النص المفهرس

صفحات 241-260

وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس. فأما كون هذا القول
ثابتا عند زيد بينة ، أو إقرار ، أو خط : فهذا يتعلق بالحكام .
ولا ريب أن مثل ((بدر الدين» من أعدل الناس وأحبهم فى أهل الصدق
والعدل ومن أشد الناس بغضاً لشهود الزور ، ولو كان متمكناً منهم لعمل
أشياء، فهذا لو احتيج فيه إلى مثل ((بدر الدين)) لكان هو الحاكم الذى ينبغى
أن يتولاه؛ دون من هو مشهور بالفجور.
لكن هذه المحاضر التى عندهم ما تساوى مدادها ، وهم يعرفون كذبها
وبطلانها ، وأنا لا أكره المحاقة عليها عنده ليثبت عنده الحق دون الباطل؛
فإن كان يجيب إلى ذلك فيا حبذا لكنى أخاف أن يحصل له أذى فىَّ بالقدح فى
بعض الناس . فهو يستخير الله فيما يفعله واللّه يخير له فى جميع الأمور.
بل أختار أنا وغيرى المحاقة على ذلك عند بعض نوابه كالقاضى
((جمال الدين الزرعى)) فإنه من عدول القضاة وإلا (( فبدر الدين ، أجل قدراً
من أن يكلف ذلك لو كنت محتاجاً إلى ذلك. فأما: والأمر ظهر عند الخاصة
والعامة فلا يحتاج إليه كما قلت ((للطيبرسى»: الكتاب من السلطان الذى كتب
على لسان السلطان، وأخبر عن ذلك بجميع ما أخبر من الكذب ومخالفة الشريعة:
أمور عظيمة بنحو عشرة أوجه والكتاب الذى كتب على لسان ((غازان » كان
أقرب إلى الشريعة من هذا الكتاب الذى كتب على لسان السلطان . وسواء
٢٤١

بأن فعل ذلك أو لم يفعله فإنى أعتقد ، وأدين الله بأن نصره ومعاونته على البر
والتقوى ، وعلى نفوذ صدقه وعدله ، دون كذب الغير وظله ؛ وعلى رفع
قدره على الغير من أعظم الواجبات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد أرسل إلىَّ الشيخ ((نصر، يعرض على إن كنت أختار إحضار
المحاضر لأتمكن من القدح فيها .
فقلت له فى الجواب: هى أحقر وأقل من أن يحتاج دفعها إلى حضورها
فإنى قد بينت بضعة وعشرين وجهاً أن هذا الحاكم خارج عن شريعة الإسلام
بإجماع المسلمين : أهل المذاهب الأربعة وغيرهم.
٢٤٢

فصل
ومما ينبغى أن تعلمه : أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية - ابن
مخلوف ، وغيره - وقد أداروا الرأى بينهم وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون
متهوکون
والطيبرسى طلب منى غير مرة ترك المحاقة. فقلت له : أنا ما بغيت على أحد
ولا قلت لأحد : وافقنى على اعتقادى ، وإلا فعلت بك ، ولا أكرهت أحدا
بقول ولا عمل ؛ بل ما كتبت فى ذلك شيئاً قط إلا أن يكون جواب استفتاء
بعد إلحاح السائل واحتراقه ، وكثرة مراجعته ، ولا عادتى مخاطبة الناس فى
هذا ابتداء .
وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، وأكرموهم عليه: فيبينون
للناس ما الذى أمروهم به ، وما الذى نهوهم عنه . فإن كانوا أمروهم بما أمرهم الله به
ورسوله: فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ورسوله. وإن
كانوا أمروا بحق وباطل ، ونهوا عن حق وباطل ، وأمروا ونهوا عن أمور
لا يعرفون حقيقتها . كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين، وكان الحاكم بذلك من
القاضيين اللذين فى النار ، ولم تجز طاعتهم فى ذلك بل تحرم .
٢٤٣

وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة ؛ لكن من أنكر شيئاً ماقلته
فليقل : إنى أنكر كذا وكذا ويكتب خطه بما أنكره، ويوجه إنكاره له، وأنا
أكتب خطى بالجواب ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين - شرقاً
وغرباً - وأنا قائل ذلك . وقد قلت قبل ذلك بدمشق: هذه الإنكارات المجملة
لا تفيد شيئاً بل من أنكر شيئاً فليكتب خطه بما أنكره ، وبحجته ، وأنا
أكتب خطى بجواب ذلك ويرى أهل العلم والإيمان الكلامين فهذا هو الطريق
فى الأمور العامة .
وأما الألفاظ التى لا تكتب فيكثر فيها التخليط ، والزيادة ، والنقصان،
كما قد وقع، وقد قلت فيما قلته للطيبرسى : هذا الأمر الذى عملتموه فساد فى
ملتكم ودولتكم وشريعتكم والكتاب ((السلطانى، الذى كتب على
لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة الشريعة أمور كثيرة تزيد على
عشرة أوجه .
وكتاب ((غازان)) الذى قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة الإسلام
من هذا الذى كتب على لسان سلطان المسلمين، وقرئ على منابر الإسلام . فإذا
كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم وعلى القضاة ويبدل دين الإسلام
فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم؟ وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب
السلطان أقول هذا الاعتقاد عندكم وهو الذى بحثه علماء الشام فمن كان منكرا منه
شيئاً فليبينه .
٢٤٤

ومما يجب أن يعلم أن الذى يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا
بحجة وبيان ؛ إذ ليس لأحد أن يلزم أحدا بشىء ، ولا يحظر على أحد شيئاً
بلا حجة خاصة؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله. الذى أوجب
على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم، وما لم تدركه، وخبره مصدق فيما علمناه،
وما لم نعلمه، وأما غيره إذا قال هذا صواب أو خطأ، فإن لم يين ذلك بما يجب
به اتباعه ، فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالماً بما ينكره، وما يقدر
الناس عليه ، فليس لأحد من خلق الله كائناً من كان أن يبطل قولا أو يحرم
فعلا إلا بسلطان الحجة وإلا كان ممن قال الله فيه: ( إِنَّالَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ
ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ إِنِ فِ صُدُورِ هِمْ إِلََّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيهِ)
وقال فيه : ( الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّءَ ايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ كَبُرَ مَقْنَّا عِندَاللَّهِ
وَيِندَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَِّرٍ جَبَّارٍ ).
هذا وأنا فى سعة صدر لمن يخالفنى ، فإنه وإن تعدى حدود الله فى بتكفير ،
أو تفسيق ، أو افتراء أو عصبية جاهلية: فأنا لا أقعدى حدود الله فيه . بل
أضبط ما أقوله ، وأفعله، وأزنه بميزان العدل ، وأجعله مؤتما بالكتاب الذى
أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكما فيما اختلفوا فيه. قال الله تعالى؛ (كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ
◌ِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ). وقال تعالى: (فَإِن تَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
٢٤٥

وَالرَّسُولِ) الآية. وقال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَ لْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ
وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).
وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن قطيع اللّه فيه (إِنَّاللَّهَ مَعَ
الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ). وقال تعالى: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم
إلى ذلك كله وأبينه بيانا يفهمه الخاص والعام أن الذى أقوله: هو الموافق لضرورة
العقل والفطرة، وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وأن المخالف
لذلك هو المخالف لصريح المعقول ، وصحيح المنقول ؛ فلو كنت أنا المبتدئ
بالإنكار، ، والتحديث بمثل هذا : لكانت الحجة متوجهة عليهم، فكيف إذا كان
الغير هو المبتدئ بالإنكار ( وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَتِهِمِ مِن سَبِيلٍ)
الآيتين (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَ لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَالَمُ
اٌلْغَلِبُونَ ) ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
اُلْأَشْهَدُ ).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعلى سائر الجماعة وتخص ( بدر
الدين، بأكرم تحية ، وسلام ، وتوقفه على هذه الأوراق إن شئت ؛ فإنه
كان يقول فى بعض الأمور: ما عن المحبوب . سر محجوب ، وبشر بكل
٢٤٦

