النص المفهرس

صفحات 1-16

القاعدة السابعة
أن يقال: إن كثيراً مما دل عليه ((السمع، يعلم ((بالعقل، أيضاً،
والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه وينبه عليه؛ كما ذكر الله ذلك
فیغیر موضع.
فإنه سبحانه وتعالى : بين من الآيات الدالة عليه ، وعلى وحدانيته،
وقدرته ، وعليه ، وغير ذلك : ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه ؛ كما بين أيضاً
ما دل على نبوة أنبياته ؛ وما دل على المعاد وإمكانه .
فهذه المطالب هى شرعية من جهتين : -
من جهة أن الشارع أخبر بها.
ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التى يستدل بها عليها . والأمثال المضروبة
فى القرآن ، هى (( أقيسة عقلية)) وقد بسط فى غير هذا الموضع، وهى أيضاً
عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً .
وكثير من أهل الكلام يسمى هذه ((الأصول العقلية)) لاعتقاده أنها
١
( تابع صحيفة ٨٨)

لا تعلم إلا بالعقل فقط . فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق ،
الذى هو النبي لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل.
ثم إنهم قد يتنازعون فى الأصول التي تتوقف إثبات النبوة عليها .
((فطائفة)) تزعم : أن تحسين العقل وتقبيحه داخل فى هذه الأصول ،
وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك ، ويجعلون التكذيب بالقدر مما
ينفيه العقل .
و(«طائفة، تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول ، وأن العلم بالصانع
لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام،
وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات ، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها ،
فيجعلون نفى أفعال الرب ، ونفى صفاته من الأصول التى لا يمكن إثبات
النبوة إلا بها .
ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم ، لظنهم
أن العقل عارض السمع - وهو أصله - فيجب تقديمه عليه. والسمع: إما أن
يؤول ، وإما أن يفوض ، وهم أيضاً عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال
بالكتاب والسنة على وفق قولهم لما تقدم.
وهؤلاء يضلون من وجوه :-
ب

(منها) : ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك،
بل القرآن بين من الدلائل العقلية - التى تعلم بها المطالب الدينية - ما لا يوجد
مثله فى كلام أئمة النظر ، فتكون هذه المطالب : شرعية عقلية .
و(منها): ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التى سلكوها،
وهم مخطئون قطعاً فى انحصار طريق تصديقه فما ذكروه ، فإن طرق العلم بصدق
الرسول كثيرة ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع.
و(منها): ظنهم أن تلك الطريق التى سلكوها صحيحة ، وقد تكون باطلة .
(ومنها): ظنهم أنّ ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل ، ويكونون غالطين
فى ذلك ؛ فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة ،
من المجهولات ؛ لا من المعقولات . وقد بسط الكلام على هذا فى غير
هذا الموضع.
والمقصودهنا: أن من ((صفات الله تعالى)) ماقد يعلم بالعقل، كما يعلم
أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حى؛ كما أرشد إلى ذلك قوله: (أَلَايَعْلَمُ
مَنْ خَقَ ).
وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات : على أنه يعلم بالعقل (عند المحققين )
أنه حى؛ عليم ؛ قدير ؛ مريد ؛ وكذلك السمع؛ والبصر ، والكلام: يثبت
ج

بالعقل عند المحققين منهم، بل وكذلك الحب، والرضا، والغضب. يمكن إثباته
بالعقل. وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل ، كما أثبته بذلك
الأئمة: مثل أحمد بن حنبل ، وغيره.
ومثل : عبد العالى المكى ، وعبد الله بن سعيد بن كلاب؛ بل وكذلك
إمكان الرؤية : يثبت بالعقل ، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود
قصح رؤيته .
ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته . وهذه الطريق أصح
من تلك.
وقد يمكن إثبات الرؤية ، بغير هذين الطريقين ، بتقسيم دائر بين النفى
والإثبات ، كما يقال : إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية ، فإن
ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم : أحق به
من الممكن المحدث .
والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع.
والمقصود هنا : أن من الطرق التى يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار
السنة فى هذا الباب : أنه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين : للزم
اقصافه بالأخرى ؛ فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت ؛ ولو لم يوصف
د

بالقدرة لوصف بالعجز ؛ ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف
بالصمم والخرس والبكم.
وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه . فسلب
إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى ، وتلك صفة نقص ينزه
عنها الكامل من المخلوقات ، فتنزيه الخالق عنها أولى.
وهذه الطريق غير قولنا إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق ؛ فالخالق
أولى. فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفى
ما یناقضها .
وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور ؛ لبسوا
به على الناس ؛ حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ، ويضعف الإثبات
به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار ، حتى الأمادى أمسى (١) مع أنه أصل
قول القرامطة الباطنية، وأمثالهم من الجهمية . فقالوا : القول بأنه لو لم يكن متصفا
بهذه الصفات ؛ كالسمع والبصر والكلام ، مع كونه حياً : لكان متصفا
بما يقابلها .
فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة (المتقابلين). وبيان أقسامهما. فنقول :
(١) هكذا بالأصل .

