النص المفهرس
صفحات 261-280
أيضاً: قال أهل السنة فى قول اللّه (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى): إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز. وقال أبو عبد الله ((القرطبى)) صاحب التفسير المشهور فى قوله تعالى: ( ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) قال: هذه ((مسألة الاستواء)» للعلماء فيها كلام، وأجزاء؛ وقد بينا أقوال العلماء فيها فى كتاب «الأسنى فى شرح أسماء الله الحسنى، وذكرنا فيها أربعة عشر قولا. إلى أن قال: وقد كان السلف الأول رضى الله عنهم لا يقولون بنفى الجهة ، ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة يإثباتها الله تعالى. كما نطق به كتابه ، وأخبرت رسله. قال: ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ؛ وإنما جهلوا كيفية الاستواء : فإنه لا تعلم حقيقته . كما قال مالك (((الاستواء معلوم)) يعنى فى اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة . وكذا قالت أم سلمة رضى الله عنها . وقال هذا الشيخ المشهور بمصر وغيرها فى كتاب ((شرح الأسماء)) قال: وذكر الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمى القيروانى الذى له الرسالة التى سماها ((برسالة الأسماء إلى مسألة الاستواء)، لما ذكر اختلاف المتأخرين فى الاستواء - قول ((الطبرى)) يعنى أبا جعفر صاحب التفسير الكبير، وأنى محمد بن أبى زيد ، والقاضى عبد الوهاب ، وجماعة من شيوخ الحديث، والفقه . قال: وهو ظاهر بعض كتب القاضى أبى بكر ((وأبى الحسن)) يعنى ٢٦١ الأشعرى ، وحكاه عنه يعنى القاضى أبا بكر القاضى عبد الوهاب أيضا: وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته. وأطلقوا فى بعض الأماكن فوق عرشه. قال الإمام أبو بكر وهو الصحيح الذى أقول به ؛ من غير تحديد ، ولا تمكن فى مكان ، ولاكون فيه ، ولا مماسة . قال الشيخ أبو عبد الله: هذا قول القاضى أبى بكر فى ((كتاب تمهيد الأوائل، له وقاله الأستاذ أبو بكر بن فورك فى ((شرح أوائل الأدلة)) له. وهو قول أبى عمر بن عبدالبر ، والطلمنكى، وغيرهما من الأندلسيين، وقول الخطابى فى ((شعار الدين ، ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا: وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآى والأخبار ، والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر فى كتابه ، وعلى لسان نبيه ؛ بلا كيف ، بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله عنهم الثقات . هذا كله لفظه . وقال الشيخ أبو نصر السجزى فى كتاب ((الإبانة)) له: وأئمتنا - كسفيان الثوری ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية - متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء. فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم برىء وهم منه براء . ٢٦٢ وقال أبو عمر بن عبد البر فى ((كتاب التمهيد)) فى شرح الموطأ - وهو أجل ما صنف فى فنه : لما تكلم على حديث النزول قال : هذا حديث ثابت من جهة النقل ، صحيح الإسناد ، لا يختلف أهل الحديث فى صحته ، وهو حديث منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبى صلى الله عليه وسلم . وفيه دليل على أن الله فى السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت: الجماعة . وهو من حجتهم على المعتزلة فى قولهم إن الله بكل مكان وليس على العرش. قال فى الدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول اللّه (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) وقال (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ) وقال (تَعْرُجُ الْمَلَكَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) وقال لعيسى ( إِنَّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ) وذكر آيات . إلى أن قال: وهذ أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثرمن حكايته ؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ، ولا خالفهم فيه مسلم ، وبسط الكلام فى ذلك . إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: (مَايَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍإِلَّ هُوَسَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ) فلا حجة لهم فى ظاهر الآية ؛ لأن علماء الصحابة ، والتابعين - الذين حمل عنهم التأويل - قالوا فى تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه فى كل مكان ؛ وما خالفهم فى