِ)، ومن يقول:
الفلسفة هى التشبه بالإله . فإن الولد يكون من جنس والده ويكون نظيراً له ،
وإن كان فرعا له . ولهذا كان هؤلاء القائلون بهذه المعانى من أعظم الخلق قولا
بالتشبيه والتمثيل ، وجعل الأنداد له والعدل والتسوية . ولهذا كانت الفلاسفة
الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على وجه التولد والتعليل يجعلونها له
أنداداً ، ويتخذونها آلهة وأرباباً ، بل قد لا يعبدون إلا إياها ، ولا يدعون
سواها ، ويجعلونها هى المبدعة لما سواها ما تحتها.
فالحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك. و(تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْيَتَّخِذْ وَلَدًا
١٣٤

وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍفَقَدَرَهُ نَقْدِيرً) (١)
فإن هؤلاء جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ، وخرقوا له بنین وبنات بغير
علم و ((الجن)) قد قيل: إنه يعم الملائكة؛ كما قيل فى قوله: (وَجَعَلُواْبَيْنَهُ، وَبَيْنَ اُلِنَّةِ
نَسَبًا) وإن كان قد قيل فى سبب ذلك: زعم بعض مشركى العرب : أن الله صاهر
إلى الجن فولدت الملائكة . فقد كانوا يعبدون الملائكة أيضاً ، كما عبدتها الصابئة
الفلاسفة، كما قال تعالى: (وَجَعَلُواْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّا أَشَهِدُواْ
خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَ تُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)؛ وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَعَاتُمَ يَقُولُ
لِلْمَلَبِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمُكَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَّ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ )؛ يعنى أن الملائكة لم تأمرهم بذلك ، وإنما
أمرتهم بذلك الجن ، ليكونوا عابدين للشياطين التى تتمثل لهم، كما يكون
للأصنام شياطين .
وكما تنزل الشياطين على بعض من يعبد الكواكب ويرصدها ، حتى تنزل
عليه صورة فتخاطبه. وهو شيطان من الشياطين .
ولهذا قال تعالى: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّءَا دَمَ أَنْ لَّ تَعْبُدُ واْالشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّمُبِينٌ * وَأَنِ أَعْبُدُونِيِّ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُرْجِبِلًا كَثِيرًاً أَفَلَمَ
(١) بهامش الأصل: هنا متروك محل خمسة أسطر. قال في المسودة: يتلوه
الوريقة ، ولم نجدها .
١٣٥

تَكُونُواْتَعْقِلُونَ ) وقال: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
بِئْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا ) ، فهم وإن لم يقصدوا عبادة الشيطان وموالاته ، ولكنهم
فى الحقيقة يعبدونه ويوالونه .
فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المبتدعة مؤمنون بقليل مما جاءت
به الرسل فى أمر الملائكة ؛ فى صفتهم وأقدارهم .
وذلك : أن هؤلاء القوم إنما سلكوا سبيل الاستدلال بالحركات الفلكية
والقياس على نفوسهم ؛ مع ما جحدوه وجهلوه من خلق الله وإبداعه .
وسبب ذلك: ما ذكره طائفة ممن جمع أخبارهم: أن أساطينهم الأوائل :
كفيثاغورس ، وسقراط ؛ وأفلاطون ، كانوا يها جرون إلى أرض الأنبياء
بالشام، ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسلمان ، وأن
أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء؛ ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند
سلفه . وكان عنده قدر يسير من الصابئية الصحيحة ، فابتدع لهم هذه التعاليم
القياسية ، وصارت قانوناً مشى عليه أتباعه ، واتفق أنه قد يتكلم فى طبائع
الأجسام، أو فى صورة المنطق أحياناً بكلام صحيح .
((وأما الأولون» فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع، بمنزلة مبتدعة المتكلمين
فى المسلمين، مثل: أبى الهذيل، وهشام بن الحكم، ونحوهما ، من وضع مذهباً
١٣٦

فى ((أبواب أصول الدين)) فاتبعه على ذلك طائفة. إذ كان أئمة المسلمين - مثل
مالك ، وحماد بن زيد، والثورى، ونحوهم - إنما تكلموا بما جاءت به الرسالة
وفيه الهدى والشفاء ، فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين : يعتاض عنه بما عند
هؤلاء . وهذا سبب ظهور البدع فى كل أمة ، وهو خفاء سنن المرسلين فيهم .
وبذلك يقع الهلاك .
ولهذا كانوا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ، قال مالك رحمه الله:
(((السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك))، وهذا حق.
فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم ، وأن من لم يركبها فقد
كذب المرسلين . واتباع السنة هو اتباع الرسالة التى جاءت من عند اللّه، فتابعها
بمنزلة من ركب مع نوح السفينة باطناً وظاهراً. والمتخلف عن اتباع الرسالة ،
بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح عليه السلام وركوب السفينة معه .
وهكذا إذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم
التى فيها ضلال وكفر، وجد القرآن والسنة كاشفان لأحوالهم، مبينان لحقهم ،
ميزان بين حق ذلك وباطله. والصحابة كانوا أعلم الخلق بذلك ، كما كانوا أقوم
الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: ((من كان منكم
مستناً فليستن بمن قد مات ، فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة . أولئك أصحاب محمد :
كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، قوم اختارهم الله
١٣٧

لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على
الهدى المستقيم )).
فأخبر عنهم بكال بر القلوب، مع كمال عمق العلم. وهذا قليل فى المتأخرين،
كما يقال: ((من العجائب فقيه صوفى، وعالم زاهد، ونحو ذلك . فإن أهل
برّ القلوب وحسن الإرادة وصلاح المقاصد يحمدون على سلامة قلوبهم من
الإرادات المذمومة، ويقترن بهم كثيراً عدم المعرفة ، وإدراك حقائق
أحوال الخلق التى توجب الذم للشر والنهى عنه ، والجهاد فى سبيل الله، وأهل
التعمق فى العلوم قد يدركون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم فى أنواع
الغى والضلالات ، وأصحاب محمد كانوا أبر الخلق قلوباً وأعمقهم علماً .
ثم إن أكثر المتعمقين فى العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف
المذموم من المتكلمين والمتعبدين : وهو القول والعمل بلا علم ، وطلب
مالا يدرك . وأصحاب محمد كانوا - مع أنهم أكمل الناس علماً نافعاً وعملا
صالحاً - أقل الناس تكلفاً، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة
أو من المعارف، ما يهدى الله بها أمة، وهذا من منن الله على هذه الأمة. وتجد
غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات ، ما هو من أعظم الفضول
المبتدعة ، والآراء المخترعة ، لم يكن لهم فى ذلك سلف إلا رعونات النفوس
المتلقاة ممن ساء قصده فى الدين .
١٣٨

ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: «إنى سأخلق أمة أفضلها على كل أمة،
وليس لها علم ولا حلم، فقال المسيح: أى رب، كيف تفضلهم على جميع الأمم،
وليس لهم علم ولا حلم؟ قال : أهبهم من على وحلى)) ، وهذا من خواص
متابعة الرسول. فأيهم كان له أتبع كان فى ذلك أكمل ، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا
تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِّئَلَيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلََّيَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ
ج
مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
وکذلك فی الصحیحین من حديث أبى موسى وعبد الله بن عمر « مثلنا
ومثل الأمم قبلنا : كالذى استأجر أجراء ، فقال: من يعمل لى إلى نصف النهار
على قيراط قيراط ؟ فعملت اليهود ؛ ثم قال . من يعمل لى إلى صلاة العصر على
قيراط قيراط؟ فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لى إلى غروب الشمس على
قيراطين قيراطين ؟ فعملت المسلمون . فغضبت اليهود والنصارى . وقالوا : نحن
أكثر عملا وأقل أجراً؟ قال: فهل ظلتكم من حقكم شيئاً ؟ قالوا : لا، قال:
فهو فضلى أوتيه من أشاء )) .
فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتى أتباع هذا الرسول من فضله ما لم
يؤته لأهل الكتابين قبلهم ، فكيف بمن هو دونهم من الصابئة ؟ دع مبتدعة
الصابئة من المتفلسفة ونحوهم.
١٣٩

ومن المعلوم: أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول واتباعه . فلهم من
فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم، كما قال
بعض السلف: ((أهل السنة فى الإسلام كأهل الإسلام فى الملل )).
فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة فى
العلم والبيان ، أو اليد والسنان . وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام.
والمقصود: التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله : أن طائفة
غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية فى أمر الخلق والبعث
والمبدأ والمعاد ، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر ، وتعرف واجب الوجود
والنفس الناطقة والعلوم، والأخلاق التی تز کو بها النفوس وتصلح و تكمل دون
أهل الحديث ، فهو - إن كان من المؤمنين بالرسل - فهو جاهل ، فيه شعبة قوية
من شعب النفاق، وإلا فهو منافق خالص من الذين (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْ مِنُ كَمَآءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ)، وقد
يكون من ( الَّذِينَ يُجَدِ لُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ)، ومن ( الَّذِينَ
يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ◌ُّنُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَرَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ
عَذَابٌ شَدِيدٌ).
وقد يبين ذلك بالقياس العقلى الصحيح الذی لا ريب فيه -وإن كان ذلك
ظاهراً بالفطرة لكل سليم الفطرة - فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم
١٤٠