النص المفهرس

صفحات 321-340

وإنما تنازعوا فى جواز الأمر به عقلا، حتى نازع بعضهم فى ((الممتنع
لذاته ، كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة العقل مع أن
ذلك لم يرد فى الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب فى الشريعة - كمن
يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن - فهو مبطل فى ذلك عند عامة
أهل القبلة من جميع الطوائف . بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار - المستلزم
لموته على الكفر - وأنه أسمع هذا الخطاب: ففى هذا الحال انقطع تكليفه، ولم
ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى: ( فَلَمْيَكُ
يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَا) وقال تعالى: (ءَالْقَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ).
والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع فى هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل
المأمور به وتارة إلى جواز الأمر . ومن هنا شبه من شبه من المتكلمين على الناس
حيث جعل القسمين قسما واحداً وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقاً : الوقوع
بعض الأقسام التى لا يجعلها عامة المسلمين من باب مالا يطاق . والنزاع فيها
لا يتعلق بمسائل الأمر والنهى؛ وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر.
ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذى اتفق المسلمون
على أنه غير مقدور عليه، وقاس أحد النوعين بالآخر. وذلك من ((الأقيسة))
التى اتفق المسلمون؛ بل وسائر أهل الملل؛ بل وسائر العقلاء على بطلانها - فإن
من قاس الصحيح المأمور بالأفعال - كقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله
٣٢١

علم أنه لا يفعل - على العاجز الذى لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع بين
ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلا ودينا وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية
وإخوانهم الجبرية، وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع
الحادثة فى الإسلام . كإطلاق القول: بأن الناس مجبورون على أفعالهم ، وقد
اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك ، وذم من يطلقه ؛ وإن قصد به الرد
على ((القدرية)) الذين لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ، ولا بأنه شاء
الكائنات . وقالوا هذا ردَّ بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد والباطل بالباطل؛
ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم فى ذلك
ما يبين ردهم لذلك .
وأما إذا فصل مقصود القائل ، وبين بالعبارة التى لا يشتبه فيها الحق
بالباطل : ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل : كان هذا من الفرقان ، وخرج
المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفتهم الأئمة بأنهم مختلفون فى كتاب
اللّه مخالفون لكتاب الله متفقون على ترك كتاب الله، وأنهم يتكلمون بالمتشابه
من الكلام ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ويخدعون جهال الناس بما
يشبهون عليهم .
ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة فى مسمى القدرية المذمومين لخوضهم فى
القدر بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذى ذمت به القدرية ، ولهذا ترجم الإمام
أبو بكر الخلال فى ((كتاب السنة)) فقال: (الرد على القدرية، وقولهم إن الله
٣٢٢

أجبر العباد على المعاصى). ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد قال:
سألت الزبيدى والأوزاعى عن الجبر ؛ فقال الزبيدى: أمر الله أعظم وقدرته
أعظم من أن يجبر أو يعضل ، ولكن يقضى ويقدر ، ويخلق ويجبل عبده على
ما أحب . وقال الأوزاعى: ما أعرف للجبر أصلا فى القرآن ولا فى السنة ؛
فأهاب أن أقول ذلك ؛ ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل ، فهذا يعرف
فى القرآن والحديث عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم؛ وإنما وضعت هذا
مخافة أن يرتاب رجل تابعى من أهل الجماعة والتصديق .
فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان فى عصر تابعى التابعين من
أحسن الأجوبة.
أما ((الزبيدى)) فمحمد بن الوليد صاحب الزهرى فإنه قال: أمر الله أعظم
وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ، فنفى الجبر ، وذلك لأن الجبر المعروف
فى اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه. كما تقول الفقهاء فى ((باب النكاح))
هل تجبر المرأة على النكاح أو لا تجبر ؟ وإذا عضلها الولى ماذا تصنع ؟ فيعنون
يجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها ، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه
وتختاره . فقال : اللّه أعظم من أن يجبر أو يعضل؛ لأن الله سبحانه قادر
على أن يجعل العبد محباً راضياً لما يفعله، ومبغضاً وكارهاً لما يتركه . كما هو
الواقع، فلا يكون العبد مجبوراً على ما يختاره ويرضاه ويريده وهى: ((أفعاله
٣٢٣

