النص المفهرس

صفحات 101-120

فقد تبين أن ما يسمونه توحيداً : فيه ماهو حق ، وفيه ما هو باطل،
ولو كان جميعه حقاً؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك،
الذى وصفهم به فى القرآن ، وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ بل
لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله.
وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة
المتكلمين ، حيث ظن أن الإلهية هى القدرة على الاختراع دون غيره ، وأن
من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلاهو.
فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه ، بل الإله
الحق هو الذى يستحق بأن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه؛ لا إله بمعنى آله؛
والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله
إلهاً آخر.
وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار؛ أهل الإثبات للقدر، المنتسبون
إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية ، وأن الله رب كل شىء ، ومع هذا فالمشركون
كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون.
وكذلك طوائف من أهل التصوف ، والمنتسبين إلى المعرفة ، والتحقيق
والتوحيد : غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد ، وأن يشهد أن
الله رب كل شىء، ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن
١٠١

وجوده، وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته، ودخل فى فناء توحيد
الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، فهذا عندهم هو الغاية التى
لا غاية وراءها .
ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ، ولا
يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً ، فضلا عن أن يكون ولياً لله، أو من
سادات الأولياء .
وطائفة من أهل التصوف والمعرفة : يقررون هذا التوحيد مع إثبات
الصفات، فيفنون فى توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم ، المباين لمخلوقاته ،
وآخرون يضمون هذا إلى نفى الصفات ، فيدخلون فى التعطيل مع هذا ، وهذا
شر من حال كثير من المشركين .
وكان جهم ينفى الصفات ويقول بالجبر ، فهذا تحقيق قول جهم ، لكنه
إذا أثبت الأمر والنهى ، والثواب والعقاب: فارق المشركين من هذا الوجه
لكن جهما ومن اتبعه يقول بالإرجاء ؛ فيضعف الأمر والنهى ، والثواب
والعقاب عنده .
والتجارية والضرارية وغيرهم: يقربون من جهم فى مسائل القدر والإيمان
مع مقاربتهم له أيضاً فى نفى الصفات.
١٠٢

والكلابية والأشعرية : خير من هؤلاء فى باب الصفات ، فإنهم يثبتون
اللّه الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية فى الجملة ، كما فصلت
أقوالهم فى غير هذا الموضع.
وأما فى باب القدر ، ومسائل الأسماء والأحكام ، فأقوالهم متقاربة .
والكلابية هم أتباع أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ، الذى سلك
الأشعرى خطته (١) .
وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبى ، وأبى العباس القلانسى ونحوهما.
خير من الأشعرية فى هذا وهذا ، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب
کان قوله أعلى وأفضل .
والكرامية قولهم فى الإيمان قول منكر ، لم يسبقهم إليه أحد ، حيث
جعلوا الإيمان قول اللسان ، وإن كان مع عدم تصديق القلب ، فيجعلون
المنافق مؤمناً ؛ لكنه يخلد فى النار خالفوا الجماعة فى الاسم دون الحكم ، وأما
فى الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التى فى أقوالها
مخالفة للسنة .
وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات , ويقاربون قول جهم ، لكنهم
(١) نسخة خلفه.
١٠٣

ينفون القدر؛ فهم وإن عظموا الأمر والنهى ، والوعد والوعيد ، وغلوا فيه؛
فهم يكذبون بالقدر ، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب ، والإقرار
بالأمر والنهى والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع
إنكار الأمر والنهى والوعد والوعيد .
ولهذا لم يكن فى زمن الصحابة والتابعين من ينفى الأمر والنهى ، والوعد
والوعيد وكان قد نبغ فيهم القدرية ، كما نبغ فيهم الخوارج: الحرورية،
وإنما يظهر من البدع أو لا ما كان أخفى ، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة
قويت البدعة .
فهؤلاء المتصوفون ، الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم
عن الأمر والنهى : شر من القدرية المعتزلة ونحوهم : أولئك يشبهون المجوس
وهؤلاء يشبهون المشركين، الذين قالوا: (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ) والمشركون شر من المجوس.
فهذا أصل عظيم ، على المسلم أن يعرفه ؛ فإنه أصل الإسلام الذى يتميز
به أهل الإيمان من أهل الكفر ، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة : شهادة
أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله .
وقد وقع كثير من الناس فى الإخلال بحقيقة هذين الأصلين ، أو أحدهما
مع ظنه أنه فى غاية التحقيق والتوحيد ، والعلم والمعرفة .
١٠٤