ذلك أحد يحتج بقوله . ٢٦٣ وذكر عن الضحاك بن مزاحم أنه قال فى قوله : (مَايَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ ) قال: هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا . وعن سفيان الثورى مثل ذلك. وعن ابن مسعود قال: الله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قال أبو عمر بن عبد البر : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها فى القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز ؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة؛ وأما أهل البدع الجهمية ، والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيها ماقال القائلون : بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة وقال أبو عمر: الذى عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر فى هذه المسألة، وما أشبها الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، والتصديق بذلك ، وترك التحديد والكيفية فى شىء منه . وقال الشيخ العارف أبو محمد عبد القادر بن أبى صالح الكيلانى فى كتاب ((الغنية)) له: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات - على وجه الاختصار- فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد . إلى أن قال وهو بجهة العلو ، مستو على العرش ، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء . قال : ولا يجوز وصفه بأنه فى كل مكان؛ بل يقال إنه فى السماء على العرش. كما قال (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) وذكر الآيات والأحاديث، إلى أن قال: وينبغى إطلاق صفة الاستواء ٢٦٤ من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش. قال وكونه على العرش مذكور فى كل كتاب أنزل على نى أرسل، بلا كيف. وذكر كلاما طويلا . وقال الإمام أبو الحسن الكرخى الشافعى فى مقدمته المشهورة فى ((اعتقاد أهل السنة)) وهى منقولة من خط الشيخ أبى عمرو بن الصلاح : عقيدتهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب وهذه الآثار لم أذكرها كلها للرسول ، لكن هى مما أشرت إليه بقولى : إنى لم أقل شيئاً من نفسى، وإنما قلت ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ، وهذا الموضع يضيق بما فى ذلك من كلام الأمة ، فقال لى : نعم هو مستو على العرش حقيقة بذاته بلا تكييف، ولا تشبيه. قلت نعم وهذا هو فى (العقيدة )) فقال فا كتب هذه الساعة أو قال اكتب هذا أو نحو هذا فقلت هذا هو مكتوب بهذا اللفظ فى العقيدة التى عندكم التى بحثت بدمشق واتفق عليها المسلون فأى شىء هو الذى أريده ؟ وقلت له : أنا قد أحضرت أكثر من خمسين كتاباً - من كتب أهل الحديث، والتصوف، والمتكلمين، والفقهاء الأربعة : الحنفية، والمالكية ، والشافعية والحنبلية - توافق ما قلت. وقلت: أنا أمهل من خالفنى ثلاث سنين أن يجىء بحرف واحد عن أئمة الإسلام يخالف ما قلته. فما الذى أصنعه؟ فلما خرج الطيبرسى ، والفتاح عاد الفتاح بعد ساعة ، فقال: يسلم عليك ٢٦٥ نائب السلطان وقال: فاكتب لنا الآن ((عقيدة)) بخطك فقلت: سلم على نائب السلطان. وقل له : لو كتبت الساعة شيئاً لقال القائل : قد زاد ونقص ، أو غير الاعتقاد، وهكذا بدمشق لما طلبوا الاعتقاد لم أنهم إلا بشيء قد كتب متقدماً. قلت: وهذا الاعتقاد هو الذى قرئ بالشام فى المجالس الثلاثة، وقد أرسله إليكم نائبكم مع البريد، والجميع عندكم، ثم أرسل لكم مع العمرى ثانيا لما جاء الكتاب الثانى ما قاله: القضاة، والعلماء ، والمحضر، وكتاب البخارى الذى قرأه المزى ؛ والاعتقاد ليس هو شيئاً أبتدئه من عندى حتى يكون كل يوم لى اعتقاد ، وهو ذلك الاعتقاد بعينه ، والنسخة بعينها . فانظروا فيها فراح. ثم عاد ؛ وطلب أن أكتب بخطى أى شىء كان . فقلت فما الذى أكتبه؟! قال مثل العفو ، وألا تتعرض لأحد . فقلت : نعم هذا أنا مجيب إليه ؛ ليس غرضى فى إيذاء أحد ؛ ولا الانتقام منه، ولا مؤاخذته . وأنا عاف عمن ظلمنى . وأردت أن أكتب هذا ، ثم قلت : مثل هذا ما جرت العادة بكتابته ، فإن عفو الإنسان عن حقه لا يحتاج إلى هذا. وتعلم أن الأمر لما جرى على هذا الوجه كاد بعض القلوب يتغير على الشيخ ، وظنوا أن هذا الدرج قد أقر به ؛ وأن ذلك يناقض ما كان يقوله ويرسل به. جعلت أنا وأخى ندفع ذلك. ونقول : هذا من فعل ابن مخلوف، وقد تحققت أنا أن ذلك من عمل ابن مخلوف. ويعرف الشيخ أن مثل هذه القضية التى قد اشتهرت وانتشرت لا تندفع ٢٦٦ الإحسان ، وترك الانتقام، على هذا