النص المفهرس
صفحات 41-60
وإنما المقصود هنا : أن الإنسان محس بأنه عالم : يجد ذلك ويعرفه بغير واسطة أحد ؛ كما يحس بغير ذلك . وحصول العلم فى القلب حصول الطعام فى الجسم ، فالجسم يحس بالطعام والشراب ؛ وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التى هى طعامها وشرابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وإن مأدبة اللّه هى القرآن))، وكما قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًا وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ) ، وفى الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضا، وكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير ، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من فقه فى دين اللّه، ونفعه ما بعثنى الله به من الهدى والعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به )). فضرب مثل الهدى والعلم الذى ينزل على القلوب بالماء الذى ينزل على الأرض. وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر، فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم . هذا رزق القلوب وقوتها ، وهذا رزق الأجساد وقوتها ، قال الحسن ٤١ البصرى فى قوله تعالى: (وَمَارَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ) قال: ((إن من أعظم النفقة نفقة العلم)، أو نحو هذا الكلام، وفى أثر آخر: ((نعمت العطية، ونعمت الهدية : الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم)). وفى أثر آخر عن أبى الدرداء : « ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخواناً له مؤمنين ، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها)) ، أو ما يشبه هذا الكلام. ١ وعن كعب بن عجرة قال: ((ألا أهدى لك هدية؟ فذكر الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم)) . وروى ابن ماجه فى سننه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علما، ثم يعلمه أخاه المسلم» وقال معاذ بن جبل: ((عليكم بالعلم ، فإن طلبه عبادة ، وتعلمه لله حسنة ، وبذله لأهله قربة ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، والبحث عنه جهاد ، ومذا کرته تسبيح » . ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شىء حتى الحيتان فى البحر ، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير ، لما فى ذلك من عموم النفع لكل شىء. وعكسه كاتموا العلم ، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، قال طائفة من السلف: ((إذا كتم الناس العلم. فعمل بالمعاصى احتبس القطر ، فتقول البهائم: اللهم عصاة بنى آدم، فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم) . وإذا كان علم الإنسان بكونه عالما مرجعه إلى وجوده ذلك ، وإحساسه فى نفسه بذلك - وهذا أمر موجود بالضرورة - لم يكن لهم أن يخبروا عما ٤٢ فى نفوس الناس : بأنه ليس بعلم بغير حجة ، فإن عدم وجودهم من نفوسهم ذلك لا يقتضى أن الناس لم يجدوا ذلك ، لا سيما إذا كان المخبرون يخبرون عن اليقين الذى فى أنفسهم ؛ عمن لا يشكون فى علمه وصدقه ومعرفته بما يقول. وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة ، وحملة الحجة ، فإنهم يخبرون بما عندهم منن اليقين والطمأنينة والعلم الضرورى، كما فى الحكاية المحفوظة عن ( نجم الدين الكبرى)) لما دخل عليه متكلمان، أحدهما، أبو عبد الله الرازى. والآخر : من متكلمى المعتزلة ، وقالا : يا شيخ! بلغنا : أنك تعلم علم اليقين. فقال: نعم ، أنا أعلم علم اليقين . فقالا : كيف يمكن ذلك ، ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر ، فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا؟ - وأظن الحكاية فى تثبيت الإسلام - فقال: ما أدرى ما تقولان . ولكن أنا أعلم علم اليقين ، فقالا : صف لنا علم اليقين ، فقال : علم اليقين - عندنا - واردات ترد على النفوس ، تعجز النفوس عن ردها ، فعلا يقولان : واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها؟! ويستحسنان هذا الجواب. وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضرورى وكسى، أو بدیهی ونظرى . فالنظرى الكسبى: لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية فتلك لا تحتاج إلى دليل، وإلا لزم الدور أو التسلسل . والعلم الضرورى: هو الذى ٤٣ يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه ، فالمرجع فى كونه ضروريا إلى أنه یعجز عن دفعه عن نفسه . فأخبر الشيخ: أن علومهم ضرورية ، وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه ، فقالا له : ما الطريق إلى ذلك ؟ فقال: تتركان ما أتما فيه ، وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة . فقال الرازى : أنا مشغول عن هذا . وقال المعتزلى : أنا قد احترق قلبى بالشبهات ، وأحب هذه الواردات ، فلزم الشيخ مدة ، ثم خرج من محل عبادته ، وهو يقوله : والله يا سيدى ، ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة - يعنى: المثبتين للصفات ؛ فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة - وذلك أنه علم علماً ضروريا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم ، وأن يكون بائنا منه له صفات تختص به ، وأن هذا الرب الذى تصفه الجهمية إنما هو عدم محض. وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبى جعفر الهمدانى لأنى المعالى الجوينى ، لما أخذ يقول على المنبر: كان اللّه ولا عرش، فقال: يا أستاذ! دعنا من ذكر العرش - يعنى: لأن ذلك إنما جاء فى السمع - أخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا ، فإنه ما قال عارف قط « يا الله ! )) إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا تلتفت يمنة ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالى على رأسه ، وقال: حيرنى الهمدانى ، حیرنی الهمدانى، ونزل . ٤٤ وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض فى ستة أيام علم بالسمع . الذى جاءت به الرسل ، كما أخبر الله به فى القرآن والتوراة . وأما كونه عالياً على مخلوقاته بائناً منهم : فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التى يشترك فيها جميع بنى آدم. وكل من كان بالله أعرف ، وله أعبد، ودعاؤه له أكثر، وقلبه له أذكر ، كان عليه الضرورى بذلك أقوى وأكمل ، فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة ، فإن الفطرة تعلم الأمر بملا، والشريعة تفصله وتبينه ، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به . فهذا هذا. والله أعلم . ٤٥ فصل والحاصل : أن كل من استحكم فى بدعته یری أن قياسه یطرد؛ لما فيه من التسوية بين المتماثلين عنده - وإن استلزم ذلك كثرة مخالفة النصوص - وهذا موجود فى المسائل العلمية الخبرية، والمسائل العملية الإرادية : تجد المتكلم قد يطرد قياسه طرداً مستمراً، فيكون [فى] ظاهر الأمر أجود ممن نقضها، وتجد المستن الذى شاركه فى ذلك القياس قد يقول ما يناقض ذلك القياس فى مواضع؛ مع استشعار التناقض تارة ، وبدون استشعاره تارة، وهو الأغلب . وربما يخيل بفروق ضعيفة فهو فى نقض علته والتفريق بين المتماثلين فيها يظهر أنه دون الأول فى العلم والخبرة وطرد القول ، وليس كذلك؛ بل هو خير من الأول . فإن ذلك القياس الذى اشتركا فيه كان فاسداً فى أصله : مخالفة النص والقياس الصحيح ، فالذى طرده أكثر فساداً وتناقضاً من هذا الذى نقضه . وهذا شأن كل من وافق غيره على قياس ليس هو فى نفس الأمر بحق ، وكان أحدهما من النصوص فى مواضع ما يخالف ذلك القياس ، وهذا يسميه الفقهاء فى مواضع كثيرة : الاستحسان . فتجد القائلين بالاستحسان ، الذى تركوا فيه القياس لنص خيراً من الذين طردوا القياس وتركوا النص. ٤٦ ولهذا يروى عن أبى حنيفة، أنه قال : لا تأخذوا بمقاييس زفر ، فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرمتم الحلال وحللتم الحرام» ، فإن زفر كان كثير الطرد ، لما يظنه من القياس مع قلة علمه بالنصوص . وكان أبو يوسف نظره بالعكس ؛ كان أعلم بالحديث منه ، ولهذا توجد المسائل التى يخالف فيها زفر أصحابه عامتها قياسية ، ولا يكون إلا قياساً ضعيفاً عند التأمل ، وتوجد المسائل التى يخالف فيها أبو يوسف أبا حنيفة واتبعه محمد عليها ؛ عامتها اتبع فيها النصوص والأقيسة الصحيحة ، لأن أبا يوسف رحل بعد موت أبى حنيفة إلى الحجاز ، واستفاد من علم السنن التى كانت عندهم ما لم تكن مشهورة بالكوفة، وكان يقول: ((لو رأى صاحبى ما رأيت لرجع كما رجعت)» لعلمه بأن صاحبه ما كان يقصد إلا اتباع الشريعة، لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه . وهذا أيضاً حال كثير من الفقهاء بعضهم مع بعض ، فيما وافقوا عليه من قياس لم تثبت صحته بالأدلة المعتمدة ، فإن الموافقة فيه توجب طرده ، ثم أهل النصوص قد ينقضونه ، والذين لا يعلمون النصوص يطردونه . وكذلك هذه حال أكثر متكلمة أهل الإثبات