فإقرار المشرك بأن الله رب كل شىء، ومليكه وخالقه: لا ينجيه من عذاب
الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو؛
وأن محمداً رسول اللّه ، فيجب تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، فلا بد
من الكلام فى هذين الأصلين :-
الأصل الأول ((توحيد الإلهية)) فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم
بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله ، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن
الله، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَاتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِّ
سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء
مشركون .
وقال تعالى عن مؤمن يس (وَمَالِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *، أَتَّخِذُ
مِن دُونِهِ:ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ *
إِّ إِذَّالَّفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنَّءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) وقال تعالى: ( وَلَقَدْجِئْتُمُونَا
فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكٌّ وَمَانَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْفِيَكُمْ شُرَّكَوْ لَقَدَ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ قَّاكُمْ تَرْعُمُونَ)
فأخبر سبحانه عن شفعاتهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء وقال تعالى: (أَمِ أَّخَذُواْ
مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَّلَوْ كَانُواْلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ
جَمِيعًا لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقال تعالى: (مَالَكُمْ مِّن
١٠٥

دُونِهِ، مِن وَلٍِ وَلَا شَفِيعِ) وقال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ
إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيَعُ) وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ
عِنْدَهَُإلَّا بِإِذْنِهِ ) وقال تعالى: (وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أْسُبْحَنَةً بَلْ عِبَادٌ
مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِوَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ
أَيْدٍ ◌ِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلََّ لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ) وقال تعالى:
(وَكَمْ مِّن ◌َّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَُّهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَبَرْضَى)
وقال تعالى: (قُلِ آَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُ مِن دُونِ اللهِلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّوْ فِى
السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرْءٍ وَمَالَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَ تَفَعُ الشَّفَاعَةُ
عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ
كَثْفَ الضُّرِ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ
أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) .
قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل
الله هذه الآية يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى اللّه ويرجون رحمته
ويخافون عذابه .
ومن تحقيق التوحيد : أن يعلم أن اللّه تعالى أثبت له حقاً لا يشركه فيه
مخلوق؛ كالعبادة والتوكل، والخوف والخشية، والتقوى، كما قال تعالى:
﴿ لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومَا تَّخْذُولًا) وقال تعالى: (إِنَّا أَنْنَا إِلَيْكَ
١٠٦

الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ) وقال تعالى: (قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ مُخْلِصَّالَّهُ الَّذِينَ ) وقال تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَّنِي أَعْبُدُ أَيُّهَ اَلْجَهِلُونَ)
إلى قوله: ( الشَّكِرِينَ ) وكل من الرسل يقول لقومه: (أَعْبُدُ وا اللَّهَ مَالَكُمْ
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ,).
وقد قال تعالى فى التوكل: ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْإِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَ كَلِ الْمُؤْمِنُونَ) وقال: (قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ الْمُتَوَّكْلُونَ)
وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوأحَسْبُنَا اُللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا
اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ).
فقال فى الإتيان: (مَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) وقال فى التوكل: (وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللَّهُ) ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الاعطاء الشرعى ، وذلك
يتضمن الإباحة والإحلال ، الذى بلغه الرسول ، فان الحلال ما أحله ،
والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ، قال تعالى: ( وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ ).
وأما الحسب فهو الكافى، والله وحده كاف عبده، كما قال تعالى: ( الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللّهُ
وَمَنْ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أى حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله،
فهو كافيكم كلكم.
١٠٧

وليس المراد أن اللّه والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين، إذهو
وحده كاف نيه، وهو حسبه ، ليس معه من يكون هو وإياه حسباً للرسول ،
وهذا فى اللغة كقول الشاعر :
* خسبك والضحاك سيف مهند *
وتقول العرب : حسبك وزيداً درهم، أى يكفيك وزيداً جميعاً درهم.
وقال فى الخوف والخشية والتقوى: (وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ
وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَآْبِزُونَ ) فأثبت الطاعة للّه والرسول ، وأثبت الخشبية
والتقوى لله وحده، كما قال نوح عليه السلام: (إِّ لَكُمْنَذِيْرٌ مُبِينٌ *
أَنِ اعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَثَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) جعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل
الطاعة للرسول ؛ فانه من يطع الرسول فقد أطاع الله .
وقد قال تعالى : (فَلَا تَخْشَوُاْالنَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقال تعالى: ( فَلَا
تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال الخليل عليه السلام: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ
اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِلْأَمْنِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْإِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ
لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ ).
وفى الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك
على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه ؟
١٠٨

فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما هو الشرك أو لم تسمعوا إلى قول
العبد الصالح: ((إن الشرك لظلم عظيم)). وقال تعالى: (فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ)
(وَإِلَّىَ فَأَتَّقُونِ ) .
ومن هذا الباب أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى خطبته: (( من
يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن
يضر الله شيئاً.»
وقال: ((ولا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا ما شاء الله
ثم شاء محمد )).
ففى الطاعة : قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو ، وفى المشيئة : أمر أن
يجعل ذلك بحرف ثم ، وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله ، فمن أطاع الرسول
فقد أطاع الله ، وطاعة الله طاعة الرسول ، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد
من العباد مشيئة الله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان،
وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله .
الأصل الثانى :
حق الرسول صلى الله عليه وسلم .
فعلينا أن نؤمن به و نطيعه و نتبعه، و نرضیه و نحبه ونسلم لحكمه، وأمثال
١٠٩

ذلك، قال تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ:
أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ
وَأَزْوَجْكُوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا
أَحَتَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهِ)
وقال تعالى: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا) وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) وأمثال ذلك .
١١٠

فصل
وإذا ثبت هذا : فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره : بقضائه
وشرعه .
وأهل الضلال الخائضون فى القدر انقسموا إلى ثلاث فرق : مجوسية،
ومشركية ، وإبليسية .
فالمجوسية : الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه ؛ فغلاتهم
أنكروا العلم والكتاب ، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته،
وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر
والنهى؛ قال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ) فمن احتج على تعطيل الأمر والنهى بالقدر فهو من هؤلاء ،
وهذا قد كثر فيمن يدعى الحقيقة من المتصوفة .
والفرقة الثالثة : وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين ، لكن جعلوا هذا
متناقضاً من الرب ۔۔ سبحانه وتعالى - وطعنوا فی حكمته وعدله ، کما یذ کر
ذلك عن إبليس مقدمهم ؛ كما نقله أهل المقالات ، ونقل عن أهل الكتاب.
١١١

والمقصود أن هذا مما تقوّله أهل الضلال: وأما أهل الهدى والفلاح:
فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شىء، وربه ومليكه، وما شاء
كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شىء قدير ، وأحاط بكل شىء علماً ،
وكل شىء أحصاه فى إمام مبين .
ويتضمن هذا الأصل من إثبات على الله، وقدرته ومشيئته ، ووحدانيته
وربوبيته ، وأنه خالق كل شىء ، وربه ومليكه: ما هو من أصول الإيمان .
ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التى يخلق بها المسببات؛
(خَّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابً ثِقَا لَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ غَيْتٍ فَأَنْزَلْنَا بِ الْمَآءَ
كما قال تعالى :
فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَتِ) وقال تعالى: (يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ,
سُبُلَ السَّلَمِ ) وقال تعالى: ( يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا) فأخبر
أنه يفعل بالأسباب .
ومن قال : إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن ، وأنكر
ما خلقه الله من القوى والطبائع ، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى
التى فى الحيوان، التى يفعل الحيوان بها ، مثل قدرة العبد، كما أن من جعلها هى
المبدعة لذلك فقد أشرك بالله وأضاف فعله إلى غيره .
وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر فى
حصول مسببه ، ولابد من مانع يمنع مقتضاه ، إذا لم يدفعه اللّه عنه ، فليس فى
١١٢

الوجود شىء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده، قال تعالى:
(وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْحَيْنِ لَعَلَّكُمْنَذَكَّرُونَ) أى فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد - لا ن الواحد لا يصدر
عنه إلا واحد - كان جاهلا ، فإنه ليس فى الوجود واحد صدر عنه وحده
شىء - لا واحد ولا اثنان - إلا الله الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض
ومن أنفسهم ومما لا يعلمون .
فالنار التى خلق الله فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، وبمحل يقبل
الاحتراق ؛ فإذا وقعت على السمندل والياقوت ويحوهما لم يحرقهما ، وقد يطلى
الجسم بما يمنع إحراقه .
والشمس التى يكون عنها الشعاع لا بد من جسم يقبل انعكاس الشعاع
عليه ، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف : لم يحصل الشعاع تحته ، وقد
بسط هذا فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا: أنه لابد من ((الإيمان بالقدر)) فإن الإيمان بالقدر من تمام
التوحيد، كما قال ابن عباس: هو نظام التوحيد، فمن وحد الله وآمن بالقدر
تم توحيده ، ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض توحيده .
ولابد من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالامر والنهى والوعد والوعيد،
ء
کما بعث الله بذلك رسله ، وأنزل كتبه .
١١٣

