النص المفهرس
صفحات 161-180
ما قصد بجمعهم فى هذا الميعاد ، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك ، عام خمس وسبعمائة . فقال لى: هذا المجلس عقدلك ، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك ، وعما كتبت به إلى الديار المصرية ، من الكتب التى تدعو بها الناس إلى الاعتقاد . وأظنه قال : وأن أجمع القضاة ، والفقهاء ، وتتباحثون فى ذلك . فقلت: أما الاعتقاد: فلا يؤخذعنى ، ولا عمن هو أكبر منى ؛ بل يؤخذ عن الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف الأمة ؛ فما كان فى القرآن وجب اعتقاده ، وكذلك ما ثبت فى الأحاديث الصحيحة ، مثل صحيح البخارى ، ومسلم . وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتاباً ابتداء أدعوه به إلى شىء من ذلك، ولكنى كتبت أجوبة أجبت بها من يسألنى : من أهل الديار المصرية وغيرهم ، وكان قد بلغنى أنه زور على كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير ، أستاذ دار السلطان ، يتضمن ذكر عقيدة محرفة ، ولم أعلم بحقيقته ؛ لكن علمت أنه مكذوب . وكان يرد على من مصر وغيرها من يسألنى عن مسائل فى الاعتقاد وغيره فأجيبه بالكتاب والسنة ، وما كان عليه سلف الأمة . ١٦١ فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين : أن يكتب ؛ فكتب له جمل الاعتقاد فى أبواب الصفات والقدر ، ومسائل الإيمان والوعيد، والامامة والتفضيل . وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة : الإيمان بما وصف الله به نفسه ، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تکییف ولا تمثیل ، وأن القرآن كلام الله غیر مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود. والإيمان بأن الله خالق كل شىء من أفعال العباد وغيرها ، وأنه ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة، وأحبها ورضيها؛ ونهى عن المعصية وكرهها . والعبد فاعل حقيقة ، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل ، يزيد وينقص ، وأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بالذنوب ولا نخلد فى النار من أهل الإيمان أحداً، وأن الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم على ، وأن مرتبتهم فى الفضل كترتيبهم فى الخلافة ، ومن قدم علياً على عثمان : فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وذكرت هذا أو نحوه ؛ فإنى الآن قد بعد عهدى، ولم أحفظ لفظ ما أمليته ؛ لكنه كتب إذ ذاك . ثم قلت للأمير والحاضرين : أنا أعلم أن أقواماً يكذبون علىّ؛ كما قد كذبوا علىَّ غير مرة. وإن أمليت الاعتقاد من حفظى: ربما يقولون كتم بعضه ؛ ١٦٢ أو داهن ودارى ؛ فأنا أحضر عقيدة مكتوبة ؛ من نحو سبع سنين قبل مجىء التقر إلى الشام . وقلت قبل حضورها كلاما قد بعد عهدى به ، وغضبت غضباً شديداً؛ لكنى أذكر أنى قلت : أنا أعلم أن أقواماً كذبوا على وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت بكلام احتجت إليه ؛ مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيرى؟ ومن الذى أوضح دلائله وبينه؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال ؟ حين تخلى عنه كل أحد ؛ ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهراً لحجته مجاهداً عنه مرغباً فيه؟ . فإذا كان هؤلاء يطمعون فى الكلام فىَّ فكيف يصنعون بغيرى ؟! ولو أن يهودياً طلب من السلطان الإنصاف: لوجب عليه أن ينصفه؛ وأنا قد أعفو عن حقى وقد لا أعفو ؛ بل قد أطلب الإنصاف منه ، وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ليوافقوا(١) على افترائهم، وقلت كلاماً أطول منن هذا الجنس؛ لكن بعد عهدى به . فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محى الدين : بأن یکتب ذلك. وقلت أيضاً : كل من خالفنى فى شىء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه ، وما أدرى هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده ؛ لكننى قلت أيضاً بعد حضورها وقرائتها : ما ذكرت فيها فصلا : إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة ، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف ، ثم (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب (ليوقفوا) . ١٦٣ أرسلت من أحضرها ، ومعها كراريس بخطى من المنزل ، حضرت (( العقيدة الواسطية)). وقلت لهم : هذه كان سبب كتابتها أنه قدم على من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - شيخ يقال له ((رضى الدين الواسطى، من أصحاب الشافعى- قدم علينا حاجاً ، وكان من أهل الخير والدين ، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد ، وفى دولة التتر من غلبة الجهل ، والظلم ، ودروس الدين والعلم ، وسألنى أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته ، فاستعفيت من ذلك، وقلت : قد كتب الناس عقائد متعددة ؛ خذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح فى السؤال وقال : ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت ، فكتبت له هذه العقيدة ، وأنا قاعد بعد العصر ، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة ؛ فى مصر؛ والعراق، وغيرهما . فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة ، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين ، فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا ، والجماعة الحاضرون يسمعونها ، ويورد المورد منهم ما شاء ، ويعارض فيما شاء . والأمير أيضاً: يسأل عن مواضع فيها ، وقد علم الناس ما كان فى نفوس طائفة من الحاضرين ، من الخلاف والهوى ، ما قد علم الناس بعضه ، وبعضه بسبب الاعتقاد ، وبعضه بغير ذلك . ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام ، والمناظرات : فى هذه المجالس ، فإنه ١٦٤ كثير لا ينضبط ؛ لكن أكتب ملخص ما حضرنى من ذلك ، مع بعد العهد بذلك ، ومع أنه كان يجرى رفع أصوات ولغط لا ينضبط . فكان مما اعترض علىَّ بعضهم - لما ذكر فى أولها، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل ، فقال : - ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا ينفى التأويل ، الذى أثبته أهل التأويل ، الذى هو صرف اللفظ عن ظاهره ؛ إما وجوبا ، وإما جوازا . فقلت : تحریف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى فى كتابه ، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى ، مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) أى جَرَّحَهُ بأظافير الحكمة تجريحا، ومثل تأويلات القرامطة ، والباطنية وغيرهم : من الجهمية ، والرافضة ، والقدرية، وغيرهم. فسکت وفی نفسه ما فيها . وذكرت فى غير هذا المجلس : أنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف ؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه ، وأنا تحريت فى هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة ، فنفيت ماذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفى ولا إثبات ؛ لأنه لفظ له عدة معان ، كما بينته فى موضعه من القواعد . ١٦٥ فإن معنى لفظ ((التأويل)) فى كتاب الله: غير معنى لفظ التأويل فى اصطلاح المتأخرين ؛ من أهل الأصول والفقه، وغير معنى لفظ التأويل، فى اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف ؛ لأن من المعانى التى قد تسمى تأويلا ما هو صحيح ، منقول عن بعض السلف ؛ فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته ، فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف: فليس من التحريف . وقلت له أيضاً : ذكرت فى النفى التمثيل، ولم أذكر التشبيه ؛ لأن التمثيل نفاه اللّه بنص كتابه حيث قال: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ) وقال: (هَلْ تَعْلَمُلَهُ سَمِيًّا). وكان أحب إلى من لفظ ليس فى كتاب الله ، ولا فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنكان قد یعنی بنفیه معنی صحیح ، كما قد يعنى به معنی فاسد . ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون فى أسماء اللّه وآياته: جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك ؛ لاستشعاره ما فى ذلك من الرد الظاهر عليه ؛ ولكن لم يتوجه له ما يقوله ؛ وأراد أن يدور بالأسئلة التى أعلها : فلم يتمكن لعلمه بالجواب. ولماذكرت آية الكرسى : أظنه سأل الأمير عن قولنا : لا يقربه شيطان حتى يصبح . فذكرت حديث أبى هريرة فى الذى كان يسرق صدقة الفطر ، وذكرت أن البخارى رواه فى صحيحه ، وأخذوا يذكرون نفى التشبيه والتجسيم، ویطنبون فى هذا ، ويعرضون لما ینسبه بعض الناس إلينا من ذلك . ١٦٦ فقلت : قولى من غير تكييف ولا تمثيل : ينفى كل باطل وإنما اخترت هذين الإسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ؛ ومالك، وابن عيينة وغيرهم - المقالة التى تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة )). فاتفق هؤلاء السلف : على أن التكييف غير معلوم لنا ، فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة. وهو أيضاً منفى بالنص ، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته. وهذا من التأويل الذى لا يعلمه إلا الله ، كما قد قررت ذلك فى قاعدة مفردة ، ذكرتها فى التأويل والمعنى ، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله. وكذلك التمثيل : منفى بالنص ، والإجماع القديم ، مع دلالة العقل على نفيه ، ونفى التكييف ؛ إذ كنه البارى غير معلوم للبشر ؛ وذكرت