الاختيارية ، ولا یکون معضولا عما یترکه فيبغضه ویکرهه ولا یریده وهی
((تركه الاختيارية)).
وأما ((الأوزاعى)) فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ ، وإن عنى به هذا المعنى
حيث لم يكن له أصل فى الكتاب والسنة : فيفضى إلى إطلاق لفظ مبتدع
ظاهر فى إرادة الباطل. وذلك لا يسوغ. وإن قيل: إنه أريد به معنى صحيح.
قال الخلال : أنبأنا المروذى قال سمعت بعض المشيخة يقول : سمعت عبد
الرحمن بن مهدى يقول: أفكر سفيان الثورى الجبر ، وقال: اللّه تعالى جبل
العباد. قال المروذى: أظنه أراد قول النى صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس
- يعنى قوله الذى فى صحيح مسلم - ((إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة.
فقال: أخلقين تخلقت بهما ، أم خلقين جبلت عليهما. فقال: (( بل خلقين
جبلت عليهما)، فقال: الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما الله تعالى. ولهذا
احتج البخارى وغيره على خلق الأفعال بقوله تعالى: ( إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
* إِذَامَسَّهُ الشَّرُّجَزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان
على هذه الصفة .
وجواب الأوزاعى أقوم من جواب الزبيدى. لأن الزبيدى نفى الجبر ،
والأوزاعى منع إطلاقه إذ هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضى نفى الحق
والباطل، كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد فى كتاب السنة)) فقال: ثنا
٣٢٤

محمد بن بكارثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب أنه قال إنما سمى الجبار
لأنه يجبر الخلق على ما أراد . فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه
زال المحذور، وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا فى المحتمل المعنى الفاسد خشية
أن يظن أنه ينفى المعنيين جميعاً .
وهكذا يقال فى نفى الطاقة على المأمور : فإن إثبات الجبر فى المحظور نظير
سلب الطاقة فى المأمور . وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة :
قال الخلال : أنبأنا الميمونی قال سمعت أبا عبد الله ۔۔ یعنی أحمد بن حنبل - يناظر
خالد بن خداش يعنى فى القدر - فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله: إنما أكره
من هذا أن يقول أجبر الله. وقال أنبأنا المروذى قلت لأبى عبد اللهرجل يقول
إن الله أجبر العباد: فقال هكذا لا تقل. وانكر هذا، وقال يضل من يشاء
ويهدى من يشاء .
وقال أنبأنا المروذى قال كتب إلى عبد الوهاب فى أمر حسن بن خلف
العكبرى وقال إنه تنزه عن ميراث أبيه؛ فقال رجل قدرى: إن الله لم يجبر
العباد على المعاصى فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن اللّه جبر العباد على ما أراد
أراد بذلك إثبات القدر، فوضع أحمد بن علی کتابا: يحتج فیه، فأدخلته على أبى
عبد الله، فأخبرته بالقصة فقال: ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا : على ابن رجاء
حين قال جبر العباد ، وعلى القدرى الذى قال لم يجبر ، وأنكر على أحمد بن
على فى وضعه الكتاب واحتجاجه ، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب ، وقال
٣٢٥

لى: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر العباد. فقلت لأنى عبد الله
فما الجواب فى هذه المسئلة؟ قال يضل الله من يشاء ، ويهدى من يشاء.
قال المروذى فى هذه المسئلة؟ إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذى قال لم
يجبر، وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا
فى جوابها ، وقال: يستغفر ربه الذى رد عليهم بمحدثة ، وأنكر على من رد
بشىء من جنس الكلام ؛ إذا لم يكن له فيها إمام مقدم. قال المروزى فما كان
بأسرع من أن قدم أحمد بن على من عكبر ومعه مشيخة ، وكتاب من أهل عكبر
فأدخلت أحمد بن على على أبى عبد الله . فقال: يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب
ادفعه إلى أبى بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبر وأستغفر الله عز وجل
فقال: أبو عبد الله لی : ينبغى أن تقبلوا منه فرجعوا إليه.
وقد بسطنا الكلام فى هذا المقام فى غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل
الفاسد الذى ظنه المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق الذى يسمونه جبرا ينافى
الأمر والنهى. حتى جعله القدرية منافياً للأمر والنهى مطلقاً.
وجعله طائفة من الجبرية منافياً لحسن الفعل وقبحه ، وجعلوا ذلك مما
اعتمدوه فى نفى حسن الفعل وقبحه القائم به المعلوم بالعقل ؛ ومن المعلوم
أنه لا ينافى ذلك . إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائما للفاعل ونافعا له ؛
وكونه منافياً للفاعل وضارا له .
٣٢٦