أما المتقابلان فلا يجتمعان فى شىء واحد من جهة واحدة ، وهو إما ألا يصح
اجتماعهما فى الصدق ولا فى الكذب : أو يصح ذلك فى أحد الطرفين ؛ ولأنهما
متقابلان بالسلب والإيجاب ، وهو تقابل التناقض؛ والتناقض هو اختلاف
القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان فى الصدق ولا فى الكذب
لذاتيهما ؛ كقولنا زيد حيوان ، زيد ليس بحيوان.
ومن خاصة استحالة اجتماع طرفيه فى الصدق والكذب : أنه لا واسطة
بين الطرفين، ولا استحالة لأحد الطرفين من جهة واحدة ، ولا يصح اجتماعهما
فى الصدق ولا فى الكذب ؛ إذكون الموجود واجباً بنفسه وممكنا بنفسه :
لا يجتمعان ولا يرتفعان .
فإذا جعلتم هذا التقسيم : وهما ((النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان))
فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر
النقيضين - اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان - فى السلب والإيجاب.
وحينئذ فقد ثبت وصفان - شيئان - لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ وهو
خارج عن الأقسام الأربعة على هذا .
فمن جعل الموت معنى وجوديا : فقد يقول إن كون الشىء لا يخلو من
الحياة والموت هو من هذا الباب ؛ وكذلك العلم والجهل ، والصمم والبكم
ونحو ذلك.

(الوجه الثانى): أن يقال: هذا التقسيم يتداخل؛ فإن العدم والملكة : يدخل
فى السلب والإيجاب وغايته أنه نوع منه. والمتضايفان يدخلان فى المتضادين،
إنما هما نوع منه. فإن قال: أعنى بالسلب والإيجاب : فلا يدخل فى العدم
والملكة - وهو أن يسلب عن الشىء ما ليس بقابل له - ولهذا جعل من
خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه . إلى آخره .
قيل له : عن هذا جوابان : -
أحدهما : أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين : أحدهما: سلب ما يمكن
اقصاف الشىء به .
والثانى: سلب مالا يمكن اقصافه به .
فيقال : الأول إثبات ما يمكن اقصافه به ولا يجب.
والثانى: إثبات ما يجب اقصافه به؛ فيكون المراد به سلب ممتنع. وإثبات
الواجب ؛ كقولنا زيد حيوان فإن هذا إثبات واجب ، وزيد ليس بحجر ،
فإن هذا سلب ممتنع .
وعلى هذا التقدير فالممكنات التى تقبل الوجود والعدم - كقولنا المثلث
إما موجود وإما معدوم - يكون من قسم العدم والملكة ، وليس كذلك. فإن
ز
!
1
٠
!
!
i

ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد على المتقابلين جميعاً ، ولا يخلو شىء من
الممكنات عن الوجود والعدم .
وأيضاً فإنه على هذا التقدير - فصفات الرب كلها واجبة له - فإذا قيل إما
أن يكون حياً أو علما ، أو سميعاً أو بصيراً، أو متكلما ؛ أولا يكون: كان مثل
قولنا: إما أن يكون موجوداً، وإما أن لا يكون. وهذا متقابل تقابل السلب
والإيجاب، فيكون الآخر مثله. وبهذا يحصل المقصود.
فإن قيل : هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات : قيل له هذا
إنما اشتركا فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان ؛ فأما الرب تعالى: فإنه
بتقدير ثبوتها له فهى واجبة ضرورة ؛ فإنه لا يمكن اقصافه بها وبعدمها ، باتفاق
العقلاء . فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حياً ، وتارة ميتاً ، وتارة أصم ، وتارة
سميعاً ، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص؛ وذلك منتف قطعاً ؛ بخلاف من نفاها
وقال : إن نفيها ليس بنقص لظنه أنه لا يقبل الاقصاف بها .
فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقول: إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون
نفيها نقصاً ، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة .
وقيل له أيضاً: أنت فى تقابل السلب والإيجاب ، إن اشترطت العلم بإمكان
الطرفين : لم يصح أن تقول واجب الوجود ؛ إما موجود وإما معدوم ؛
-ح -
!
!

والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم ؛ لأن أحد الطرفين هنا معلوم
الوجود. والآخر معلوم الامتناع.
وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول إما أن يكون حياً،
وإما ألا يكون؛ وإما أن يكون سميعاً بصيراً وإما ألا يكون؛ لأن النفى إن
كان ممكناً صح التقسيم، وإن كان ممتنعاً : كان الإثبات واجباً ، وحصل المقصود.
فإن قيل : هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ، ونحن
فسلم ذلك كما ذكر فى الاعتراض؛ لكن غايته: أنه إما سميع وإما ليس بسميع،
وإما بصير وإما ليس بيصير ؛ والمنازع يختار النفى.
فيقال له : على هذا التقدير : فالمثبت واجب ؛ والمسلوب ممتنع. فإما أن
تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتعة عليه ، والقول بالامتناع
لا وجه له ؛ إذ لا دلیل علیه بو جه .
بل قد يقال : نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع ؛ فإنه لا يمكن أن يستدل
على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات ؛ وقد علم فساد ذلك.
وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.
واعلم أن هذا يمكن أن يجعل طريقة مستقلة فى إثبات صفات الكمال له،
فإنها إما واجبة له وإما ممتنعة عليه ، والثانى باطل ، فتعين الأول ؛ لأن كونه قابلا
- ط =

لها خالياً عنها يقتضى أن يكون ممكناً، وذلك ممتنع فى حقه ، وهذه طريقة معروفة
لمن سلكها من النظار.
(الجواب الثانى) أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا زيد إما عاقل وإما غير عاقل ؛
وإما عالم وإما ليس بعالم ، وإما حى وإما غير حى، وإما ناطق وإما غير ناطق.
وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها ، لم يكن هذا داخلا فى
قسم تقابل السلب والإيجاب.
ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء،
وخلاف ما ذكروه فى المنطق وغيره . ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض
بالسلب والإيجاب ، على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى ، فلا
يجتمعان فى الصدق والكذب ، فهذه شروط التناقض موجودة فيها .
وغاية فرقهم أن يقولوا إذا قلنا : هو إما بصير ، وإما ليس ببصير : كان
إيجاباً وسلباً، وإذا قلنا: إما بصير ؛ وإما أعمى: كان ملَكة وعدما ، وهذه
منازعة لفظية ، وإلا فالمعنى فى الموضعين سواء .
فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب ، وهذا يبطل قولهم فى حد
ذلك التقابل: أنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة
كإمكانها إذا عبر بلفظ العمى.
( الوجه الثالث ) أن يقال: التقسم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن
ی

يختلفا بالسلب والإيجاب ، وإما أن لا يختلفا بذلك ، بل يكونان إيجابيين
أو سلبيين .
فالأول هو النقيضان .
والثانى إما أن يمكن خلو المحل عنهما ، وإما أن لا يمكن . والأول :
هما الضدان كالسواد والبياض، والثانى: هما فى معنى النقيضين وإن كانا ثبوتيين ،
كالوجوب والإمكان ، والحدوث والقدم ، والقيام بالنفس والقيام بالغير ،
والمباينة والمجانبة ، ونحو ذلك.
ومعلوم أن الحياة والموت ، والصمم والبكم، والسمع: ليس مما إذا خلا
الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما ، كالخمرة بين السواد والبياض،
فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما ، فإذا انتفى تعين الآخر .
(الوجه الرابع): المحل الذى لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم ، والقدرة
والكلام ونحوها : أنقص من المحل الذى يقبل ذلك ويخلو عنها ، ولهذا كان
الحجر ونحوه أنقص من الحى الأعمى.
وحينئذ فإذا كان البارى منزهاً عن نفى هذه الصفات ، مع قبوله لها فتنزيهه
عنن امتناع قبوله لها أولى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين
واقصافه بالنقائص ممتنع ، فيجب اقصافه بصفات الكمال، وبتقدير عدم قبوله
ك