فى ضمن ذلك كلام الخطابى الذى نقل أنه مذهب السلف ، وهو إجراء آيات الصفات ، وأحاديث الصفات على ظاهرها ، مع نفى الكيفية والتشبيه عنها ؛ إذ الكلام فى الصفات فرع على الكلام فى الذات ؛ يحتذى فيه حذوه ، ويتبع فيه مثاله ، فإذا كان إثبات الذات : إثبات وجود لا إثبات تكييف ، فكذلك إثبات الصفات : إثبات وجود لا إثبات تكييف . ١٦٧ فقال أحد كبار المخالفين : فينئذ يجوز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام، فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين : إنما قيل إنه يوصف الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليس فى الكتاب والسنة أن اللّه جسم، حتى يلزم هذا السؤال . وأخذ بعض القضاة الحاضرين ، والمعروفين بالديانة : يريد إظهار أن ينفى عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا ، جعل يزيد فى المبالغة فى نفى التشبيه ، والتجسيم، فقلت : ذكرت فيها فى غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، وقلت فى صدرها: ومن الإيمان باللّه الإيمان بما وصف به نفسه فی کتابه ، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ؛ ومن غير تكييف ولا تمثيل . ثم قلت: وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح ، التى تلقاها أهل المعرفة بالقبول ، وجب الإيمان بها كذلك ، إلى أن قلت : إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح ، التى يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما يخبر به ، فإن الفرقة الناجية ، أهل السنة والجماعة : يؤمنون بذلك ، كما يؤمنون بما أخبر الله فى كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل هم وسط فى فرق الأمة ، كما أن الأمة هى الوسط فى الأمم . ١٦٨ فهم وسط فى باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة . ولما رأى هذا الحاكم العدل : ممالاتهم ، وتعصبهم ، ورأى قلة العارف الناصر ، وخافهم قال : أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد ، فتقول هذا اعتقاد أحمد ، يعنى والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه ، فإن هذا مذهب متبوع ، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم. فقلت : ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا ، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذى جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجىء به الرسول لم نقبله ، وهذه عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم !! وقلت مرات : قد أمهلت كل من خالفنى فى شىء منها ثلاث سنين ، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة - التى أثنى عليها النبى صلى الله عليه وسلم، حيث قال: ((خير القرون القرن الذى بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» - يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك، وعلىَّ أن آتى بنقول جميع الطوائف - عن القرون الثلاثة ، توافق ما ذكرته - من الحنفية؛ والمالكية؛ والشافعية؛ والحنبلية ؛ والأشعرية ؛ وأهل الحديث؛ والصوفية؛ وغيرهم. ١٦٩ وقلت أيضا: فى غير هذا المجلس: الإمام أحمد - رحمه الله - لما انتهى إليه من السنة ، ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكثر مما انتهى إلى غيره ، وابتلى بالمحنة ، والرد على أهل البدع ، أكثر من غيره : كان كلامه وعلبه فى هذا الباب أكثر من غيره ، فصار إماماً فى السنة أظهر من غيره ، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء - قال: المذهب لمالك والشافعى ، والظهور لأحمد بن حنبل . يعنى أن الذى كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام ، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان ، وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض . ولما جاء فيها: وما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربه فى الأحاديث الصحاح: التى تلقاها أهل العلم بالقبول. ولما جاء حديث أبى سعيد - المتفق عليه فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم، يقول الله يوم القيامة: ((يا آدم فيقول : لبيك وسعديك . فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً إلى النار )) الحديث - سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح ؟ فقلت : نعم. هو فى الصحيحين ، ولم يخالف فى ذلك أحد ، واحتاج المنازع إلى الإقرار به ، ووافق الجماعة على ذلك . وطلب الأمير الكلام فى مسألة الحرف والصوت ؛ لأن ذلك طلب منه . فقلت : هذا الذى يحكيه كثير من الناس ، عن الإمام أحمد وأصحابه ، أن صوت القارئين ، ومداد المصاحف قديم أزلى - كما نقله مجد الدين بن الخطيب ١٧٠ وغيره - كذب مفترى ، لم يقل ذلك أحمد ، ولا أحد من علماء المسلمين ؛ لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم . وأخرجت كراساً قد أحضرته مع العقيدة ، فيه ألفاظ أحمد ، مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلال ، فى كتاب السنة عن الإمام أحمد ، وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى من كلام الإمام أحمد ، وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه : أن من قال لفظى بالقرآن مخلوق : فهو جهمى. ومن قال غير مخلوق : فهو مبتدع. قلت : وهذا هو الذى نقله الأشعرى ، فى كتاب المقالات ، عن أهل السنة ، وأصحاب الحديث . وقال: إنه يقول به . قلت : فكيف بمن يقول : لفظى قديم ؟ فكيف بمن يقول : صوتى غير مخلوق ؟ فكيف بمن يقول : صوتى قديم؟ ونصوص الإمام أحمد فى الفرق بين تكلم اللّه بصوت ، وبين صوت العبد - كما نقله البخارى صاحب الصحيح فى كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمّة السنة . وأحضرت جواب مسألة كنت سئلت عنها قديماً ؛ فيمن حلف بالطلاق ، فى مسألة ((الحرف والصوت)) ومسألة ((الظاهر فى العرش)، فذكرت من الجواب القديم فى هذه المسألة ، وتفصيل القول فيها ، وأن إطلاق القول أن ١٧١ القرآن هو الحرف والصوت،أو لیس بحرف ولا صوت : كلاهما بدعة، حدثت بعد المائة الثالثة . وقلت : هذا جوابى. وكانت هذه المسألة : قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ، ممن كان بعضهم حاضراً فى المجلس ، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم ، وكانوا قد ظنوا أنى إن أجبت بما فى ظنهم أن أهل السنة تقوله : حصل مقصودهم من الشناعة ، وإن أجبت بما يقولونه هم : حصل مقصودهم من الموافقة ؛ فلما أجيبوا بالفرقان الذى عليه أهل السنة ، وليس هو ما يقولونه هم ، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة؛ إذقد يقوله بعض الجهال بهتوا لذلك؛ وفيه : أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه ، ليس القرآن اسماً لمجرد الحروف، ولا لمجرد المعانى. وقلت فى ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل - لبيان كثرة تناقضه، وأنه لا يستقر على مقالة واحدة ، وإنما يسعى فى الفتن والتفريق بين المسلمين - عندى عقيدة للشيخ أبى البيان. فيها أن من قال : إن حرفاً من القرآن مخلوق فقد كفر . وقد كتبت عليها بخطك ، أن هذا مذهب الشافعى، وأئمة أصحابه ، وأنك تدين الله بها فاعترف بذلك ، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى ذلك. فقال ابن الوكيل : هذا نص الشافعى . وراجعه فى ذلك مراراً ، فلما اجتمعنا فى المجلس الثانى: ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس نقل فی کتاب ١٧٢ الانتصارعن الشافعى مثل ما نقلت ، فلما كان فى المجلس الثالث: أعاد ابن الوكيل الكلام فى ذلك . فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل : قد قلت فى ذلك المجلس للشيخ تقى الدين : أنه من قال إن حرفاً من القرآن مخلوق فهو كافر ؛ فأعاده مراراً فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضباً شديداً ، ورفع صوته . وقال : هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية، الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة مثل إمام الحرمين وغيره ، وما نصبر على تكفير أصحابنا. فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك . وقال : ما قلت ذلك ؛ وإنما قلت أن من أنكر حرفاً من القرآن فقد كفر . فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا : ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا : ما ينبغى لك أن تقول قولا وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا . فلما حرفوا : قال ما سمعناه قال هذا؛ حتى قال نائب السلطان : واحد يكذب ، وآخر يشهد ، والشيخ كمال الدين مغضب ! فالتفت إلى قاض القضاة ، نجم الدين الشافعى يستصرخه للإنتصار على ابن الوكيل ، حيث كفر أصحابه . فقال القاضى نجم الدين : ما سمعت هذا . فغضب الشيخ كمال الدين ، وقال كلاماً. لم أضبط لفظه ، إلا أن معناه: أن هذا غضاضة على الشافعى ، وعار عليهم أن أَّهم يكفرون، ولا ينتصر لهم. ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال فى حق القاضى نجم الدين، واستثبت غيرى ممن حضر هل سمع منه فى حقه شيئاً ؟ فقالوا : لا . لكن القاضى اعتقد ١٧٣ أن التعبير لأجله، ولكونه قاضى المذهب ، ولم ينتصر لأصحابه ، وأن الشيخ كمال الدين قصده بذلك . فغضب قاضى القضاة نجم الدين . وقال : اشهدوا على أنى عزلت نفسى، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم، والإستحقاق، وعفته عن التكلم فى أعراض الجماعة ، ويستشهد بنائب السلطان فى ذلك . وقلت له كلاماً مضمونه تعظيمه ، واستحقاقه ؛ لدوام المباشرة فى هذه الحال . ولما جاءت مسألة القرآن : ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله. غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود : نازع بعضهم فى كونه منه بدأ وإليه يعود، وطلبوا تفسير ذلك. فقلت: أما هذا القول : فهو المأثور ، الثابت عن السلف ، مثل ما نقله عمرو بن دينار، قال : أدركت الناس منذ سبعين سنة ، يقولون: اللّه الخالق ، وما سواه مخلوق؛ إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود . وقد جمع غير واحدما فى ذلك من الآثار عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة والتابعين ، كالحافظ أبى الفضل بن ناصر ، والحافظ أبى عبد الله المقدسى، وأما معناه : فإن قولهم: منه بدأ . أى هو المتكلم به ، وهو الذى أنزله من لدنه ، ليس هو كما تقول الجهمية : أنه خلق فى الهوى أو غيره ، أو بدأ من عند غيره . وأما إليه يعود : فإنه يسرى به فى آخر الزمان ، من المصاحف والصدور ، فلا ١٧٤ يبقى فى الصدور منه كلمة ، ولا فى المصاحف منه حرف ، ووافق على ذلك غالب الحاضرين ، وسكت المنازعون . وخاطبت بعضهم فى غير هذا المجلس ، بأن أريته العقيدة التى جمعها الإمام القادرى ، التى فيها أن القرآن كلام اللّه ، خرج منه ، فتوقف فى هذا اللفظ. فقلت : هكذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه)) يعنى القرآن ، وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه! تقرب إلى الله بما استطعت ، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه ما خرج منه . وقال أبو بكر الصديق - لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب - إن هذا الكلام لم يخرج من إل - يعنى رب -. وجاء فيها: ومن الإيمان به : الإيمان بأن القرآن كلام الله ، منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وأن اللّه تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن - الذى أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم - هو كلام اللّه حقيقة، لا كلام غيره ، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام اللّه ، أو عبارة ؛ بل إذا قرأه الناس ، أو كتبوه فى المصاحف: لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً ، فتمعض بعضهم من إثبات كونه كلام اللّه حقيقة، بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة . ١٧٥ ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه ، وهذا لا يصح نفيه ، ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم ، وشعر الشعراء المضاف إليهم : هو كلامهم حقيقة ، فلا يكون نسبة القرآن إلى اللّه بأقل من ذلك. فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر فى مسألة القرآن ، وأن اللّه تكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره . ولما ذكر فيها : أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً ، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً : استحسنوا هذا الكلام وعظموه ، وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام ، كابن الوكيل وغيره ، وأظهر الفرح بهذا التلخيص ، وقال : إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة ، وشفيت الصدور ، ويذكر أشياء من هذا النمط . ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر ، وتفصيله ونظمه: استحسنوا ذلك وعظموه . وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر وأنه على درجتين ، إلى غير ذلك مما فيها من القواعد الجليلة . وكذا لما جاء ذكر الكلام فى الفاسق الملى ، وفى الإيمان ؛ لكن اعترض على ذلك بما سأذكره. ١٧٦ وكان مجموع ما اعترض به المنازعون ، المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها ، والبحث فيها ، أربعة أسئلة :- الأول: قولنا ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قول وعمل، يزيد وينقص ، قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح. قالوا : فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية ، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك : مثل أصحابنا المتكلمين ، الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق ، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار ، وإذا لم يكونوا من الناجين : لزم أن يكونوا مالكين . وأما الأسئلة الثلاثة : وهى التى كانت عمدتهم فأوردوها على قولنا ، وقد دخل فيما ذكر ناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله فى كتابه ، وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة؛ من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه ، علىّ على خلقه ، وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك فى قوله تعالى: (هُوَالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِىِسِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ◌َسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) . وليس معنى قوله: ( وَهُوَ مَعَكُمْ ): أنه مختلط بالخلق ، فإن هذا لا توجبه اللغة ، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة ، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق ، ١٧٧ بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته ، وهو موضوع فى السماء ، وهو مع المسافر أينما كان ، وغير المسافر ؛ وهو سبحانه فوق العرش ، رقيب على خلقه ، مهيمن عليهم ، مطلع إليهم ، إلى غير ذلك من معانى ربوبيته . وكل هذا الكلام الذى ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش ، وأنه معنا حق على حقيقته ، لا يحتاج إلى تحريف ؛ ولكن يصان على الظنون الكاذبة . السؤال الثانى: قال بعضهم : نقر باللفظ الوارد ، مثل حديث العباس ، حديث الأوعال ، واللّه فوق العرش ؛ ولا نقول فوق السموات ، ولا نقول على العرش. وقالوا أيضاً: نقول: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى) ولا نقول اللّه على العرش استوى، ولا نقول مستوٍ، وأعادوا هذا المعنى مرارا ؛ أى أن اللفظ الذى ورد ، يقال اللفظ بعينه ، ولا يبدل بلفظ يرادفه ، ولا يفهم له معنى أصلا . ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلا؛ ونبسط الكلام فى هذا فى المجلس الثانى كما سنذكره إن شاء الله تعالى. السؤال الثالث: قالوا : التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله فى السماء، بكون القمر فى السماء . السؤال الرابع: قالوا : قولك حق على حقيقته، الحقيقة هى المعنى اللغوى ، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها؛ ولم تضع العرب ذلك إلا لها ؛ فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم ، ونفى التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة . ١٧٨ فأجبتهم عن الأسئلة ، بأن قولى اعتقاد الفرقة الناجية هى الفرقة التى وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالنجاة، حيث قال: ((تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة ، وهى من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى)) . فهذا الاعتقاد : هو المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه رضى الله عنهم ، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال : الإيمان يزيد وينقص ، وكل ما ذكرته فى ذلك فإنه ماثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر فى ذلك . ثم قلت لهم : وليس كل من خالف فى شىء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا ، فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه ، وقد لا يكون بلغه فى ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة ، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته ؛ وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول، والقانت ، وذو الحسنات المساحية ، والمغفور له وغير ذلك : فهذا أولى ؛ بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا فى هذا الاعتقاد ، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً ، وقد لا يكون ناجياً ، كما يقال من صمت نجا. وأما السؤال الثانى : فأجبتهم أولا بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم، مثل لفظ فوق السموات ، ولفظ على العرش وفوق ١٧٩ العرش، وقلت : اكتبوا الجواب ، فأخذ الكاتب فى كتابته ؛ ثم قال بعض الجماعة : قد طال المجلس اليوم ، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر ، وتكتبون أتم الجواب، وتحضرونه فى ذلك المجلس. فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب ؛ لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم وكان الخصوم لهم غرض فى تأخير كتابة الجواب ؛ ليستعدوا لأنفسهم ، ويطالعوا ، ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم ؛ ليتمكنوا من الطعن والاعتراض ؛ فصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة ، وقمنا على ذلك. وقد أظهر الله من قيام الحجة، وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة ، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفى نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث فى المجلس الثانى ، وأخذوا فى تلك الأيام يتأملونها ، ويتأملون ما أجبت به فى مسائل تتعلق بالاعتقاد ، مثل المسألة الحموية فى الاستواء ، والصفات الخبرية وغيرها . ١٨٠