النص المفهرس

صفحات 1-20

3
٠
3
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
سئل شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية قدس الله روحه
ما قولكم فى مذهب السلف فى الاعتقاد ، ومذهب غيرهم من المتأخرين؟
ما الصواب منهما؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين؟ وفى أهل الحديث: هل ثم
أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية ؟ وهل حدث بعدهم
علوم جهلوها وعلمها غيرهم ؟ .
فأجاب :-
الحمد لله. هذه المسائل بسطها يحتمل مجلدات، لكن نشير إلى المهم منها
والله الموفق.
قال الله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
١

اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا) . وقد شهد الله لأصحاب
نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان بالإيمان. فعلم قطعاً أنهم المراد بالآية
الكريمة، فقال تعالى: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ وَأَعَذَ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ)، وقال تعالى: (لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا ).
حيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم.
فمن سبيلهم فى الاعتقاد: ((الإيمان بصفات اللهتعالى وأسمائه» التى وصف بها
نفسه ، وسمى بها نفسه فى كتابه وتنزيله ، أو على لسان رسوله ، من غير
زيادة عليها ولا نقص منها ، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ، ولا تأويل لها بما
يخالف ظاهرها ، ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين ؛ ولا سمات المحدثين ، بل
أمروها كما جاءت ، وردوا عليها إلى قائلها ؛ ومعناها إلى المتكلم بها .
وقال بعضهم - ويروى عن الشافعى -: ((آمنت بما جاء عن الله، وبما
جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله)).
وعلموا أن المتكلم بها صادق لا شك فى صدقه فصدقوه ، ولم يعلموا حقيقة
معناها فسكتوا عما لم يعلموه. وأخذ ذلك الآخر عن الأول ، ووصى بعضهم
٢

بعضاً بحسن الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم ، وحذروا من التجاوز لهم
والعدول عن طريقتهم، وبينوا لنا سبيلهم ومذهبهم ، ونرجوا أن يجعلنا الله
تعالى من اقتدى بهم فى بيان ما بينوه ؛ وسلوك الطريق الذى سلكوه.
والدليل على أن مذهبهم ما ذكرناه: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار
رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل مصدق لها مؤمن بها ، قابل لها؛ غير مرتاب
فيها ؛ ولا شاك فى صدق قائلها ، ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها ولا تأولوه،
ولا شبهوه بصفات المخلوقين ، إِذلو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم ، ولم يجز
أن يكتم بالكلية . إذ لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته ،
الجريان ذلك فى القبح مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفعل ما لا يحل .
بل بلغ من مبالغتهم فى السكوت عن هذا: أنهم كانوا إذا رأوا من يسأل
عن المتشابه بالغوا فى كفه ، تارة بالقول العنيف ؛ وتارة بالضرب ، وتارة
بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته. ولذلك لما بلغ عمر - رضى الله عنه-
أن صبيغاً يسأل عن المتشابه أعد له عراجين النخل ، فبينما عمر يخطب قام فسأله
عن: ( وَالَّارِيَتِ ذَرْوًا * فَالْحَمِلَتِ وِفْرًا) وما بعدها . فنزل عمر فقال:
(((لو وجدتك محلوقاً لضربت الذى فيه عيناك بالسيف))، ثم أمر به فضرب
ضرباً شديداً ، وبعث به إلى البصرة، وأمرهم أن لا يجالسوه ، فكان بها
كالبعير الأجرب لا يأتى مجلساً إلا قالوا: (( عزمة أمير المؤمنين)) فتفرقوا عنه ،
حتى تاب وحلف بالله ما بقى يجد ما كان فى نفسه شيئاً ، فأذن عمر فى مجالسته ،
٣