سئل شيخ الإسلام
أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه تعالى :-
ما الذى يجب على المكلف اعتقاده؟ وما الذى يجب عليه عليه؟ وما هو
العلم المرغب فيه؟ وما هو اليقين؟ وكيف يحصل؟ وما العلم بالله؟
فأجاب :-
الحمد لله رب العالمين، أما قوله: ما الذى يجب على المكلف اعتقاده، فهذا
فيه إجمال وتفصيل .
أما الإجمال فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله ، ويقر بجميع
ما جاء به الرسول : من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وما أمر به الرسول ونهى ؛ بحيث يقر بجميع ما أخبر بهوما أمر به.
فلا بد من تصديقه فيما أخبر ؛ والانقياد له فما أمر .
وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده؛ من أن الرسول أخبر
به وأمر به ، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ؛ ولم يمكنه العلم
بذلك ؛ فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلا ، وهو داخل فى إقراره
٣٢٧

بالمجمل العام ، ثم إن قال خلاف ذلك متأولا كان مخطئاً يغفر له خطؤه؛ إذا
لم يحصل منه تفريط ولا عدوان، ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد مالا يجب
على آحاد العامة ، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك مالا يجب على من
نشأ بدار جهل . وأما ما علم ثبوته بمجرد القياس العقلى دون الرسالة ؛ فهذا
لا يعاقب إن لم يعتقده.
وأما قول طائفة من أهل الكلام : إن الصفات الثابتة بالعقل هى التى يجب
الإقرار بها؛ ويكفر تاركها بخلاف ما ثبت بالسمع ؛ فإنهم تارة ينفونه، وتارة
يتأولونه، أو يفوضون معناه ، وتارة يثبتونه، لكن يجعلون الإيمان والكفر
متعلقاً بالصفات العقلية ، فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها ، إذ الإيمان
والكفر هما من الأحكام التى ثبتت بالرسالة ؛ وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن
والكافر ؛ لا بمجرد الأدلة العقلية.
وأما قوله: ما الذى يجب عليه عليه؟ فهذا أيضاً يتنوع ، فإنه يجب على كل
مكلف أن يعلم ما أمر الله به ، فيعلم ما أمر بالإيمان به؟ وما أمر بعلمه ؛ بحيث
لو كان له ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة ، ولو كان له ما يحج به
لوجب عليه تعلم علم الحج، وكذلك أمثال ذلك !.
ويجب على عموم الأمة على جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ،
بحيث لا يضيع من العلم الذى بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شىء، وهو مادل
٣٢٨

عليه الكتاب والسنة ، لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين فرض على
الكفاية : إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين .
وأما (( العلم المرغب فيه جملة)) فهو العلم الذى علمه النبى صلى الله عليه وسلم
أمته لكن يرغب كل شخص فى العلم الذى هو اليه أحوج؛ وهو له أنفع ، وهذا
يتنوع ؛ فرغبة عموم الناس فى معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد
والوعيد أنفع لهم. وكل شخص منهم يرغب فى كل ما يحتاج إليه من ذلك، ومن
وقعت فى قلبه شبهة فقد تكون رغبته فى عمل ينافيها أنفع من غير ذلك.
وأما ((اليقين)) فهو طمأنينة القلب؛ واستقرار العلم فيه، وهو معنى
ما يقولون: ((ماء يقن) إذا استقر عن الحركة. وضد اليقين الريب . وهو نوع من
الحركة والاضطراب، يقال : رابنى يريبنى ، ومنه فى الحديث: أن النبى صلى
الله عليه وسلم مر بطبي حاقف ، فقال: لا يريبه أحد.
ثم اليقين ينتظم منه أمران : على القلب. وعمل القلب . فإن العبد قد يعلم
علماً جازماً بأمر؛ ومع هذا فيكون فى قلبه حركة واختلاج من العمل الذى
يقتضيه ذلك العلم، كعلم العبد أن اللّه رب كل شىء ومليكه ؛ ولا خالق غيره ؛
وأنه ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن؛ فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه،
وقد لا يصحبه العمل بذلك ؛ إما لغفلة القلب عن هذا العلم ، والغفلة هى ضد
العلم التام وإن لم تكن ضدا لأصل العلم ، وإما للخواطر التى تسنح فى القلب من
الالتفات إلى الأسباب ، وإما لغير ذلك .
٣٢٩