مع متكلمة النفات ؛ فى مسائل الصفات والقدر وغير ذلك ، قد يوافقونهم على قياس فيه نفى، ثم يطرده أولئك فينفون به ما أثبتته النصوص ، والمثبتة لا تفعل ذلك ، ٤٧ بل لا بد من القول بموجب النص ، فربما قالوا ببعض معناها وربما فرقوا بفرق ضعيف . وأصل ذلك : موافقة أولئك على القياس الضعيف ، وذلك فى مثل مسائل الجسم والجوهر وغير ذلك. وهكذا تجد هذا حال من أعان ظالماً فى الأفعال ، فإن الأفعال لا تقع إلا عن إرادة ؛ فالظالم يطرد إرادته فيصيب من أعانه، أو يصيب ظلماً لا يختاره هذا ، فيريد المعين أن ينقض الطرد ، ويخص علته ، ولهذا يقال : من أعان ظالماً بُلى به ، وهذا عام فى جميع الظلمة من أهل الأقوال والأعمال ؛ وأهل البدع والفجور . وكل من خالف الكتاب والسنة ، من خبر أو أمر أو عمل فهو ظالم . فإن الله أرسل رسله ليقوم الناس بالقسط، ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم ، وقد بين اللّه سبحانه له من القسط ما لم يبينه لغيره ، وأقدره على ما لم يقدر عليه غيره ، فصار يفعل ويأمر بما لا يأمر به غيره ويفعله . وذلك أن بنى آدم فى كثير من المواضع قد لا يعلون حقيقة القسط ولا يقدرون على فعله ، بل ما كان إليه أقرب وبه أشبه كان أمثل ، وهى الطريقة المثلى . وقد بسطنا هذا فى مواضع، قال تعالى: ( وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ )، وقال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقال: (فَنَّقُواْاللَّهَ ٤٨ مَا أُسْتَطَعْتُمْ) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)). والمقصود : أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة والجماعة من المعرفة واليقين والطمأنينة ، والجزم الحق والقول الثابت ، والقطع بما هم عليه أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين . وهب أن المخالف لا يسلم ذلك ، فلا ريب أنهم يخبرون عن أنفسهم بذلك ، ويقولون : إنهم يحدون ذلك . وهو وطائفته يخبرون بضد ذلك ، ولا يجدون عندهم إلا الريب . فأى الطائفتين أحق بأن يكون كلامها [موصوفا] بالحشو؟ أو يكون أولى بالجهل والضلال والإفك والمحال؟ . وكلام المشايخ والأئمة من أهل السنة والفقه والمعرفة فى هذا الباب أعظم من أن نطيل به الخطاب. ٤٩ الوجه الثاني أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول ، وجزما بالقول فى موضع ، وجزماً بنقيضه ، وتكفير قاتله فى موضع آخر ، وهذا دليل عدم اليقين . فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبى صلى الله عليه وسلم: «هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له ، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال : وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد)) ، ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: ((من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل)). وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده ، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك ، وإن امتحنوا بأنواع المحن ، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين ، كأهل الأخدود ونحوهم ، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك رحمه الله يقول: ((لا تغبطوا أحداً لم يصبه فى هذا الأمر بلاء)). يقول: إن الله لا بد أن يبتلى المؤمن، فإن صبر رفع درجته، كما قال تعالى: (الّ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُفْرَكُواْأَن يَقُولُوَأْءَامَنَا وَلَقَدْ فَتَنَّالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٥٠ اَلْكَذِبِينَ )، وقال تعالى: ( وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُوْبِتَايَتِنَا يُوقِنُونَ )، وقال تعالى: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّاُلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْبِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ). ومن صبر من أهل الأهواء على قوله ، فذاك لما فيه من الحق ، إذلا بد فى كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوافق عليه أهل السنة والحديث : ما يوجب قبولها ، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال . وبالجملة : فالثبات والاستقرار فى أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة ؛ بل المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة فى أمره من المتكلم . لأن عند المتكلم من