الوجه ؛ فأنا أبذل غاية ما وسعنى من وتأليف القلوب ؛ لكن هو يعرف خلقاً كثيراً ممن بالديار المصرية ؛ وأن الإنسان لا ينجو من شرهم ، وظلمهم إلا بأخذ طريقين: أحدهما مستقر، والآخر متقلب. (الأول): أن يكون له من اللّه تأييد، وسلطان، والتجاء إليه، واستعانة به ، وتوكل عليه ، واستغفار له، وطاعة له : يدفع به عنه شر شياطين الإنس والجن. وهذه الطريقة هى الثابتة الباقية . والطريق الثانى: إن جاء من ذى جاه. فإنهم يراعون ذا الجاه ما دام جاهه قائماً ! فإذا انقلب جاهه كانوا من أعظم الناس قياماً عليه هم بأعيانهم ؛ حتى إنهم قد يضربون القاضى بالمقارع ونحو ذلك مما لا يكاد يعرف لغيرهم، أعداؤه ومبغضوه كثيرون، وقد دخل فى إثباتات وأملاك وغير ذلك، متعلقة بالدولة وغير الدولة. فلو حصل من ذوى الجاه من له غرض فى نقض أحكامه ، ونقل الأملاك كان ذلك من أيسر الأمور عليه: أما أن يكتب ردته؛ وأحكام المرتد لا تنفذ، لأنه قد علم منه الخاص والعام أنه جعل ما فعل فى هذه القضية شرع محمد بن عبد الله؛ والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع ـ المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء. وفى مثل هذا ٢٦٧ نزل قوله على أحد القولين: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَبِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ) أى هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله. ولفظ الشرع يقال فى عرف الناس على ثلاثة معان : ((الشرع المنزل)) وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يجب اتباعه ، ومن خالفه وجبت عقوبته . والثانى ((الشرع المؤول)) وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتباعه ، ولا يجب ، ولا يحرم ؛ وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ، ولا يمنع عموم الناس منه . والثالث (( الشرع المبدل)) وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ، ونحوها ، والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع . كمن قال: إن الدم ، والميتة حلال - ولو قال هذا مذهبى ونحو ذلك . فلو كان الذى حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك ، أو الأشعرى ؛ لم يكن له أن يلزم جميع الناس به ، ويعاقب من لم يوافقه عليه باتفاق الأمة ؛ فكيف والقول الذى يقوله ويلزم به هو خلاف نص مالك ، وأئمة أصحابه ، وخلاف نص الأشعرى ، وأئمة أصحابه : كالقاضى أبى بكر ، وأبى الحسن الطبرى ، ٢٦٨ وأبى بكر بن فورك ، وأبى القاسم القشيرى ، وأبى بكر البيهقى ؟ وغير هؤلاء كلهم مصر حون بمثل ما قلناه ؛ وبنقيض ما قاله. ولهذا اصطلحت الحنبلية، والأشعرية ، واتفق الناس كلهم . ولما رأى الحنبلية كلام أبى الحسن الأشعرى قالوا : هذا خير من كلام الشيخ الموفق، وزال ما كان فى القلوب من الأضغان ، وصار الفقهاء من الشافعية ، وغيرهم: يقولون الحمد لله على اتفاق كلمة المسلمين. ثم لو فرض أن هذا الذى حكم فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد : لم يكن له أن ينقض حكم غيره فكيف إذا نقض حكم حكام الشام جميعهم بلا شبهة ؛ بل بما يخالف دين المسلمين بإجماع المسلمين، ولو زعم زاعم أن حكام الشام مكرهون؛ ففيهم من يصرح بعدم الإكراه غير واحد ، وهؤلاء بمصر كانوا أظهر إ كراهاً لما اشتهر عند الناس أنه فعل ذلك لأجل غرض الدولة المتعلق بالملك ، وأنه لولا ذلك لتكلم الحكام بأشياء، وهذا ثابت عن حكام مصر . فكيف وهذا الحكم الذى حكم به مخالف لشريعة الإسلام من بضعة وعشرين وجهاً؟ وعامتها بإجماع المسلمين . والوجوه مكتوبة مع الشرف محمد فينبغى أن يعرف الشيخ ((نصر، بحقيقة الأمر، وباطن القضية ليطبّها بتدييره. فأنا ليس مرادى إلا طاعة الله ورسوله ، وما يخاف على المصريين إلا من بعضهم فى بعض : كما جرت به العادة . وقد سمعتم ماجرى بدمشق - مع أن ٢٦٩ أولئك أقرب إلى الاتفاق - من تجديد القاضى المذكور إسلامه عند القاضى الآخر. وأنا لما كنت هناك كان هذا الآذن ((يحي الحنفى)، فذهب إلى القاضى تقى الدين الحنبلى وجدد إسلامه وحكم بحقن دمه لما قام عليه بعض أصحابهم فى أشياء. وكان من مدة لما كان القاضى حسام الدين الحنفى مباشراً لقضاء الشام : أراد أن يحلق لحية هذا الأذرعى ، وأحضر الموسى ، والحمار ليركبه ويطوف به ، نجاء أخوه عرفنى ذلك ، فقمت إليه ، ولم أزل به حتى كف عن ذلك . وجرت أمور لم أزل فيها محسناً إليهم. وهذه الأمور ليست من فعلى ، ولا فعل