النص المفهرس
صفحات 221-240
الفطر بأن معبودها، ومدعوها فوق: هو أمر ضرورى، عقلى، فطرى ، لم تستفده من مجرد السمع، بخلاف الاستواء على العرش - بعد خلق السموات والأرض فى ستة أيام - فإن هذا علم من جهة السمع . ولهذا لا تعرف أيام الأسبوع إلا من جهة المقرين بالنبوات، فأما من لا يعرف ذلك كالترك المشركين ، فليس فى لغتهم أسماء أيام الأسبوع . وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة فى يوم واحد فى الأسبوع كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اليوم لنا. وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى)). وبسط ابن عبد البر الكلام فى ذلك . إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: (مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلََّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَسَادِسُهُمْ) فلا حجة فيه لهم؛ لأن علماء الصحابة ، والتابعين قالوا فى تأويل هذه الآية: هو على العرش ، وعله فىكل مكان ، وما خالفهم فى ذلك أحد يحتج بقوله : قال أبو عمر : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها فى القرآن والسنة ، والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة ؛ لا على المجاز ؛ إلا أنهم لا يكفون شيئاً ، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ؛ ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقربها مشبه، وهم - عند من أقربها- نافون للمعبود ، والحق ما نطق به كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة . ٢٢١ وقال أيضاً الذى عليه أهل السنة، وأئمة الفقه، والأثر : فى هذه المسألة وما أشبهها : الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتصديق بذلك، وترك التحديد ، والكيفية فى شىء منه . وقال السجزى فى «الإبانة)) وأئمتنا كالثورى. ومالك ، وابن عيينة ، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد وإسحاق : متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ، وأنه يغضب ، ويرضى ويتكلم بما شاء . فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم برىء ، وهم منه برءاء . وقال الشيخ عبد القادر فى ((الغنية)، أما معرفة الصانع بالآيات، والدلالات - على وجه الاختصار - فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد صمد. إلى أن قال : وهو بجهة العلو ، مستو على العرش ، محتو على الملك ، محيط علمه بالأشياء . قال : ولا يجوز وصفه بأنه فی کل مکان ؛ بل يقال: إنه فى السماء على العرش. إلى أن قال: وينبغى إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش فى كل كتاب أنزل على كل نبى أرسل بلا تكييف. وذكر الشيخ ((نصر المقدسى)) فى (( كتاب الحجة)، عن ابن أبى حاتم قال: سألت أبى وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة ؟ فقالا أدركنا العلماء فى جميع ٢٢٢ الأمصار: حجازاً، وعراقاً ، ومصر، وشاماً ويمناً ؛ فكان من مذاهبهم : أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله منزل ؛ غير مخلوق، بجميع جهاته ، إلى أن قال: وإن اللّه على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه فى كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف . أحاط بكل شىء علماً . وقال الشيخ نصر فى أثناء الكتاب إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام : من اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما أجمع عليه الأئمة والعلماء. فاذكر مذهبهم وما أجمعوا عليه . فالجواب: أن الذى أدركنا عليه أهل العلم ، ومن بلغنى قوله من غيرهم . فذكر جمل («اعتقاد أهل السنة)) وفيه: وأن اللّه مستو على عرشه ، بأن من خلقه . كما قال : فی کتابه . وقال أبو الحسن الكجى الشافعى فى ((قصيدته المشهورة فى السنة)): عقيدتهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب وقال القرطبى - صاحب التفسير الكبير - فى قوله تعالى: (ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ) قال. هذه ((مسألة الاستواء)) وللعلماء فيها كلام. فذكر قول المتكلمين. ثم قال: كان السلف الأول لا يقولون بنفى الجهة ، ولا ينطقون بذلك . بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله؛ كما نطق به كتابه ، وأخبرت ٢٢٣ به رسله. قال: ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة؛ وإنما جهلوا كيفية الاستواء . فإنه لا تعلم حقيقته. ثم قال : - بعد أن حكى أربعة عشر قولاً - وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآى ، والأخبار، والفضلاء الأخيار : أن الله على عرشه ، كما أخبر فى كتابه، وعلى لسان نبيه بلا كيف. بائن من جميع خلقه . هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله الثقات عنهم . ولما اجتمعنا بدمشق وأحضر فيما أحضر كتب أبى الحسن الأشعرى : مثل ((المقالات)) و((الإبانة ، وأئمة أصحابه كالقاضى أبى بكر ، وابن فورك، والبيهقى، وغيرهم. وأحضر كتاب ((الإبانة))، وما ذكر ابن عساكر فى كتاب ((تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى الأشعرى)) وقد نقله بخطه أبو زكريا النووي. وقال فيه : فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة ، والقدرية، والجهمية والحرورية ، والرافضة ، والمرجئة : فعرفونا قولكم الذى به تقولون. قيل له: قولنا : التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث . ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ، ورفع درجته ،وأجزل مثو بته قائلون، ولما خالف قوله مجانبون ؛ لأنه الإمام الفاضل الذى أبان اللّه به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشك الشاكين . ٢٢٤ وذكر الاعتقاد الذى ذكره فى ((المقالات)) عن أهل السنة ثم احتج على أبواب الأصول مثل ((مسألة القرآن)) ((والرؤية)) ((والصفات، ثم قال :- (باب ذكر الاستواء). فإن قال قائل : ما تقولون فى الاستواء: قيل بأن الله مستو على عرشه . كما قال سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ) وقال سبحانه: ( بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ) وقال فرعون: (يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا ) كذب موسى فى قوله إن اللّه فوق السموات. وقال: (َ أَمِنْتُمُ مَّن ◌ِ السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ) والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذى هو على السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال: ( وَجَعَلَ الْقَمَرَفِهِنَّ ثُورًا ) لم يرد أن القمر يملؤهن جميعاً ، وأنه فيهن جميعاً . ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش. قال وقد قال قائلون: من المعتزلة ، والجهمية ، والحرورية إن معنى قوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) أى استولى، وملك ، وقهر . والله فى كل مكان؛ وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قاله أهل الحق. قال: ولو كان كما قالوا : كان لا فرق بين العرش ، وبين الأرض السابعة السفلى ؛ لأن الله قادر على كل شىء، وقدر ذلك. ٢٢٥ وساق الكلام إلى أن قال: ومما يؤكد لكم أن اللّه مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله (( ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر، ثم ذكر الأحاديث. وقال تعالى (يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وأجمعت الأمة على أن اللّه رفع عيسى إلى السماء. وذكر دلائل . إلى أن قال: كل ذلك يدل على أن اللّه ليس فى خلقه ولا خلقه فيه ، وأنه عز وجل مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً . جل عما يقول الذين لم يثبتوا له فى وصفهم له حقيقة ، ولا أو جبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم على النفى فى التأويل : يريدون بذلك فيما زعموا التنزيه ، ونفى التشبيه . فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفى والتعطيل . وهذا باب واسع لا يحصر فيه كلام العلماء من جميع الطوائف ، وما فى ذلك من الدلائل العقلية والنقلية ، وما يعارض ذلك أيضا من حجج النفاة ، والجواب عنها . وقد كتبت فى هذا ما يجىء عدة مجلدات وذكرت فيها مقالات الطوائف جميعها ، وحججها الشرعية والعقلية ، واستوعبت ما ذكره الرازى فى كتاب ((تأسيس التقديس)) ((ونهاية العقول)) وغير ذلك؛ حتى أتيت على مذاهب ٢٢٦ الفلاسفة المشائين أصحاب أرسطو ، وغير المشائين متقدميهم ومتأخريهم : كأفضل متأخريهم «ابن سينا، وأوحدهم فى زمانه («أبى البركات)» وذكرت حججهم . فإنى أعلم أن هذا الباب قد كثر فيه الاضطراب ، وحار فيه طوائف من الفضلاء الأذكياء ؛ لتعارض الأدلة عندهم. وقررت الأدلة اللفظية الصحيحة وميزت بينها وبين الشبهات الفاسدة ؛ مع ما يجىء فى ضمن ذلك من أصول عظيمة وقواعد جسيمة . من أولها - وهو من أجل الأمور عند كثير من الناس - من تقرير استدارة الأفلاك . فإنى قررت ذلك ، وذكرت كلام من ذكر إجماع المسلمين على ذلك: مثل ابن