ما يسرُ الله به عباده المؤمنين ، وينتقم به من الكافرين والمنافقين ؛ فإنى
أعرف جملا مما يتجرعه هو وذووه من أهل الترؤس بالباطل من ذوى
الكذب والمحال .
واللّه ناصر دينه، وناصر عباده المؤمنين على مناوئيهم بالباطل لكن ليس
هذا موضع الإخبار بتفاصيل سارة .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٢٤٧

قال شيخ الإسلام :-
رحمه الله تعالى
3
ـي
13
١٠
الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات
أعمالنا . من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادی له .
ونشهد أن لا إله إلا الله .
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم تسليما .
أما بعد : فقد وصلت ورقتك التى ذكرت فيها إخبارك الشيخ باجتماع
الرسول بى ، وما أخبرته من الكلام، وأن الشيخ قال: ((اعلم أنى واللّه قد
عظم عندى كيف وقعت الصورة على هذا ، إلى آخره.
وأنه قال: تجتمع بالشيخ وتتفق معه - على ما يراه هو ويختاره . إن يكن
كما قلت ، أو غيره - فتسلم عليه ، وتقول له : أما هذه القضية ليس لى فيها غرض
معين أصلا، ولست فيها إلا واحداً من المسلمين . لى مالهم ، وعلىّ ما عليهم،
٢٤٨

وليس لى ولله الحمد حاجة إلى شىء معين يطلب من المخلوق ، ولا فى ضرر
يطلب زواله من المخلوق ، بل أنا فى نعمة من الله سابغة ورحمة عظيمة أعجز
عن شكرها .
ولكن على أن أطيع الله ورسوله، وأطيع أولى الأمر إذا أمرونى بطاعة
اللّه ؛ فإذا أمرونى بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دل عليه
((الكتاب)) و((السنة)) واتفق عليه ((أئمة الأمة)) قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ
أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِ نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَكُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا طاعة
لمخلوق في معصية الله)) ((إنما الطاعة فى المعروف)) وأن أصبر على جور الأئمة،
وأن لا أخرج عليهم فى فتنة ؛ لما فى الصحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه فإنه من فارق
الجماعة قيد شبر فمات فيتته جاهلية)) .
ومأمور أيضاً مع ذلك أن أقول : أو أقوم : بالحق حيثما كنت ؛
لا أخاف فى الله لومة لائم ، كما أخرجا فى الصحيحين عن عبادة بن الصامت
قال: ((بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على السمع والطاعة فى يسرنا
وعسرنا ، ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن
٢٤٩

نقول - أو نقوم - بالحق حيثما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم )). فبايعهم
على هذه (الأصول الثلاثة الجامعة)) وهى الطاعة فى طاعة الله؛ وإن كان الآمر
ظالماً ، وترك منازعة الأمر أهله، والقيام بالحق بلا مخافة من الخلق.
والله سبحانه قد أمر فى كتابه عند تنازع الأمة بالرد إلى الله ورسوله؛
لم يأمر عند التنازع إلى شىء معين أصلا . وقد قال الأئمة: إن أولى الأمر صنفان
العلماء ، والأمراء. وهذا يدخل فيه مشايخ الدين ، وملوك المسلمين : كل منهم
يطاع فيما إليه من الأمر. كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العبادات، ويرجع
إليهم فى معانى القرآن ، والحديث ، والإخبار عن اللّه؛ وكما يطاع هؤلاء فى
الجهاد ، وإقامة الحد ، وغير ذلك: مما يباشرونه من الأفعال التى أمرهم الله بها.
وإذا اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة فإن أمة محمد صلى الله عليه
وسلم لا تجتمع على ضلالة، وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة.
وهذه القضية قد جرى فيها ما جرى مما ليس هذا موضع ذكره. وكنت
تبلغنى بخطابك وكتابك عن الشيخ ما تبلغنى . وقد رأيت وسمعت موافقتى على
كل ما فيه طاعة الله ورسوله، وعدم التفاتى إلى المطالبة بحظوظى، أو مقابلة من
يؤذينى، وتيقنت هذا منى ، فما الذى يطلب من المسلم فوق هذا، وأشرت بترك
المخافة ولين الجانب، وأنا مجيب إلى هذا كله .
فجاء الفتاح أولا فقال : يسلم عليك النائب. وقال : إلى متى يكون المقام
٢٥٠