أمثالى. نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ورسوله والمؤمنون؛ ليس لنا غرض مع أحد ؛ بل نجزى بالسيئة الحسنة ونعفو ونغفر . وهذه القضية قد انتشرت ، وظهر ما فعل فيها ، وعلمه الخاص والعام. فلو تغيرت الأحوال حتى جاء أمير أو وزير له فى نقل ملك قد أثبته أو حكم به : لكان هذا عند المصريين من أسهل ما يكون . فيثبتون ردته، والمرتد أحكامه مردودة باتفاق العلماء ، ويعود ضرره على الذين أعانوه ونصروه بالباطل من أهل الدولة ، وغيرهم . وهذا أمر كبير لا ينبغى إهماله . فالشيخ خبیر یعرف عواقب الأمور . ٢٧٠ وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفى غيرها، وإقامة كل خير . وابن مخلوف لو عمل مهما عمل ، والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط . ولا حول ولا قوة إلا بالله . هذه نتی وعزمى ؛ مع على بجميع الأمور . فإنى أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ، ولن أكون عونا للشيطان على إخوانى المسلمين. ولو كنت خارجاً لكنت أعلم بماذا أعاونه ؛ لكن هذه مسألة قد فعلوها زوراً ، واللّه يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة فى دينهم ، ودنياهم . ولن ينقطع الدور ، وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى الله، والاستغفار، والتوبة، وصدق الالتجاء . فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه . ولا حول ولا قوة إلا بالله . وأما ما ذكرت عن الشيخ ((نصر)) أنه قال: كنت أو ثر أن لايحسوا به إلا وقدخرج خشية أن يعلم فلان وفلان فيطلعوا ويتكلموا . فتكثر الغوغاء والكلام! فعرفه أن كل من قال حقا : فأنا أحق من سمع الحق والتزمه وقبله . سواء کان حلوا أو مرا، وأنا أحق أن یتوب من ذنوبه التى صدرت منه ؛ بل وأحق بالعقوبة إذا كنت أضل المسلمين عن دينهم. وقد قلت فيما مضى : ما ينبغى لأحد أن يحمله تحننه لشخص ، وموالاته له على أن يتعصب معه بالباطل، أو يعطل لأجله حدود الله تعالى ؛ بل قد قال ٢٧١ النبى صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد اللّه فى أمره)). وهذا الذى يخافه - من قيام ((العدو)) ونحوه فى المحضر الذى قدم به من الشام إلى ابن مخلوف فيما يتعلق بالاستغاثة بالنبى صلى الله عليه وسلم - إن أظهر وەکان وباله عليهم، ودل على أنهم مشركون، لا يفرقون بين دين المسلمين ودین النصارى . فإن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أن العبد لا يجوزله أن يعبد ، ولا يدعو ولا يستغيث ، ولا يتوكل إلا على اللّه ؛ وأن من عبد ملكا مقرباً ، أو نبياً مرسلا ، أو دعاه ، أو استغاث به فهو مشرك. فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل ! أو يا ميكائيل! أو يا إبراهيم! أو يا موسى! أو يا رسول الله! اغفر لى، أو ارحمنى، أو ارزقنى أو انصرنى ، أو أغثنى، أو أجرنى من عدوى ، أو نحو ذلك ؛ بل هذا كله من خصائص الالهية. وهذه مسائل شريفة معروفة قد بينها العلماء، وذكروا الفرق بين حقوق اللّه التى يختص بها [دون] الرسل. والحقوق التى له ولرسله؛ كما يميز سبحانه بين ذلك فى مثل قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَنُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) فالتعزير والتوقير للرسول؛ والتسبيح بكرة وأصيلا لله. ٢٧٢ وكما قال: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ). فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده، وكما يقول المرسلون: ) أَنِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) فيجعلون العبادة والتقوى لله وحده ، ويجعلون لهم الطاعة قال تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُ واْيَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْرَبِ وَلَ أَشْرِكُ بِهِ: أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُضَرَّاوَلَرَشَدًا * قُلْ إِنِّ لَنْ يُحِيْرَبِ مِنَ اْلّهِأَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِ-مُلْتَحَدًا). وقال تعالى: ( فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ). وقال تعالى: ( قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِحِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَّهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا نَفَعُ وقال تعالى: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) إِلَّا بِإِذْنِ ) وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَبَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) وقال تعالى: (أَتَّخَذُوَاْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَحِدًا لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْرَبَِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ ٢٧٣ تَّدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْمَلَتَيْكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُمُ تُسْلِمُونَ ): فمن اتخذ الملائكة ، والنبيين أرباباً فقد كفر بعد إسلامه باتفاق المسلمين . ولأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وعن أن يجعل لله نداً فى خصائص الربوبية : ففي الصحيحين عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر ما فعلوا، وفى الصحيح عنه أنه قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ! ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنها كم عن ذلك ، وفى السنن عنه أنه قال: (( لا تتخذوا قبرى عيداً ». وروى عنه أنه قال: (( اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد)» وقال له رجل : ما شاء اللّه وشئت؛ فقال: ((أجعلتنى لله نداً؟ ، قل ما شاء الله وحده)» . ولهذا قال العلماء : من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يستلمه، ولا يقبله ، ولا يشبه بيت المخلوق بيت الخالق : الذى يستلم ، ويقبل منه الركن الأسود ، ويستلم الركن اليمانى . ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع تقبيل شىء من الأحجار ، ولا استلامه - إلا الركنان اليمانيان - حتى (مقام إبراهيم، الذى بمكة لا يقبل ولا يتمسح به، فكيف بما سواه من المقامات ، والمشاهد !! ٢٧٤ وأنت لما ذكرت فى ذلك اليوم هذا قلت لك هذا من أصول الإسلام . فإذا كان القاضى لا يفرق بين دين الإسلام ، ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه فكيف أصنع أنا؟. ولكن من يتخذ نفيسة ربا ، ويقول : إنها تجبر الخائف ، وتغيث الملهوف وأنا فى حسبها ، ويسجد لها ، ويتضرع فى دعائها مثل ما يتضرع فى دعاء رب الأرض والسموات ، ويتوكل على حى قدمات ، ولا يتوكل على الحق الذى لا يموت؛ فلا ريب أن إشراكه بمن هو أفضل منها يكون أقوى . قال تعالى : (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ مُجِيْرٌ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ). وحديث معاذلما رجع من الشام فسجد للنبى صلى الله عليه فقال: ((ما هذا يا معاذ »؟! فقال : رأيتهم فى الشام يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم ، فقال ((يا معاذ: أرأيت لو مررت بقبرى أكنت ساجداً له؟ قال لا قال: فلا تسجد لى؛ فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » فن لا ينهى الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين . كيف ينهى عما هو أقل منه؟ ومن دعارجلا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله. وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ٢٧٥ أنه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله ». بل من سوغ أن يدعى المخلوق ، ومنع من دعاء الخالق الذى فيه تحقيق صمديته، وإلهيته فقد ناقض ((الإسلام، فى النفى والإثبات : وهو شهادة أن لا إله إلا الله . وأما حقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبى هو وأمى - مثل تقديم محبته على النفس ، والأهل، والمال ، وتعزيره ، وتوقيره، وإجلاله ، وطاعته ، واتباع سنته ، وغير ذلك ، فعظيمة جداً . و کذلك مما يشرع التوسل به فى الدعاء كما فى الحديث الذى رواه الترمذى وصححه أن النبى صلى الله عليه وسلم علم شخصاً أن يقول: ((اللهم إنى أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد ! يا رسول الله ! إنى أتوسل بك إلى ربى فى حاجتى ليقضيها اللهم فشفعه فى )) ! فهذا التوسل به حسن . وأما دعاؤه ، والاستغاثة به : حرام . والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين . المتوسل إنما يدعو الله، ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره ؛ لا على سبيل الطلب منه ، وأما الداعى والمستغيث فهو الذى يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه والله هو رب العالمين ٢٧٦ ومالك الملك وخالق كل شىء ،وهو الذى يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذى يجيب دعوة الداعى إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى : عما يقول الظالمون علواً كبيراً . وأنا قد صنفت كتاباً كبيراً سميته ((الصارم المسلول على شاتم الرسول) وذكرت فى هذه المسألة مالم أعرف أحداً سبق إليه . وكذلك هذه «القواعد الإيمانية)» قد كتبت فيها فصولا هى من أنفع الأشياء فى أمر الدين . ومما ينبغى أن يعرف به الشيخ أنى أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية ، ويكون فيها ما فيه ضرر عليه ، وعلى ابن مخلوف، ونحوهما؛ فإنه قد طلب منى ما يجعل سبباً لذلك ولم أجب إليه فإنى إنما أنالون واحد والله ماغششتهما قط ، ولو غششتهما كتمت ذلك. وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى. ولا ريب أن الأصل الذى تصلح عليه الأمور رجوع كل شخص إلى الله وتوبته إليه فى هذا العشر المبارك. فإذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر. فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وهذه قضية كبيرة كلما كانت تزداد ظهوراً تزداد انتشاراً . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. ٢٧٧ قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية رحمه الله(١) ـِِّ لَِّالرَّحِيَّةِ قال الله تعالى وتقدس: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْاللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَ تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُ واْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتْ وَأَوْلَكَ لَمُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُواً) قال ابن عباس وغيره: تبيض وجوه أهل السنة، والجماعة؛ وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة (فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْالْعَذَابَ بِمَا كُنُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّالَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ). (١) تسمى قاعدة أهل السنة والجماعة. ٢٧٨ وفى الترمذى عن أبى أمامة الباهلى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الخوارج ((أنهم كلاب أهل النار، وقرأ هذه الآية (يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهُ) قال الإمام أحمد بن حنبل : صح الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه . وقد خرجها مسلم فى صحيحه ، وخرج البخارى طائفة منها . قال النبى صلى الله عليه وسلم «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم. وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم . يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية - وفى رواية - يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان » . والخوارج هم أول من كفر المسلمين يكفرون بالذنوب . ویکفرون من خالفهم فى بدعتهم ويستحلون دمه وما له. وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها . وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ، وير حمون الخلق. وأول بدعة حدثت فى الإسلام بدعة الخوارج والشيعة ، حدثنا فى أثناء خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب ، فعاقب الطائفتين . أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم ، وأما الشيعة فرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبى بكر وعمر . وروى عنه من وجوه كثيرة أنه قال : خير هذه الأمة بعد نيها أبو بكر ثم عمر . ورواه عنه البخارى فى صحيحه . ٢٧٩ فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات ، لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم ، فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة ولا نجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره ، بل مازال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلى بدعة أو نجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره ، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم ، وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة ، وهو أحد القولين فى مذهب مالك وأحمد . وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التى إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة . وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم. وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب ألا يصلى إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب ، كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله . ولم يقل أحمد إنه لا تصح إلا خلف من أعرف حاله. ٢٨٠