وفى الحديث المشهور الذى رواه أبو بكر عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((سلوا الله اليقين والعافية، فما أعطى أحد بعد اليقين شيئاً خيراً
من العافية ، فسلوهما اللّه)) فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا ؛ بخلاف غيرهم فإن
الإبتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه . قال تعالى: (وَجَعَلْنَامِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمِّنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِثَايَتِنَا يُوقِنُونَ) ألا ترى إلى قوله تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ
لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ). فهذه حال هؤلاء.
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُ وَأْنِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)، إلى قوله: (هُنَالِكَ
أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَأَ شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا
وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّاغُرُورًا) !. وقال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَئِكَةُ وَمَاجَعَلْنَا
عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْلِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ) الآيتين.
وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء :
أحدها : تدبر القرآن .
والثانى : تدبر الآيات التى يحدثها الله فى الأنفس والآفاق التى تبين
أنه حق.
٣٣٠

والثالث: العمل بموجب العلم، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِىّ
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ,عَلَىكُلِّ شَىءٍشَهِيدٌ) ،والضمير
عائد على القرآن. كما قال تعالى: (قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم
بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ اُلَّفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) الآية .
وأما قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة : أن
الضمير عائد إلى اللّه ؛ وأن المراد ذكر طريق معرفته بالاستدلال بالعقل؛
فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة ، وهو مخالف لما اتفق عليه سلف
الأمة وأئمتها .
فبين سبحانه أنه يرى الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة،
مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية ، لأنه سبحانه لم يدل عباده بالقرآن بمجرد
الخبر - كما يظنه طوائف من أهل الكلام يظنون أن دلالة القرآن إنما هو بطريق
الخبر، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر الذى هو الرسول ، والعلم بصدقه
موقوف على إثبات الصانع؛ والعلم بما يحب ويجوز ويمتنع عليه ؛ والعلم بجواز
بعثة الرسل ؛ والعلم بالآيات الدالة على صدقهم ، ويسمون هذه الأصول
العقليات . لأن السمع عندهم موقوف عليها ، وهذا غلط عظيم ، وهو من
أعظم ضلال طوائف من أهل الكلام والبدع .
فإن الله سبحانه بين فى كتابه كل مايحتاج إليه فى أصول الدين، قرر فيه
٣٣١

التوحيد؛ والنبوة ؛ والمعاد بالبراهين التى لا ينتهى إلى تحقيقها نظر ؛ خلاف
المتكلمين من المسلين والفلاسفة وأتباعهم، واحتج فيه بالأمثال الصمدية؛ التى
هى المقاييس العقلية المفيدة لليقين ، وقد بسطنا الكلام فى غير هذا الموضع.
وأما الآيات المشهودة فإن ما يشهد ، وما يعلم بالتواتر : من عقوبات
مكذبى الرسل ومن عصاهم ، ومن نصر الرسل وأتباعهم على الوجه الذى وقع،
وما علم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة له ، وانتقامه من أهل
معصيته وجعل الدائرة عليهم : فيه عبرة تبین أمره ونهيه؛ ووعدهووعيده؛ وغير
ذلك، مما يوافق القرآن.
ولهذا قال تعالى: (هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ
اَلْحَشْرِّ مَاظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ) إلى قوله: (فَأَعْتَبِرُ واْيَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ).
فهذا بين الاعتبار فى أصول الدين ، وإن كان قد تناول الاعتبار فى فروعه
وكذلك قوله: ( قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَتَيْنِ الْتَقَتَافِئَةُ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأُخْرَىْ كَافِرَةٌ ) إلى قوله: ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ).
وأما العمل ؛ فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره ومخالفته تضعفه ؛
بل قد تذهبه، قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُواْأَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ )، وقال تعالى:
(وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ، أَوَّلَ مَّةٍ)، وقال تعالى: ( وَلَوْأَنَّهُمْ
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [خلافاً للمتكلمين ].
٣٣٢

فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) الآيات. وقال: (قَدْ جَآءَكُم
مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَبٌّ مُبِيرٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَمِ) الآية. وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ- يُؤْتِكُمْ
كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ) الآية.
وأما العلم فيراد به فى الأصل نوعان :
أحدهما : العلم به نفسه؛ وبما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام
وما دلت عليه أسماؤه الحسنى . وهذا العلم إذا رسخ فى القلب أوجب خشية الله
لا محالة ، فإنه لا بد أن يعلم أن اللّه يثيب على طاعته ؛ ويعاقب على معصيته ؛ كما
شهد به القرآن والعيان ، وهذا معنى قول أبى حبان التيمى - أحد أتباع التابعين -
العلماء ثلاثة :
عالم باللّه ليس عالماً بأمر الله. وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله. وعالم
بالله وبأمر الله. فالعالم بالله الذى يخشى الله، والعالم بأمر الله الذى يعرف
الحلال والحرام .
وقال رجل للشعبى: أيها العالم ! فقال: إنما العالم من يخشى الله. وقال -
عبد الله بن مسعود : کفی خشية الله علما ، وکفی بالاغترار بالله جهلا .
والنوع الثانى يراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية، كما فى الصحيح
عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ترخص فى شىء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنه ،
٣٣٣