فى الحبس ؟. أما تخرج؟ هل أنت مقيم على تلك الكلمة أم لا؟. وعلمت أن
الفتاح ليس فى استقلاله بالرسالة مصلحة، لأمور لا تخفى. فقلت له : سلم على
النائب وقل له أنا ما أدرى ما هذه الكلمة؟ وإلى الساعة لم أدر على أى شىء
حبست؟ ولا علمت ذنى؟ . وأن جواب هذه الرسالة لا يكون مع خدمتك؛
بل يرسل من ثقاته - الذين يفهمون ويصدقون - أربعة أمراء . ليكون الكلام
معهم مضبوطاً عن الزيادة والنقصان . فأنا قد علمت ما وقع فى هذه القصة
من الأ كاذيب .
فجاء بعد ذلك الفتاح ومعه شخص ما عرفته ، لكن ذكر لى أنه يقال له
علاء الدين الطيبرسى، ورأيت الذين عرفوه أثنوا عليه بعد ذلك خيراً، وذكروه
بالحسنى ؛ لكنه لم يقل ابتداء من الكلام : ما يحتمل الجواب بالحسنى ! فلم
يقل الكلمة التى أنكرت : كيت ، وكيت ! ولا استفهم هل أنت مجيب إلى
کیت ، وکیت؟ !.
ولو قال ما قال : - من الكذب علىَّ والكفر ، والمجادلة - على الوجه
الذى يقتضى الجواب بالحسنى لفعلت ذلك ، فإن الناس يعلمون أنى من أطول
الناس روحاً ، وصبرا على مر الكلام ، وأعظم الناس عدلا فى المخاطبة لأقل
الناس؛ دع (لولاة)(١) الامور
لكنه جاء مجىء المكره على أن أوافق إلى ما دعا إليه ، وأخرج درجاً فيه
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (ولاة).
٢٥١

من الكذب، والظلم، والدعاء إلى معصية الله، والنهى عن طاعته ما الله به عليم
وجعلت كلما أردت أن أجيبه ، وأحمله رسالة يبلغها لا يريد أن يسمع شيئاً من
ذلك ويبلغه ، بل لا يريد إلا ما مضمونه الإقرار بما ذكر والتزام عدم العود إليه
والله تعالى يقول: ( وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ). فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن تجيبه بالتى هى أحسن
بل قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه -لعروة بن مسعود بحضرة النبى صلى الله
عليه وسلم لما قال : إنى لأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ، ويدعوك -
امصص بظر اللات! أنحن نفر عنه، وندعه ؟!
ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من كانوا . وقد قال تعالى :
(وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ) . فمن كان مؤمناً فهو
الأعلى كائنا من كان. ومن حاد الله ورسوله فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَاذُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الْأَذَلِينَ).
وأنا ، أو غيرى من أى القسمين كنت فإن الله يعاملنى وغيرى بما وعده فإن
قوله الحق ( وَعْدَ اللَهِلَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) فقلت له فى ضمن الكلام: الحق
فى هذه القصة ليس لى؛ ولكن لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من شرق الأرض
إلى غربها. وأنا لا أعنى تبديل الدين وتغييره؛ وليس لأجلك ؛ أو أجل غيرك
أرتد عن دين الإسلام: وأقر بالكفر، والكذب ، والبهتان. راجعاً عنه
أو موافقاً عليه .
٢٥٢