فلما خرجت الخوارج أتى ، فقيل له : هذا وقتك فقال: لا ، نفعتنى موعظة
العبد الصالح.
ولما سئل ((مالك بن أنس)) - رحمه الله تعالى - فقيل له: يا أبا عبد الله!
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى ) كيف استوى؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء -
يعنى العرق - ، وانتظر القوم ما يجىء منه فيه . فرفع رأسه إلى السائل وقال:
«الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال
عنه بدعة ، وأحسبك رجل سوء)) . وأمر به فأخرج.
ومن أول الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك، وسلك
غير سبيله . وهذا الجواب من مالك - رحمه الله - فى الاستواء شاف كاف فى
جميع الصفات. مثل النزول والمجىء، واليد، والوجه ، وغيرها .
فيقال فى مثل النزول : النزول معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان
به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
وهكذا يقال فى سائر الصفات ، إذ هى بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب
والسنة.
وثبت عن محمد بن الحسن - صاحب أبى حنيفة - أنه قال: (( اتفق الفقهاء
كلهم من الشرق والغرب: على الإيمان بالقرآن والأحاديث التى جاء بها الثقات
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا
٤

وصف ولا تشبيه ، فمن فسر شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله
عليه وسلم ، وفارق الجماعة. فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما فى
الكتاب والسنة ثم سكتوا. فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة ، انتهى.
فانظر - رحمك الله - إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع فى هذه المسألة،
ولا خير فيما خرج عن إجماعهم . ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها
لفروا منه. وأولوا ذلك ؛ فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على اللّه وما يمتنع عليه.
وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونى أنه قال: ((إن أصحاب الحديث
المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم - تبارك وتعالى - بصفاته التى نطق
بها كتابه وتنزيله ، وشهد له بها رسوله؛ على ما وردت به الأخبار الصحاح ،
ونقله العدول الثقات . ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، ولا يكفونها
تكييف المشبه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة ، والجهمية .
وقد أعاذ الله ((أهل السنة)) من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتفهيم
والتعريف ، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه ، وتركوا القول بالتعطيل
والتشبيه ، واكتفوا بنفى النقائص بقوله عز من قائل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
صِے
وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وبقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدُ))).
وقال سعيد بن جبير: (( ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين)).
وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال: سألت الشافعى - رحمه الله تعالى -
٥

عن صفات الله تعالى؟ فقال: ((حرام على العقول أن تمثل الله تعالى؛ وعلى
الأوهام أن تحده ، وعلى الظنون أن تقطع ؛ وعلى النفوس أن تفكر ؛ وعلى
الضمائر أن تعمق ، وعلى الخواطر أن تحيط ، وعلى العقول أن تعقل إلا ماوصف
به نفسه، أو على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام) .
وثبت عن الحسن البصرى أنه قال: ((لقد تكلم مطرف على هذه الأعواد
بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده. قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: ((الحمد لله
الذى من الإيمان به : الجهل بغير ما وصف به نفسه)) .
وقال سحنون (( من العلم باللّه السكوت عن غير ما وصف به نفسه)).
وثبت عن الحميدى - أبى بكر عبد الله بن الزبير - أنه قال: ((أصول
السنة ) - فذكر أشياء - ثم قال: وما نطق به القرآن والحديث مثل: ( وَقَالَتِ
ج
اَلْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، ومثل: (وَالسَّمَوَثُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ)،
وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ، ولا نفسره ، ونقف على
ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى) ، ومن
زعم غیر هذا فهو جھمی )) .
فمذهب السلف رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على
ظاهرها ، ونفى الكيفية عنها. لأن الكلام فى الصفات فرع عن الكلام فى الذات
وإثبات الذات إثبات وجود؛ لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات. وعلى
٦

هذا مضى السلف كلهم. ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف فى ذلك
لخرجنا عن المقصود فى هذا الجواب.
فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه ، ومن كان قصده
الجدال والقيل والقال والمكابرة ، لم يزده التطويل إلا خروجاً عن سواء السبيل
والله الموفق.
وقد ثبت ما ادعيناه من مذهب السلف رضوان الله عليهم بما نقلناه جملة
عنهم وتفصيلا ، واعتراف العلماء من أهل النقل كلهم بذلك . ولم أعلم عن أحد
منهم خلافاً فى هذه المسألة ، بل لقد بلغنى عمن ذهب إلى التأويل لهذه الآيات
والأخبار من أكابرهم : الاعتراف بأن مذهب السلف فيها ما قلناه . ورأيته
لبعض شيوخهم فى كتابه ، قال: ((اختلف أصحابنا فى أخبار الصفات، فمنهم
من أمرها كما جاءت من غير تفسير، ولا تأويل ، مع نفى التشبيه عنها. وهو
مذهب السلف، فصل الإجماع على صحة ما ذكرناه بقول المنازع والحمد لله .
وما أحسن ما جاء عن ((عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة)) أنه قال:
((عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة. فإن السنة إنما جعلت ليستن بها
ويقتصر عليها ، وإنما سنها من قد علم ما فى خلافها من الزلل والخطأ والحق
والتعمق . فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم . فإنهم عن علم وقفوا ،
وببصر نافذ كفوا. ولهم كانوا على كشفها أقوى. وبتفصيلها لو كان فيها أحرى،
٧