الحق الذى تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل («أبى الحسين البصرى، وأمثاله أثبت من مثل (((ابن سينا)) وأمثاله . وأيضاً تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقاً واختلافاً. مع دعوى كل منهم أن الذى يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان. وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا ، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب، فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة ، إذ للفلاسفة فى الإلهيات والمعاد والنبوات ، بل وفى الطبيعيات والرياضات ، وصفات الأفلاك : من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال . ٥١ وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل ، مثل ((أبى الحسن الأشعرى)) فى كتاب المقالات ومثل القاضى (( أبى بكر)) فى كتاب الدقائق من مقالاتهم ، بقدر ما يذكره الفارابى، وابن سينا؛ وأمثالهما أضعافاً مضاعفة. وأهل الإثبات من المتكلمين - مثل الكلابية والكرامية والأشعرية - أكثر اتفاقا وائتلافامن المعتزلة، فإن فى المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا ، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جفس ما بين الخوارج ، وقد ذكر من صنف فى فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه ، ولست تجد اتفاقا واثلافاً إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث ، وما يتبع ذلك ، ولا تجد إفتراقاً واختلافاً إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه، قال تعالى: ( وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا ، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة ، فمن خالفهم فى شىء فاته من الرحمة بقدر ذلك . ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافاً ، والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضاً أبعد عن السنة والحديث كانوا أعظم افتراقاً فى هذه، لا سيما الرافضة، فإنه يقال : إنهم أعظم الطوائف اختلافاً وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة ، بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم. ٥٢ وأبو محمد بن قتيبة - فى أول كتاب مختلف الحديث - لما ذكر أهل الحديث وأئمتهم، وأهل الكلام وأئمتهم: قفى بذكر أئمة هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم ؛ ووصف أئمة هؤلاء ، وأقوالهم وأفعالهم بما يين لكل أحد : أن أهل الحديث هم أهل الحق والهدى ، وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل . وأيضاً المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال : إما عن سوء عقيدة ونفاق ، وإما عن مرض فى القلب وضعف إيمان. ففيهم من ترك الواجبات ، واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد ، وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم ، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة ، ففى زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مماهو فيه . ومن المعلوم أن العلم أصل العمل ، وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة؛ وإما الجهل ، فأما العالم بقبح الشىء الغنى عنه فلا يفعله ، اللهم إلا من غلب هواه عقله واستولت عليه المعاصى ، فذاك لون آخر وضرب ثان . وأيضاً فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله فى الإسلام مقالة يكفر قائلها عموم المسلمين حتى أصحابه ، وفى التعميم ما يغنى عن التعيين ، فأى فريق ٥٣ أحق بالحشو والضلال من هؤلاء ؟ وذلك يقتضى وجود الردة فيهم ، كما يوجد النفاق فیهم كثيراً . وهذا إذا كان فى المقالات الخفية فقد يقال : إنه فيها مخطئ ضال ، لم تقم عليه الحجة التى يكفر صاحبها ؛ لكن ذلك يقع فى طوائف منهم فى الأمور الظاهرة التى تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين ؛ بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها، وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك ؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ، ومثل أمره بالصلوات الخمس ، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا فى هذه الأمور ، فكانوا مرتدين ، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام ، فقد حكى عن الجهم بن صفوان : أنه ترك الصلاة أربعين يوماً لا يرى وجوبها ؛ كرؤساء العشائر مثل الأفرع بن