ولما رأيته يلح فى الأمر بذلك أغلظت عليه فى الكلام . وقلت دع هذا
الفشار، وقم ، رح فى شغلك . فأنا ما طلبت منكم أن تخرجونى - وكانوا قد
أغلقوا الباب القائم الذى يدخل منه إلى الباب المطبق - فقلت أنا افتحوا لى الباب
حتى أنزل يعنى فرغ الكلام.
وجعل غير مرة يقول لى : أتخالف المذاهب الأربعة فقلت : أنا ما قلت :
إلا ما يوافق المذاهب الأربعة ، ولم يحكم على أحد من الحكام إلا ابن مخلوف
وأنت كنت ذلك اليوم حاضرا.
وقلت له أنت وحدك تحكم ، أو أنت وهؤلاء . فقال : بل أنا وحدى
فقلت له : أنت خصمی . فکیف تحكم على ؟ فقال : کذا ، ومد صوته، وانزوی
إلى الزاوية . وقال: قم . قم . فأقامونى ، وأمروابى إلى الحبس ثم جعلت
أقول: أنا وإخوتى غير مرة : أنا أرجع، وأجيب ، وإن كنت أنت الحاكم
وحدك. فلم يقبل ذلك منى.
فلما ذهبوا بى إلى الحبس حكم بما حكم به ، وأثبت ما أثبت ، وأمر فى
الكتاب السلطانى بما أمربه فهل يقول أحد من اليهود، أو النصارى ، دع المسلمين
إن هذا حبس بالشرع، فضلا عن أن يقال: شرع محمد بن عبد الله. وهذا مما يعلم
الصبيان الصغار بالاضطرار من دين الإسلام أنه مخالف لشرع محمد بن عبد الله.
وهذا الحاكم هو وذووه دائما يقولون فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن عبد الله .
٢٥٣

وهذا الحكم مخالف لشرع الله - الذى أجمع المسلمون عليه - من أكثر من
عشرین و جها .
ثم النصارى فى حبس حسن : يشركون فيه بالله ، ويتخذون فيه الكنائس
فياليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى ! وياليتنا سوينا بالمشركين ،
وعباد الأوثان! بل لأولئك الكرامة ولنا الهوان . فهل يقول من يؤمن بالله
واليوم الآخر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذا .
وبأى ذنب حبس إخوتى فى دين الإسلام غير الكذب والبهتان ومن
قال : إن ذلك فعل بالشرع فقد كفر بإجماع المسلمين .
وقلت له فى ضمن الكلام أنت لو ادعى عليك رجل بعشرة دراهم ، وأنت
حاضر فى البلد ؛ غير ممتع من حضور مجلس الحاكم لم يكن للحاكم أن يحكم
عليك فى غيبتك هذا فى الحقوق فكيف بالعقوبات التى يحرم فيها ذلك بإجماع
المسلمين .
ثم هذا الرجل قد ظهر کذبه غير مرة . ذلك اليوم كذب على فى أكثر
ما قاله ، وهذه الورقة التى أمر بكتابتها أكثرها كذب ، والكتاب السلطانى
الذى كتب بأمره مخالف للشريعة من نحو عشرة أوجه ، وفيه من الكذب
على المجلس الذى عقد أمور عظيمة قد علمها الخاص والعام . فإذا كان الكتاب
٢٥٤

الذى كتب على لسان السلطان ، وقرئ على منابر الإسلام أخبر فيه عن أهل
المجلس: من الأمراء ، والقضاة بما هو من أظهر الكذب والبهتان ؛ فكيف
فيما غاب عنهم.
قلت وهو دائماً يقول عنى : إنى أقول إن الله فى زاوية ولد ولداً،
وهذا كله كذب . وشهرته بالكذب ، والفجور يعلمه الخاص والعام. فهل يصلح
مثل هذا أن
يحكم فى أصول الدين ومعانى الكتاب والسنة وهو لا يعرف
ذلك؟! ورأيته هنا يتبسم تبسم العارف بصحة ما قلته فكأن سيرة هذا الحاكم
مشهورة بالشر بين المسلمين .
وأخذ يقول لى : هذه المحاضر، ووجدوا بخطك ، فقلت أنت كنت
حاضراً ذلك اليوم . هل أرانى أحد ذلك اليوم خطأ، أو محضراً ؟ أو قيل
لى شهد عليك بكذا ، أو سمع لى كلام ؛ بل حين شرعت أحمد الله وأثنى عليه
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم))
منعونى من حمد الله . وقالوا : لا تحمد الله ، بل أجب.
فقلت لابن مخلوف : ألك أجيب ، أو لهذا المدعى ؟ وكان كل منهما قد
ذكر كلاماً أكثره كذب. فقال: أجب المدعى. فقلت: فأنت وحدك تحكم،
أو أنت وهؤلاء القضاة ، فقال: بل أنا وحدى . فقلت: فأنت خصمى فكيف
يصح حكمك علىّ، فلِمَ تطلب منى الاستفسار عن وجه المخاصمة؟ ؛ فإن هذا كان
٢٥٥