وإنهم لهم السابقون ، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجرى من الاختلاف بعد القرون
الثلاثة ؛ فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولأن قلتم حدثٌ حدثَ
بعدهم فا أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم ، واختار
ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم ؛ وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان .
ولقد وصفوا منه ما يكفى؛ وتكلموا منه بما يشفى . فمن دونهم مقصر؛
ومن فوقهم مفرط . لقد قصر دونهم أناس بجفوا ، وطمح آخرون فغلوا؛
وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم )» .
٨

فصل
وأما كونهم أعلم بمن بعدهم وأحكم ، وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو.
فنبين ذلك بالقياس المعقول ؛ من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول ، كما قال
الله: (سَنُرِيِهِمْءَئِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِيَ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) ؛
فأخبر : أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق .
ثم قال : ( أَوَلَمْ يَكْفٍبِرَبِّكَ أَنَّهُعَلَىكُلِّشَىءٍشَهِیدُ ) أى ياخبار الله ربك فى
القرآن وشهادته بذلك .
فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به
من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم. فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر
فيما يخالفهم فيه طريقاً أخرى؛ مثل المعقول، والقياس ، والرأى ، والكلام
والنظر ، والاستدلال ، والمحاجة ، والمجادلة ، والمكاشفة ، والمخاطبة ،
والوجد ، والذوق، ونحو ذلك . وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها
وخلاصتها : فهم أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياساً ، وأصوبهم رأياً ،
وأسدهم كلاماً وأصحهم نظراً، وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا ، وأتمهم
فراسة، وأصدقهم إلهاماً ، وأحدهم بصراً ومكاشفة ، وأصوبهم سمعاً
٩

ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجداً وذوقاً . وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى
سائر الأمم ، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل .
فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا ، وأنهم
ينالون فى المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم فى
قرون وأجيال ، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين . وذلك
لأن اعتقاد الحق الثابت يقوى الإدراك ويصححه، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْأ
زَادَهُمْ هُدَى ) وقال: (وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا *
وَإِذَّا لَا تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم ، فلا تجد مسألة خولفوا
فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم. وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم
دون رجوعهم إلى غيرهم ، أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل .
وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله فى الأرض . وتارة بأن كل طائفة
تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى ، وتشهد بالضلال على كل من خالفها أعظم
ما تشهد به عليهم .
فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله فى الأرض: فهذا أمر ظاهر معلوم
بالحس والتواتر لكل من سمع كلام المسلمين ، لا تجد فى الأمة عظم أحد تعظما
أعظم مما عظموا به ، ولا تجد غيرهم يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه ، كما لا ينقص
إلا بقدر ما خالفهم.
١٠

حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقر بذلك ، كما قال
الإمام أحمد: ((آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز))، فإن الحياة بسبب اشتراك
الناس فى المعاش يعظم الرجل طائفته ، فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف
بالحق من عموم الخلق . ولهذا لم يعرف فى الإسلام مثل جنازته : مسح
المتوكل موضع الصلاة عليه فوجد ألف ألف وستمائة ألف ، سوى من صلى
فى الخانات والبيوت وأسلم يومئذ من اليهود والنصارى عشرون ألفاً . وهو
إنما نبل عند الأمة باتباع الحديث والسنة .
وكذلك الشافعى ، وإسحق ، وغيرهما ، إنما نبلوا فى الإسلام باتباع
أهل الحديث والسنة . وكذلك البخارى وأمثاله إنما نبلوا بذلك ، وكذلك مالك
والأوزاعي، والثورى ، وأبو حنيفة وغيرهم ، إنما نبلوا فى عموم الأمة وقبل
قولهم لما وافقوا فيه الحديث والسنة ، وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب
المواضع التى لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة ، إما لعدم بلاغها إياه،
أو لاعتقاده ضعف دلالتها ، أو رجحان غيرها عليها .
وكذلك المسائل الاعتقادية الخبرية ؛ لم ينبل أحد من الطوائف ورءوسهم
عند الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة ، فالمعتزلة أولا - وهم فرسان الكلام -
إنما يحمدون ويعظمون عند أتباعهم وعند من يغضى عن مساويهم لأجل
محاسنهم عند المسلمين بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث ،
وردهم على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث : من إمامة الخلفاء
١١