حابس وعيينة بن حصن ، ونحوهم من ارتد عن الإسلام ودخل فيه ، ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب ، وفيهم من لم يكن كذلك. أو يقال : هم لما فيهم من العلم يشبهون بعبد الله بن أبى سرح الذى كان ٥٤ كاتب الوحى ، فارتد ولحق بالمشركين ، فأهدر النبى صلى الله عليه وسلم دمه عام الفتح، ثم أتى به عثمان إليه فبايعه على الإسلام . فمن صنف فى مذهب المشركين ونحوهم أحسن أحواله . أن يكون مسلماً. فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة ، وتارة يعود إليه مع مرض فى قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق، والحكايات عنهم بذلك مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفاً فى أول مختلف الحديث، وقد حكى أهل المقالات لبعضهم عن بعض من ذلك طرفاً ، كما يذكره أبو عيسى الوراق والنوبختى وأبو الحسن الأشعرى، والقاضى أبو بكر بن الباقلانى، وأبو عبد الله الشهر ستانى ، وغيرهم ، ممن يذكر مقالات أهل الكلام. وأبلغ من ذلك: أن منهم من يصنف فى دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازى كتابه فى عبادة الكواكب والأصنام ، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه ، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين ، وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام. ومن العجب : أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال ، وأنهم ينكرون حجة العقل. وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة ، وهذا مما ينكرونه عليهم. ٥٥ فيقال لهم : ليس هذا بحق. فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن ، هذا أصل متفق عليه بينهم . والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر فى غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك ، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة ، من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك، ولكن وقع اشتراك فى لفظ ((النظر والاستدلال)، ولفظ ((الكلام)، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم ، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال . وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه ((أصول الدين )) وهذا اسم عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم. فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل: قد أنكروا أصول الدين. وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهى أسماء سموهاهم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله، وقد بين أصوله وفروعه ، ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله، كما قد بينا هذا فى غير هذا الموضع، فهكذا لفظ النظر، والاعتبار، والاستدلال)» . وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة ، كما كان ٥٦ الزهرى يقول: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة»، وقال مالك (السنة سفينة نوح، من ركبها بجا، ومن تخلف عنها غرق)). وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج : هو الصراط المستقيم الذى يوصل العباد الى الله. والرسول: هو الدليل الهادى الخريت فى هذا الصراط، كما قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِبِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا). وقال تعالى: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَّطِ اللَّهِالَّذِىِ لَّهُ, مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ ◌َلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) وقال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ )، وقال عبدالله بن مسعود ((خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله. وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْالسُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ). وإذا تأمل العاقل - الذى يرجو لقاء الله - هذا المثال، وتأمل سائر الطوائف من الخوارج، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، والرافضة ، ومن أقرب منهم إلى السنة من أهل الكلام، مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم، وأن كلا منهم له سبيل يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث، ويدعى أن سبيله هو الصواب - وجدت أنهم المراد بهذا المثال الذى ضربه المعصوم ، الذى لا يتكلم عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى. والعجب أن من هؤلاء من يصرح بأن عقله إذا عارضه الحديث - لاسما ٥٧ فى أخبار الصفات - حمل الحديث على عقله وصرح بتقديمهعلىالحديث، وجعل عقله ميزاناً للحديث ، فليت شعرى هل عقله هذا كان مصرحا بتقديمه فى الشريعة المحمدية، فيكون من السبيل المأمور باتباعه، أم هو عقل مبتدع جاهل ضال حائر خارج عن السبيل؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهؤلاء الاتحادية وأمثالهم إنما أتوا من قلة العلم والإيمان بصفات الله التى يتميز بها عن المخلوقات ، وقلة اتباع السنة وطريقة السلف فى ذلك ، بل قد يعتقدون من التجهم ما ينافى السنة ، تلقياً لذلك عن متفلسف أو متكلم ، فيكون ذلك الاعتقاد صاداً لهم عن سبيل الله، كلما أرادت قلوبهم أن تتقرب إلى ربها ، وتسلك الصراط المستقيم إليه ، وتعبده - كما فطروا عليه ، وكما بلغتهم الرسل من علوه وعظمته - صرفتهم تلك العوائق المضلة عن ذلك ، حتى تجد خلقاً من مقلدة الجهمية يوافقهم بلسانه ، وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة ، وأكثرهم لا يفهمون ما النفى الذى يقولونه بألسنتهم ؟ بل يجعلونه تنزيها مطلقاً مجملا . ومنهم من لا يفهم قول الجهمية . بل يفهم من النفى معنى صحيحاً ، ويعتقد أن المثبت يثبت نقيض ذلك ، ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك . مثل أن يفهم من قولهم : ليس فى جهة ، ولا له مكان ، ولا هو فى السماء: أنه ليس فى جوف السموات، وهذا معنى صحيح ؛ وإيمانه بذلك حق ، ولكن ٥٨ يظن أن الذين قالوا هذا النفى اقتصروا على ذلك ، وليس كذلك . بل مرادهم: أنه ما فوق العرش شىء أصلا ، ولا فوق السموات إلا عدم محض ؛ ليس هناك إله يعبد ، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا ◌ُرج بالنبى إلى ربه أصلا ، هذا مقصودهم. وهذا هو الذى أوقع الاتحادية فى قولهم : هو نفس الموجودات ؛ إذ لم تجد قلوبهم موجوداً إلا هذه الموجودات ؛ إذا لم يكن فوقها شىء آخر ، وهذا من المعارف الفطرية الشهودية الوجودية أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق ؛ أو وجود آخر مباين له متميز عنه، لا سيما إذا علموا أن الأفلاك مستديرة وأن الأعلى هو المحيط . فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق؛ أو موجود فوقه. فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجود آخر ولا فوق العالم شىء ؛ لزم أن يقولوا : هو هذا الوجود المخلوق ؛ كما قال الاتحادية . وهذه بعينها هى حجة الاتحادية . وهذا بعينه هو مشرب قدماء الجهمية وحدثاتهم كما يقولون : هو فى كل مكان ، وليس هو فى مكان. ولا يختص بشىء. يجمعون دائماً بين القولين المتناقضين، لأنهم يريدون إثبات موجود ؛ وليس عندهم شىء فوق العالم. فتعين أن يكون هو العالم أو يكون فيه . ثم يريدون إثبات شىء غير المخلوق؛ ٥٩ فيقولون : ليس هو فى العالم كما ليس خارجاً عنه ؛ أو يقولون : هو وجود المخلوقات دون أعيانها ، أو يقولون: هو الوجود المطلق ، فيثبتونه فيما يثبتون ، إذ كانت قلوبهم متشابهة فى النفى والتعطيل ، وهو إنكار موجود حقيقى مباين للمخلوقات عال عليها . وإنما يفترقون فيما يثبتونه ، ويكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض ، فيقولون: هو فى العالم ، وليس هو فيه ، أو هو العالم وليس إياه، أو يغلبون الإثبات فيقولون: بل هو نفس الوجود ، أو النفى فيقولون : ليس فى العالم ولا خارجاً عنه ، أو يدينون بالإثبات فى حال وبالنفى فى حال ، إذا غلب على أحدهم عقله غلب النفى ، وهو أنه ليس فى العالم ، وإذا غلب عليه الوجد والعبادة رجح الإثبات ، وهو أنه فى هذا الوجود أو هو هو ، لا تجد جهمياً إلا على أحد هذه الوجوه الأربعة، وإن تنوعوا فيما يثبتونه - كما ذكرته لك - فهم مشتركون فى التعطيل . وقد رأيت منهم ومن كتبهم ؛ وسمعت منهم وممن يخبر عنهم من ذلك ما شاء الله. وكلهم على هذه الأحوال ضالون عن معبودهم وإلههم وخالقهم. ثم رأيت كلام السلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك. فمن الله علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنا بالله وبرسوله . وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة فى هذا الاعتقاد لتناقضه فى نفسه . وإنما يسكن بعض اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده ، أو خوفه من مخالفة ، أصحابه أو زعمه أن هذا من حكم الوهم والخيال دون العقل . ٦٠