والإنسان مضطر إلى شرع فى حياته الدنيا ، فإنه لا بد له من حركة يجلب
بها منفعته ، وحركة يدفع بها مضرته ؛ والشرع هو الذى يميز بين الأفعال التى
تنفعه ، والأفعال التى تضره ، وهو عدل الله فى خلقه، ونوره بين عباده؛
فلا يمكن الآدمیین أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بین ما يفعلونه ويتركونه .
وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس فى معاملاتهم ، بل الإنسان
المنفرد لا بد له من فعل وترك ؛ فإن الإنسان حمام حارث ، كما قال النبى صلى
اللّه عليه وسلم ((أصدق الأسماء حارث وهمام)) وهو معنى قولهم متحرك
بالإرادات ، فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها ، ولا بد أن يعرف ما يريده ،
هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ .
وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل
والشرب ، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم ، وبعضهم
يعرفونه بالإستدلال الذى يهتدون به بعقولهم ، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف
الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم لهم.
وفى هذا المقام تكلم الناس فى أن الأفعال هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل،
أم ليس لها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل ؟ كما قد بسط فى غير هذا الموضع ،
وبينا ما وقع فى هذا الموضع من الاشتباه.
فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل ، وهو
١١٤

أن يكون الفعل سبباً لما يحبه الفاعل ويلتذ به ، وسبباً لما يبغضه ويؤذيه وهذا
القدر يعلم بالعقل تارة ، وبالشرع أخرى ، وبهما جميعاً أخرى ؛ لكن معرفة
ذلك على وجه التفصيل ، ومعرفة الغاية التى تكون عاقبة الأفعال: من السعادة
والشقاوة فى الدار الآخرة ، لا تعرف الا بالشرع.
فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل
الشرائح لا يعلمه الناس بعقولهم ، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء
الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم
جمل ذلك.
وهذا التفصيل الذى يحصل به الإيمان وجاء به الكتاب هو ما دل عليه
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)
وقوله تعالى :
( قُلْ إِن ضَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىّ إِلَّ رَبَِّّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)
وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَخِي).
ولكن توهمت طائفة أن الحسن والقبح معنى غير هذا ، وأنه يعلم بالعقل ،
وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح : يخرج عن
هذا ، فكلا الطائفتين اللتين أثبتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين ،
وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت .
١١٥

ثم إن كلتا الطائفتين لما كانتا تنكران أن يوصف اللّه بالمحبة والرضا،
والسخط والفرح، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية ودلت عليه
الشواهد العقلية : تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح
هل ذلك ممتنع لذاته ، وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح ، وأنه سبحانه
منزه عن ذلك ، لا يفعله لمجرد القبح العقلى الذى أثبتوه؟ على قولين .
والقولان فى الانحراف من جنس القولين المتقدمين ، أولئك لم يفرقوا
فى خلقه وأمره بين الهدى والضلال ، والطاعة والمعصية ، والأبرار والفجار،
وأهل الجنة وأهل النار ، والرحمة والعذاب ؛ فلا جعلوه محموداً على ما فعله من
العدل أو ما تركه من الظلم ، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة ، وماتركه من
التعذيب والنقمة .
والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلى الذى أثبتوه ، ولا حقيقة له ،
وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه.
فمن نظر إلى القدر فقط ، وعظم الفناء فى توحيد الربوبية ، ووقف عند
الحقيقة الكونية : لم يميز بين العلم والجهل ، والصدق والكذب ، والبر
والفجور ، والعدل والظلم ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال ، والرشاد
والغى ، وأولياء اللّه وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار.
وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ، ودينه وشرائعه ، فهم
١١٦

