النص المفهرس
صفحات 361-380
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْيَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) جعل ذلك بالمعصية ، والاعتداء. والمعصية: مخالفة الأمر ، وهو التقصير ، والاعتداء مجاوزة الحد . وكذلك يضمن كل « مؤتمن على مال » إذا قصر وفرط فی ما أمر به وهو المعصية، إذا اعتدى بخيانة أو غيرها؛ ولهذا قال: (وَلَنَعَا وَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدُوَنِ ) فالإثم هو المعصية والله أعلم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها ، فالمعصية تضييع الفرائض ، وانتهاك المحارم : وهو مخالفة الأمر والنهى والاعتداء مجاوزة حدود المباحات . وقال تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ) فالمعصية مخالفة أمره ونهيه والاعتداء مجاوزة ما أحله إلى ما حرمه وكذلك قوله - والله أعلم -: (رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا) فالذنوب: المعصية، والإسراف: الاعتداء ومجاوزة الحد. واعلم أن ((مجاوزة الحد)) هى نوع من مخالفة النهى لأن إعتداء الحد محرم منهى عنه فيدخل فى قسم المنهى عنه ؛ لكن المنهى عنه قسمان : منهى عنه مطلقاً كالكفر ، فهذا فعله إثم ، ومنهى عنه . ٣٦١ وقسم أبيح منه أنواع ومقادير، وحرم الزيادة على تلك الأنواع والمقادير فهذا فعله عدوان . وكذلك قد يحصل العدوان فى المأمور به كما يحصل فى المباح فإن الزيادة على المأمور به قد يكون عدواناً محرماً وقد يكون مباحاً مطلقاً وقد يكون مباحا إلى غاية فالزيادة عليها عدوان . ولهذا التقسيم قيل فى ((الشريعة)) هى الأمر والنهى، والحلال والحرام، والفرائض والحدود، والسنن والأحكام . ((فالفرائض ) هى المقادير فى المأمور به. و((الحدود ، النهايات لما يجوز من المباح المأمور به وغير المأمور به . ٣٦٢ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه بِسْمِالََِّالرَّمِ من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب " من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة ؛ المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة. ((أبى البركات عدى بن مسافر الأموى)) - رحمه الله - ومن نحى نحوهم - وفقهم الله السلوك سبيله ، وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعلهم معتصمين بحبله المتين ؛ مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج؛ الخارجين عما بعث اللّه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الشرعة والمنهاج؛ حتى يكونوا ممن أعظم الله عليهم المنة ، بمتابعة الكتاب والسنة . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد : فإنا نحمد إليكم اللّه الذى لا إله إلا هو ، وهو للحمد أهل؛ وهو (١) تسمى الوصية الكبرى . ٣٦٣ على كل شى قدير . ونسأله أن يصلى على خاتم النبيين وسيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى، وأعظمهم عنده درجة ؛ محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً . أما بعد : فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه، وأكمل له ولأمته الدين ، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله . وجعلهم أمة وسطاً أى عدلا خياراً ، ولذلك جعلهم شهداء على الناس ، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذى شرعه لجميع خلقه ، ثم خصهم ، بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذى جعله لهم. (فالأول) مثل ((أصول الإيمان)) وأعلاها وأفضلها هو (( التوحيد)) وهو شهادة أن لا إله إلا الله. كما قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ أَنْ فَاعْبُدُونِ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ) وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَابِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ) ٣٦٤ وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَّكُمْأُمَّةٌ وَحِدَةً وَأَنَّا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ ). ومثل الإيمان بجميع كتب اللّه، وجميع رسله، كما قال تعالى: (قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ، ومثل قوله تعالى: ( وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) ، ومثل قوله تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِكَتِهِ، وَكُِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) إلى آخرها. ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب ، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمنى الأمم به حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ). ومثل أصول الشرائع كما ذكر فى سورة ((الأنعام)، و((الأعراف)) و ((سبحان)) وغيرهن من السور المكية: من أمره بعبادته وحده لا شريك له ، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والعدل فى المقال ؛ وتوفية الميزان والمكيال ؛ وإعطاء السائل والمحروم : وتحريم قتل النفس بغير ٣٦٥ الحق وتحريم الفواحش ماظهر منها وما بطن؛ وتحريم الإثم والبغى بغير الحق وتحريم الكلام فى الدين بغير علم ؛ مع ما يدخل فى التوحيد من إخلاص الدين لله، والتوكل على الله والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله والصبر لحكم الله والقيام لأمر الله؛ وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين . إلى غير ذلك من أصول الإيمان التى أنزل الله ذكرها فى مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض المدنية . (وأما الثانى) فما أنزله الله فى السور المدنية من شرائع دينه ، وما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته. فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك فقال: (وَأَنزَلَ اللَّهُ وقال: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) اُلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اَلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ) وقال: (وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) قال غير واحد من السلف : الحكمة هى السنة . لأن الذى كان يتلى فى بيوت أزواجه رضى الله عنهن سوى القرآن هو سنه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه)) وقال حسان بن عطية : كان جبريل عليه السلام ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن. ٣٦٦ وهذه (( الشرائع)) التى هدى الله بها هذا النبى وأمته مثل: الوجهة، والمنسك ، والمنهاج ، وذلك مثل الصلوات الخمس فى أوقاتها بهذا العدد ، وهذه القراءة، والركوع، والسجود، واستقبال الكعبة . ومثل فرائض الزكاة ونصبها التى فرضها فى أموال المسلمين : من الماشية والحبوب ، والثمار ، والتجارة ، والذهب ، والفضة ، ومن جعلت له؛ حيث يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ). ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج البيت الحرام ، ومثل الحدود التى حدها لهم : فى المناكح ، والمواريث ، والعقوبات والمبايعات ، ومثل السنن التى سنها لهم : من الأعياد ، والجمعات ، والجماعات فى المكتوبات، والجماعات فى الكسوف، والاستسقاء، وصلاة الجنازة والتراويح. وما سنه لهم فى العادات ، مثل : المطاعم ، والملابس ، والولادة ، والموت، ونحو ذلك: من السنن، والآداب ، والأحكام التى هى حكم الله ورسوله بينهم: فى الدماء ، والأموال، والأبضاع، والأعراض، والمنافع ، والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ٣٦٧ وحبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم ؛ جعلهم متبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم ؛ إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى رسولا إليهم ، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَافِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ)، وقال تعالى (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَفِيهَا نَذِيرٌ). ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده ، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة. وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة . ولهذا كان اجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة . ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة : عن أهل الباطل ؛ الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ، ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعما مضت عليه جماعة المسلمين . فإن الله أمر فى كتابه باتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولزوم سبيله، وأمر بالجماعة والائتلاف ، ونهى عن الفرقة والاختلاف ، فقال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ )، وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْذُنُوبَكُمْ )، وقال تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوأ ◌َسْلِيمًا). وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ)، وقال تعالى : ٣٦٨ (إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ)، وقال تعالى: (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَغِنَتُ) (وَمَا أَمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ واْلَه ◌ُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْنُواْ الزَّكَوَةً وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) ، وقال تعالى : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّ مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)، وقال تعالى فى أم الكتاب: ( اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ ثَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ). وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون». فأمر سبحانه فى (( أم الكتاب)) التى لم ينزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا فى الزبور ولا فى الفرقان مثلها ، والتى أعطيها نبينا صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش، والتى لا تجزىء صلاة إلا بها : أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم: كاليهود ، ولا الضالين كالنصارى . وهذا (( الصراط المستقيم)) هو دين الإسلام المحض ، وهو ما فى كتاب اللّه تعالى، وهو ((السنة والجماعة)) فإن السنة المحضة هى دين الإسلام المحض ، فإن النبى صلى اللّه عليه وسلم روى عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبى داود والترمذى وغيرهم أنه قال: ((ستفترق هذه ٣٦٩ الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة ، وهى الجماعة » وفى رواية ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى)). وهذه الفرقة الناجية ((أهل السنة)) وهم وسط فى النحل؛ كما أن ملة الإسلام وسط فى الملل ، فالمسلمون وسط فى أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ؛ لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود ؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً . بل المؤمنون آمنوا برسل اللّه وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أرباباً، كما قال تعالى: ( مَاكَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّنِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُّرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْمَتِكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ ). ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا فى ((المسيح)) فلم يقولوا هو اللّه ولا ابن الله ٣٧٠ ولا ثالث ثلاثة ، كما تقوله النصارى ، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتاناً عظيما ، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود ، بل قالوا هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه. وكذلك المؤمنون ((وسط فى شرائع دين الله)) فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء . ويثبت ، كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَِّى كَانُواْ عَلَيْهَا)، وبقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَ هُ، وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ). ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاؤا وينهوا عما شاؤا، كما يفعله النصارى، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ). قال عدى بن حاتم رضى الله عنه: قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: ((ما عبدوهم؛ ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم)). والمؤمنون قالوا: ((لله الخلق والأمر)) فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ فأطاعوا كل ما أمر الله به. وقالوا: (إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ مَايُرِيدُ). وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما . وكذلك فى صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق ٣٧١ الناقصة ، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء . وقالوا : يد الله مغلولة. وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت . إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به ، فقالوا : إنه يخلق ويرزق ؛ ويغفر ويرحم ، ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب . والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى، ليس له سمى ولا ند ، ولم يكن له كفواً أحد ، وليس كمثله شىء . فإنه رب العالمين وخالق كل شىء ، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه ( إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَخْصَنْهُمْ وَعَذَّهُمْ عَدَّا * وَكُلُّهُمْ ءَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا). ومن ذلك أمر الحلال والحرام. فإن اليهود كما قال الله تعالى: ( فَبِظُلْمٍمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) ؛ فلا يأكلون ذوات الظفر ؛ مثل الإبل والبط . ولا شحم الثرب والكليتين؛ ولا الجدى فى لبن أمه . الى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما ؛ حتى قيل : إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا . والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمراً ، وكذلك شدد عليهم فى النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها فی البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات ، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح، (وَلِأُحِلَّلَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ٣٧٢ ولهذا قال تعالى: (قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّى يُعْطُواْ اُلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ). وأما المؤمنون فكما نعتهم اللّه به فى قوله: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِتَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اٌلْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وهذا باب يطول وصفه . وهكذا أهل السنة والجماعة فى الفرق . فهم فى (( باب أسماء الله وآياته ، وصفاته)) وسط بين ((أهل التعطيل)) الذين يلحدون فى أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه؛ حتى يشبهوه بالعدم والموات ، وبين (( أهل التمثيل)) الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل. وهم فى «باب خلقه وأمره)) وسط بين المكذبين بقدرة الله ؛ الذين ٣٧٣ لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شىء ؛ وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل . فيعطلون الأمر والنهى والثواب والعقاب ، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ). فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شىء قدير . فيقدر أن يهدى العباد ويقلب قلوبهم ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فلا يكون فى ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده ، وأنه خالق كل شىء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل ، وأنه مختار ، ولا يسمونه مجبوراً؛ إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره ، واللّه سبحانه جعل العبد مختاراً لما يفعله فهو مختار مريد ، والله خالقه وخالق اختياره ، وهذا ليس له نظير . فإن الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله. وهم فى « باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد، وسط بين الوعيدية ؛ الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين فى النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ، ويكذبون بشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم . وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء ، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان . ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية . ٣٧٤ فيؤ من أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله ، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذى يستوجبون به الجنة ، وأنهم لا يخلدون فى النار . بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم أيضاً فى ((أصحاب رسول الله)) صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم وسط بين الغالية . الذين يغالون فى على رضى الله عنه، فيفضلونه على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان رضى الله عنهما ، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما . ويستحبون سب على وعثمان ونحوهما ، ويقدحون فى خلافة على رضى الله عنه وإمامته. وكذلك فى سائر « أبواب السنة)) هم وسط. لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. ٣٧٥ فصل وأتم أصلحكم الله قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذى هو دين اللّه ، وعافاكم اللّه مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب. والإسلام أعظم النعم وأجلها، فإن الله لا يقبل من أحد ديناً سواه (وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ اُلْإِسْلَمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ). وعافا كم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة ، مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية ، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته ، وقضائه وقدره ، أو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك، فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين مالا يوجد مثله فى طوائف المبتدعين ، وما زال فى عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منکم من يؤيد الله به الدين ، ويعز به المؤمنين . وفى أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية والطريقة المرضية، وله المكاشفات والتصرفات . ٣٧٦ وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق فى العالمين ، فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم ، مثل الملقب بشيخ الإسلام (( أبى الحسن على بن أحمد ابن يوسف القرشى الهكارى)) وبعده الشيخ العارف القدوة ((عدى بن مسافر الأموى)) ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ، ورفع به منارهم. والشيخ ((عدى)) قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشايخ المتبعين ، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك . وله فى الأمة صيت مشهور ولسان صدق مذكور ، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم ، كالشيخ الإمام الصالح («أبى الفرج عبد الواحد ابن محمد بن على الأنصارى الشيرازى، ثم «الدمشقى، وكشيخ الإسلام ((الهكارى » ونحوهما . وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا فى الأصول الكبار عن أصول « أهل السنة والجماعة)) بل كان لهم من الترغيب فى أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم ، وأعلى منارهم ، وغالب ما يقولونه فى أصولها الكبار جيد، مع أنه لا بد وأن يوجد فى كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل ٣٧٧ المرجوحة والدلائل الضعيفة؛ كأحاديث لا تثبت ، ومقاييس لا تطرد ( مع)(١) ما يعرفه أهل البصيرة. وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة ، والفقه فيهما ، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها ، مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء ، وكثرة الأراء ، وتغلظ الاختلاف والافتراق ، وحصول العداوة والشقاق . فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب ((قوة الجهل والظلم)) اللذين نعت الله بهما الإنسان فى قوله: ( وَحَمَلَهَا آلْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُومَاجَهُولًا ) فإذا منْ الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال ، وقد قال سبحانه: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّالْإِنسَنَ لَفِىِ خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَصَوْبِالصَّبْرِ)، وقد قال تعالى: ( وَجَعَلْنَامِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِتَايَئِنَا يُوقِنُونَ). وأنتم تعلمون - أصلحكم الله - أن ((السنة)) التى يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها : هى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : فى أمور الاعتقادات، وأمور العبادات ، وسائر أمور الديانات . وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه فى أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل . ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٣٧٨ وذلك ((فى دواوين الإسلام المعروفة)»: مثل صحيحى البخارى ومسلم ، وكتب السنن. مثل سنن أبى داوود ، والنسائى ، وجامع الترمذى ، وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة؛ كمثل مسند الإمام أحمد وغيره . ويوجد فى كتب ((التفاسير)، و((المغازى)، وسائر ((كتب الحديث)) جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض . وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله. وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية فى أبواب ((عقائد أهل السنة)، مثل : حماد بن سلمة ، وعبد الرحمن بن مهدى ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ؛ وعثمان بن سعيد الدارمى ، وغيرهم فى طبقتهم . ومثلها ما بوب عليه البخارى ، وأبو داود ، والنسائى ، وابن ماجه وغيرهم فی کتبهم . ومثل مصنفات أبى بكر الأثرم ، وعبد الله بن أحمد، وأبى بكر الخلال وأبى القاسم الطبرانى ، وأبى الشيخ الأصبهانى ، وأبى بكر الآجرى ، وأبى الحسن الدارقطنى، وأبى عبد الله بن منده، وأبى القاسم اللالكائى، وأبى عبد الله ابن بطة؛ وأبى عمرو الطلنکی ، وأبى نعيم الأصبهانى ، وأبی بکر البيهقى ، وأبى ذر الهروى . وإن كان يقع فى بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة . وقد يروى كثير من الناس : فى الصفات ، وسائر أبواب الاعتقادات ٣٧٩ وعامة أبواب الدين : أحاديث كثيرة تكون مكذوبة ، موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى قسمان :- منها ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال ، فضلا عن أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والقسم الثانى من الكلام : ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس ، ويكون حقا . أو ما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهباً لقائله، فيعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التى وضعها الشيخ ((أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن على الأنصارى» وجعلها محنة يفرق فيها بين السنى والبدعى، وهى ((مسائل معروفة)) عملها بعض الكذابين وجعل لها إسناداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها من كلامه ، وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى . وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقاً لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل أول نعمة أنعم بها على عبده ، فإن هذه المسئلة فيها نزاع بين أهل السنة ، والنزاع فيها لفظى لأن مبناها على أن اللذة [التى] يعقبها ألم ؛ هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضاً أشياء مرجوحة . فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب ، فإن السنة هى الحق دون الباطل ؛ وهى الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة : فهذا ((أصل عظيم )) لأهل الإسلام عموما ولمن يدعى السنة خصوصا . ٣٨٠