خصما: من وجوه متعددة معروفة عند جميع المسلمين . ثم قلت: أما ما كان بخطى
فأنا مقيم عليه .
وأما المحاضر : فالشهود فيها فيهم من الأمور القادحة فى شهادتهم وجوه
متعددة تمنع قبول شهادتهم بإجماع المسلمين ، والذى شهدوا به فقد علم المسلمون
خاصتهم وعامتهم بالشام وغيره ضد ماشهدوا به .
وهذا القاضى ((شرف الدين)) بن المقدسى قد سمع منه الناس العدول أنه
كان يقول أنا على عقيدة فلان حتى قبل موته بثلاث دخلت عليه فيما يرى مع
طائفة فقال قدامهم : أنا أموت على عقيدتك يا فلان ؛ لست على عقيدة هؤلاء
يعنى الخصوم ، وكذلك القاضى شهاب الدين الخولى غير مرة يقول : فى قفاك
أنا على عقيدته.
والقاضى (( إمام الدين » قد شهد على العدول أنه قال ما ظهر فى كلامه شىء
ومن تكلم فيه عزرته . وقال لى فى أثناء كلامه : فقد قال بعض القضاة : إنهم
أنزلوك عن الكرسى. فقلت : هذا من أظهر الكذب الذى يعلمه جميع الناس
ما أنزلت من الكرسى قط ولا استتابنى أحد قط عن شىء ولا استرجعنى .
وقلت قد وصل إليكم المحضر الذى فيه خطوط مشايخ الشام ، وسادات
الإسلام - والكتاب الذى فيه كلام الحكام: الذين هم خصومى بجمال
الدين المالكى ، وجلال الدين الحنفى ، وما ذكروا فيه مما يناقض
٢٥٦

هذه المحاضر . وقول المالكى ما بلغنى قط أنه استتيب ، ولا منع من فتياً ،
ولا أنزل ، ولاكذا ، ولا كذا . ولا ثبت عليه عندى قط شىء يقدح فى دينه
وكذلك قول سائر العلماء والحكام فى غيبتى .
وأما الشهادات ففها أمور عظيمة فتدبروها فكيف وشهود المحضر فيهم
من مواقع الشهادة أمور تقال عند الحاجة !!
٢٥٧

فصل معرض
ذكرت فى ورقتك أنك قلت للشيخ : فى نفسى أن تطلب لى المحاضر حتى
ينظر هو فيها . فإن كان له دافع وإلا فالجماعة كلهم معذورون ؛ وهذا مما لا حاجة
إليه أصلا، وهذه المحاضر أقل وأحقر من أن يحتاج الرد عليها إلى حضرتها،
فإنى قد بينت - ببضع وعشرين وجهاً: أن هذا الحكم خارج عن شريعة الإسلام
بإجماع المسلمين: المذاهب الأربعة ، وسائر أئمة الدين .
وقلت للرسول: مالابن مخلوف ونحوه فى أن يتعرض إلى علم الدين الذى
غيره أعلم به منه: مثل تفسير القرآن، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم،
ومقالات السلف ، وأصول الدين التى لا يعرفها ، وهذه الأمور إنما يرجع
فيها إلى من يعرفها ، فإن كان السلطان ؛ أو نائبه الحاكم يعرفها كان فى ذلك كسائر
العارفين بها ، وإلا فلا أمر لهم فيها؛ كما لا يراجع فى الاستفتاء إلا من
يحسن الفتيا.
وقلت له أنا لم يصدر منى قط إلا جواب مسائل ، وإفتاء مستفت ،
ما كاتبت أحداً أبداً، ولا خاطبته فى شىء من هذا؛ بل يجيثنى الرجل المسترشد
المستفتى بما أنزل الله على رسوله، فيسألنى مع بعده؛ وهو محترق على طلب الهدى
٢٥٨