مخالفون أيضاً لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس ، فإن أحدهم
لا بد أن يلتذ بشىء ويتألم بشىء ، فيميز بين ما يأكل ويشرب ، وما لا يأكل
ولا يشرب ، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد ، وما ليس كذلك ، وهذا التمييز
بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية .
ومن ظن أن البشر ينتهى إلى حد يستوى عنده الأمران دائماً: فقد افترى
وخالف ضرورة الحس ؛ ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض ،
كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغل عن الإحساس ببعض الأمور،
فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع ، فإن النائم
لم يفقد إحساس نفسه ، بل يرى فى منامه ما يسوؤه تارة ، وما يسره أخرى.
فالأحوال التى يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك ، إنما
تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض ، فهى مع نقص صاحبها
- لضعف تميزه - لا تنتهى إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقاً، ومن نفى التمييز
فى هذا المقام مطلقاً ، وعظم هذا المقام فقد غلط فى الحقيقة الكونية والدينية :
قدراً وشرعاً ، وغلط فى خلق الله وفى أمره حيث ظن أن وجود هذا ؛
لاوجود له ، وحيث ظن أنه مدوح، ولا مدح فى عدم التمييز: العقل والمعرفة.
وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول : أريد أن لا أريد ، أو أن العارف
لاحظ له ، وأنه يصير كالميت بين يدى الغاسل ونحو ذلك ، فهذا إنما يمدح
١١٧

منه سقوط إرادته التى يؤمر بها وعدم حظه الذى لم يؤمر بطلبه ، وأنه كالميت
فى طلب ما لم يؤمر بطلبه ، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه .
ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية وأنه لا يحس باللذة والألم ؛
والنافع والضار ، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل .
ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل.
والفناء يراد به ثلاثة أمور:
أحدها : هو الفناء الدينى الشرعى الذى جاءت به الرسل ، وأنزلت به
الكتب ، وهو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به: فيفنى عن
عبادة غيره بعبادته ، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله ، وعن التوكل على
غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله ؛ وعن خوف غيره
بخوفه ، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله
أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَءَ ابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ
وَأَزْوَجْكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَ بَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّه ◌ِأَمْرِهِ،)
فهذا كله هو مما أمر الله به ورسوله .
وأما (الفناء الثانى) : وهو الذى يذكره بعض الصوفية ، وهو أن
يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذ كوره عن ذكره
١١٨

وبمعروفه عن معرفته ، بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى ،
فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين ، وليس هو من لوازم طريق الله.
ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ولالسابقين الأولين،
ومن جعل هذا نهاية السالكين ، فهو ضال ضلالا مبيناً ، وكذلك من جعله
من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق اللّه التى تعرض
لبعض الناس دون بعض ، ليس هو من اللوازم التى تحصل لكل سالك.
وأما الثالث : فهو الفناء عن وجود السوى ، بحيث يرى أن وجود المخلوق
هو عين وجود الخالق ، وأن الوجود واحد بالعين ، فهو قول أهل الإلحاد
والاتحاد ، الذين هم من أضل العباد .
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس : فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه
أن يطرد قوله ، فإنه إذا كان مشاهداً للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور
فعومل بموجب ذلك ، مثل أن يضرب ويجاع ، حتى يبتلى بعظيم الأوصاب
والأوجاع، فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله وخرج عن أصل
مذهبه ، وقيل له : هذا الذى فعله مقضى مقدور ، خلق الله وقدره ومشيئته :
متناول لك وله وهو يعمكما ، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا ، وإلا
فليس بحجة لا لك ولا له.
فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر ، ويعرض
١١٩

عن الأمر والنهى، والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور، ويصبر
على المقدور، كما قال تعالى: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَايَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).
وقال فى قصة يوسف: ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَيُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ) فالتقوى فعل ما أمر الله به. وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال
اللّه تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ).
فأمره مع الاستغفار بالصبر ؛ فإن العباد لا بدلهم من الاستغفار أولهم
وآخرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( يا أيها الناس!
توبوا إلى ربكم، فوالذی نفسی بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر
من سبعين مرة )) وقال: ((إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله وأتوب إليه
فى اليوم مائة مرة )» .
وكان يقول ((اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت
أعلم به منى ؛ اللهم اغفر لى خطئى وعمدى ، وهزلى وجدى ، وكل ذلك
عندى؛ اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت
أعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر)).
وقد ذكر عن آدم أبى البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه ، فاجتباه ربه
فتاب عليه وهداه؛ وعن إبليس أبى الجنـ لعنه الله - أنه أصر متعلقا بالقدر فلعنه
وأقصاه ، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ، ومن أشبه أباه فما ظلم ،
١٢٠