فقال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها! والله إنى لأعليكم
باللّه وأخشاكم له، وفى رواية «والله إنى لاخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» جعل
العلم به هو العلم بحدوده.
وقريب من ذلك قول بعض التابعين فى صفة أمير المؤمنين على بن أبى
طالب - رضى الله عنه - حيث قال: إن كان الله فى صدرى لعظيما، وإن كنت
بذات الله لعليما ، أراد بذلك أحكام الله.
فإن لفظ الذات فى لغتهم لم يكن كلفظ الذات فى اصطلاح المتأخرين ، بل
يراد به ما يضاف إلى الله ، كما قال خبيب رضى الله عنه .
وذلك فى ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أو صال شلو مزع
ومنه الحديث: (( لم يكذب ابراهيم إلا ثلاث كذبات كلها فى ذات الله)).
ومنه قوله تعالى: (فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ) ( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )
ونحو ذلك . فإن ذات تأنيث ذو ، وهو يستعمل مضافا يتوصل به إلى الوصف
بالأجناس ، فإذا كان الموصوف مذكراً قيل ذو كذا ؛ وإن كان مؤنثا قيل ذات
كذا ، کما یقال ذات سوار . فإن قيل أصیب فلان فى ذات الله فالمعنى فى جهته
ووجهته: أی فما أمر به وأحبه ؛ ولأجله.
ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال فى النفس أيضاً إنها ذات علم
وقدرة وكلام ونحو ذلك ، حذفوا الإضافة وعرفوها فقالوا : الذات الموصوفة
٣٣٤

أى النفس الموصوفة، فإذا قال هؤلاء المؤكدون ((الذات)) فإنما يعنون به
النفس الحقيقية ؛ التى لها وصف ولها صفات .
والصفة والوصف تارة يراد به الكلام الذى يوصف به الموصوف ؛
كقول الصحابى فى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) أحبها لأنها صفة الرحمن ، وتارة يراد
به المعانى التى دل عليها الكلام: كالعلم والقدرة. والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر
هذه، وتقول: إنما الصفات مجرد العبارة التى يعبر بها عن الموصوف.
والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف ، فيجعلون
الوصف هو القول ؛ والصفة المعنى القائم بالموصوف.
وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد من لفظ الصفة والوصف مصدر
فى الأصل ؛ كالوعد والعدة ؛ والوزن والزنة ؛ وأنه يراد به تارة هذا ؛
وتارة هذا .
ولما كان أولئك الجهمية ينفون أن يكون لله وصف قائم به: علم أو قدرة؛
أو إرادة أو كلام - وقد أثبتها المسلمون - صاروا يقولون: هؤلاء أثبتوا
صفات زائدة على الذات . وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم
على هذا الإطلاق، ويقولون : الصفات زائدة على الذات التى وصفوا - لها
صفات ووصف - فيشعرون الناس أن هناك ذاتاً متميزة عن الصفات ،
وأن لها صفات متميزة عن الذات . ويشنع نفاة الصفات بشناعات ليس هذا
موضعها، وقد بينا فسادها فى غير هذا الموضع.
٣٣٥

والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا ، ولا يمكن
وجود ذات خالية عن الصفات . فدعوى المدعى وجود حی عليم قدیر بصير
بلا حياة ولا علم ولا قدرة ؛ كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف
بها حياً عليما قديراً، بل دعوى شىء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث، عرى
عن جميع الصفات ممتنع فى صريح العقل .
ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم ؛ لما أثبتوا ذاتاً مجردة عن الصفات صار
مناظرهم يقول: أنا أثبت الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات ؛ أى
لا أقتصر على مجرد إثبات ذات بلا صفات. ولم يعن بذلك أنه فى الخارج ذات
ثابتة بنفسها ؛ ولا مع ذلك صفات هى زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات
ولهذا كان من الناس من يقول : الصفات غير الذات . كما يقوله المعتزلة؛
والكرامية ؛ ثم المعتزلة تنفيها، والكرامية تثبتها .
ومنهم من يقول : الصفة لا هى الموصوف ولا هى غيره . كما يقوله
طوائف من الصفاتية ، كأنى الحسن الأشعرى وغيره.
ومنهم من يقول كما قالت الأئمة : لا نقول الصفة هى الموصوف ؛ ولا
نقول : هى غيره ؛ لأنا لا نقول : لا هى هو ؛ ولا هى غيره ، فإن لفظ الغير
فيه إجمال ، قد يراد به المباين للشىء أو ما قارن أحدهما الآخر ؛ وما قاربه
بوجود أو زمان أو مكان ؛ ويراد بالغير: أن ما جاز العلم بأحدهما مع عدم
العلم بالآخر .
٣٣٦