المنادى ، وابن حزم ، وابن الجوزى ، وما يتعلق بذلك : من الأمور الحسابية السمعية من الكتاب والسنة ، إلى أمثال ذلك ما يطول وصفه . وأيضاً لما كنت فى البرج ذكر لى أن بعض الناس علق مؤاخذة على الفتيا ((الحموية)) وأرسلت إلى ، وقد كتبت فيما بلغ مجلدات؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية ، والأشعرية وحشة ، ومنافرة . وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين ، وطلباً لاتفاق كلمتهم، واتباعاً لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان فى النفوس من الوحشة ، وبينت لهم أن الأشعرى كان من أجل المتكلمين المنتسبين ٢٢٧ إلى الإمام أحمد رحمه اللّه ونحوه ، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعرى ذلك فی کتبه. وكما قال أبو إسحاق الشيرازى: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة ، وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأنى بكر عبد العزيز ، وأبى الحسن التمیمی ، ونحوهما یذ کرون كلامه فی کتبهم ، بل كان عند متقدمیهم کابن عقيل عند المتأخرين ؛ لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله، وأما الأشعرى فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتيح لها فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول. وكنت أقرر هذا للحنبلية - وأبين أن الأشعرى؛ وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب. فإنه كان تلميذ الجبائى ، ومال إلى طريقة ابن كلاب ، وأخذ عن زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة ؛ ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى ، وذلك آخر أمره كماذ کره هو وأصحابه فی کتبهم. وكذلك ابن عقيل كان تلميذ ابن الوليد وابن التبان المعتزليين ثم تاب من ذلك . وتوبته مشهورة بحضرة الشريف أبى جعفر . وكما أن فى أصحاب أحمد من يبغض ابن عقيل ويذمه: فالذين يذمون الأشعرى ليسوا مختصين بأصحاب أحمد ، بل فى جميع الطوائف من هو كذلك. ولما أظهرت كلام الأشعرى - ورآه الحنبلية - قالوا : هذا خير من ٢٢٨ كلام الشيخ الموفق ، وفرح المسلمون باتفاق الكلمة . وأظهرت ما ذكره ابن عساكر فى مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيرى، فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة، ومعلوم أن فى جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم. مع أنى فى عمرى إلى ساعتى هذه لم أدع أحداً قط فى أصول الدين إلى مذهب حنبلى وغير حنبلى ؛ ولا انتصرت لذلك ؛ ولا أذكره فى كلامى ؛ ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وقد قلت لهم غير مرة : أنا أمهل، من يخالفنى ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك. وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم ، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف. هذا مع أنى دائماً ومن جالسنى يعلم ذلك منى: أنى من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير ، وتفسيق ، ومعصية ؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التى من خالفها كان كافراً تارة ، وفاسقاً أخرى ، وعاصياً أخرى ، وإنى أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها: وذلك يعم الخطأ فى المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية . وما زال السلف يتنازعون فى كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ ( بل عجبتُ ويسخرون) وقال : ان الله لا يعجب؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعى ٢٢٩ فقال إنما شريح شاعر يعجبه عليه. كان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ ( بل عجبتٌ) . وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة فى رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه، وقالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعین لها : إنه مفتر علی الله . وکما نازعت فى سماع الميت كلام الحى ، وفى تعذيب الميت بيكاء أهله ، وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتال . مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعاً مؤمنتان ؛ وأن الاقتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم ؛ لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق. وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق؛ لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذه أول مسئلة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسئلة ((الوعيد، فإن نصوص القرآن فى الوعيد مطلقة كقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ظُلْمًا) الآية، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا . فإن هذه مطلقة عامة . وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا. ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه : بتوبة، أو حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة ، أو شفاعة مقبولة. ٢٣٠ والتكفير هو من الوعيد . فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة . ومثل هذا لا يكفر بححد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة . وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ؛ وإن كان مخطئاً . وكنت دائماً أذكر الحديث الذى فى الصحيحين فى الرجل الذى قال: (( إذا أنا مت فأحرقونى ، ثم اسحقونى . ثم ذرونى فى اليم ، فواللهلئن قدر الله على ليعذبنى عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين . ففعلوا به ذلك ، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت . قال خشيتك : فغفر له )) . فهذا رجل شك فى قدرة الله ، وفىإعادته إذا 'ذرىَ؛ بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين ؛ لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك ، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه ، فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا . ٢٣١ فصل ما ذكرتم من لين الكلام ، وامخاطبة بالتى هى أحسن: فأنتم تعلمون أنی من أكثر الناس استعمالا لهذا؛ لكن كل شىء فى موضعه حسن ؛ وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة : فنحن مأمورون بمقابلته؛ لم نكن مأمورين أن تخاطبه بالتى هى أحسن . ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ) فمن كان مؤمناً فإنه الأعلى بنص القرآن . وقال: (وَلِلَّهِ آلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وقال: (إِنَّالَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُؤْلَئِكَ فِ آلْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَاْوَرُسُلِيِّ) والله محقق وعده لمن هو كذلك كائناً من كان . وما يجب أن يعلم أنه لا يسوغ فى العقل ، ولا الدين طلب رضا المخلوقين لوجهين : أحدهما: أن هذا غير ممكن. كما قال الشافعى رضى الله عنه: [رضا](١) الناس غاية لا تدرك. فعليك بالأمر الذى يصلحك فالزمه ، ودع ما سواه ولا تعانه . والثانى: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله. كما قال تعالى : (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٣٢ ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ). وعلينا أن نخاف الله فلا نخاف أحداً إلا الله كما قال تعالى: (فَلَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وقال: (فَلَا تَخْشَوَأْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقال: (فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ ) (وَإِذَّىَ فَتَّقُونِ ) . فعلينا أن نخاف الله ، ونتقيه فى الناس: فلا نظلهم بقلوبنا ، ولا جوارحنا ، وتؤدى إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا : ولانخافهم فى اللّه فتترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم . ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما كتبت عائشة إلى معاوية : ((أما بعد ؛ فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس ، وعاد حامده من الناس ذاماً . ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضى الله عنه، وأرضى عنه الناس» . فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه ، واجتناب سخطه والعاقبة له؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله . هذا مع أن المرسل فرح بهذه الأمور جوانيه فى الباطن، وكل ما يظهره فإنه مراءاة لقرينه ؛ وإلا فهما فى الباطن متباينان . وثم أمور تعرفها خاصتهم ؛ ويكفيك الطيبرسى قد تواتر عنه الفرح والاستبشار بما جرى مع أنه المخاصم ، المغلظ عليه . وهذا سواء كان أو لم يكن . الأصل الذى يجب اتباعه هو الأول وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تبدءوهم بقتال وإن أكثبوكم فارموهم بالنبل». على الرأس والعين، ولم ترم إلا بعد أن قصدوا شرنا وبعد أن أ كثبونا ولهذا نفع الله بذلك. ٢٣٣ فصل (( ما ذكرتم من أنى أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين)) فهذا لا يصلح؛ بل فيه ضرر على ذلك الشخص، وعلى، وفساد عام . وذلك أنكم تعلمون عن القاضى ((بدر الدين، أنى كنت من أعظم الناس موالاة له، ومناصرة ، ومعاونة له، ومدافعة لأعدائه عنه فى أمور متعددة ؛ بل ما أعلم أحدا أكثر فى مخالصة له ، ومعاونة. وذلك لله وحده، لا لرغبة؛ ولا لرهبة منی. وقطعة قوية مما حصل لى من الأذى - بدمشق وبمصر أيضاً - إنما هو بسبب انتصارى له ، ولنوابه : مثل الزرعى ، والتبريزى ، وغيرهما من حاشيته ، وتنويهى بمحاسنه فى مصر أيضاً قد عرفت بذلك فإنه حزب الردى ، وغيره يعادونی علی ذلك . والله يعلم أن منزلته عندى، ومكانته من قلى ليست قريبة من منزلة غيره، فضلا عن أن تكون مثلها . وحاشا لله أن يشبه بدر الدين بمن فرق الله بينه وبينه من وجوه كثيرة زائدة . وفی سنن أبى داود عن عائشة قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن تنزل الناس منازلهم)). ٢٣٤ وعندى من أظلم الناس من يقرن بينه وبين غيره فى مرتبة واحدة بالشام ، أو بمصر وما زال بدر الدين مظلوما بمثل هذا من الإقران ، وأنا أعتقد من أعظم ما أتقرب به إلى اللّه نصره، وموالانه، ومعاونته أنتم تعرفون (١) فى هذا خصوصاً بهذه الديار فإنه ينبغى أن تكون معاونة له ومناصرةٌ له أكثر مما كانت بالشام ؛ لأن فى كثير من هؤلاء من النفرة عنه ، والكذب ، والفجور ما ليس فى غيرهم . فأنا أحب وأختاركل ما فيه علو قدره فى الدنيا والدين ؛ ولا أحب أن أجعله غرضا لسهام الأعداء. بل ما عملت معه ، ومع غيره ، وما أعمل معهم فأجرى فيه على الله الذى يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ). ولهذا لما ذكر الطيبرسى القضاة وأجملهم : قلت له إنما دخل فى هذه القضية ((ابن مخلوف)) وذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين. فجعل يتبسم لما جعلت أقول هذا كأنه يعرفه ، وكأنه مشهور بقبح السيرة . وقلت ما لابن مخلوف والدخول فى هذا؟ هل ادعى أحد علىَّ دعوى مما يحكم به؟ أم هذا الذى تكلمت فيه هو من أمر العلم العام؟ : مثل تفسير القرآن، ومعانى الأحاديث ، والكلام فى الفقه ، وأصول الدين . وهذه المرجع فيها (١) بياض بالاصل. ٢٣٥ إلى من كان من أهل العلم بها ، والتقوى لله فيها؛ وإن كان السلطان والحاكم من أهل ذلك تكلم فيها من هذه الجهة وإذ عزل الحاكم لم ينعزل ما يستحقه من ذلك كالإفتاء ونحوه ولم يقيد الكلام فى ذلك بالولاية . وإن كان السلطان والحاكم ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه لم يحل له الكلام فيه ؛ فضلا عن أن يكون حاكما . وابن مخلوف ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه . قلت : فأما القاضى بدر الدين خاشا لله . ذاك فيه من الفضيلة ، والديانة ما يمنعه أن يدخل فى هذا الحكم المخالف لإجماع المسلمين من بضعة وعشرين وجهاً . قلت ومن أصر على أن هذا الحكم الذى حكم به ابن مخلوف هو حكم شرع محمد صلى الله عليه وسلم: فهو بعد قيام الحجة عليه كافر. فإن صبيان المسلمين يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا الحكم لا يرضى به اليهود ، ولا النصارى ؛ فضلا عن المسلمين ! . وذكرت له بعض الوجوه الذى يعلم بها فساد هذا الحكم ؛ وهى مكتوبة مع ((الشرف محمد)). وكذلك نزهت القاضى ((شمس الدين السروجى )) عن الدخول فى مثل هذا الحكم. وقلت له أنتم ما كان مقصودكم الحكم الشرعى؛ وإنما كان مقصودكم دفع ٢٣٦ ما سمعتوه من تهمة الملك ؛ ولما علمت الحكام أن فى القضية أمر الملك أحجموا وخافوا من الكلام خوفاً يعذرهم الله فيه ، أولا يعذرهم. لكن لولا هذا لتكلموا بأشياء . ولو كان هذا الحكم شاذا أو فيه غرض لذى سيف لكان عجائب . فقالوا يامولانا من يتكلم فى أمر الملك. نحن ما تتكلم. دعنا من الكلام فى الملك . فقلت : أيها النائم! أخليكم من الملك؟ ! وهذه الفتنة التى قد ملأثم بها الدنيا هل أثارها إلا ذلك؟! ونحن قد سمعنا هذا بدمشق. لكن ما اعتقدنا أن عاقلا يصدق بذلك . وهؤلاء القوم بعد أن خرج من أنفسهم تهمة الملك إذا ذكر لهم بعض ما يقوله المنازعون لى يستعظمونه جدا ، ويرون مقابلة قائلها بأعظم العقوبة فإن الله سبحانه يقول: (هُوَالَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اٌلِدِينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا). فيعلم أنى لو أطلب هذا ذهبت الطيور بى ، ويبدر الدين كل مذهب، وقيل إن بيننا فى الباطن اتفاقات. فأنا أعمل معه ما أرجو جزاءه من الله ، وهو يعمل بموجب دينه . وأيضاً ((فبدر الدين)) لا يحتمل من كلام الناس وأذاهم - ما يفعله مثل هؤلاء - رجل له منصب، وله أعداء وأنا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فقد فعلوا غاية ما قدروا عليه ، وما بقى إلا نصر الله الذى وعد به رسوله والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ٢٣٧ وأيضاً فيعلم أن هذا إما أن يتعلق بالحاكم أولا فإن تعلق به لم يكن للخصم المدعى عليه أن يختار حكم حاكم معين ؛ بل يجب إلى من يحكم بالعلم والعدل ؛ وإن لم يتعلق بالحاكم فذاك أبعد. وأيضا فأنا لم يدع على دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق: مثل قتل ، أو قذف ، أو مال ، ونحوه ؛ بل فى مسائل العلم الكلية : مثل التفسير ، والحديث ، والفقه ، وغير ذلك. وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة وفيه ما تنازعت فيه. والأمة إذا تنازعت - فى معنى آية، أو حديث، أو حكم خبرى ، أو طلبى - لم يكن صحة أحد القولين ، وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم ؛ فإنه إنما ينفذ حكمه فى الأمور المعينة دون العامة . ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: (يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ) هو الحيض والأطهار ويكون هذا حكماً يلزم جميع الناس قوله ، أو يحكم بأن اللمس فى قوله تعالى: (أَوْلَمَسُْ النِّسَآءَ ) هو الوط؛ والمباشرة فيما دونه ، أو بأن الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج ، أو الأب ، والسيد. وهذا لا يقوله أحد . وكذلك الناس إذا تنازعوا فى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) فقال: هو استواؤه بنفسه وذاته فوق العرش ، ومعنى الاستواء معلوم ، ولكن كيفيته مجهولة. وقال قوم : ليس فوق العرش رب ، ولا هناك شىء أصلا . ولكن ٢٣٨ معنى الآية: أنه قدر على العرش، ونحو ذلك. لم يكن حكم الحاكم لصحة أحد القولين وفساد الآخر مما فيه فائدة . ولو كان كذلك لكان من ينصر القول الآخر يحكم بصحته إذ يقول : وكذلك باب العبادات : مثل كون مس الذكر ينقض أولا ، وكون العصر يستحب تعجيلها أو تأخيرها ، والفجر يقنت فيه دائما أولا أو يقنت عند النوازل ونحو ذلك . والذى على السلطان فى مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين . إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب ، والسنة ، واتفق عليه سلف الأمة . لقوله تعالى: (فَإِ نَزَعْثُمْ فِ شَىءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). وإذا تنازعوا فَهِمَ كلامهم: إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعا الناس إليه ، وأن يقر الناس على ما هم عليه . كما يقرم على مذاهبهم العملية . فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة - كبدعة الخوارج ، والروافض والقدرية ، والجهمية . فهذه على السلطان إنكارها . لأن عليها عام. كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش ، والخمر ، وترك الصلاة ، ونحو ذلك . ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء فى بعض الأمكنة، والأزمنة، حتى ٢٣٩ يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله، وتبينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة. وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة : قال تعالى: ( وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) . ولهذا قال الفقهاء فى البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها ، وإن ذكروا مظلمة أزالها ، كما أرسل علىّ ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج ، فناظرهم حتى ظهر لهم الحق ، وأقروا به ؛ ثم بعد موته نقض غيلان القدرى التوبة فصلب . وأما إلزام السلطان فى مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة : فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ، ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول فى مثل ذلك ؛ إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها ، فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها [سواء] وهذا بمنزلة الكتب التى يصنفها فى العلم. نعم الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها ؛ وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه . نعم للحاكم إثبات ما قاله زيد أوعمرو ، ثم بعد ذلك إن كان ذلك القول مختصاً به كان مما يحكم فيه الحكام؛ ٢٤٠