أفيسعنى فى دينى أن أ كتمه العلم . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سئل
عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))؟ !.
وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِمَا
) أفعلى أمرك
بَيَّنَكَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِتَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَهُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَتُهُمُ اللَّعِنُونَ
أمتنع عن جواب المسترشد لأكون كذلك؟ وهل يأمرنى بهذا السلطان ،
أو غيره من المسلمين؟ .
ولكن أتم ما كان مقصودكم إلا دفع أمر الملك لما بلغكم من الأكاذيب،
فقال يا مولانا: دع أمر الملك. أحد ما يتكلم(١) فى الملك. فقلت: ((إيه))
الساعة ما بقى أحد يتكلم فى الملك! وهل قامت هذه الفتنة إلا لأجل ذلك؟ ونحن
سمعنا - بهذا - ونحن بالشام أن المثير لها تهمة الملك ، لكن ما اعتقدنا أن
أحدا يصدق هذا .
وذكرت له أن هذه القصة ليس ضررها علىَّ ، فإنى أنا من أى شىء
أخاف؟ ! إن قتلت کنت من أفضل الشهداء ، وكان ذلك سعادة فى حقی: یترضى
بها علىّ إلى يوم القيامة ، ويلعن الساعى فى ذلك إلى يوم القيامة ، فإن جميع أمة
محمد يعلمون أنى أقتل على الحق الذى بعث الله به رسوله . وإن حبست فوالله
إن حبسی لمن أعظم نعم الله على، وليس لى ما أخاف الناس عليه : لا مدرسة،
ولا إقطاع، ولا مال ولا رئاسة، ولا شىء من الأشياء.
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (ما أحد يتكلم) .
٢٥٩

ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم : فإن الذين سعوا فيها من الشام
أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم ، وفساد ملتكم ، ودولتكم . وقد ذهب بعضهم
إلى بلاد النقر، وبعضهم مقيم هناك . فهم الذين قصدوا فساد دينكم ودنياكم
وجعلونی إماما بالتستر ؛ لعلهم بآنى أوالیکم ، وأنصح لكم، وأريد لكم خیر
الدنيا والآخرة. والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف . وإلا فأنا لم يكن بينى
وبين أحد بمصر عداوة، ولا بغض، وما زلت محبالهم. مواليالهم: أمرأنهم،
ومشايخهم، وقضاتهم.
فقال لى فما الذى أقوله لنائب السلطان؟ فقلت: سلم عليه وبلغه كل ما سمعت.
فقال : هذا كثير .
فقلت: ملخصه أن الذى فى هذا الدرج أكثره كذب. وأما هذه الكلمة
((استوى حقيقة)) فهذه قد ذكر غير واحد من علماء الطوائف - المالكية ،
وغير المالكية - أنه أجمع عليها أهل السنة والجماعة ؛ وما أنكر ذلك أحد من
سلف الأمة ولا أئمتها . بل ما علمت عالما أنكر ذلك . فكيف أترك ما أجمع
عليه أهل السنة ، ولم ينكره أحد من العلماء .
وأشرت بذلك إلى أمور: منها ما ذكره الإمام (( أبو عمر الطلبنكى، وهو
أحد أئمة المالكية قبل الباجى ، وابن عبد البر ، وهذه الطبقة . قال: وأجمع
المسلمون من أهل السنة أن معنى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُمْ) ونحو ذلك من القرآن:
أن ذلك علمه وأن اللّه فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. وقال
٢٦٠