وعدالة الصحابة ، وقبول الأخبار ، وتحريف الكلم عن مواضعه والغلو
فى علىّ ، ونحو ذلك .
وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من
إثبات الصفات والقدر والشفاعة، ونحو ذلك ، وكذلك كانوا يستحمدون بما
خالفوا فيه الخوارج من تكفير علىّ وعثمان وغيرهما ، وما كفروا به المسلمين من
الذنوب ، ويستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة ، من إدخال الواجبات فى الإيمان.
ولهذا قالوا بالمنزلة، وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة .
وكذلك متكلمة أهل الإثبات ، مثل الكلابية ، والكرامية ، والأشعرية
إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول
الإيمان ، من إثبات الصانع وصفاته ، وإثبات النبوة ، والرد على الكفار
من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم ، وكذلك استحمدوا بما
ردوه على الجهمية والمعتزلة ؛ والرافضة والقدرية ، من أنواع المقالات التى
يخالفون فيها أهل السنة والجماعة .
حسناتهم نوعان : إما موافقة أهل السنة والحديث . وإما الرد على من
خالف السنة والحديث بییان تناقض حججهم .
ولم يتبع أحد مذهب الأشعرى ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين ، أو
كلاهما. وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبه وينتصر له
١٢

بذلك. فالمصنف فى مناقبه الدافع للطعن واللعن عنه ۔۔ کالبيهقى؛ والقشیری أبى
القاسم ؛ وابن عساكر الدمشقى - إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل
السنة والحديث ، أو بما رده من أقوال مخالفيهم ، لا يحتجون له عند الأمة
وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين ، ولولا أنه كان من أقرب بنى جنسه
إلى ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك، كشيخه الأول «أبى على ))؛
وولده « أبى هاشم )) .
لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث فى الصفات ؛ والقدر ،
والإمامة ؛ والفضائل ، والشفاعة ، والحوض ، والصراط ، والميزان ،
وله من الردود على المعتزلة والقدرية ، والرافضة ، والجهمية ، وبيان تناقضهم:
ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك؛ ويعرف له حقه وقدره، ( قَدْ جَعَلَ اُلَّهُ
لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا )، وبما وافق فيه السنة والحديث صار له من القبول والأتباع
ما صار. لكن الموافقة التى فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله : هى من جنس
المجاهد المنتصر .
فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان ((يحيى بن يحيى)) يقول: ((الذب
عن السنة أفضل من الجهاد ، ، والمجاهد قد يكون عدلا فىسياسته وقد لا يكون،
وقد يكون فيه جور، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم»، ولهذا مضت السنة بأن يغزى مع كل
أمير، برا كان أو فاجراً، والجهاد عمل مشكور لصاحبه فى الظاهر لا محالة،
١٣

وهو مع النية الحسنة مشكور باطناً وظاهراً، ووجه شكره : نصره للسنة
والدين ، فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه .
محمد الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين
الله وسنة رسوله وشرعه من جميع الأصناف؛ إذ الحمد إنما يكون على الحسنات.
والحسنات: هى ما وافق طاعة الله ورسوله ، من التصديق بخبر اللّه والطاعة
لأمره. وهذا هو السنة. فالخير كله - باتفاق الامة - هو فما جاء به الرسول صلى
اللّه عليه وسلم.
وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله
ورسوله إلا بمخالفة ذلك .
ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغير م إنما تكلم فيه أهل الإيمان بمخالفته
السنة والشريعة .
وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام والمتكلمين الصفاتية ، كابن كرام؛
وابن كلاب ، والأ شعرى . وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها
المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء ؛ وأهل الحديث والصوفية ،
إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السنة والحديث لخفائه عليهم ، أو إعراضهم
عنه، أو لاقتضاء أصل قياس - مهدوه - رد ذلك ، كما يقع نحو ذلك فى
المسائل العلمية .
١٤
!

فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم عليه به ، أو
لاعتقاده صحة ما عارضه، لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط
من المخالف وعدوان ، فيستحق من الذم ما لا يستحقه فى النص الخفى وكذلك
فيما يوقع الفرقة والاختلاف ؛ يعظم فيه أمر المخالفة للسنة .
ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه ، حتى
صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر ؛ حتى لعنوا كل طائفة رأوا
فيها بدعة. فلعنوا الكلابية والأشعرية: کما کان فىملكة الأمیر «محمود بن سبكتکین)»
وفى دولة السلاجقة ابتداء ، وكذلك الخليفة القادر ، ربما اهتم بذلك واستشار
المعتزلة من الفقهاء ، ورفعوا إليه أمر القاضى (( أبى بكر )) ونحوه وهموا به ، حتى
كان يختفى، وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته ، ثم ولى النظام وسعوا
فى رفع اللعنة ، واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق ، كالدامغانى الحنفي ، وأبى
إسحق الشيرازى ، وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية . وقد
قيل: إن أبا إسحق استعفى من ذلك فألزموه، وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم، ويعزر
من يلعنهم، وعلل الدامغانى: بأنهم طائفة من المسلمين. وعلل أبو إسحق - مع
ذلك - : بأن لهم ذباً ورداً على أهل البدع المخالفين للسنة، فلم يمكن المفتى أن
يعلل رفع الذم إلا بموافقة السنة والحديث.
وكذلك رأيت فى فتاوى الفقيه أبى محمد فتوى طويلة ، فيها أشياء حسنة
قد سئل بها عن مسائل متعددة قال فيها : -
١٥

ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان ، ويعزر فاعله
تعزيراً بليغاً رادعاً، وأما لبس الحلق والدمالج والسلاسل والأغلال، والتختم
بالحديد والنحاس، فبدعة وشهرة. وشر الأمور محدثاتها، وهى لهم فى الدنيا ،
وهى لباس أهل النار ، وهى لهم فى الآخرة ، إن ماتوا على ذلك . ولا يجوز
السجود لغير الله من الأحياء والأموات، ولا تقبيل القبور، ويعزر فاعله.
ومن لعن أحداً من المسلمين عزر على ذلك تعزيراً بليغاً. والمؤمن لا يكون
لعاناً ، وما أقربه من عود اللعنة عليه ، قال: ولا تحل الصلاة عند القبور، ولا
المشى عليها من الرجال والنساء، ولا تعمل مساجد للصلاة، فإنه ((اشتد غضب
الله علی قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
قال : وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر. وعادت اللعنة عليه
فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه . والعلماء أنصار فروع الدين ،
والأشعرية أنصار أصول الدين .
قال : وأما دخولهم النيران ، فمن لا يتمسك بالقرآن فإنه فتنة لهم ومضلة
لمن يراهم ، كما يفتتن الناس بما يظهر على يدى الدجال ، فإنه من ظهر على يديه
خارق فإنه يوزن بميزان الشرع ، فإن كان على الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة ،
ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة ، كما يظهر على يدى الدجال من إحياء
الميت، وما يظهر من جنته وناره . فإن الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على
یدی هؤلاء.
١٦

وأما من تمسك بالشرع الشريف : فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير فى
الهواء ؛ أو يمشى على الماء ؛ فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد. انتهى.
فالفقيه أبو محمد أيضاً إنما منع اللعن، وأمر بتعزير اللاعن لأجل
ما نصروه من «أصول الدين، وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة
والحديث ، والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث. ولهذا كان الشيخ
أبو إسحق يقول: ((إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة)»،
وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه فى كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية
ببغداد ، ولهذا قال أبو القاسم بن عساكر فى مناقبه: «ما زالت الحنابلة والأشاعرة
فى قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ((ابن القشيرى))، ثم
بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعرى بمدحة ؛ إلا إذا وافق السنة
والحديث ، ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث .
وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث ، واتفاق
شهاداتهم على أن الحق فى ذلك .
ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم من هو
دونه . فالأشعرى نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة
السنة كان عندهم أعظم من أتباعه، والقاضى ((أبو بكر بن الباقلانى)) لما كان
أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره . وأما مثل الأستاذ أبى المعالى؛
١٧