لا يمكن اقصافه : لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص ، وهذا أشد امتناعاً فثبت
أن اقصافه بذلك ممكن ، وأنه واجب له وهو المطلوب. وهذا فى غاية الحسن .
(الوجه الخامس) . أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن
اتصافه بثبوت ، فإذا عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجى-وهو أن يعلم ثبوت ذلك
فى الخارج - كان هذا باطلا لوجهين : -
أحدهما : أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة
ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم - لكن هذا إصطلاح محض ـ وألا تصفوا
هذه الجمادات بالموت والصمت . وقد جاء القرآن بذلك. قال تعالى: ( وَالَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِاللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَاْءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ ). فهذا فى (( الأصنام، وهى من الجمادات وقد وصفت بالموت،
والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والموتان.
قال أهل اللغة : الموتان بالتحريك خلاف الحيوان ، يقال : اشتر الموتان
ولا تشتر الحيوان ، أى اشتر الأرض والدور؛ ولا تشتر الرقيق والدواب؛
وقالوا أيضاً : الموات ما لا روح فيه.
فإن قيل: فهذا إنما يسمى مواتاً باعتبار قبوله ((للحياة)، التى هى إحياء
الأرض: قيل وهذا يقتضى أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف
بالحياة ، إذا كان قابلا للزرع والعمارة ؛ والخرس ضد النطق ، والعرب تقول
- ل -

« لبن أخرس ، أی خاثر لا صوت له فى الإناء ، « وسحابة خرساء ، ليس فيها
رعد ولا برق، ((وعلم أخرس، إذا لم يسمع له فى الجبل صوت صدى ))
ويقال: ((كتيبة خرساء)) قال أبو عبيدة: هى التى صمتت من كثرة الدروع
ليس لها فقاقع.
وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت ؛ فإنه يوصف به القادر على النطق ،
إذا تركه ، بخلاف الخرس فإنه عجز عن النطق . ومع هذا فالعرب تقول: (( ما له
صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، فالصامت
من اللبن الخائر ، والصموت الدرع التى صمت إذا لم يسمع لها صوت.
ويقولون: دابة عجماء وخرساء لما لا تنطق، ولا يمكن منها النطق فى العادة
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العجماء جبار، وكذلك فى ((العمياء))
تقول العرب: عمى الموج يعمى عمى إذارمى القذف والزبد؛ و((الأعميان))
السيل ، والجمل الهائج. وعمى عليه الأمر إذا التبس ، ومنه قوله تعالى: (فَعَمِيَتْ
عَلَيْهِمُ الْأَنْبَهُ يَوْمَيِذٍ ).
وهذه الامثلة قد يقال فى بعضها إنه عدم مايقبل المحل الاقصاف به كالصوت؛
ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام.
الثانى: أن الجامدات يمكن اقصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق
فى الجمادات حياة ، كما جعل عصى موسى حية تبتلع الحبال والعصى - وإذا [كان]
- م-

فى إمكان العادات: كان ذلك بما قد علم بالتواتر - وأنتم أيضاً قائلون به فى مواضع
كثيرة ، وإذا كان الجمادات يمكن اقصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع
الموجودات يمكن اقصافها بذلك، فيكون الخالق أولى بهذا الإمكان . وإن عنيتم
الإمكان الذهنى - وهو عدم العلم بالامتناع - فهذا حاصل فى حق الله، فإنه لا يعلم
امتناع اقصافه بالسمع والبصر والكلام.
(الوجه السادس) أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجى ،
فإمكان الوصف للشىء يعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره ، أو بوجوده
لما هو الشىء أولى بذلك منه .
ومعلوم أن الحياة والعلم ، والقدرة والسمع ، والبصر والكلام: ثابت
للموجودات المخلوقة، ويمكن لها. فإمكانها للخالق تعالى أولى وأحرى ؛ فإنها
صفات كمال. وهو قابل للاتصاف بالصفات؛ وإذا كانت ممكنة فى حقه فلو لم
يتصف بها لا قصف بأضدادها .
(الوجه السابع) أن يقال : مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته سواء سميت
عمى ، وصمما، وبكما، أولم قسم. والعلم بذلك ضرورى، فأما إذا قدرنا موجودين
أحدهما يسمع، ويبصر، ويتكلم ، والآخر ليس كذلك: كان الأول أكمل
من الثانى .
ولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفى فيه هذه الصفات ؛ فقال تعالى عن
- ن -

إبراهيم الخليل: ( لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا) وقال أيضاً فى
قصته: (فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ) وقال تعالى عنه: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْإِذْ
تَدْعُونَ * أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْيَضُرُونَ * قَالُواْبَلْ وَجَدْنَاءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَءَ يْتُمَا
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُ كُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّرَبَ الْعَلَمِينَ )
وكذلك فى قصة موسى فى العجل: ( أَلَمْيَرَوْأَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيِهِمْ
سَبِيلًاً اْتَّخَذُوهُ وَكَانُواْظَلِمِينَ). وقال تعالى: (وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلَا رَجُلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُ عَلَى مَوْلَتُهُ أَيْنَمَايُوَجِهَةُ لَا يَأْتِ
بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَ مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
فقابل بين الابكم العاجز ، وبين الآمر بالعدل : الذى هو على
صراط مستقيم.
- س -