وعلى الأول فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها .
وعلى الثانى فالصفة غير الموصوف ، وبعض الجملة غيرها .
فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير على الصفة نفياً أو إثباتاً؛ لما
فى ذلك من الإجمال والتلبيس ؛ حيث صار الجهمى يقول: القرآن هو اللّه أو غير
الله . فتارة يعارضونه بعلمه فيقولون : علم الله هو الله أو غيره؛ إن كان ممن
يثبت العلم ؛ أولا يمكنه نفيه.
وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين : النفى والإثبات ، لما فيه من
التلبيس، بل يستفصل السائل فيقال له : إن أردت بالغير ما يباين الموصوف
فالصفة لا تباينه ؛ فليست غيره . وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف
على سبيل الإجمال ؛ وإن لم يكن هو فهو غير بهذا الاعتبار والله تعالى أعلم
وصلى الله على محمد .
٣٣٧

فصل
ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف ، وأرباب العمل
والصوت، عن القرآن والإيمان: تجدهم فى العقل على طريق كثير من المتكلمة ،
يجعلون العقل وحده أصل عليهم، ويفردونه ، ويجعلون الإيمان والقرآن
تابعین له .
والمعقولات عندهم هى الأصول الكلية الأولية ، المستغنية بنفسها عن
الإيمان والقرآن.
وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية،
والمقامات الرفيعة ، لا تحصل إلا مع عدمه ، ویقرون من الأمور بما يكذب به
صريح العقل .
ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورا من المعارف والأحوال التى
لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح
بطلانها ، ممن لم يعلم صدقه، وكلا الطرفين مذموم.
بل العقل شرط فى معرفة العلوم ، وكمال وصلاح الأعمال ، وبه يكمل العلم
٣٣٨

والعمل ؛ لكنه ليس مستقلا بذلك ؛ بل هو غريزة فى النفس، وقوة فيها، بمنزلة
قوة البصر التى فى العين ؛ فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن ، كان كنور العين
إذا اتصل به نور الشمس والنار .
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التی یعجز وحده عن دركها ، وإن عزل
بالكلية : کانت الأقوال، والأفعال مع عدمه : أموراً حيوانية، قد یکون فيها
محبة ، ووجد، وذوق، كما قد يحصل للبهيمة .
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة ، والأقوال المخالفة للعقل باطلة.
والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه. لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه،
لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها ، وامتناعها لحجج عقلية
بزعمهم اعتقدوها حقاً، وهى باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به ،
والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة ، ودخلوا فى أحوال، وأعمال فاسدة،
وخرجوا عن التمييز الذى فضل الله به بنى آدم على غيرهم.
وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث تارة بعزل العقل
عن محل ولايته ، وتارة بمعارضة السنن به .
فهذا الانحراف الذى بين الحرفية ، والصوتية فى العقل التمييزى بمنزلة
الانحراف الذى بينهم فى الوجد القلبى فإن الصوتية صدقوا وعظموه، وأسرفوا
٣٣٩
1
:
١
۔

فيه ، حتى جعلوه هو الميزان ، وهو الغاية ، كما يفعل أولئك فى العقل ،
والحرفية أعرضت عن ذلك، وطعنت فيه ولم تعده من صفات الكمال.
وسبب ذلك أن أهل الحرف لما كان مطلوبهم العلم ، وبابه هو العقل،
وأهل الصوت لما كان مطلوبهم العمل وبابه الحب : صار كل فريق يعظم
ما يتعلق به ، ويذم الآخر ، مع أنه لا بد من علم ، وعمل : عقل على.
وعملى ذهنى ، وحب .وتمييز ، وحركة. قال ، وحال. حرف، وصوت.
وكلاهما إذا كان موزونا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم، والحمد لله
رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآ له وسلم.
٣٤٠
٠