وأبى حامد ؛ ونحوهما ممن خالفوا أصوله فى مواضع ، فلا تجدهم يعظمون إلا بما
وافقوا فيه السنة والحديث ، وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعى فى الفقه
الموافق للسنة والحديث ، ومما ذكروه فى الأصول مما يوافق السنة والحديث،
وما ردوه مما يخالف السنة والحديث . وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها ،
وإلا لم يصح ذلك.
وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت فى
أوائل الدولة السلجوقية ، حتى غلبت على الشام والعراق ، وأخرجت الخليفة
القائم ببغداد إلى تكريت ، وحبسوه بها فى فتنة البساسيرى المشهورة ، نجاءت
بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق ، وقهروهم بخراسان ،
وحجروهم بمصر. وكان فى وقتهم من الوزراء مثل: ((نظام الملك، ومن العلماء
مثل: ((أبى المعالى الجوينى)) فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة
هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك .
وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه: ((كأبى الوليد الباجى»
والقاضى ((أبى بكر بن العربى)) ونحوهما ، لا يعظمون إلا بموافقة السنة
والحديث، وأما الأكابر: مثل ((ابن حبيب)) و ((ابن سِنون)) ونحوهما؛
فلون آخر .
وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة
١٨

السنة والحديث، مثل ما ذكره فى مسائل ((القدَر)) و((الإرجاء)) ونحو ذلك
بخلاف ما انفرد به من قوله فى التفضيل بين الصحابة . وكذلك ما ذكره فى
((باب الصفات، فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث ، لكونه
يثبت الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ، ويقول إنه
موافق للإمام أحمد فى مسألة القرآن وغيرها ، ولا ريب أنه موافق له ولهم
فى بعض ذلك .
لكن الأشعرى ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من
الأئمة فى القرآن والصفات، وإن كان («أبو محمد بن حزم)» فى مسائل الإيمان
والقدر أقوم من غيره، وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره، لكن
قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة فى مسائل الصفات ما صرفه عن
موافقة أهل الحديث فى معانى مذهبهم فى ذلك ، فوافق هؤلاء فى اللفظ
وهؤلاء فى المعنى .
وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث
باتباعه لظاهر لا باطن له ، كما نفى المعانى فى الأمر والنهى والاشتقاق ، وكما نفى
خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب . مضموماً إلى ما فى كلامه من
الوقيعة فى الأكابر ، والإسراف فى نفى المعانى ودعوى متابعة الظواهر.
وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا
مكابر ، ويوجد فى كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال؛
١٩

والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره . فالمسألة التى
يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح. وله من التمييز بين الصحيح
والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.
وتعظيم أئمة الأمة وعوامها للسنة والحديث وأهله فى الأصول والفروع
من الأقوال والأعمال: أكثر من أن يذكرهنا. وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر
وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى ، وإن ظهر شىء من الكفر والنفاق
ظهرت البدع بحسب ذلك ، مثل : دولة المهدى ، والرشيد، ونحوهما ممن كان
يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين . كان أهل السنة
فى تلك الأيام أقوى وأكثر ، وأهل البدع أذل وأقل . فإن المهدى قتل من
المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان فى أنصارها من أهل المشرق
والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((الفتنة
ههنا»؛ ظهر حينئذ كثير من البدع ، وعربت أيضاً إذ ذاك طائفة من كتب
الأعاجم - من المجوس الفرس، والصابتين الروم، والمشركين الهند - وكان
المهدى من خيار خلفاء بني العباس ، وأحسنهم إيمانا وعدلا وجوداً ، فصار
يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.
وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهدا للصلوات فى أوقاتها من بنى أمية ،
٢٠